
يوم أمس, 01:55 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,844
الدولة :
|
|
رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان
الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(12)

وقال ابن عاشور - رحمه الله: «فالاستماع والإنصات المأمور بهما المُؤَدِّيان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الأدلة على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المُفْضِي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ، واستدعاء النظر، والعمل بما فيه» [1].
وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم:
«اقرأ عليَّ القرآن»، قلت: أأقرأ عليك وعليك أُنزل؟ ! قال: «إني أُحبُّ أن أسمعَه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} (النساء: 41) ، قال: «حسبك»، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان» [2].
قال ابن بطال - رحمه الله: «يحتمل أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - أَحَبَّ أن يسمعه من غيره؛ ليكون عَرْضُ القرآن سُنَّة تُحْتَذى بها، كما يحتمل أن يكون لكي يتدبَّرَه ويتفهمه؛ وذلك لأن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها» [3].
قال ابن تيمية - رحمه الله: «هذا سماع سلف الأمة، وأكابر مشايخها وأئمتها كالصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المشايخ؛ كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان
الداراني، ومعروف الكرخي، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي، وأمثال هؤلاء، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول لأبي موسى - رضي الله عنه: ذَكِّرْنا
ربنا، فيقرأ وهم يسمعون ويبكون [4]،
وكان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم أن يقرأ القرآن، والباقي يستمعون» اهـ [5].
وقد قص الله تعالى علينا خبر الجن وما جرى لهم من ذلك، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} (الأحقاف: 29) ، وذم الكافرين فقال: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26) ؛ لأنهم يعلمون أن ذلك الصنيع يحول بينهم وبين القرآن فلا يتأثرون به.
ويحسن التنبيه هنا لأمرين:
الأول: أن ينظر المرء فيما يكون أدْعَى للتدبر بالنسبة إليه: القراءة أو الاستماع؛ فإذا كان الاستماع، فليجعل لنفسه منه حظًّا صالحًا.
الثاني: من المعلوم أن الإنسان قد يتأثر ببعض التلاوات المسموعة أكثر من غيرها، وينجذب قلبه إليها، فيحسن أن يكون سماعه لمن يكون بهذه المثابة، لاسيما إذا كانت القراءة مُسَجَّلة في صلاة؛ فإن ذلك مَظِنَّة التأثر والخشوع، وهو أمر مُشَاهَد.
وأما القراءة: فإنها الطريق إلى التدبر كالاستماع، فإذا راعى القارئ ما ينبغي له عندها، فإن ذلك يكون أدعى للتدبر والانتفاع بها؛ فمن تلك الأمور:
1 -
 التهيؤ لها: وذلك من وجوه عدة؛ منها:
أ. اختيار الوقت المناسب، ولا شك أن أفضله ما كان ليلًا، وأفضل ذلك ما كان بعد نوم لمن وُفِّق له، حيث قال - سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} (المزمل: 6) ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} : «هو أجدر أن يفقه القرآن» [6].
ويقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن مُدَارَسَة جبريل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل ليلة من رمضان: «المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مَظِنَّة ذلك؛ لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية» اهـ [7].

وقال النووي - رحمه الله: «ينبغي للمرء أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة، وإنما رجحت صلاة الليل وقراءته؛ لكونها أجمع للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيَات والتصرف في الحاجات، وأصون عن الرياء وغيره من المُحْبِطَات، مع ما جاء به الشرع من إيجاد الخيرات في الليل، فإن الإسراء بالرسول كان ليلًا» اهـ [8].
وقال الحسن [9]: «إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل، ويتفقدونها بالنهار» [10].
وقال السَّرِي السَّقَطِي: «رأيت الفوائد تَرِد في ظلام الليل» [11].
(1) التحرير والتنوير (9/ 236) .
(2) رواه البخاري (4583، وأطرافه في: 5050، 5055) ، ومسلم (800) .
(3) شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/ 277 - 278) .
(4) رواه الدارمي (3536) ، وأبو عبيد في الفضائل ص: 163.
(5) مجموع الفتاوى (10/ 80) ، رسالة التحفة العراقية.
(6) رواه أبو داود (1304) .
(7) فتح الباري (8/ 674) .
(8) التبيان ص: 52 - 53.
(9) في المحرر الوجيز وتفسير الثعالبي: الحسن البصري، وفي التبيان: الحسن بن علي - رضي الله عنه -.
(10) المحرر الوجيز (1/ 39) ، والتبيان ص: 45 - 46، وتفسير الثعالبي (1/ 134) .
(11) حلية الأولياء (10/ 119) .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|