
06-03-2026, 11:07 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(16)

ذِكْرُ جملة من الأمور المُعِينة على التدبر، مما يكون مُشترَكًا بين الاستماع والتلاوة:
1 - إدراك أهمية التدبر وفائدته:
قال الحافظ ابن القيم - رحمه الله -: «فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر» (1).
وقد مضى الحديث عن هذا المعنى، لكن المراد هنا التنبيه على أن من لا يُدْرِك أهمية التدبر، فإنه لن يلتفت إليه.
2 - استحضار عظمة المتكلم بالقرآن:

فإذا كان الإنسان يَتَمَعَّن كثيرًا حينما يقرأ خطاب من يُعظِّمه من البشر، ويقف مع كل حرف فيه، ويتأمل في مضامينه، فإن كلام الله تعالى أولى بذلك، وأحق لدى أصحاب القلوب الحيَّة.
قال ابن قدامة - رحمه الله -: «وليعلم أن ما يقرؤه ليس كلام بشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه، ويتدبر كلامه؛ فإن التدبر هو المقصود من القراءة» اهـ (2).
قال الحارث المحاسبي: «إذا كان كلام العالم أولى بالاستماع من كلام الجاهل، وكلام الوالدة الرَّؤُوم أحق بالاستماع من كلام غيرها، فالله أعلم العلماء وأرحم الرحماء، فكلامه أولى كلام بالاستماع، والتدبر، والفهم» اهـ (3).
وقال: «إذا عَظُم في صدرك تعظيم المتكلم بالقرآن، لم يكن عندك شيء أرفع، ولا
أشرف، ولا أنفع، ولا ألذ، ولا أحلى من استماع كلام الله - عز وجل -، وفهم معاني قوله تعظيمًا وحبًّا له، وإجلالًا؛ إذ كان تعالى قائله، فَحُبّ القول على قَدْر حُبّ قائله» اهـ (4).
3 - ما ينبغي أن تكون عليه تصوراتنا ونظرتنا للقرآن:
إن النظرة القاصرة، وفساد التصور تجاه القرآن الكريم، يُقْعِدان صاحبهما عن تدبر كتاب الله تعالى، وطلب الهدى منه، وذلك حينما ينظر بعضهم إلى القرآن باعتبار أنه مجرد كتاب مُقَدَّس يُتلى لتحصيل الأُجور، وربما لمجرد تحصيل البركة، فيضع المصحف في بيته أو مركبته، أو أنه ملجأ أرباب العِلَل والأدواء فَيَسْتَرْقُون به لكشف ما ألَمَّ بهم، أو أنه إنما يُقْرأ مجرد قراءة في المآتم أو افتتاح بعض المناسبات، أو أنه نزل
ليعالج بيئة مُتَخَلِّفة يعبد أهلها الأصنام، فدعاهم إلى تركها وعبادة الله وحده دون ما سواه، فهو يعالج تلك الحِقْبَة الغابرة، ولا تَعَلُّق له بالواقع المعاصر وتعقيداته! ! إلى غير ذلك من التصورات الضيقة.
فمن كانت هذه نظرته إلى هذا الكتاب، فلا يُظَن به أنه سَيُقْبِل عليه بتدبر وتفهم؛ ليستخرج من كنوزه وهداياته؛ إذ الناس- كما قيل- أسرى لأفكارهم ومعتقداتهم.
والله تعالى قد وصف هذا الكتاب بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89).
واتلُ بفَهمٍ كتابَ اللهِ فيهِ أتَتْ ... كلُّ العلومِ تَدَبَّرْهُ ترَ العَجَبا (5)
فينبغي النظر إليه باعتبار أنه كتاب هداية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}
(الإسراء: 9)، يُحيي الله به موتى الأرواح: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الأنعام: 122)، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال: 24)، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1).
وإذا أردت أن تعرف عظمة هذا القرآن، وتأثيره في النفوس والمجتمعات، فتأمل ما وصفه الله تعالى به في مواضع كثيرة، حيث وصفه بأنه كريم، وحكيم، وعظيم، ومجيد، ومبارك، وعزيز، ومُهيمِن، وعلِيّ، وهُدى، ورحمة، وشفاء، ونور، وذِكْر، وموعظة، ورُوح، وتفصيل كل شيء، وبصائر، وأنه حق، وبرهان، إلى غير ذلك من الأوصاف.

كما سماه بالفرقان؛ لأنه يفرق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، وبالقرآن؛ لأنه جمع ثمرة الكتب قبله.
فالواجب أن يُقبل المسلم على كتاب ربه إقبالًا يليق بهذا القرآن العظيم، «ويعرف أنه سِيق لهداية الخلق كلهم، عالِمِهم وجاهلهم، حضريهم وبدويهم ... فمن وُفِّق لذلك لم يبق عليه إلا الإقبال على تدبُّرِه وتَفَهُّمه، وكثرة التفكر في ألفاظه ومعانيه، ولوازمه وما تتضمنه ... وما يدل عليه منطوقًا ومفهومًا، فإذا بَذَلَ وُسْعَه
في ذلك فالرب أكرم من عبده، فلا بد أن يفتح عليه من علومه أمورًا لا تدخل تحت كسبه» (6).
قال ابن القيم - رحمه الله -: «هو أعظم الكنوز، طَلْسَمُهُ الغوص بالفكر إلى قرار معانيه» اهـ (7).

فتَدَبَّرِ القرآنَ إن رُمْتَ الهُدى ... فالعِلمُ تحتَ تدَبُّر القرآنِ (8)
4 - استحضار أنك المُخَاطَب بهذا القرآن:
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فأَصْغِ لها سمعك، فإنه خير تُؤمر به، أو شر تُصرف عنه» (9).
وقال الحسن: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها في النهار» (10).
وقال محمد بن كعب القرظي - رحمه الله -: «من بلغه القرآن، فكأنما كلَّمه الله» (11)، وعَقَّبه في الإحياء بقوله: «وإذا قَدَّر ذلك لم يتخذ قراءة القرآن عَمَلَه، بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه، الذي كتبه إليه؛ ليتأمله ويعمل بمقتضاه» (12).
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 553).
(2) مختصر منهاج القاصدين، ص: 68، وينظر: الإحياء (1/ 282).
(3) العقل وفهم القرآن، ص: 247
(4) السابق، ص: 302
(5) تفسير القرطبي (1/ 41)
(6) تفسير السعدي ص: 23 - 24.
(7) مدارج السالكين (1/ 453).
(8) النونية، رقم (736).
(9) سنن سعيد بن منصور (50، 848 التفسير).
(10) تقدم ص: 50.
(11) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1271).
(12) الإحياء (1/ 285)

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|