عرض مشاركة واحدة
  #13  
قديم اليوم, 01:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان




حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(13)




القناعـــة



الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ..​
​أما بعد ، أسأله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن رُزق القناعة في كل شأنه ..إن من عبادات القلوب التي يتقرب المؤمنون بها إلى ربهم عبادة القناعة.​

القناعة: أن يقنع الإنسان بما قدر له الله من الرزق، والقناعة رضا العبد بالمقسوم من الأرزاق مع عدم تطلع القلب إلى غير ما في يدي صاحبة ..القناعة نعمة عظيمة ينعمها الله على بعض عباده ، فتهنأ نفوسهم وترتاح قلوبهم وقد بشّرت الحياة الطيبة بقوله تعالى ) فَلَنُحِييَنَّهُ حَيَاةً طَيبَةً ( بالقناعة والرضا والرزق الحسن .​

​إن كثرة مال المرء لا تعني غناه ولا سعادته، وإنما الغنى في القناعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ] .متفق عليه.​
ومن أسباب القناعة عدم تطلع الإنسان إلى من فضّله الله عليه في أمور الدنيا وإنما يطالع من كان أقل منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [أنظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ] وبذلك يحصل للمرء القناعة و الرضا بما رزقه الله فيكون من أهل العفاف،يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ومن يستعفف يعفّه الله ومن يستغني يغنه الله] متفق عليه.​
إن القناعة كما يحصل بها راحة البال وهدوء النفس.. يحصل بها الفلاح والنجاح دنياً وآخرة، في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه] ،عند ابن حبّان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنّعه الله به] ،وفي الحديث الاخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

[من أصبح معافىً في بدنه آمناً في سربه، عنده قوت يومه وليلته،فكأنما حيزت له الدنيا].​
عند ترك الإنسان للقناعة تنشأ الخصومات الجالبة للسوء في الدنيا والآخرة، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم] فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة ، بسبب حبها وشدّة الحرص عليها والمنافسة فيها والجزع من أجلها،فما أشنع آثار ترك القناعة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:[ ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه ] .​
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يجعله من أهل القناعة، فقد ورد أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بين الركنين ( ربي قنعّني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليا كل غائبةٍ بخير..).​
القناعة لا تعني أن يرد العبد ما يصل إليه من أرزاق الله أو من

الهدايا والهبات..ولكن القناعة عدم تطلع العبد إلى ما لم يقّدره الله له وعدم حزنه على فوات بعض الأرزاق عليه..​
، فمن كان كذلك فما أعظم بركة الله عليه! جاء في حديث حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله e فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورِكَ له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبَارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع».
قال سعد بن أبي وقاص t لابنه: «يا بني، إذا طَلَبْتَ الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد، وإياك والطمع؛ فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس؛ فإنك لم تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه»، ولن يترك المرء القناعة إلا لأحد أمرين: إما حرص وجشع، وإما لخسة ومهانة وإضاعة.
إن القناعة لا تعني أن يترك الإنسان سبل الاكتساب، أو أن لا يبذل المرء الأسباب لتحصيل الأرزاق، فذلك ليس من القناعة في شيء،

بل هذا من الكسل وعدم القيام بما رغب الله فيه من الاتجار، قال أنس t: «أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص» فإن الحرص والجشع مما يضاد القناعة.
قال ابن القيم: «الحرص والكَلَب على الدنيا رأس كل خطيئة، وأصل كل بلية، وأساس كل رزية، ولذا قيل: القناعة كنز لا يفنى، وأطيب العيش القناعة»، قال بعضهم: «أول ذنب عُصي الله به نتج من الحرص والكبر والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل».
وقال ابن القيم عن سوء الخاتمة: «لسوء الخاتمة أسباب: أعظمها الانكباب على الدنيا، وطلبها، والحرص عليها، والإعراض عن الآخرة».
إن القناعة تجعل العبد يؤدي حقوق الله المالية، بل تَجْعُلُه ينفق في الطاعات من غير الواجبات، فيعظم بذلك أجره، ويُخْلِفُ الله عليه ما أنفقه، فإن الله قد وعد المنفقين بالخلف: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]،

وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك»، وفي الحديث النبوي: «ما من صباح إلا وينادي فيه مناديان، يقول أحدهما: اللهم أعط كل منفق خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا».
ومما يعين العبد على تحصيل القناعة: العلم بأن الأرزاق بيد الله، كما قال سبحانه: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:
٦٢].
ومما يعين على ذلك: أن يعلم العبد أن الله عز وجل قد تكفَّلَ بإيصال الأرزاق إلى العباد، وتكفل بإيصال ما قُدِّر لكل عبد إليه، كما قال سبحانه: ﴿ ۞ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وفي الحديث: «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله».
إن الحرص يُنْقِص من قدر المرء عند الله وعند الخلق. إن الحرص لا يستجلب رزقًا ولا يؤثر في قضاء الله، وفي الخبر: «لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق له، فأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم».

إن الحرص مؤثر سلبًا على قلب المرء وتصوراته، فإنه يمنعه من تمام العلم وكمال التصور، فالحرص يمنع من الاستمتاع بِنِعَمِ الله، والقناعة تورث طمأنينة القلب وانشراح الصدر، بينما الجشع يورث قلق القلب واضطرابه وهمه وغمه.
إن ترك القناعة يؤدي إلى الشح والبخل والظلم، وهي أفعال مذمومة شرعًا، فإن أصل الشح شدة الحرص، فيتولد عنه البخل والظلم، قال تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
أباح الله لبني إسرائيل الصيد في جميع أيام الأسبوع إلا يوم السبت، فلم يدعهم حرصهم وجشعهم حتى تعدوا إلى الصيد فيه، فعاقبهم الله بالحرمان التام مع تحويلهم قردة وخنازير، ولذا فيترك المرء مجالسة أهل الحرص على الدنيا لعله يسلم مما هم فيه.
أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم القناعة، وأن يُبْعِدَ عنا الحرص والجشع.
هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.74%)]