عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-04-2026, 05:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,789
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التغافل دليل المروءة وعنوان الكرم







ومنها: التغافل في تربية الأبناء، فالأب الذي لا يحسن التغافل، مسيء في تربيته لأنه يفسد ما بينه وبين أبنائه، بكثرة النقد والتوبيخ والتعليقات، والأب بينه وبين ابنه حجاب الهيبة، وكلما كان الأب متغافلًا عن الأخطاء، متجاوزًا عن الزلات، كلما عظمت هيبته، واشتد بأسه، وقويَ أثره، وبضدها تتمايز الأشياء، فإن التدقيق والتوبيخ يهتك ستار الهيبة، ويورث الأبناء جرأةً على الخلاف، وشدة في النقاش وعداوةً في الجدال، وجسارةً على إتيان الخطأ علنًا بعد أن كان يخفيه حياءً؛ ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].

ومنها: ألطف أنواع التغافل مع الناس، هو التغافل عما يسبب الإحراج من الأقوال والأفعال، فكأنك ما رأيت ولا سمعت ولا فعل ولا قال، فهذا حاتم الأصم الذي لقبه الذهبي بلقمان هذه الأمة، يقول أبو علي الدقاق: جاءت امرأة فسألت حاتمًا عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوت في تلك الحالة، فخجلت، فقال حاتم: ارفعي صوتك، فأوهمها أنه أصم، فسُرت المرأة بذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصوت؛ فلُقب بحاتم الأصم، أخلاق كبيرة تحفظ بها كرامة ومشاعر الناس.



أيها الفضلاء: أين نحن من هذا الخلق العظيم؟ إنك لن تخلو في أيامك من سماع ما لا ينبغي من صديق أو قريب أو زميل في العمل أو جار في المنزل، فإياك ثم إياك ومطاردة الكلام، أو أن تحاكمه وتخاصمه: ماذا تقصد؟ أو ما مرادك؟ بل اجعل نفسك كأنك لم تسمع وكأن الأمر لا يعنيك، وستجد راحةً في نفسك وهدوءًا في بالك، بل إن الشخص الذي تكلم سوف يندم فيما بينه وبين نفسه، وربما جاءك يعتذر؛ قال الشاعر الحكيم:
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا
تسرع ببادرة يومًا إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له
فكن كأنك لم تسمع ولم يقل


وقال الآخر:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني
فمضيت ثمت قلت لا يعنيني




أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

الخطبة الثانية
الحمد لله ولا حمد إلا له، وبسم الله ولا يُستعان إلا به، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ أما بعد:
ثالثًا وأخيرًا: التغافل لا يعني عدم النصيحة والتوجيه والمحاسبة.
أيها الأحبة: التغافل لا يعني عدم النصيحة والتوجيه والمحاسبة، وإنما يكون ذلك في الوقت المناسب والطريقة المناسبة؛ يقول الإمام الحافظ هارون الحمال: "جاءني أحمد بن حنبل بالليل فدق عليَّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أنا أحمد، فبادرت أن خرجت إليه، فمساني ومسيته، قلت: حاجة يا أبا عبدالله؟ قال: نعم، شغلت اليوم قلبي، قلت: بماذا يا أبا عبدالله؟ قال: جزت عليك اليوم وأنت ‌قاعد ‌تحدث ‌الناس ‌في ‌الفيء، والناس في الشمس بأيديهم الأقلام والدفاتر، لا تفعل مرةً أخرى، إذا قعدت فاقعد مع الناس، الله أكبر... هكذا يكون التغافل جهرًا، وتكون النصيحة سرًّا.



لذا يجب أن نعلم أن الحديث عن التغافل والحث عليه لا يعني ترك النصيحة والتنبيه على المخالفات الشرعية؛ لأن هذا أمر واجب لا مناص منه لمن يقدر؛ فعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))؛ [رواه مسلم]، لكن ما كان يمكن التغاضي عنه وترك المواجهة وإرجاء الإنكار عليه فافعله، والموفق من استطاع إبلاغ المخالف بخطئه بطريقة لبقة، بدون أن يحرج من فعل الخطأ؛ ولذلك ثبتت أحاديث كثيرة عن نبينا صلى الله عليه وسلم حين ينكر فعلًا فعل فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا أو يقولون كذا)، من غير أن يمس شخصًا أو يقصده بالكلام، وأن يتغافل الإنسان عما لا يعنيه، كما قال بعض الحكماء: "لا يكون المرء عاقلًا حتى يكون عما لا يعنيه غافلًا"، وفي الحديث كما في سنن الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، والتغافل لا يكون مع الجميع، بل إنه مع المنضبطين الفاعلين؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة، والذي شهد موقعة بدر الكبرى، والذي أبلغ قريشًا بعزم الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة متأولًا الإضرار من ذلك، فأراد عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع أن يضرب عنقه بتهمة الخيانة العظمى؛ كما في الصحيحين: ((قال فعاد عمر، فقال: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، دعني فلأضرب عنقه، قال: أوليس من أهل بدر، وما يدريك لعل الله اطلع عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة، فاغرورقت عيناه فقال: الله ورسوله أعلم))؛ قال القرطبي: "وهذا الخطاب قد تضمن أن هؤلاء قد حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السابقة، وتأهلوا أن تُغفر لهم ذنوبهم اللاحقة إن وقعت منهم، وما أحسن قول بعضهم: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد = جاءت محاسنه بألف شفيعِ، وهذا هو ما يُفهم أيضًا من قوله صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذا: فعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود))؛ [رواه أحمد وأبو داود وغيرها]، لكن، ورغم ذلك، إذا كان الخطأ فادحًا ومؤثرًا، حتى ولو كان من منضبط فعَّال، فإنه يحتاج إلى تقييم للموقف، فقد يتغافل ويُعفى عنه أيضًا لعظيم فضله السابق، والذي لا يكاد يظهر معه أي خطأ حتى ولو كان هائلًا، أو قد يلام لومًا خفيفًا، أو حتى قد يعاقب إذا وصل الأمر مثلًا لمرحلة الحدود ورد الحقوق، على حسب تقدير من ينظر في الأمر؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا لأبي ذر الغفاري حينما خالف خلقًا إسلاميًّا أصيلًا لما عيَّر بلالًا رضي الله عنهما بأنه ابن السوداء في الصحيحين عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببتُ رجلًا، فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم))، فعاد رضي الله عنه مسرعًا وأناب، وطلب صفح من أساء إليه وعوضه، واستمر بعدها متمسكًا بخلق التواضع، والتغافل لا يكون أبدًا مع المنفلتين الملتوين المفسدين المصرين المستمرين على ذلك، وإلا زادهم بكل تأكيد انفلاتًا والتواءً وفسادًا، بل وشجع غيرهم على الانفلات والالتواء والفساد، حينما يرونه ثقافةً منتشرةً، ظانين أنها مصدر راحة وسعادة، رغم أن التسيب والتراخي هما أصل كل تراجع وتخلف؛ وبالتالي سيكون سببًا لكل قلق وتعاسة.

ولا يحسن التغافل إلا ذوو العقول النيرة والقلوب الكبيرة، ومن سواهم فإن بينهم وبين خلق التغافل بُعد المشرقين، فبئس القلوب قلوبهم، وبئس العقول عقولهم، يحصون الزلة، ويعدونها عدًّا، يجعلون الحبة قبة، فيزيدون الطين بلة، فكم وقع بين الزوجين أو بين الأقارب والأصحاب من مشاكل كان سببها تقصي بعضهم بعضًا، وتتبع الأخطاء والبحث عن المقاصد! ولو أنهم رُزقوا التغافل لزال عنهم شر كثير؛ قال الأعمش رحمه الله: "التغافل يطفئ شرًّا كثيرًا".

عباد الله: كم نحن بحاجة إلى التغافل في بيوتنا مع زوجاتنا وأولادنا وغض الطرف عن أخطائهم! خصوصًا ما يقع منهم عفويًّا ولم يكن متكررًا، وكم نحتاج للتغافل مع أصحابنا فلا نحاسبهم على كل كلمة خرجت منهم، ولا نحصي عليهم كل فعلٍ صدر عنهم؛ لأننا إن فعلنا ذلك فقدنا محبتهم وزالت عنا أخوتهم، وقد قيل: تناسَ مساوئ الإخوان تستدِم ودهم.

ففي التغافل يقل الخصوم، وتسمو النفس إلى معالي الأمور، وتنأى عن سفسافها، فإن من لم يتغافل فأكثرَ العتاب، تنافر عنه الأهل والجيران، والأصحاب والأحباب، وقد أحسن من قال:
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى
ظمِئت وأي الناس تصفو مشاربه؟


ولله در الشافعي رحمه الله:
ما ضر بحر الفرات يومًا
إن خاض بعض الكلاب فيه


ولله در الشافعي رحمه الله:
يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا
كعود زاده الإحراق طيبا


هذا، وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم؛ فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.66%)]