عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-04-2026, 11:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,882
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دلالات تربوية على سورة النصر


بند 3:
فهؤلاء الذين ينتصرون بإذن الله - تعالى - لا يفسدون، ولا يفعلون كما يفعل الملوك، كما أخبرت بذلك ملكة سبأ: ﴿ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [النمل: 34]، لا.. إنما النصر يأتي لمن يستحق الخلافة، والاستخلاف له مفهوم؛ إذ يعني أن يحقق المستخلَفون المنهج الذي أنزله الله فيقرُّوا العدل بين الناس، ويحققوا لهم الأمن والأمان، فالإسلام دين رحمة للبشرية، ودين خير للناس - سواء آمنوا به أم لم يؤمنوا - طالما عاشوا في كنفه يومًا من الأيام؛ يقول سبحانه: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6]، يقول من عاش في ظلال القرآن: أما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان، فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض، إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله.

الفائدة السادسة: متى يأتي؟
بند 1:
النصر لا يأتي إلا بعد اجتياز المؤمنين مرحلة الابتلاء والتمحيص بنجاح؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، يقول "خباب بن الأرت": شَكَوْنَا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظلِّ الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: ((كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))[10].

بند 2:
فكلَّما ضاق الخناق على المسلمين، واشتدَّ البلاء عليهم، وبات الأمر ظلمة حالكة؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110]، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو لم يبقَ من الدهر إلا يومٌ، لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها عدلًا كما ملئت جورًا))[11].

إذن؛ لا بدَّ من الثقة في النصر ووعد الله - تعالى - مهما طال الزمان وملأ الظلم الأرض، فلا بدَّ من أن ينقشع بإذن الله - تعالى.

الفائدة السابعة: كيف يأتي النصر؟
بند 1:
نصر الله - تعالى - لعباده المؤمنين في الدنيا له صور وأشكال، إذ يبدأ بنجاح المؤمن في تبليغ دعوته لغيره مهما لاقى من أذًى أو اضطهاد؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110].

بند 2:
والصورة الثانية للنصر أن يظلَّ المؤمنون ثابتين على الحقِّ مهما حاول الكفار إيذاءهم والإضرار بهم، والسبب في ذلك صبر المؤمنين على أذى الكفار والمشركين، وعدم صبرهم هم على عذاب المؤمنين لهم؛ يقول سبحانه: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 104]، فسبب صبر المؤمنين أنهم يرجون من الله الثواب والأجر فلا يضرُّهم هذا الألم، أما سبب عدم صبر الكفار على الألم الذي يصيبهم من المؤمنين - حتى لو كان يسيرًا بالمقارنة بأذاهم للمؤمنين - أنهم يرجون الدنيا ولا يرجون الآخرة، فأي ألم يصيبهم ينغِّص عليهم العيش، فلماذا يصبرون على ما يصيبهم من الألم بسبب قتالهم للمسلمين، وفي مكنتهم أن يتمتعوا بالدنيا بخسارة معركتهم مع المؤمنين؟ وذلك في الوقت الذي يوقنون فيه هم حسن خلق المسلمين معهم لو مكنهم الله في الأرض؛ لذا يقول المولى - سبحانه -: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾ [آل عمران: 111]؛ أي: ما يصيب المسلمين من ضرر بسبب قتال الكفار لهم ليس إلا أذى يسير، يستطيع المسلم المجاهد تحمّله ابتغاء الأجر من الله، لكن النصر دائمًا يميل للفئة المؤمنة؛ يقول سبحانه: ﴿ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 111].

فكلَّما حاول أعداء الإسلام إيقاد نار الحرب على المسلمين، فإن المولى - سبحانه - يطفئها، ولو قُدِّر أن نجح هؤلاء الكفار في قتال المسلمين، فإن مصير هذه المعركة حتمًا يترجَّح لكفة الفئة المؤمنة، ولا يكون للكفار إلا الفرار والهزيمة، ولا شكَّ أن التاريخ خير شاهد على ذلك في الماضي والحاضر وفي المستقبل، بإذن الله - تعالى - يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود))[12].

بند 3:
والصورة الثالثة: أن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، فلا يحول بينهم وبين الدخول في دين الله - تعالى - ظالم أو مفسد، وإنما يكون الطريق للإسلام ممهدًا، وهنا لا شكَّ أن دين الله - تعالى - سوف يظهر على الدين كلِّه؛ يقول سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33]، وظهور هذا الدين لن يقتصر على اقتناع الناس بالرضوخ لحكم الإسلام فحسب دون أن يرتضوا بعقيدة الإسلام، وإنما يبدو هذا النصر ظاهرًا عندما يصل هذا الدين لقلوب الناس اقتناعًا منهم بالإسلام كعقيدة ومنهج، وليس كشريعة فحسب[13]؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك بيت مدر ولا وبر[14] إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل به الكفر[15]))، فالإسلام لن يذل أحدًا، إلا إذا أبى العدل والقسط، فكان الذل أمرًا محتمًا عليه، حتى ينتشر العدل بين الناس بحسب الميزان الذي وضعه الله لهم؛ يقول سبحانه: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: 7 - 9].

الفائدة الثامنة: وهل هناك فرق بين النصر والفتح؟
بند 1:
سبق أن ضربنا أمثلة لصور النصر في الدنيا، وذكرنا أن منها أن يتمكن المؤمن من تبليغ دعوته لغيره، فهذا نصر حتى لو فقد ماله ونفسه لأجل ذلك، أما الفتح فهو أعلى مراتب النصر، وذلك حين يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهذا قد ذكرناه كذلك، والفتح - بهذا المعنى المذكور آنفًا - هو المقصود في الدنيا، وذلك حين يراه فريق من المؤمنين، أما في الآخرة فالفتح له معنى آخر، وهو أن ينكشف غطاء الإنسان، فيبصر من أمور الآخرة ما قد كذَّب به في الدنيا إن كان مكذِّبًا، ويتأكَّد يقين المؤمن بالغيب الذي آمن به؛ يقول سبحانه: ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ [السجدة: 29].

بند 2:
والنصر بالمفهوم السابق قد وعد الله - تعالى - المؤمنين برؤيته في الدنيا؛ يقول سبحانه: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]، أما الفتح فليس بشرط أن يروه؛ إذ في قصة الغلام والراهب والساحر التي ذكرت نهايتها في سورة البروج إشارة إلى هذا المعنى، إذ بعد أن قُتل الغلام المؤمن بالله - تعالى - آمن شعب بأكمله، فهل رأى الغلام هذا الفتح في الدنيا[16]؟ بالطبع رأى النصر عندما تمكَّن من أن يجبر الملك الظالم على أن ينطق بكلمة الحقِّ، لكنه لم ير هذا الفتح في الدنيا، وإنما سوف يراه بإذن الله - تعالى - في الآخرة.

بند 3:
والفتح بالمعنى السابق ليس لزامًا أن يتحقق في كل الأمم، وإنما خصَّ الله به أمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو القائل: ((عُرضت عليّ الأمم فجعل النبي والنبيَّان يمرُّون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر ها هنا وها هنا في آفاق السماء، فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك))[17].

الفائدة التاسعة: وماذا بعد الفتح والتمكين؟
بند 1:
يقول المولى - سبحانه -: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41]، فإقامة شرع الله - تعالى - هو أول المقاصد التي شُرِع من أجلها الجهاد في سبيل الله - تعالى - فدين الله - تعالى - يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والإسلام خصَّ الطائفة المنصورة بالقيام على حدود الله - تعالى - وخصَّ - على وجه التحديد - من العدل المأمور به حريةَ الاعتقاد بقوله: ﴿ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ ﴾، إذ طالما كفل الإسلام للناس حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، فإنه بذلك يكفل الحريات الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والثقافية، والصحية، والسياسية...إلخ من باب أولى، ولم يستثن من ذلك إلا حقًّا واحدًا، الحق في الدفاع عن هذا الوطن؛ لذا شرعت الجزية لأجل ذلك؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].

قال العلماء: الجزية وزنها فِعلة من جزى يجزي، إذا كافأ عمَّا أسدي إليه، فكأنهم أعطَوها جزاء عمَّا مُنحوا من الأمن[18]، والدليل على ذلك ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: ((من يشتري بئر رومة، فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟))، فاشتراها عثمان بن عفان من صلب ماله، فجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين، وأوقفها على الغني والفقير وابن السبيل[19]، قال الحافظ في "الفتح": وهذه البئر كانت ليهودي يبيع ماءها للمسلمين، كل قربة بدرهم، فاشتراها عثمان - رضي الله عنه - وأوقفها للمسلمين على أن له أن يشرب منها كما يشربون، فوجه الدلالة في هذه الرواية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد لبَّى المصلحة العامة في أمر من الأمور الضرورية بأهل المدينة كلهم؛ وهي السقي بالماء من هذه البئر العذبة، وليس في المدينة غيرها، وكانت وسيلته في ذلك هو طرح الموضوع لمزايدة علنية، فلمَّا وجد من المسلمين متبرعًا بها كفى بذلك حاجتهم في السقي والشرب، وإن كان بإمكانه أن يتَّخذ مسلك الضرورة ويسلبها من اليهودي عنوةً، طالما أنه ليس بالمدينة بئر عذبة غيرها، لكنه لم يفعل وآثر سبيل البيع والشراء بالطريق المعتاد؛ لأنه الطريق المتاح أمامه وليس في الأمر ما يضطره إلى غيره من السبل الاستثنائية[20]، وهكذا يؤمِّن الإسلام مصالح غير المسلمين الاقتصادية كذلك، طالما عاشوا في كنفه.

بند 2:
وسورة النصر قد احتوت على جملة شرطية، (إذا جاء... ورأيت..... فسبح...واستغفره)، وجواب الشرط في هذه الجملة (فسبح بحمد ربك واستغفره)، تقول عائشة - رضي الله عنها -: ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد أن نزلت عليه ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، إلا يقول فيها: ((سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي))[21]، يقول المولى - سبحانه -: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ [الفتح: 1-3] ، إذ لا شكَّ أن النصر على الأعداء والتمكين في الأرض هو من أشدِّ الفتن التي قد يفتن بها المؤمنون إذا نسوا الذكر؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفرقان: 18].

فالمولى يذكِّر الطائفة المنصورة بأهمية الذكر والاستغفار في هذا الموقف بالذات، حتى تستأنف تلك الطائفة ما بدأته من خير ولا تنشغل بأمور الدنيا حين ذاك، ففي الحديث: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل البحرين، وأمَّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له فتبسَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآهم وقال: ((أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء))، قالوا: أجل، يا رسول الله، قال: ((فأبشروا وأملوا ما يسرُّكم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم))[22].

بند 3:
ومن الخطورة بمكان أن يضيِّع المسلمون هذا النصرَ، وهذا الفتحَ الذي منَّ الله عليهم به، حين يتنازعون فيما بينهم - بعد هذا النصر - في أمور الدنيا والخلافة على وجه الخصوص، فتذهب ريحهم ووحدتهم، وتنكسر شوكتهم في عيون أعدائهم، فتعود الكرَّة مرة أخرى لهم؛ يقول المولى - سبحانه -: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 19].

بند 4:
وأخيرًا وليس بآخر، فإن المولى - سبحانه - يختم السورة بقوله - سبحانه -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾، وفي ذلك إشارة إلى أنه - سبحانه - يفتح باب التوبة في كلِّ الأحوال، وفي موطن النصر والفتح على المسلمين؛ ليستغفر المستغفرون وينتهي العصاة والمذنبون، وتنتهي الشحناء بين المسلمين حتى يظل النصر حليفًا لهم ينعمون به - بفضل الله تعالى - وليس بعد التوبة شيء يستحق العيش لأجله، إذ حينئذ يتحقق النصر الحقيقي، إذ كيف بنا إذ تاب الله علينا، أنؤجل لقاءه؟! بالطبع يكون النصر حين يلقى العبد ربَّه، وقد تقبَّل الرحيم التواب توبته وأدخله في رحمته، وقد فهم ذلك ابن عباس - رضي الله عنه - إذ قال في هذه السورة: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه الله له ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك؛ ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾[23].

[1] رواه البخاري، (1/58)، رقم (123).

[2] رواه البخاري، (1/7)، رقم (7).

[3] رواه البخاري، (1/128)، رقم (328).

[4] رواه البخاري، (1/221)، رقم (585).

[5] رواه البخاري، (4/1657)، رقم (4278).

[6] رواه البخاري، (3/1152)، رقم (2988).

[7] رواه البخاري، (4/1577)، رقم (4084).

[8] يراجع في ذلك أصل القصة في "سيرة ابن إسحاق" من رواية عبد الرحمن بن عوف، يقول: كان يضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد، قال: فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، ورواه البخاري، (2 /807 )، رقم (2179).

[9] رواه مسلم، (3 /1514)، رقم (1906).

[10] رواه البخاري، (3/ 1322)، رقم (3416).

[11] رواه أبو داود، (2/509)، رقم (4283)، وصححه الألباني.

[12] رواه مسلم، (4/ 2239)، رقم (2922).

[13] إذ غني عن البيان أن نشير إلى أن المجتمع الدولي يسعى لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في باب المعاملات الدولية، إقرارًا منه بأنها أفضل التشريعات التي يمكن تطبيقها على مستوى العلاقات الدولية، ويقر بذلك كبير قضاة إنجلترا، حيث أعلن أن مبادئ الشريعة الإسلامية يمكن أن تستخدم لتسوية الخلافات في بريطانيا أيضًا، وقال اللورد "فيليبس" - في كلمة ألقاها بأحد المراكز الإسلامية شرق "لندن" -: إنه لا يرى ما يمنع من استخدام الشريعة أو أي مبادئ دينية أخرى كأساس لتسوية خلافات دون إجراءات قضائية، وأشار اللورد "فيليبس" إلى أن المسلمين الذين يعيشون في بريطانيا معتادون منذ زمن بعيد على استخدام الشريعة لتسوية الخلافات التي تنشأ داخل الأسرة أو على بعض العقود.

[14] المدر: البناء، الوبر: الخيام.

[15] رواه أحمد، (4/301)، والطبراني في الكبير، (1/621)، وابن منده في الإيمان، (1/201)، وعبد الغني المقدسي في ذكر الإسلام (1/661)، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم وقال: صحيح مع شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (4/34)، والسنن الكبرى (9/971)، وقد أخذت هذا التخريج جميعه من كتاب الشيخ الألباني.

[16] رواه مسلم، (4/2299)، رقم (3005).

[17] رواه البخاري في صحيحه، (5/2157)، رقم (5378).

[18] فتح القدير، للشوكاني، تفسير الآية (29) سورة التوبة.

[19] انظر البخاري، (2/827)، (3/1021)، حديث رقم (2626)، والترمذي، حديث رقم (3699)، والنسائي (3182)، وغيرهم.

[20] رسالتنا للدكتوراه بعنوان "دور الدولة إزاء الاستثمار"، (1/89)، دار النهضة العربية.

[21] رواه البخاري في صحيحه، (4/1900)، رقم (4683).

[22] رواه البخاري، (3/1152)، رقم (2988).

[23] رواه البخاري، (4/1563)، رقم (4043).








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.09%)]