من مائدةُ الحديثِ
عبدالرحمن عبدالله الشريف
الخِلالُ الَّتي تَصْطَلِحُ بها القلوبُ
عنْ أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ لَا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُم تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»[1].
الشَّرحُ:
قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ»: مِنَ الإغلالِ، وهو الخيانةُ والحقدُ، والمعنى: أنَّ هذه الخِلالَ الثَّلاثَ تَصْطَلِحُ بها القلوبُ، وتَطهُرُ مِنَ الخيانةِ والشَّرِّ؛ فإنَّ المؤمنَ لا يخونُ في هذه الثَّلاثةِ، ولا يدخلُ في نفسِه إرادةُ شرٍّ تُبعِدُه عنِ الحقِّ فيها.
وهذه الخِصالُ الَّتي تنفي الخيانةَ والشَّرَّ مِنَ القلبِ هي:
الأولى: "إخلاصُ العملِ للهِ"، أيْ: بأنْ يقصدَ المسلمُ بالعملِ وجهَ اللهِ ورِضاهُ، دونَ غرضٍ دنيويٍّ آخرَ.
الثَّانيةُ: "النَّصيحةُ لوُلاةِ المسلمينَ"، والنَّصيحةُ هي إرادةُ الخيرِ للمنصوحِ له، ونصيحةُ الوُلاةِ والأئمَّةِ: أنْ يُطِيعَهم في الحقِّ، ويدعوَ لهم، ولا يرى الخروجَ عليهم.
الثَّالثةُ: "لزومُ جماعةِ المسلمينَ"، أيْ: موافقتُهم في الاعتقادِ الصَّحيحِ، والعملِ الصَّالحِ؛ مِنْ صلاةِ الجمعةِ، والجماعةِ، وغيرِها.
ومعنى قولِه صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»: أنَّ دعوةَ المسلمينَ مُحِيطةٌ بهم، فتَحرُسُهم مِنْ كيدِ الشَّياطينِ، ومِنْ طرقِ الضَّلالةِ، وفيه تنبيهٌ على أنَّ مَنْ خرج عنْ جماعتِهم لم يَنَلْ بركتَهم، وبركةَ دعائِهم؛ لأنَّه خارجٌ عمَّا أحاطتْ به.
ما يُسْتفادُ مِنَ الحديثِ:
1- وجوبُ إخلاصِ الأعمالِ للهِ سبحانه وتعالى؛ فإنَّه أحدُ شَرْطَيْ قبولِ العملِ، والثَّاني متابعةُ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.
2- وجوبُ طاعةِ الولاةِ والأئمَّةِ في الحقِّ، وعدمُ الخروجِ عليهم.
3- وجوبُ لزومِ جماعةِ المسلمينَ؛ بموافقتِهم في الاعتقادِ الصَّحيحِ، والعملِ الصالحِ.
4- أنَّ مَنْ تمسَّك بهذه الخصالِ الثَّلاثِ؛ صلَح قلبُه، وطهُر مِنَ الخيانةِ والشَّرِّ.
[1] رواه ابنُ ماجه (230-3056)، وأحمدُ (16784).