أولًا: الوسوسة [33]: هي الصوت الخافت الذي يكاد لا يُسمع إلا من الطَّرف الذي وُجِّه إليه الكلام، وهو أسلوبٌ يستخدمه دائمًا الضعفاء والمتحايلون على الحق والمتآمرون على أهل الحق؛ يقول سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة: 8]، فهم لا يملِكون حشدَ أهل الحق حول كلمتهم؛ لأن كلمتهم باطلة، ويحاولون مرارًا وتَكرارًا الانفرادَ بآحاد الناس، كل على حدةٍ؛ ليساوموه تارة، ويهددوه تارة أخرى، ويُغروه تارة ثالثة...، وهكذا حتى يَصرفوا الناس عن عقيدتهم وما يؤمنون به، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بألا نترك للشيطان فرصةً لأن ينفردَ بالفرد، فيقول صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرْقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، مَن أراد بُحبُوحةَ الجنة، فليَلزمِ الجماعة، مَن سرَّته حسنته وساءَتْه سيئتُه، فذلك المؤمن))[34].
كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم صاحبَه أبا الدرداء، فقال له: ((عليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئبُ القاصيةَ))[35]، وكان ذلك في مَعرِضٍ حثَّ فيه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على صلاة الجماعة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان))[36].
ويستفاد مِن ذلك أن صوت الباطل دائمًا يكون ضعيفًا، لا يستطيع أهله الجهر به لشدة نكارتِه؛ لذا علا صوتُ الحقِّ دائمًا على صوت الباطل، حتى في ظل أشد الأوقات التي يَضعُف فيها؛ لأن صوت الوسوسة خافت دائمًا، ولا يَجرؤ أن ينطق به اللسان إلا في خفاء.
ثانيًا: الخنس[37]: ويقصد بذلك الهروبُ والرجوع للوراء عند سماع ذكر الله؛ ذلك أن صوت الباطل لا تأثير له مع ذكر الله تعالى، فهو القائل في كتابه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 45، 46].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا نُودِي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضِي قبل الأذان أقبل، فإذا ثُوِّب بها أدبر، فإذا قضِي التثويب أقبلَ، حتى يَخطِر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا وكذا، ما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلَّى، فإذا لم يدرِ أحدُكم كم صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، فليسجُد سجدتين وهو جالس))[38].
وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ﴾: تعليمٌ لأهل الحق بطريقة عمل الشر ضد أهل الخير، ومجاريه ومداخله، وقد بيَّن القرآن أن الشيطان يدخُلُ إلى القلب خطوةً خطوة، فلا يهجُم على الإنسان بوساوسه قهرًا، فإذا استسلم المرء لأول خطوة سعى الشيطان لأن يَتبعه ابنُ آدم في الخطوة الثانية، ثم الثالثة، حتى يقع في الحرام؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 21].
قال العلماء: (مثال القلب مثال حصنٍ، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، فيملِكه ويستولي عليه، ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن، ومداخله ومواضع ثُلَمِه، ولا يقدر على حراسة أبوابه مَن لا يدري أبوابه، فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبةٌ، وهو فرض عين على كل عبد مكلَّف، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، فهو أيضًا واجب، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، فصارت معرفة مداخله واجبةً، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة، ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان)[39].
ويجدر في هذا المقام أن نضرب بعض الأمثلة على مداخل الشيطان كما يلي:
العمل بالشك والظن وعدم التثبت والتيقن؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمِع))[40].
وعن علي بن حسين عن صفية بنت حُيَي، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفًا، فأتيتُه أزورُه ليلًا فحدَّثته، ثم قمت، فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رَأَيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((على رِسلِكما، إنها صفية بنت حيي))، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: ((إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيتُ أن يَقذِف في قلوبكما سوءًا - أو قال - شيئًا)) [41].
التسرع والعجلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان))[42].
الغضب، ذلك أن الغضب غولُ العقل، وإذا ضَعُفَ جند العقل هجَم حينئذٍ الشيطان فلعب بالإنسان[43]، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ((لا تغضب))، فردَّد مرارًا، قال: ((لا تغضب))[44].
الحرص على الدنيا والخوف من الفقر؛ قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268]، قال العلماء: متى كان العبد حريصًا على شيء أعماه حرصُه وأصمَّه، وغطَّى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان...، فيَحسُن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته، وإن كان منكرًا أو فاحشًا[45].
التسويف والتغرير والأماني؛ قال تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: 14].
الكبر: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56]، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الكبر بَطَر الحق وغَمْط الناس))[46].
الرياء: قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188].
الاسترسال في الشهوات والمباحات؛ قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 27، 28].
الحقد والحسد (التحريش)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبُدَه المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم))[47].
قال النووي: ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها[48].
الكسل: قال ابن القيم: (كلُّ المفاسد ثمرة العجز والكسل)[49]؛ ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل))[50].
وفي قوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾: إيضاح لمواطن اجتهادِ الشيطان؛ حيث يصبُّ وسوستَه في قلب المرءِ ليُحوِّله إليه، فإذا فسد القلب فسدت سائر الجوارح، فعن النعمان بن بشير عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: ((ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))[51].
وعليه تعيَّن على المسلم أن يجتهد في إخلاص الطاعات لله تعالى، وأن يُجنِّبها الرياء والسمعة وحب المدح من الآخرين، كما عليه أن يُنظِّف قلبه من الحسد والحقد والغل للآخرين، فإذا طهُر قلبه من تلك الأخلاق الذميمة، استطاع بذلك أن يُقبِل على الله تعالى بجسده كله؛ ليعبده بسائر جوارحه في همة ونشاط.
تدبَّر كيف أفسد الشيطان صلاة المنافقين؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142]، ففساد القلب أدى إلى فساد العبادة، وحِيلُ الشيطان في هذا الأمر كثيرة، فهو يُزيِّن للمرء الشهوات والملذَّات؛ حتى يصرِفَ قلبه عن الطاعات؛ قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: 212]، قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]، والحق أن القلب إذا خلَص مما زيَّنه الشيطان له، فقد سلِم.
إذًا الإشكالية هي تخليص القلب من حب ذلك كله؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89]، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ مَن كن فيه، وجد طعم الإيمان: مَن كان يحب المرءَ لا يحب إلا لله، ومَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، ومَن كان أن يُلقَى في النار أحبَّ إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقَذه الله منه))[52].
وحين ينضبط ميزانُ الحب والكره عند المرء بميزان الشرع، لن يكون هناك محلٌّ لوسوسة الشيطان بإذن الله؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7].
وفي قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ﴾: إيضاح آخر بمصدرَي الوسوسة؛ حيث علَّمنا القرآن أن الوسوسة قد تكون من الجن أو من الإنس كذلك؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، وفي ذلك تفصيل على النحو التالي:
أولًا: الوسوسة الجِنية: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36].
وعن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّل به قرينُه من الجن))، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلَم فلا يأمرني إلا بخير))[53].
ويتميَّز الجن عن الإنس بخاصَّةِ عدم إمكان رؤيته؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27].
وهنا يُطرَح تساؤلٌ: لماذا لا نرى الشيطان؟
ويجاب على ذلك بأربعة أجوبة:
فالجواب الأول: هو أن الله تعالى أخبرنا أنه عدونا، وأنه ضعيف؛ حيث قال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، فكان في عدم رؤيته تقليلٌ من شأنه، وعدم التهويل لأمره؛ ذلك أن في رؤيته تضخيمًا لحقيقته الضعيفة، وأنه لا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله؛ كما قال سبحانه: ﴿وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102].
ويجاب على ذلك ثانيًا بأن الشارع سبحانه أراد أن يكونَ امتثال المسلم لأوامره واجتناب نواهيه نابعًا عن عقيدة وإيمان، لا عن انشغال بأمور مادية لا يتحقَّق منها الابتلاء والاختبار، فاستحالةُ رؤية الشيطان في الدنيا تُحقِّق معنى الابتلاء والحكمة منه؛ حيث تكون الوسوسة من الأمور الغَيبية التي نؤمن بها ونَحذَر منها.
ويجاب على ذلك ثالثًا بأن المقصد من التكليف هو الامتثال للأمر، واجتناب مواضع النهي، دون اهتمام بالمصالح المرجوَّة والمفاسد المدفوعة، وإن كان مما لا شك فيه أن المصالح هي مقاصد الشارع من التكليف، والمفاسد هي مقاصده من النواهي، بَيْدَ أن طاعةَ العبد لمولاه لا ترتبط بتلك المقاصد؛ حيث تتحقق العبادة الكاملة دون أن يعلم العبد الحكمة من الأمر أو النهي، فالأصل أن يكون الدافع لاجتناب المعصية ليس تجنُّب المفسدة بقدر الامتثال لِما نهى الله عنه؛ فلا يكون شاغلُك مصدر الوسوسة بقدر ما يشغلك اجتناب الفعل المحرم ذاته.
ويجاب على ذلك رابعًا بأن الحكمة من عدم رؤيته ظاهرةٌ في تخفيف الابتلاء على العباد، فعندما غرَّر الشيطان بآدم فأكل من الشجرة، اتَّضح من السياق أنه دارتْ بينهما محاورة: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 21]، فكان ذلك أشد إقناعًا لهما، بعد أن ساق لهما الحجج، ومَن ثَم شُغِلا بالملك والخلد الذي سوف يكون لهما بعد الأكل منها، فكان من رحمة الله تعالى أن أخفى عنا مصدرَ الوسوسة الجِنيَّة؛ حتى يقل الإقناع والتأثير، فالمحاكاة أكثر تأثيرًا وأشد حملًا على تغيير المعتقد والفكر، فنَسِي آدم أن إبليس عدوُّه، وانشغل بما أغرَّه الشيطان به، ونسِي أن الأكل من هذه الشجرة محرمٌ، وبالتالي نسِي عهد الله له؛ لذا قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: 115].
ثانيًا: الوسوسة الإنسية: وتتمثَّل في جُلساء السوء، وقد حذَّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جليس السوء، وشبَّه شرَّه بالشَّرر المتطاير من عمل الحداد، فكلما اقتربت منه، زاد احتمال احتراقك منه، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَثَل الجليس الصالح والجليس السوء، كمَثَل صاحب المسك وكِير الحداد، لا يَعدَمُك من صاحب المسك؛ إما تشتريه أو تجد رِيحه، وكِير الحداد يُحرِق بدنك أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثة)[54].
والوسوسة الإنسية شرُّها أكبر من الوسوسة الجِنَّية لأجل المحاكاة؛ لأن الإنسي تظنُّه صديقًا ناصحًا لك فيغرُّك، أما الوسوسة الجنية، فمصدرها وإن كان من الشيطان الرجيم، لكنك لا تراه، فيسهل الإقناع في الأُولى عن الثانية؛ لأن صديق السوء يملِك أن يجالسك ويخالطك ويُحاكيك، فتَأْلَفَه وتتآلفَ معه ما لم تَحترِزْ منه، كما أن الإنسي لا يَخنُس بينما الجني يخنُس عند ذكر الله تعالى، كما أن مجاهدة أصدقاء السوء تتطلب مشقةً أكبر من مجاهدة الشيطان، وذلك لإحاطتهم بالمرء من كل جهة؛ البيت والعمل، والبث الإعلامي... إلخ.
ولا ملجأ للمسلم من أصدقاء السوء - وقت الفتنة وانتشار الفساد - غير المساجد؛ يقول سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]، فالنجاة كل النجاة في أن يَفزَع المرء مِن هؤلاء وهؤلاء إلى المساجد بيوت الله، ولا عذرَ لأحد في عدم الفرارِ من شياطين الإنس، وعدم مجالستهم احترازًا مِن شرِّهم؛ يقول سبحانه: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: 31، 32].
[1] رواه مسلم، ج 1 ص 558، رقم 814.
[2] رواه مسلم، ج 1 ص 119، رقم 133.
[3] شرح النووي على مسلم، ج2 ص 154.
[4] رواه البخاري، ج 3 ص 1194 رقم 3102.
[5] فتح الباري ج6 ص341.
[6] (جنن) جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنًّا: سَتَره، وكلُّ شيء سُتِر عنك فقد جُنَّ، ومنه سُمِّي الجَنينُ؛ لاسْتِتارِه في بطنِ أُمِّه، وجن الليل لشدَّةُ ظُلْمتِه، والشياطين سُميت بالجِنَّة؛ لأنها ترانا ولا نراها.
[7] حديث الترمذي، رقم 2516، ج 4 ص 667.
[8] ابن أبي العز الحنفي - شرح العقيدة الطحاوية ج1 ص 249 - لناشر: المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الرابعة، 1391.
[9] رواه البخاري ج11 ص 60 رقم 3040.
[10] (عوذ) لاذ فيه، ولجأَ إِليه، واعتصم به.
[11] سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب - تيسير العزيز الحميد ج 1 ص 26 - مكتبة الرياض الحديثة.
[12] العلامة ابن القيم: بدائع الفوائد، ج2 ص427.
[13] تفسير ابن كثير ج1 ص114.
[14] رواه الترمذي؛ وقال: حسن صحيح، رقم 2516، ج 4 ص 667، وصحَّحه الألباني.
[15] مادة (ربب): الرَّبُّ يُطْلَق في اللغة على المالكِ والسَّيِّدِ والمُدَبِّر والمُرَبِّي والقَيِّمِ والمُنْعِمِ، واللهُ عز وجل هو رَبُّ كلِّ شيءٍ، فهو رَبُّ الأَرْبابِ ومالِكُ المُلوكِ والأَمْلاكِ.
[16] (نوس): والنَّوْس تَذَبْذُبُ الشيء - ويقال للغُصْن الدقيق إِذا هبَّت به الريح فهزَّته، فهو يَنوس، والمعنى المراد جماعة الناس؛ لأنهم يتحرَّكون ويتذبذبون في الأرض لطلب الرزق.
[17] رواه البخاري ج 7 ص 132 رقم 5742.
[18] رواه أبو داود ج 4 ص 9 رقم 3883، وصحَّحه الألباني.
[19] رواه أبو داود، ج 4 ص 59، رقم 4090، وصحَّحه الألباني.
[20] رواه مسلم ج13 ص 286 رقم 4925.
[21] محمد علي بن محمد علان بن إبراهيم البكري - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، ج4 ص 245
[22] محمد عبدالرؤوف المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير ج2 ص 226 دار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1415 هـ - 1994 م.
[23] شرح العقيدة الطحاوية؛ عبدالعزيز الراجحي ج1 ص 7.
[24] منهاج السنة النبوية، ج3 ص 171.
[25] محمد بن عبدالرحمن العاصمي الحنبلي - آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه، ج1 ص 13.
[26] مجموع الفتاوى ج5 ص 263.
[27] معارج القبول ج 2 ص 249.
[28] رواه مسلم، ج 4 ص 1994، رقم 2577.
[29] محمد بن عبدالوهاب - أصول الإيمان ج 1 ص 72.
[30] رواه البخاري، ج 2 ص 730، رقم 1968.
[31] رواه البخاري، ج 2 ص 536، رقم 1405.
[32] مقدمة سورة الأنعام - في ظلال القرآن - للسيد قطب.
[33] (وسس): الوَسْوَسة حديث النفس؛ أي: بما لا نَفْعَ فيه ولا خَيْرَ، والوسواس: الصوت الخفي من ريحٍ تهز قصبًا ونحوه، وبه يُشبه صوتُ الحُلي.
[34] رواه الترمذي، ج 4 ص 465، رقم 2165، وصححه الألباني، صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 165 رقم 2165.
[35] رواه أبو داود، ج 1 ص 205، رقم 547، وحسنه الألباني.
[36] ذكره الألباني في صحيح أبي داود، ج 3 ص 58، وحسنه في صحيح وضعيف سنن أبي داود، ج2 ص47، رقم547.
[37] الخُنُوس: الانقباضُ والاستخفاء، انْخَنَس انقبض وتأَخَّر، وقيل: رجع، ويقصد بذلك أن الشيطان يتقهقر ويتراجع عندما يسمع ذكر الله تعالى، إلا أنه لا يَلبث حتى يُقبِل مرة أخرى؛ ليستمر في وسوسته حين يَغفُل القلب عن ذكر الله تعالى، فلا يَمنعه من ابن آدم إلا الذكر.
[38] رواه البخاري في صحيحه، رقم 1174، ج 1 ص 413.
[39] أبو حامد الغزالي - إحياء علوم الدين ج3 ص 32.
[40] رواه مسلم ج1 ص 15 رقم 6.
[41] رواه البخاري، ج11 ص 59 رقم 3039.
[42] مسند أبي يعلى، ج7 ص247، رقم 4256، والبيهقي، شعب الإيمان، ج4 ص89، رقم4367، وحسنه الألباني، السلسلة الصحيحة، المجلدات الكاملة، ج4 ص294، رقم 1795.
[43] مختصر منهاج القاصدين؛ للمقدسي ج3 ص 4.
[44] رواه البخاري، ج 19، ص 74 رقم 5651.
[45] مختصر منهاج القاصدين، للمقدسي ج3 ص 4.
[46] رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131.
[47] رواه مسلم ج13 ص 424 رقم 5030.
[48] شرح النووي على مسلم ج17 ص 156.
[49] زاد المعاد في هدي خير العباد ج2 ص 362.
[50] رواه البخاري، ج9 ص405 رقم 2611.
[51] رواه البخاري في صحيحه رقم 52 ج 1 ص 28.
[52] رواه مسلم ج1 ص 66 رقم 43.
[53] رواه مسلم في صحيحه، رقم 2814، ج 4، ص 2167.
[54] رواه البخاري في صحيحه رقم 1995 ج 2 ص 741.