
25-04-2026, 04:27 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (14)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (410)
وحديث ابن عمر: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
وحديث مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
وذكر مثله في البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير.
الشرح:
هذِه الأحاديث كلها في مسلم أيضًا (١) وسلف بعضها، منها حديث ابن عمر (٢).
ورواه -أعني: حديث مالك- ابن حزم من طريق ابن وهب بإسقاط عمر، ثم قال: مالك لا يعرف له سماع من رسول الله في - ﷺ - وفي إسناده مجهول وكذاب (٣)، وعنى بالمجهول: جبير بن أبي صالح، لكن وثق (٤)، ومالك هذا هو النصري بالنون والصاد المهملة، أدرك الجاهلية،
وقيل: له صحبة، ولا يصح، وإن ذكرها أبو نعيم وأبو عمر وغيرهما (٥)،
----------
(١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم برقم (١٥٢٧/ ٣٨) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
وحديث ابن عباس الثاني رواه مسلم برقم (١٥٢٥).
وحديث ابن عمر الثالث رواه مسلم برقم (١٥٢٦).
وحديث مالك بن أوس الرابع رواه مسلم برقم (١٥٨٦) كتاب: المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.
(٢) حديث ابن عمر الأول سلف في البيوع برقم (٢١٢٣) باب ما ذكر في الأسواق.
وحديثه الثالث سلف برقم (٢١٢٤).
(٣) «المحلى» ٨/ ٤٨٧.
(٤) انظر: «ثقات ابن حبان» ٤/ ١١٢.
(٥) ذكر ذلك أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٧٨ (٢٦٢٧)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣ (٢٢٨١).
وقال البغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ٢٥٧: يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -. =
بل البخاري في «تاريخه» (١). مات سنة اثنتين وتسعين (٢). ونصر هذا أخو حسم، وفي أسد خزيمة نصر بن قعين.
(وَالحُكْرَةِ): بضم الحاء المهملة: حبس الطعام عن البيع مع الاستغناء عنه عند الحاجة إليه إرادة غلائه. والجزاف -بالتثليث- بيعك الشيء واشتراؤك بلا كيل ولا وزن. قال ابن سيده: وهو يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل (٣).
---------
= وذكره ابن قانع في كتابه «معجم الصحابة» ٣/ ٤٩ (٩٩٥) وروى له حديثًا عن النبي - ﷺ -.
وجزم بذلك الحافظ فقال في «التقريب» (٦٤٢٦): له رؤية.
(١) «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠٥ (١٢٩٦).
ويبدو -والله أعلم- أن الكلام هنا فيه سقط أو بتر، وينبغي أن تكون عبارة المصنف، رحمه الله: بل البخاري في «تاريخه» جزم بأن صحبته لم تصح. أو نحو ذلك. والله أعلم.
وهذا هو ما في «تاريخ البخاري» قال: وقال بعضهم: له صحبة، ولم يصح.
قلت: والقول بعدم صحبة مالك هو قول الأكثر:
فقال ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ٥٦ - ٥٧: لم يبلغنا أنه رأى النبي - ﷺ -.
وقال ابن معين في «تاريخ الدوري» ٣/ ٥٢ - ٥٣: ليست له صحبة، أو لم يسمع من النبي - ﷺ -.
وكذا جزم بعدم صحبته ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٠٣ (٨٩٦).
وابن حبان في «الثقات» ٥/ ٣٨٢، بل قال: من زعم أن له صحبة فقد وهم.
وقال الجياني في «تقييد المهمل» ١/ ١٣٠: مالك بن أوس من كبار التابعين وقدمائهم.
وقال الحافظ الذهبي في «السير» ٤/ ١٧١: أدرك حياة النبي - ﷺ -. لكنه جزم في
«تاريخ الإسلام» ٦/ ٤٦٤ فقال: قيل: له صحبة، ولم يصح.
(٢) انظر تمام ترجمته في «أسد الغابة» ٥/ ١١ (٤٥٥٩)، و«الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ٢/ ١٣٤/ ٨٧٣)، و«الإصابة» ٣/ ٣٣٩ (٧٥٩٥).
(٣) «المحكم» ٧/ ٢١٣.
ولم يرو مالك لفظة (مُجَازَفَةً) وفسرها بأنهم كانوا يريدون بيعه بالدين (١)، وأما بالنقد فلا بأس.
واعترضه ابن التين بأنه إذا باعه من غير بائعه لا فرق بين دين ونقد.
وفي قوله: (مُجَازَفَةً): جواز بيع الجزاف، وأن الغرر اليسير معفو عنه في البيع.
وقوله: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ) تأوله أن يشتري منه طعامًا بمائة إلى أجل ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين، وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم والطعام مرجأ غائب.
وليس هذا تأويله عند أكثر العلماء، وقيل: معناه: أن يبيعه من آخر ويحيله به. قال ابن فارس: أرجأت الشيء: أخرته (٢)، وأرجيت أيضًا، ذكره الخطابي (٣). قال ابن التين: والذي سمعناه بغير همز، وبهمزة في بعض النسخ.
وقوله: («هاء وهاء») قال الهروي: اختلف في تفسيره، وظاهر معناه: أن يقول كل واحد منهما: هاء فيعطيه ما في يده.
وقيل: معناه: هات وهاك، أي: خذ وأعط، وهو ممدود لكنهم يقرءونه بالقصر. وقال الخطابي: الهمزة في هاء وهاء بدل من الكاف، كأنه قال: هاك أي: خذ، وقد يقال بالكسر (٤).
واختلف العلماء في بيع الطعام جزافًا قبل أن يقبض، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود إلى أنه
------------
(١) «الموطأ» ص ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٢) «المقاييس» ص ٤٤٥، و«مجمل اللغة» ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ مادة: [رجو].
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٤٣. وفيه: ورجأت.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.
لا يجوز بيعه قبل قبضه (١)، وروي عن مالك أيضًا، وقال ابن عبد الحكم: إنه استحسان من قوله (٢).
وقالت طائفة: يجوز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه، روي ذلك عن عثمان بن عفان، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد، وهو المشهور عن مالك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، حجة القول الأول ظاهر حديث ابن عمر، وعموم نهيه عن بيع الطعام قبل استيفائه، فدخل فيه الجزاف والكيل، وقد أشار ابن عباس إلى أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم بدراهم والطعام لغو، فأشبه عنده العينة. قال الأبهري: العينة من باب سلف جر منفعة.
والحجة للثاني أن من باع جزافًا فلم يبع إلا ما وقعت حاسة العين عليه، ولذلك سقط الكيل عن البائع، والاستيفاء إنما يكون بالكيل أو الوزن، هذا مشهور عند العرب، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] و﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ٢] فإنما عنى بالاستيفاء في المكيل والموزون خاصة، وما عدا هذِه الصفة فلم يبق فيه إلا التسليم فيما يستوفى من جزاف الطعام كالعقار وشبهه.
فإن قلت: لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهي عن ذلك بضرب الناس عليه، فدل على أن حكم الجزاف حكم المكيل.
فالجواب: أنهم إنما أمروا بانتقال طعامهم وإن كان جزافًا؛ لأنهم
------------
(١) انظر: «مشكل الآثار» ٤/ ١٩٢ - ١٩٣، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٤٥٩ - ١٤٦٠، «المبسوط» ١٣/ ٩، «البيان» ٥/ ٦٧ - ٦٨، «المجموع» ٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨، «المغني» ٦/ ١٨٨ - ١٩١.
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٦، «المنتقى» ٣/ ٢٩٠.
كانوا بالمدينة يتبايعون بالعينة، فكذلك يجب أن يؤمروا بانتقال الجزاف في كل موضع يشهد فيه العمل بالعيب؛ ليكون حاجزًا بين دراهم بأكثر منها؛ لأنه إذا باعه بالمكان في ابتاعه بدراهم أكثر منها كان الطعام لغوًا وكانت دراهم بأكثر منها، وقد روي عن ابن عمر أنَّ النهي إنما ورد في المكيل خاصة، وروى ابن وهب من حديث ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (١).
وفي حديث ابن عمر: (رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - ﷺ - حتى يئووه إلى رحالهم) إباحة الحكرة؛ لأنه لو لم يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم في بيعهم ولم يؤذن لهم في حبسه، هذا قول أئمة الأمصار، وبه يزول اعتراض الإسماعيلي بأن البخاري بوب لها ولم يذكرها.
ورخصت طائفة لمن يقع الطعام من أرضه أو جلبه من مكان في حبسه، ومنعت من ذلك لمشتريه من الأسواق للحكرة، وروي ذلك عن عمر والحسن البصري، وبه قال الأوزاعي. قال مالك فيمن رفع طعامًا من ضيعته فرفعه: فليس بحكرة. وقال الشافعي وأحمد: إنما يحرم احتكار الطعام في هو قوت دون سائر الأشياء. وقالت طائفة: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه (٢). روي عن عمر ومجاهد (٣).
-----------
(١) رواه أبو داود (٣٤٩٥)، وأصله في «الصحيحين».
(٢) انظر: «البيان» ٥/ ٣٥٥، «المغني» ٦/ ٣١٧.
(٣) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦ عن عمر موقوفًا.
وقد روي مرفوعًا:
رواه أبو داود (٢٠٢٠)، والبخاري في «التاريخ» ٧/ ٢٥٥ من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمارة بن ثوبان، عن موسى بن باذان قال: أتيت يعلى بن أمية، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه». =
وفي مسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ» من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة (١)، وروي عن عمر وعثمان أنهما نهيا عنها (٢).
ومعنى هذا النهي عند الفقهاء، في وقت الشدة، فيما ينزل بالناس من حاجة، يدل على ذلك أن سعيد بن المسيب راوي الحديث عن معمر كان يحتكر الزيت، فقيل له في ذلك فقال: كان معمر يحتكر (٣).
----------
= وهو حديث ضعيف، أورده الذهبي في «الميزان» ١/ ٤٣٠ وقال: هذا حديث واهي الإسناد.
وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٦).
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٣٢ - ١٣٣ (١٤٨٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٥٢٧ (١١٢٢١) من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمر [ووقع عند الطبراني: (عبد الله) خطأ] بن عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعًا: «احتكار الطعام بمكة إلحاد».
وهو حديث ضعيف أيضًا، قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠١: فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة.
وضعفه الألباني أيضًا في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٩٣ فقال: عبد الله بن المؤمل، ضعيف الحديث. وضعف الحديث في «ضعيف الجامع» (١٨٣)، وفي «ضعيف الترغيب» (١١٠٧) وقال: منكر.
قلت: ويشبه أن يكون أصحها هي رواية عمر الموقوفة.
(١) مسلم (١٦٠٥) كتاب: المساقاة، باب: تحريم الاحتكار في الأقوات.
(٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٧ (٢٠٣٨١، ٢٠٣٨٤).
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٥٤ من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن معمر العدوي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحتكر إلا خاطئ». وكان سعيد بن المسيب يحتكر الزيت.
وروى عبد الرزاق ٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (١٤٨٨٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٨ (٢٢٠٧٠) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت.
والحديث في «صحيح مسلم» ١٦٠٥/ ١٢٩ بنحو ما ذكر المصنف، لكن دون ذكر (الزيت).
وفي «مسند أحمد» (١): كان يحتكر النوى والخبط والبزر (٢)، وجاء في الاحتكار أحاديث ضعيفة لا نطول بذكرها.
وقال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أنت تحتكر، قال: ليس هذا بالذي قال رسول الله - ﷺ -، إنما قال: «أن يأتي الرجل للسلعة عند غلائها فيغالي بها»، وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه فإذا احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير (٣).
------------
(١) ورد بهامش الأصل: وفي «المسند» من حديث ابن عمر مرفوعًا: «احتكر طعامًا أربعين يومًا فقد برئ من الله تبارك تعالى، وبرئ الله تبارك وتعالى منه» الحديث.
قلت (المحقق): هو في «المسند» ٢/ ٣٣. وأورده الألباني في «غاية المرام» (٣٢٤) وقال: حديث ضعيف منكر غير محفوظ، ليس بجيد ولا موضوع.
(٢) لم أجده في «مسند أحمد»، وروى ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٩ (٢٢٠٧١) عن مسلم الخياط قال: كنت أبتاع لسعيد بن المسيب النوي والعجم والخبط، فيحتكره.
وقال أبو داود السجستاني في «السنن» ٣/ ٧٢٩: كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخبط والبزر.
(٣) لم أجده ولا بنحوه إلا في «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٥٩ ويبدو -والله أعلم- أن المصنف -رحمه الله- نقله منه، أو ممن نقله منه!! وروى الحاكم ٢/ ١٢، وعنه البيهقي ٦/ ٣٠ من طريق إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -مرفوعًا: «من احتكر يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله».
والحديث سكت عليه الحاكم، وتعقبه الذهبي في «التلخيص» فقال: الغسيلي كان يسرق الحديث. وقال في «المهذب» ٤/ ٢١٥٨ (٩٠٨٧): حديث منكر؛ تفرد به إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وكان ممن يسرق الحديث.
وأعله به المنذر في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٣٦٥ (٢٧٤٤) فقال: رواه الحاكم من رواية إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وفيه مقال.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١١٠٨). =
فبان أن معنى النهي عن الحكرة في وقت حاجة الناس. روى ابن القاسم، عن مالك أنه قال: من اشترى الطعام في وقت لا يضر بالناس اشتراؤه فلا يضره أن يتربص به ما شاء. وهو قول الكوفيين
والشافعي.
قال مالك: وجميع الأشياء في ذلك كالطعام، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يشتري في سنة الرخص طعامًا لسنين لنفسه وعياله مخافة الغلاء. قال مالك: وأما إذا قل الطعام في السوق واحتاج الناس إليه، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر بالمسلمين، فليخرجه إلى السوق ويبعه بما ابتاعه ولا يزدد فيه (١).
فعلى هذا القول تتفق الآثار، ألا ترى أن الناس إذا استوت حالتهم في الحاجة فقد صاروا شركاء، ووجب على المسلمين المواساة في أموالهم، فكيف لا يمنع الضرر عنهم، وقد جمع رسول الله - ﷺ - الأزواد بالصهباء عند الحاجة (٢)، ونهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث للدافة (٣).
--------
= ورواه أحمد ٢/ ٣٥٤ من طريق أبي معشر عن محمد بن عمرو، به، بنحوه.
وانظر: «الصحيحة» (٣٣٦٢). وهذا الحديث إنما خرجته؛ لأنه ذكر فيه المغالاة، التي ذكرها المصنف هنا بلفظ آخر.
(١) انظر: «المدونة» ٣/ ٢٩٠، «البيان» ٥/ ٣٥٥، «المغني» ٦/ ٣١٧، «المحلى» ٩/ ٦٤.
(٢) سلف هذا الحديث برقم (٢٠٩) كتاب: الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ.
(٣) رواه مسلم (١٩٧١) من حديث عبد الله بن واقد.
وفي الباب بنحوه عن سلمة بن الأكوع سيأتي برقم (٥٥٦٩)، ورواه مسلم (١٩٧٤)، وغيرهما في «الصحيحين».
وجمع أبو عبيدة بين أزواد السرية، وقسمها بين من لم يكن له زاد وبين من كان له (١).
وأمر عمر أن يحمل في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، وقال: إنَّ المرء لا يهلك عن نصف شبعه (٢).
فرع: يصح بيع الصبرة مجازفة، وفي كراهته قولان: أظهرهما: نعم، وكذا صبرة الدراهم، وعن مالك: لا يصح بيعه إذا كان بائع الصبرة جزافًا يعلم قدرها (٣).
وروى الحارث بن أبي أسامة بسند فيه الواقدي من حديث عمران بن أبي أنس: سمع رسول الله - ﷺ - عثمان يقول: في هذا الوعاء كذا وكذا، ولا أبيعه إلاَّ مجازفة. فقال: «إذا سميت كيلًا فكِلْ» (٤).
-------------
(١) رواه بنحوه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٩/ ٤١٣.
(٢) روى البخاري في «الأدب المفرد» (٥٦٢) عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال عام الرمادة … الحديث، وفي آخره: الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت بأهل بيت من المسلمين لهم سعة، إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء. فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدًا. وذكره بنحوه هكذا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
وقال الألباني: صحيح الإسناد.
وروى ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٣١٦ عن ابن عمر أيضًا أن عمر قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف عن أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا بطونهم.
(٣) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠، «النوادر والزيادات» ٦/ ٣٨ - ٣٩.
(٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٤٣٠)، وكما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٣/ ٢٩٧ (٢٧٦٨/ ٣): حدثنا محمد بن عمر الواقدي: ثنا عبد الحميد، عن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، به. ولمن يذكر المصنف -رحمه الله- هنا (عن أبيه). والحديث ضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩ فقال: الواقدي متروك. وضعفه أيضًا البوصيري في «الإتحاف».
وروى عبد الرزاق قال: قال ابن المبارك عن الأوزاعي رفعه: «لا يحل لأحد باع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه» (١).
وروى ابن أسلم في كتاب «الرِبَا» عنْ واصل قال: سألت مجاهدًا وعطاءً والحسن وطاوس عن الرجل يشتري طعامًا جزافًا لا يعلم كيله ورَب الطعام قد عرف كيله؟ فكرهوه كلهم.
وقال ابن قدامة: إباحة بيع الصبرة جزافًا مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافًا، فإذا اشتراها جزافًا لم يجز بيعها حتى ينقلها، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وقد سلفت فيه رواية أخرى: بيعها قبل نقلها. واختاره القاضي، وهو مذهب مالك، قال: ونقلها قبضها، كما جاء الخبر (٢).
----------
(١) «المصنف» ٨/ ١٣١ (١٤٦٠٢). وضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٩ فقال: هذا منقطع فاحش الانقطاع.
(٢) «المغني» ٦/ ٢٠٢.
٥٥ - باب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
٢١٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ. [انظر: ٢١٣٢ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٤/ ٣٤٩]
٢١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». [٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ.
وحديث ابن عمر: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
الحديثان في مسلم أيضًا (١)، وحديث ابن عمر تكرر.
وقوله: (زاد إسماعيل) يعني ابن أبي أويس عن مالك، ولو عبَّر بقوله: وقال إسماعيل لكان أحسن، وقد اعترضه الإسماعيلي فقال ردًّا عليه: قد قاله أيضًا الشافعي وقتيبة وابن مهدي عن مالك (٢)
-------------
(١) رواهما مسلم برقمي (١٥٢٥، ١٥٢٦) كتاب: البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٢) فائدة: قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٥٠: قول البخاري: زاد إسماعيل، يريد الزيادة في المعنى؛ لأن في قوله: (حتى يقبضه) زيادة في المعنى على قوله: (حتى =
وقوله: «فلا يبيعه» قال ابن التين: كذا وقع، ولفظه لفظ الخبر،
ومعناه الأمر، كقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] وبوَّب ابن بطَّال باب بيع ما ليس عندك، وذكر فيه حديث مالك (م. الأربعة) بن أوس عن، عمر المذكور في الباب قبله فقط، ثم ترجم: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، ثم ذكر حديث ابن عباس وابن عمر فيه (١)، والأمر قريب، والعمل بهذِه الأحاديث واجب ولم يختلف أحد من العلماء في ذلك -أعني: في الطعام إذا بيع على كيل أو وزن أو عدد- إلَّا عثمان البتي كما سلف، وعنه أيضًا أنَّه أجاز بيع الطعام المسلَّم فيه قبل قبضه وهو مردود.
----------
= يستوفيه)؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلًا، وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذِه الراوية زيادة. اهـ.
قلت: كذا قال الحافظ ووجه قول البخاري.
لكن تعقبه العيني في «العمدة» ٩/ ٣٤٦ فقال: قال بعضهم. وذكر كلام الحافظ، ثم قال:
قلت: الأمر في ذكره بالعكس؛ لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض، من حيث أنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الاقباض في الجملة، ولا يقال له: استوفاه. حتى يقبض الكل، بل المراد بهذِه الزيادة زيادة رواية أخرى وهو (يقبضه)؛ لأن الرواية المشهورة: حتى يستوفيه. اهـ.
قلت: أرى العيني -رحمه الله تعالى- قد أصاب في هذا الموضع. ويدل لذلك أيضًا أن الحافظ أورد هذا الموضع في «انتقاض الاعتراض» ٢/ ٧٣ وذكر كلامه الذين في «الفتح»، وتعقب العيني له، وسكت، وفيه قرينة على الإقرار والموافقة.
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢.
واختلف المذهب عندهم في مسائل هل يجري فيها هذا الحكم، كالخضروات والفلفل وغير ذلك، ولا يجوز بيع ما ليس عندك ولا في ملكك وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة والعروض كلها، لنهيه
- عليه السلام - عن ذلك.
وروي النهي عن بيع ما ليس عندك وربح ما لم تضمن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث حكيم بن حزام أيضًا، لكن لم يكن إسناده من شرط الكتاب، وإنْ كان الأول صححه الترمذي والحاكم (١)، والثاني صححه الترمذي وحسَّنه
------------
(١) «سنن الترمذي» (١٢٣٤)، «مستدرك الحاكم» ٢/ ١٧.
ورواه أيضًا أبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي ٧/ ٢٨٨، وابن ماجه (٢١٨٨) من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا.
هكذا وقع الإسناد عند النسائي وابن ماجه والحاكم، ووقع عند أبي داود والترمذي: حدثنا أيوب، حدثنا عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو. لذا قال السهيلي: هذِه رواية مستغربة عند أهل الحديث جدًّا؛ لأن المعروف عندهم أن شعيبًا إنما يروي عن جده عبد الله لا عن أبيه محمد؛ لأن أباه محمدًا مات قبل جده عبد الله، فقف على هذِه التنبيهة في هذا الحديث، فقل من تنبه إليها. «الروض الأنف» ٣/ ٢٥٤.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٢/ ١٥٧ - ١٥٨: ومن روايات عمرو بن شعيب المستغربة. وذكرها وذكر كلام السهيلي.
وقال الحافظ المزي في «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٣٦: هكذا قال غير واحد أن شعيبًا يروي عن جده عبد الله، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد بن عبد الله والد شعيب هذا ترجمة إلا القليل، فدل ذلك على أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيح متصل إذا صح الإسناد إليه.
وحديثنا هذا قال عنه الحاكم: حديث على شرط جملة من أئمة المسلمين، صحيح. وأقره المصنف -رحمه الله- في «البدر» ٦/ ٥٠٠ وصححه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠. =
البيهقي (١) فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس (٢)، وبه يزول اعتراض ابن التين عليه حيث قال: بوَّب له ولم يأتِ فيه إلا بهذين الحديثين، وذلك يدخل في باب بيع ما ليس عندك. فالمعنى: ما يكون
----------
= وقال النووي في «المجموع» ٩/ ٤٦٤: حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة.
وصححه أيضًا شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ٣٣٤ و٣٠/ ٨٤، ١٦٢.
والحديث ذكره الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ١٤ وذكر تصحيح الترمذي وابن خزيمة. وكذا الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» (٨٢١) وزاد تصحيح الحاكم، وسكتا فكأنما أقرا صحته.
وحسنه الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (١٣٠٥ - ١٣٠٦).
(١) «سنن الترمذي» (١٢٣٢)، «سنن البيهقي الكبرى» ٥/ ٣١٣ من طريقين: فرواه الترمذي من طريق أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام.
ومن هذا الطريق رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والنسائي ٧/ ٢٨٩، وابن ماجه (٢١٨٧).
وهو حديث صححه ابن دقيق العيد على شرط الشيخين في «الاقتراح» ص ٩٩.
وصححه المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٤٤٨، ٤٨٩، والألباني في «الإرواء» (١٢٩٢).
أما البيهقي فرواه في الموضع الذي حسنه فيه من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعلق بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام، به. ومن هذا الطريق رواه ابن حبان ١١/ ٣٥٨ (٤٩٨٣) وقال: هذا الخبر مشهور عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، ليس فيه ذكر عبد الله بن عصمة، وهذا خبر غريب.
ومن هذا الطريق ضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٨ فقال: عبد الله بن عصمة ضعيف جدًّا. وابن التركماني في «الجوهر» ٥/ ٣١٣.
قلت: والحديث صح من الطريق الأول، وإن كان في إسناده اختلاف كما قال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ١١ انظر مزيد تفصيل فيه في «البدر المنير» ٦/ ٤٤٨ - ٤٥٢.
(٢) في الباب السابق.
في ملكك غائبًا من النقدين لا يجوز بيع غائب منه ابن بناجز، وكذلك البرُّ والتمر والشعير لا يُباع بشيء من جنسه، إلا بطعام مخالف لجنسه ولا يدًا بيدٍ، لقوله: «وإلا هاء وهاء» يعني: خذ وأعط؛ إحاطة من الله تعالى لأصول الأموال وحرزًا لها، إلا ما رخصت السُّنة بالجواز من بيع ما ليس عندك، ومن ربح ما لم يضمن وهو السلم، فجوزت فيه ما ليس عندك، ومن ربح مما يكون في الذمة من غير الأعيان؛ توسعة من الله تعالى لعباده ورفقًا بهم، وأيضًا إذا امتنع بيع المبيع قبل قبضه فما ليس في ملكه أولى بالمنع.
وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين، كما قال ابن المنذر: أحدهما: أن تقول: أبيعك عبدًا أو دارًا مغيبة عني في وقت البيع، فلعل الدار أنْ تتلف ولا يرضاها، وهذا يشبه بيع الغرر.
الثاني: أنْ تقول: أبيعك هذِه الدار بكذا على أنْ أشتريها لك من صاحبها، أو على أنْ يسلمها لك صاحبها، وهذا مفسوخ على كل حال؛ لأنه غرر، إذ قد يجوز ألا يقدر على تلك السلعة أولا يسلمها إليه مالكها، قال: وهذا أصح القولين عندي، لأني لا أعلمهم يختلفون أنه يجوز أنْ أبيع جارية رآها المشتري، ثم غابت عني وتوارت بجدار، وعُقد البيع، ثم عادت إليَّ، فإذا أجاز الجميع هذا البيع لم يكن فرق بين أنْ تغيب عني بجدار، أو يكون بيني وبينها مسافة وقت عقد البيع.
وقال غيره: ومن بيع ما ليس عندك العينة، وهي دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بأن تقول: أبيعك بالدراهم التي سألتني سلعة كذا، ليست عندي ابتاعها لك، فبكم تشتريها مني؟ فيوافقه على الثمن ثم يبتاعها ويُسلمها إليه، فهذِه العينة المكروهة، وهي بيع ما ليس عندك، وبيع
ما لم تقبضه، فإن وقع هذا البيع، فسخ عند مالك في مشهور مذهبه وعند جماعة من العلماء.
وقيل للبائع: إنْ أعطيت السلعة أبتاعها منك بما أشتريها جاز ذلك، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذي ابتاعها.
وقد روي عن مالك: أنه لا يفسخ البيع؛ لأنَّ المأمور كان ضامنًا للسلعة لو هلكت.
قال ابن القاسم: وأحط إليَّ لو تورَّع عن أخذ ما زاده عليه. وقال عيسى بن دينار: بل يفسخ البيع إلَّا أنْ تفوت السلعة فيكون فيها القيمة (١).
وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز والعراق، كما قال ابن بطال (٢)، قال: وأجمع العلماء أنَّ كل ما يُكال أو يُوزن من الطعام كله مقتاتًا أو غيره، وكذلك الإدام والملح والكسبر وزريعة الفجل الذي فيها الزيت المأكول، فلا يجوز بيع شيء منه قبل قبضه، ومعنى النهي عن بيعه قبل قبضه عند مالك فيما بيع مكايلة أو موازنة لما فيها بيع منه جزافًا على ما سلف.
واختلفوا في بيع العروض قبل قبضها، فذهب ابن عباس وجابر إلى أنه لا يجوز بيع شيء منها قبل قبضه قياسًا على الطعام، وهو قول الكوفيين والشافعي (٣)، وحملوا نهيه - عليه السلام - عن ربح ما لم يضمن على العموم في كل شيء، إلَّا الدور والأرضين عند أبي حنيفة، فأجاز
------------
(١) انظر: «المنتقى» ٥/ ٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٢.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ٤١، «البيان» ٥/ ٦٨.
بيعها قبل قبضها؛ لأنها لا تنقل ولا تحول، وحمل مالك نهيه عن ربح ما لم يضمن عن الطعام وحده دون العروض والحيوان، فإنَّ ربحها حلال؛ لأنَّ بيعها قبل استيفائها حلال.
قال ابن المنذر: والحجة لهذا القول أنَّه - عليه السلام - إنما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه خاصة، فدل أنَّ غير الطعام ليس كالطعام، ولو لم يكن كذلك لما كان في تخصيصه الطعام فائدة، وقد أجمعوا أنَّ من اشترى جارية وأعتقها في تلك الحال قبل قبضها أنَّ عتقه جائز، فكذلك البيع -قلت: لا، فالشارع متشوف إلى فك الرقاب- وقال أبو ثور كقول مالك (١).
تنبيهات وفوائد:
الأول: قال الحميدي فيما حكاه أبو نعيم الأصبهاني: قال سفيان: حديث مالك بن أوس أصح حديث روي في الصرف (٢).
وخالف أبو الوليد ابن رشدٍ فقال: أصحها عندي حديث أبي سعيد الخدري (٣) -يعني الآتي بعد (٤) -، وكذا قاله أبو عمر ابن عبد البر (٥).
ثانيها: قوله: «الذهب بالذهب ربًا» كذا وقع هنا من طريق عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك.
-----------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
والعبارة الاعتراضية الأخيرة هي من قول المصنف رحمه الله.
(٢) ذكره الحميدي في «مسنده» ١/ ١٥٤.
(٣) «بداية المجتهد» ٣/ ١٢٨٥.
(٤) سيأتي برقم (٢١٧٦ - ٢١٧٧)، ورواه مسلم (١٥٨٤).
(٥) «الاستذكار» ١٩/ ١٩٧ - ١٩٨.
وروى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك: «الذهب بالورق» (١) وكذا رواه معن وجماعة عن مالك (٢).
وقال ابن أبي شيبة: أشهد على ابن عيينة أنَّه قاله كذلك (٣)، ولم يقل: «الذهب بالذهب» يعني: في حديث ابن شهاب هذا، ورواه ابن إسحاق عن الزهري كما في الكتاب بزيادة «والفضة بالفضة» (٤)، وكذا رواه أبو نعيم عن ابن عيينة، ولم يقله أحد عن ابن عيينة غيره، وكذا رواه الأوزاعي عن مالك (٥).
ثالثها: في البيهقي من حديث مجاهد، عن ابن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما هذا عهد نبينا - ﷺ - إلينا، ثم قال: قال الشافعي: هذا خطأ. ثم ساقه بإسناده إلى أنْ قال: هذا عهد صاحبنا إلينا، ثم قال الشافعي: يعني بصاحبنا؛ عمر بن الخطاب (٦).
واعترضه أبو عمر فقال: هذا غير جيد من الشافعي على أصله،
-----------
(١) «الموطأ» ص ٣٩٤.
(٢) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٢ من طريق معن بن عيسى وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع، ثلاثتهم عن مالك عن الزهري عن مالك بن أوس، به.
ورواه أبو داود (٣٣٤٨) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك بن أنس، به.
ورواه ابن حبان ١١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (٥٠١٣) من طريق أحمد بن أبي بكر، عن مالك، به.
(٣) رواه أيضًا ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٣.
(٤) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٣.
(٥) «التمهيد» ٦/ ٢٨٣ ورواية ابن إسحاق رواها الدارمي ٣/ ١٦٧٩ - ١٦٨٠ (٢٦٢٠).
(٦) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٧٩.
والأظهر أنَّ (صاحبنا) أراد به الشارع لا عمر، ثم قال: والناس لا يسلم أحد منهم من السهو (١).
قلت: الواهم هو، فإن نافعًا قال: إنَّ ابن عمر لم يسمع من رسول الله - ﷺ - في الصرف شيئًا -كما رواه البيهقي وبيَّنه- إنما سمعه من أبيه وأبي سعيد (٢).
رابعها: من الروايات الباطلة في حديث ابن عمر: (ونهى عن الزبيب بالزبيب)، نبه على ذلك ابن عدي (٣).
قاعدة أذكرها هنا تتعلق بحديث مالك بن أوس في الباب قبله وببقية أبواب الربا الآتية ويحال ما بعد عليها: وهي أنَّ الإجماع قائم على أنَّ الذهب عينه وتبره سواء لا تجوز المفاضلة فيه، وكذا الفضة بالفضة ومصوغ ذلك ومضروبه، وهو خلف عن سلف، إلَّا شيء يروى عن
-----------
(١) «التمهيد» ٢/ ٢٤٨.
(٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٧٩.
وقال الذي «معرفة السنن والآثار» ٨/ ٣٨ (١١٠٤٠): هو كما قال الشافعي؛ فالأخبار دالة على أن ابن عمر لم يسمع في ذلك من النبي - ﷺ - شيئًا، ثم قد يجوز أن يقول هذا عهد نبينا - ﷺ - إلينا، وهو يريد إلى أصحابه بعدما ثبت له ذلك عن النبي - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري وغيره.
(٣) روى ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٢٤٠ في ترجمة لوذان بن سليمان (١٦٢٠) من طريقه عن هشام بن عروة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المزابنة، والمزابنة أن يباع تمر حائط نخل في رءوسها بتمر كيلًا … وفيه: وأن يباع تمر كرم بزبيب كيلًا … الحديث. فهذا لفظه.
وروى أيضًا ٨/ ١٤٩ في ترجمة معاوية بن عطاء بن رجاء (١٨٨٩) من طريقه عن سفيان الثوري: ثنا منصور عن زر، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي - ﷺ - ينهي عن الصرف ويقول: «الذهب بالذهب …» وفيه: «والزبيب بالزبيب …» الحديث. باللفظ الذي ذكره المصنف، لكنه عن عمر، لا عن ابنه. والله أعلم.
معاوية من وجوه أنَّه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ، وكان يُجيز في ذلك التفاضل، ويذهب إلى أنَّ الربا لا يكون التفاضل إلَّا في التبر بالتبر، والمصوغ بالمصوغ، وفي العين بالعين (١).
والسُّنة المجمع عليها بنقل الآحاد والكافة خلاف ما كان يذهب إليه معاوية، وقام الإجماع على تحريم الربا في الأعيان الستة المنصوص عليها: الذهب، والفضة، والبرُ، والشعير، والتمر، والملح (٢).
واختلفوا فيما سواها، فعند أهل الظاهر وقبلهم مسروق وطاوس والشعبي وقتادة، وعثمان البتي فيما ذكره المازري (٣) إلى أنَّه يتوقف التحريم عليها، وأباه سائر العلماء وقالوا: بل يتعدى إلى ما في معناها.
فأمَّا الذهب والفضة ففي علتها قولان: أحدهما: أنَّ العلة كونهما قيم الأشياء غالبًا، قاله الشافعي (٤).
ثانيهما: أنَّ العلة الوزن في جنس واحد فألحق بها كل موزون، قاله أبو حنيفة.
وأمَّا الأربعة الباقية ففيها تسع مذاهب غير مذهب أهل الظاهر:
أحدها: أنها الانتفاع، تعدى إلى كل ما ينتفع به، قاله أبو بكر بن كيسان الأصم، فيما حكاه القاضي الحسين.
ثانيهما: أنها الجنسية، قاله ابن سيرين والأودي من أصحابنا، فحرم كل شيء بيع بجنسه، كالتراب بالتراب متفاضلًا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين.
--------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٤/ ٤٩٨.
(٢) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم ص ١٥١.
(٣) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٥٠٤.
(٤) انظر: «البيان» ٥/ ١٦٣.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|