من وسائل الثبات على دين الله تعالى:
محمد بن عبدالله العبدلي
(7) الإكثار من ذكر الله عز وجل
اعلم أخي المبارك- رحمني الله وإياك- أن ذكر الله عز وجل هو حياة القلوب، وهو الحصن الحصين الذي يقي المؤمن من وساوس الشيطان وزيغ الفتن، فمن لازم ذكر الله عز وجل ثبَّته الله سبحانه في الدنيا والآخرة.
إن الذكر أيها الأفاضل ليس مجرد كلمات تُردد باللسان، بل هو حضور القلب مع الخالق، وهو صلة دائمة لا تنقطع.
يقول الله عز وجل آمرًا وموجهًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]، فجعل الله الإكثار من الذكر صفة للمؤمنين الصادقين، وسببًا لنجاتهم.
فيا طالب الثبات، ثبتنا الله عز وجل وإياك على الحق والهدى، اجعل ذكر الله عز وجل ديدنك:
• الذكر هو الثبات في المعركة: قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45]، فجعل الله الإكثار من الذكر سببًا مباشرًا للثبات عند لقاء العدوِّ، فكيف بالثبات أمام فتن الدنيا؟
• الذكر هو الطمأنينة: قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، فمن اطمأنَّ قلبه بذكر الله عز وجل، لم تزعزعه الفتن، ولم تُقلقه الشبهات، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "أنه- يعني الذكر- قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته.
وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا.
وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر"[1].
• الذكر هو النجاة: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عمل آدمي عملًا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله»[2].
فمن أراد النجاة من عذاب الدنيا والآخرة، فليكثر من ذكر الله.
• والذكر سبب في ترك كثير من المنكرات والفتن: قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "أنه سبب اشتغال اللسان عن: الغيبة، والنميمة، والكذب، والفحش، والباطل.
فإن العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر الله تعالى.
والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمن عوَّد لسانه ذكر الله صان لسانه عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله تعالى ترطَّب بكل باطل ولغو وفحش، ولا حول ولا قوة إلا بالله"[3].
فلا تتأخَّر أيها الأخ الفاضل عن لحظة ذكر لاحت لك فرصة، ولا تتردد في تسبيحة، أو تهليلة، أو تحميدة، أو استغفار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟"[4].
فبادرْ به قبل أن يُحال بينك وبينه، فإن الذكر ليس مجرد عبادة مستقلة، بل هو من أعظم أسباب الثبات عند اضطراب القلوب.
وقد دعانا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى المبادرة بالأعمال قبل أن تحل علينا الفتن كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا»[5].
قال القاضي عياض رحمه الله: "وفائدة المبادرة بالعمل إمكانه قبل شغل البال والحشد بالفتن، وقطعها عن العمل"[6].
وقال ابن هبيرة رحمه الله: "في هذا الحديث من الفقه الحث على مبادرة الفتن بالأعمال، فإن من الفتن ما يعرض للقلوب فتصبح مؤمنة وتمسي كافرة في تلك الفتنة، فتثبط العامل عن عمله، أو بعمله ما يعمل على ارتياب وشك؛ فلا ينفعه عمله، وهذه الفتن قد يكون فيها ما يعم الناس. وقد يكون فيها ما يخص، وأن منها الكلمة الخبيثة؛ التي يقذفها الشيطان على لسان ولي من أولياء الشيطان ليقولها، إما جادًّا أو هازلًا، ليسمعها الضعيف القلب فيفتتن بها؛ الفتنة التي لا يخلص منها إلى يوم القيامة؛ لأن القلوب كثيرة التقلب من ربقة الحق، شديدة التطلع إلى منافذ الضلال، فإذا قذف في روعها شيء من المضللات وجد عندها داء قاتلًا وشرًّا مستعدًّا، كالنار التي تقع في الخراق، فينبغي للإنسان أن يكون أشد خوفًا وحذرًا على دينه وإيمانه، متعاهدًا له بالذكر ومدارسة القرآن، وامتثال أمر القرآن، بالنظر والتدبُّر والفكر المؤدي له إلى الحق صباح مساء؛ بل في كل وقت ونفس وساعة"[7].
وقال النووي رحمه الله: "معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر"[8].
ومن الأعمال السهلة على الإنسان ذكر الله عز وجل فإنه من أعظم الصوارف عن الفتن؛ وذلك لأنه شديد على الشيطان الداعي للشرور والفتن، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: "فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة -يعني أن الذكر حرز من الشيطان- لكان حقيقًا بالعبد ألَّا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وألَّا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه.
وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدوُّ الله تعالى وتصاغَر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب؛ ولهذا سمي الوسواس الخناس؛ أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس؛ أي: كف وانقبض، قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس"[9].
وقال الحافظ ابن رجب رضي الله عنه: "فالواجبُ على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل ألَّا يقدِرَ عليها ويُحال بينه وبينها، إمَّا بمرضٍ أو موت، أو بأنْ يُدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل.
قال أبو حازم: "إن بضاعة الآخرة كاسدة ويوشك أن تنفق، فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير".
ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليها، يتمنى الرجوع إلى حالةٍ يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعُهُ الأمنية"[10].
فكل ذكر تستطيع أن تُردده اجعل لك فيه نصيبًا، لا تتردد، جاهد نفسك، فأنت أيام، وإذا ذهبت الدقيقة من وقتك يستحيل رجوعها.
وفقني الله عز وجل وإياكم للإكثار من ذكره وشكره وحسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.
[1] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 42).
[2] أخرجه أحمد في المسند، برقم (22079)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5644).
[3] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 43).
[4] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 42).
[5] أخرجه مسلم، برقم (118).
[6] إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/ 405).
[7] الإفصاح عن معاني الصحاح (8/ 163-164).
[8] شرح النووي على مسلم (2/ 133).
[9] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص:36-37)، وأثر ابن عباس رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم (34774)، وأبو داود في الزهد، برقم (337).
[10] جامع العلوم والحكم، ت ماهر الفحل (3/ 1141-1142).