عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-04-2026, 12:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحواس في القرآن الكريم



ب- الجمع بين السمع والبصر في القرآن الكريم: وَرَدَ السمع والبصر في القرآن مُنفردين وجمعًا في"36" موضعًا، منها: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ [يونس: 31]، ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78]، فالحديث عن الحواس كأدوات للمعرفة كان غالبًا عن السمع والبصر مجموعين، وذاك لعدة أسباب، منها:
1- أنَّهما أداتان من أهم أدوات الإدراك التي يترتب عليها معرفة الله - تعالى - كأعلى أنواع المعرفة وموضوعاتها، وإدراك دلائل الاعتقاد لا يكون إلا بهما.

2- أنَّهما الطريقان الرئيسان بين المعرفة والعقل، فهما الواسطة، ودونهما لا يعرف، بل لا يدرك الإنسان شيئًا، وقد يستغني عن غيرهما من الحواس؛ لذا قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [المؤمنون: 78]، فهذه الثلاث هي طرق العلم الرئيسة، وأدواتها الأذن والعين والقلب.

3- فقدان الحاستين يُفقد العلم كله كلامًا ولغة وقراءة، فالقُدرة على الكلام وفهم اللغة يَحتاج إلى السمع؛ ليَعِيَ الدلالات الصوتيَّة، بل قد يتعطل حتى عن تدبير حياته العضوية، فهما مدار الحياة الحيوانية، وكمال البشرية، وتحصيل العلوم الأولية بهما.

4- ورد السمع حالَ اقترانه بالبصر مفردًا، خلاف البصر، فقد ورد جمعًا إلا في [الإسراء: 36فليس نصًّا في العموم، لاحتمال توهم بصر مخصوص، فكان الجمعُ أدل على قصد العموم، وأنفى لاحتمال العهد ونحوه، بخلاف قوله: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36]؛ لأنَّ المرادَ الواحد لكل مخاطب بقوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء: 36]، ويَحتمل أن يكون ذلك؛ لأنَّ السمع يستقبل جميع الأصوات باختلاف جهاتها، في حين البصر لا يستقبل دون توجه العين نحو الْمُبْصَر المراد، فالبصر لا يدرك إلا الزَّاوية الموجَّه نحوها، على غير السمع؛ فيلتقط في الزَّوايا كلها.

5- السمع يدرك خلالَ الضَّوء والظُّلمة، ومع وجودِ الحواجز الفاصلة بين السامع وغيره؛ إلا أن تكونَ كاتمة، على عكس البَصَر لا يبصر إلا بوجود ضوء ينعكس في العين.

كما أنَّ النائمَ أول ما يستيقظ منه المنبِّه السمعي ويليه البصري، فكان أول الحواس اشتغالًا بعد النوم، وآخرها قبل النَّوم، وترادفهما يحقق أعلى مُستويات الاستيعاب والتحصيل.

ج- أسباب تقديم السمع على البصر في القرآن الكريم: ما يلاحظ في القرآن الكريم أنَّ السمع كان دائمًا مقدمًا على البصر في الذِّكر كلما اقترنا، وهذا الترتيبُ كان في كتاب الإعجاز اللُّغوي والبلاغي؛ وهو القرآن، فلا يكون إلا عن سر، وهو قاعدة أفضليَّة المتقدم على اللاحق، خاصة أنَّ هذا التقديم شمل كل المواضع التي اجتمعَ فيها السمع مع البصر، وهذه الملاحظة هي إحدى أدلة القائلين بأفضلية السمع على البصر من الناحية المعرفية، وهذا يستند إلى دلائل أخرى في القرآن الكريم والواقع، وهي:
1- اقترن السمع بالعقل في غير ما آية، دون اقتران البصر بالعقل، مثل: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10﴿ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأعراف: 100].


2- اقترن لفظ السميع بالعليم، بينما اقترن البصير بالخبير؛ ليجتمعا في العليم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 30]، أمَّا السمع والعلم؛ ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] ، في حوالي "32" آية، وهذا أكثر من اقترانِ السَّمع مع البصر في القرآن، فكان السمع أقرب للعلم معنى وأتم.

3- حاسة السمع دائمة العمل دون توقُّف، بخلاف البصر فتتوقف بإغماض العين؛ وإن كان المغمض مستيقظًا.

لهذا ذكر الله عن أصحابِ الكهف أنَّه ضرب على آذانهم، فكان ذلك أشدَّ دلالة على الاستغراق في النوم لتوقف أشد المنبهات؛ ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾[الكهف: 11].

أمَّا من زاوية معرفية خالصة، فالأفضليَّة كانت لأمورٍ منها:
1- السمع أهم في إقامة الحجة على الخلق، فالبصر لا يكون إلا حال عرض المعجزة دون زمان من سيأتي، أما السمع فطريقه أعمُّ وأشمل للزمان والمكان.
2- قال الرازي: السمع سبب لاستكمال العقل بالمعارف، والبصر لا يوقفك إلا على المحسوسات.
3- السمع ينقل المعارف الماضية والأخبار الآتية، أمَّا البصر فينقل الحاضر المعاين؛ ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾ [السجدة: 26- 27].
غير أنَّ انتشار الكتابة والقراءة قد يَجعل البصر ناقلًا للمعارف السابقة وغيرها أكثر من السمع، فالتاريخُ لم يَعُدْ يؤخذ سماعًا بل قراءة، ومع ذلك فأكثر الأخبار والمعلومات تتناقل سماعًا بين الناس.
4- السمع جهات استقباله مُتعددة، عكس البصر لا يكون إلا بالمقابلة.
5- حاسة السمع تشتغل ليلًا ونهارًا؛ وفي الظلام والنور، في حين البصر لا يعمل إلا في النهار والنور، وفي هذه الميزة قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: 71 - 72]، في ذهاب الضوء نَبَهٌ للسمع، وحال وجوده نبه للبصر، والسمع ضمنًا هو يشتغل ومتنبه معه.
6- أوَّل حاسة تستجيبُ من النَّائم حاسة السمع؛ وإن كان مغمض العينين.
7- فاقد السمع يفقد النُّطق؛ لعدم القُدرة على التلقين، وإدراك المخارج والصفات، فيفقد خاصية المخاطبة.

د- أسباب تقديم البصر على السمع في القرآن الكريم: وَرَدَ البصر متقدمًا على السمع في مواضعَ، كان الغالب فيها الذَّم والتعطيل والعقاب، ففي حالات المدح والمنَّة - كما سبق - قدِّم السمع، أمَّا فيما عاكسها فقدِّم البصر، وهذا لا ينفي أفضلية السمع بل يثبتها.

والمواضع التي قدِّم فيها البصر على السمع هي:
1- في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: 179]، هنا كان المقام مقام تحقير لهم؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].
والبصر أهم للحيوانات من السمع؛ لأنَّه لا يعدو أن يكون وسيلة لحفظ الحياة، ولا يُؤدِّي كلٌّ منهما الدَّور المعرفي الذي ينتجُ عنه الهدى، ثم هذه الآية الكلامُ فيها عن تعطيل الحواس؛ لذا كان تقديم البصر.
2- مثلها نجد في قوله - تعالى -: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود: 24 فقدمت حاسة البصر المعطلة على حاسة السمع المعطلة.
3- وفي موقف تعذيبهم: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء: 97]، ذاك أن أكرم موضع في الوجه العينان، وأشد الإهانة بإفقاد حاسة البصر حال المحاسبة.
4- وفي قوله - تعالى - عن ندم الكفار: ﴿ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: 12]؛ فالمعاينة بالبصر أقوى من الخبر المنقول، والمشاهدة آكد حجية.
ويبقى موضعان في [الأعراف: 195]، و[المائدة: 71] تَدُلُّ نفس الدلالة، وهي التعطيل، إمَّا بفُقدان الحاسة أصلًا للآلهة؛ كما في الأعراف، فهي لا تبصر التعبُّد لها ولا عبَّادها أصلًا.

أو لصدود بني إسرائيل كما في المائدة، وذلك بأنَّهم شاهدوا المعجزات قبل سماع الوحي، ثم صدوا كأنْ لم يبصروا شيئًا.

الفرع الخامس: وظيفة الحواس وقدرتها المعرفية:
يُقسِّم أهلُ الأصول العلم إلى اضطراري واكتسابي، غَيْرَ أنَّهم يَجعلون الضروري ما يدرك بالحواس الخمسة وما يدرك بالمتواتر؛ قال ناظم الورقات:
وَالْعِلْمُ إِمَّا بِاضْطِرَارٍ يَحْصُلُ أَوْ بِاكْتِسَابٍ حَاصِلٍ فَالْأَوَّلُ
كَالْمُسْتَفَادِ بِالْحَوَاسِ الْخَمْسِ بِالشَّمِّ أَوْ بِالذَّوْقِ أَوْ بِاللَّمْسِ
وَالسَّمْعُ وَالْإِبْصَارُ ثُمَّ التَّالِي مَا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِدْلَالِ

فالحواس هي أبواب المعرفة الأولى، والحس أوَّل مراتب الإدراك؛ لذا جعل الله - تعالى - مَن عُطِّلت حواسه وقلبه في حكم الميت، ومَن لم يستجب للحق في حكم البهيمة، له من حواسه وقلبه لإدراك العام مما يستعينُ به على دُنياه، دون أن يصلَ إلى الرُّشد والهداية الخاصَّة، والفهم الخالص، غَيْرَ أنَّ الاقتصار على الحس كطريق وحيد للمعرفة لم يرد قطُّ في القرآن، بل الحس مجموع دائمًا مع القلب والفُؤاد - أي: العقل - لأن الغاية من الإدراك الحسي ليس التحسس؛ بل فهم المحسوس، وأجمعَ أكثرُ أهل التحقيق على أنَّ النفس هي المدركة، والحواس نواقل للمعلومات؛ لذا كان قطع المعارف عن أيِّ إنسان بقطع حاسَّتين ومركز التعقُّل؛ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ [البقرة: 7].

أمَّا القول بنسبية الحواس، وأنَّها مصدر خطأ؛ فالبعض يغلو فيه، والبعض لم نفهم تقعيدهم لهذه النسبية؛ بجعلها دليل الخطأ، وحجة في عدم بلوغ اليقين بها، قبل أن نناقش نظرياتهم نقرر ما يلي:
1- حاجَّ القرآن الإنسان، وجعل الحجة قائمة بأن مُنح السمع والبصر والقلب، فدل على أن هذه طرق بلوغ اليقين، ولو كانت لا يقين بها لرفع التكليف، أو كان مع المشقة، والمشقة مُنتفية في التشريع الربَّاني، والتكليف يسقط مع المشقة، ولا معنى للمحاججة فيما العجز قائم حتَّى في إدراك الحجة، فضلًا عن فقه وجه الاستدلال فيها.
2- من المسلَّمات أن العلم يتجزأ، يزيد وينقص، فيلزم أنَّ العلم والمعارف البالغة عبر الحس تتجزَّأ، وتتفاوت من فرد إلى آخر، وفي الفرد نفسه من معرفة لأخرى.
3- مِن عرضنا السابق نَخلص إلى أنَّ النفس؛ أي: القلب هو مركز الإدراك، أمَّا الحواس، فهي ناقلة له عن العالم الخارجي، مع اكتسابه لصفة الإدراك الحسي.
4- تكامُل الحواس والعقل في القرآن أمر مسلم به؛ حيث لا تقوم منفردة، وفقدان أو ضعف أيٍّ منها نقصٌ في جهة من العلم، فانتقاصها انتقاصٌ للعقل.

يرى الكثير من الباحثين في الفلسفة والفكر بفروعها أنَّ الحواس تُخْطِئ، ولا تصل إلى اليقين، ويتبعون في ذلك آراء بعض الفلاسفة القُدامى، وفلاسفة المسلمين ومُفكريهم وعلمائهم، ومنهم كثير، كأبي حامد الغزَّالِي وابن حزم وغيرهما.

ولأن بحثنا ليس للمقارنة؛ فلا يسعنا الخوض في هذا كثيرًا، غَيْرَ أنَّ بعض مَن كَتب في نظرية المعرفة في القرآن أخذ ذلك الكلام، وبنى له أدلة من القرآن الكريم، وهذا أبعد ما يكون حول طرق الاستدلال.

نُحاول ذكر مثال يعرضه الكثير فيما يدرك بالحواس، يرى الإنسانُ شخصًا من بعيد، فيظنه فلانًا، ويحلف عليه، ويكابر ويُجرد، ثم يتبيَّن له أنه ليس هو.

ويستدل البعضُ بأنَّنا نرى الشمس بحجم الدِّرهم، وهي أعظمُ من الأرض حجمًا، ونرى الملعقة في كأسٍ من الزُّجاج وهي وسط الماء منكسرة، وقد يشم أحدُنا رائحة، ويُخْطئ حول مصدرها.

واستدلَّ البعض حول خطأ الحواس بقوله - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39].

والأدلة حول هذا تتكرر غير أن ما يلاحظ عليها كلها:
1- الاستدلال بالشاذ؛ لمصادرة القاعدة العامَّة، وهذا منافٍ لقواعد العقل والمنطق، فالشاذ والنَّادر لا يخرم القاعدة العامة، والحكم للغالب.
فأكثر أدلَّتهم عن العمى، وضعف البصر بين الأفراد، أو في حالات للفرد نفسه، فبصر الفرد حالَ الإرهاق ليس كبصره في الوضع الطَّبيعي، والأمراض تزيدُ في ضَعف البصر، وهذا يرتفع عن ذكره مثالًا؛ فضلًا عن أن يُرْفَع لمقام الدليل، فكلامنا كله حول الأحوال العادية.

2- إذا علمنا قطعًا أنَّ مَراتب الفهم مُتفاوتة، ومدارك الحواس مُتنوعة ومُتفاوتة بين الناس، بين القوة والضَّعْف، فلا يلزم أنْ نستدلَّ بالضعيف لنُعمِّمه على الكل، فهذا نسحبه على العقل مثلًا، سيترتب عن ذلك القول بعدم إمكانيَّة بلوغ اليقين؛ أي: مقالة الشكاك، وهذه نظرية نتجاوزها في القرآن، بل لم تُعر حتى التفاتة بذكرها، ولو بالرد.

3- استدلالاتهم تُنْبِئ بعدم ضبط مفهوم السَّمْع والبَصَر، فالبصر وهو عمل العين تحسس المرئيَّات، وذلك يتمُّ بانعكاس أشعة الضوء من الأجسام نحو العين، ثم تنقل الصورة إلى العقل ليعيها ويفهمها، والسَّمع تردد الموجات الصوتية بتحرك الهواء داخل تجاويف الأذن، ثم تتحول إلى ذبذبات تنتقل للعقل ليفسر الصوت.

فالاستدلال بأن الشمس تراها العين بحجم الدِّرهم حقيقة؛ لأنَّ الحجم المنعكس من جسم الشمس نحو العين كان بقدر الدِّرهم، كما لا نتأمل الشمس بالمنظار المجهري بل بالتليسكوب، ولن يقول عاقل: إنَّ المنظار المجهري ينقل صورة خاطئة وهو مخطئ، بل إنَّه صُنِعَ ليكبر الصَّغير؛ لا ليصغر الكبير؛ أي: إنَّ علم الضوئيات والعدسات يفرق بين العدسات المكبِّرة والمصغرة؛ وذلك لفروق فيزيائيَّة هندسية ضوئية بالزجاج.

فالعين كذلك لها مجالها البصري من بُعْد وقصر، وقدرتها في نقل الصُّور، فهي تنقل كما صنعت، غَيْرَ أنَّ العقل هو المدرك للحجم الحقيقي، بالتحقق بأدوات أخرى، هي من الحواس نفسها، لكن بشروط غير الأولى، كما نفعل في التأمُّل من انكسار الملعقة بالماء في الكأس الزجاجيَّة؛ بحاسة اليد بالتلمس، أو إخراج الملعقة والنَّظر إليها في مجال واحد، فما جهل بحاسة أدركَ بحاسة أخرى، فالعين والبصر والأذن والسمع والحواس كلها تدرك الوسائطَ، حسب خواصها وقدراتها المؤهلة لها.

مثلًا حال الملعقة داخلَ الكأس مُنكسرة: جزء خارج الماء، وجزء داخل الماء، وهو ما نراه منكسرًا، التحليل العلمي: أنَّ الأشعة المنبعثة من الجزء الخارج عن الماء درجة انكسارها في الهواء مُختلفة عن درجة انكسار الأشعة من الجزء الآخر في الماء؛ لأنَّ الوسطين مُختلفان، فتصل الصورة الكاملة كأنَّ الملعقة منكسرة، وهذه هي الصورة الحقيقيَّة فعلًا؛ لأنَّ الأشعة انعكاسها منكسر بين جزءين من وسطين مُختلفين، فأي عينٍ تعرض عليها التجربة، سترى نفس الصورة، فالعينُ المطلقة البشرية، ومطلق العين البشرية ترى نفس الصورة، فلا يعقل القول بأنَّها تُخْطئ منذ خلق الله الأعين إلى الآن، بل الحقُّ أن يقال: إنَّ مجال رؤيتها نسبي ومحدود.

من جهة أخرى لا نزعم بأنَّ قوة الحواس مطلقة، وهذا كلام لا يستقيم؛ فكيف والثابت محدودية العقل، وهو مركز العلم والمعرفة، هل يعقل أنْ يقال: إنَّ الحواس مطلقة، لكن هذا لا ينفي وصولها إلى اليقين، فالله - تعالى - حاجَّ عبادَه بأنْ منحهم الحواس والعقل، فدَلَّ على أنها مراكز إثبات اليقين في جميع طبقات الناس؛ إلا من رفع القلم عنه؛ لأنَّ الرِّسالة الإلهية للناس كافة بليدهم وذكيهم، كبيرهم وصغيرهم.

فالحواسُّ نسبية، وفي حالاتِها العادية هي ناقلة لما تصل إليه بِحَسَبِ قدراتها التي خلقت لها، وكُيِّفت مع الوسط الكوني في مجال الشهادة، وإدراك الحقيقة لا يكون إلا بها، سواء باستعمالها معًا، أم الاستعانة بوسائل مُساعدة من أجهزةٍ وآلات.

فالمعرفة الحسية اليقينيَّة هي التي تقدِّم شهادةَ الحسِّ، مؤكِّدة قاطعة عندما تتواتر شهادات الحس هذه، وتتفق مع الحواس الأخرى، ولا تتعارض مع أصول العقل وقوانينه، أمَّا عندما تنزل عن هذا المستوى، فإنَّ قيمتها المعرفيَّة تتراجع إلى ما دونها حتى آخر مرتبة الظَّن المرجوح.

فأحَدُّ الناس بصرًا لا يتمكن من رُؤية ما هو موجود إلا قدرًا يسيرًا، بالنظر إلى ما لا يستطيع رُؤيته، فهو يَملك من البصر بمقدار ما يرى، ولديه من العمى بمقدار ما لا يستطيع رُؤيته، وهكذا النسبية في جميع الحواس، فالحواسُّ الخمس لا تستطيعُ الإحاطة بكل شيء، ولو قُدِّر لأي من الناس غير هذه الحاسة، لربَّما اكتشف أشياء كثيرة مغيبة عنَّا، وقد اكتشف العلماء أن الفضاء مملوء بالصور التي لا نستطيعُ مشاهدتها بالنظر المجرد؛ لعَدَمِ وجود قدر من الانسجام والتوافُق بين وضعها ووضع أبصارنا، وهذه في السمع كذلك، فهناك مستوًى يعلو عن مستوى سمعنا، وآخر دونه، وثَمَّة أجهزة تقارِب الصور والصوت؛ فنرى ما لا نبصر بأعيننا، ونسمع ما لا نسمع بآذاننا، نتدبر في قوله - تعالى -: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ [الحاقة: 38 - 39]، وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: 212].

العالَم عالَمَان: شهادة، وغيب، والغيب نسبي، وهو حتى في عالم الشَّهادة، فنَحْنُ لا نرى الجنَّ والشيطان، والحيوانات من كلاب وحمير تراها، ونحن لا نسمع خطاب الجان، وصراخَ الموتى في القُبُور، ولا كلامنا يَصِلُ إليهم، أقل من ذاك كله الأضواء، فالمبصر لنا سبع موجات، أمَّا ما فوق البنفسجي وتحت الأحمر، فلا تدركه أبصارنا؛ لذا نجد الكثير من الباحثين يقرِّرون أنَّ دَوْرَ الحواس نقل المحسوسات من العالم الخارجي إلى النفس، ولكن دون معيار يُتيح لها التمييز، غير النفس المدركة، بل ذهب بعض الفيزيائيين إلى أنَّ الألوان لا توجد في الطبيعة بل في العقل فقط، مستدلين بمرض عمى الألوان، فالحواس هنا صادقة في النَّقل، والعلة في خلايا الدماغ.

أمَّا طرح البعض بأنَّ الحواسَّ لا تُميِّز، بل قولهم حول إمكان المعرفة وصدق الحواس بأنَّها احتمالية غير يقينية، وقد يكون ما نتيقَّنه خيال أو وَهْم أو حتى حلم يقظة، فهذه سفسطة، نتجنب الخوضَ فيها، و"الشك" هذا مرض أعاذنا الله منه، وأصحابه مرضى؛ فحال شفائهم يناقشون.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.80 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.88%)]