الصلاة ذلك المحفل الكبير (2)
محمد شفيق
يسعون إلى ذكر الله:
ها قد رفع الستار، وبدأت إشراقات نورانيَّة تنطبع في قلوب المؤمنين، وتقتلع من الفؤاد ضلالات الهوى، وإملاءات النفس، ومكايد الشيطان وحيله التي نصبت على حين غفلة.
وها قد حان وقت الوافدين على المساجد؛ إذ يطأ ممشاهم التراب في هون ولين، ومسحة وقار بادية عليهم، تعرفهم من أثر ما يشعُّ من وجوههم من نور...
وبينما هم يسعون إلى مسجدهم، إذ تقرع مآذن السماء أسماعَ الخلق ترفع بالأذان "الله أكبر"، معلنة: «أن هلموا إلى مصلاكم أيها المؤمنون»، فما يعلو شيء في الكون سوى الله، هو أعلى وأكبر، أكبر من أي انشغال قد يصرف العبد عن مقصد حياته، وعن أُمِّ قضاياه المصيرية الكونية، يجوبون الطرقات، يسعى نورهم بين أيديهم، وهم يرددون الدعاء (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الفضيلة والوسيلة والدرجة الرفيعة، وابعثْه المقام المحمود الذي وعَدْته)، يغبطهم أصحاب الدنيا، فإذا ما مروا بهم، مضوا في إثرهم يقتبسون من ذلك النور، حتى لا يفوتهم منه أجر عظيم.
وهم في سعيهم، لسان حالهم يواطئ لسان قولهم: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وهل ينهض بالعباد في هذا المحفل إلا خطب الدنيا مخافة أن يلحق بهم منها مصاب، وهم الآخرة أن يجنبهم المولى منها عذاب؟ وهل يسرع بهم إلى مكان سجودهم إلا طمع العفو من المولى، والرجاء فيما عنده من رحمة ونعيم؟ يهمسون بالدعاء فيما بين أنفسهم وخالقهم، فما ضاقت أنفسهم قط أن يلبي لهم رجاء أو يدفع عنهم ابتلاء، سائرون إلى المولى والملائك يعدُّون خطاهم ويشهدون حضورهم، ويرتهنون أسماءهم عنده في سجل لا يبلى بمداد من نور، هنالك تُذكر أسماؤهم، وتُلبى مطالبهم، ويُحتفى بهم في ملأ أكبر من الدنيا كلها.
إنه لأجر عظيم، وغنيمة كبرى، يحرمها من استنكف بنفسه عن حضور هذا المحفل، ولم يلبِّ نداء "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، ولم ييمِّم وجهه شطر بيت رب العباد، ولم يتخذ له فيه موضعًا، أي خسران إذا ما مضى محفل الصلاة ولم يكن له فيه شهود، ذلك هو الخسران المبين.
فأي همة يملك عباد الله هؤلاء تهزهم إلى أن يلقوا ربهم مجتمعين، بين وقت وحين.
فما طلعت شمس أو غربت، أو تلألأت نجوم أو غارت، أو أمطرت سماء أو أقلعت، إلا وهم ذاهبون آيبون، فما وهنوا وما استكانوا، حتى يلقوا ربهم وهم على تلك الحال.
ضيوف الرحمان:
لقد قدم المصلون مسجدهم وقرع نعالهم على أعتاب المسجد، يستأذنون الدخول؛ أي شعور يطير بك وأنت تجتاز باب بيت الله، فأنت في ضيافته وجواره، ما أن تحط إحدى قدميك، وتفرغ من ترداد دعاء الدخول: "أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، حتى ينصرف بك الحال إلى حال أهل الجنة وقد انتهى بهم المطاف في جنة الخلد يحمدون لله دخولهم ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 34].
فما أشبه دخول مساجد الله بدخول جنة الخلد، فما كانوا ليدخلوها لولا أنهم ارتادوا هاتِهِ المساجد.
فإذا ما اجتزت باب المسجد، فحريٌّ بك أن تزيح عنك الحزن والهمَّ، فأنت في مأمن وحمى من الله، لك أن تفرح بمكان كهذا؛ إذ هي جنَّتُك، والحذر الحذر أن ينصرف بك البال إلى متاهات الدنيا، فكيف يؤثر المرء ما يفنى على ما يبقى، ذلك هو الخذلان أن ترى أجسادًا قد حضرت راغمةً إلى مُصلَّاها، وقد استودعت قلوبها عند حاجة من دنيا ماضية، تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة كما لو أنهم يُجَرُّون إليها جَرًّا، وقد تنقضي صلاة، فلا تعلم نفس ما تَلَتْ من قرآن كريم، ولا عظمت من شأن ربها، ولا خشعت لوقوفها بين يدي بارئها، وكيف بها إذا ما انفرطت الأوقات وانقضت، وما قَرَّت لها عين، ولا مَلأت الفؤاد عذوبة من لهج الذكر وإلحاح الدعاء، ويا لحسرتها، فلا طاقة لها بما سبق المفرِّدون ونالوه من الدرجات العلى.
إني أراني الآن وقد انطرح المؤمنون في محرابهم، واستبق الأولون، تراهم قد تبوءوا مقاعدهم في مقدم الصفوف كأنهم هناك ماكثون من ذي قبل، كأني بهم لم يبرحوا أماكنهم منذ صلاة قد خلت، ينتظرون الصلاة تلي الصلاة.
يا لقلوب هؤلاء، ما أرقها من قلوب! وما أخشعها! استودعوها في كنف الله وحفظه، مشفقون مما مضى من حياتهم، ويتشوَّقون إلى ما عند الله من رِضا ونعيم، نشطت أجسادهم المنهكة، كأنما بعثت من جديد، يلهجون شاكرين داعين، لا تكاد ترى جباههم إلا وهي ساجدة لربِّ العالمين، ما أن يخرجوا من صلاة بتسليم منفلين، حتى يهموا واقفين مكبرين بتكبيرة إحرام أخرى مردفين.
عباد الله في مصلاهم، كُلٌّ له حاجة، مرادهم من الله أن يُلبِّيها، فلا ينشغل ربٌّ بذي حاجة، فكل الحوائج تقضى ما دمت تبديها..
قد آن الأوان أن تصطف الصفوف، جالسين لا تسمع لهم من نجوى إلا خفت أصواتهم بالتسبيح، ينتظرون أن يتوج هذا المحفل بلحظة تذكُّر واعتبار، فما الصلاة إلا ويرى فيها العبد مشهد القيامة يتكرَّر أمام أعين المصلين، يرونه خمس مرات في اليوم، فما كان لله أن يدع عباده المؤمنين يفجؤهم يوم عظيم دون أن يكون لديهم ما يذكرهم خلال يومهم، بين وقتٍ وحينٍ؛ إذ يُرفع الأذان ويُستدعى المؤمنون لإقامة الصلاة، حتى ينقطعوا تمامًا عن الدنيا كأنما أخذوا إلى ربهم حقًّا، يُساقون إليه، فإما يُقبلون ويدخلون جنة الصلاة، أو يبعدون فيمكثون في عذاب من لهث الدنيا، يجرون وراءها جري الوحوش في البرية وهي مضنية مستغنية.