عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 02-03-2026, 12:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,868
الدولة : Egypt
افتراضي تفسير قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ...}

تفسير قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً... ﴾

د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274].


معاني الكلمات الواردة في الآية:
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَي: يتطوَّعُون بالصدَقَة في الليل والنهار، ﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً؛ أي خفيةً وظاهرًا، ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْأي ثواب أعمالهم يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات، ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: لا يخافون إذا خاف الناس، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: ولا يحزنون إذا حزن الناس[1].

ومن فوائد الآية[2]:
استحباب الإنفاق في وجوه الخير.

اشتمال الآية على ثلاثة عمومات:
الأول: عموم الإنفاق: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ولم يقل مثلًا يطعمون، فالإنفاق بابٌ واسع يشمل الإطعام والكسوة، كما يشمل سداد الدين ودفع المغارم، وإعداد العدة في سبيل الله تعالى، وإمداد المحاربين، وشراء ما يُخَصَّص للنفع العام، كشراء عثمان ــــ رضي الله عنه ــــ بئر رُومة.

الثاني: عموم الأزمان ﴿ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فليس للصدقات وقت معلوم تُقبل فيه، وآخر تُرَدُّ وتُرفَض، بل هي خيرٌ كلها؛ إذ المقصود منها النفع العام، وهو متحقَّق فيها ليلًا ونهارًا.

الثالث: عموم الأحوال﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾.

فالمنفقون يعمُّون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجَّلوا قضاءها، ولم يؤخِّروها، ولم يتعلَّلوا بوقت ولا حال.

ومن فوائدها:
أنّ الله مدح المعلنين بالصدقة كما مدح المسرِّين بها ما دامت الصدقات قد قُصد بها مرضاة الله تعالى، وسلِمت من آفاتها، وهي المنُّ والأذى والرياء.

ومنها: أنَّها تحرِّض أهل الغنى واليسار على الإنفاق في جميع الأوقات والأحوال، وأنَّ الذين ينفقون أموالهم في كلِّ وقت وكلِّ حالٍ، ولا يقبضون أيديهم مهما لاح لهم طريق للإنفاق، هم الذين بلغوا نهاية الكمال في الجود والسخاء، وطلب مرضاة الله ـــ تعالى ــــ إذ هو أحسن وأكمل وجوه الإنفاق.

ومنها: الإشارة إلى أن صدقة السرِّ أفضلُ من صدقة العلانية، وذلك لأنَّه قدَّم الليل على النهار، والسرَّ على العلانية في الذكر، ولأن في الإخفاء والستر احتياطًا للنفس وصونًا لها عن كل ما يؤدي إلى الرياء؛ لأنَّ الإعلان بها قد يؤدي إلى الحمد والثناء، وقد يستمرئ المعطي ذلك، ويَستطيبه، ثمَّ يَطلبه ويقصده، وعند ذلك يدخل الرياء؛ إذ يجد الثغرة في هذا الموضع، فينفذ إلى النفس منها.

ومنها: أن الجمع بين السرِّ والعلانية يقتضي أنَّ لكل منهما موضعًا تقتضيه الحال، وتفضِّله المصلحة، لا يحلُّ غيره محلَّه، فلا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية، فإن نفقة المنفق في أي وقت وعلى أي حال وُجدت سببًا لأجره وثوابه.

ومنها: الإشعار ـــ عن طريق المفهوم ــــ بأن البخلاء محرومون من هذا الأجر الجزيل، وأنهم عرضة للخوف والحزن.

ومنها: أن الأجر إنما استُحِقَّ عن الإنفاق.

ومنها: أن الآية اشتملت على ثلاثة أنواع من الجزاء للمنفقين بإخلاص غير مقيَّدين بزمان ولا حال ولا مكان، ولا قدرٍ من الإنفاق، ولا نوع منه:
الأول:كثرة ثوابهم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف أجرهم إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾، والثواب عند العظيم يكون عظيمًا.

الثاني:البشارة للمنفقين بطيب العيش في الدنيا، فلا يخافون مما يخاف غيرهم من الكفار وضعفاء الإيمان، وعبيد الدنيا من مكروه يتوقَّع كلقاء العدو، أو بخس في الحقوق، أو رهق يغشاهم بالظلم والذلِّ؛ قال الله: ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ﴾ [الجن: 13]، ولا هم يحزنون من مكروه أو ذهاب محبوب وقع بالفعل.

الثالث:انتفاء الخوف والحزن عنهم في الآخرة، فلا خوف يقع عليهم ويرهقون به مما يخاف الكفار والفُسَّاق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ﴾ [الأنبياء: 103]، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم.

ومن فوائدها:
كرم الله ــــ عزَّ وجلَّ ــــ حيث جعَل هذا الثواب الذي سببه منه وإليه، أجرًا لفاعله؛ كالأجير إذا استأجرته، فإنَّ أجره ثابت لازم.

[1] ينظر: بحر العلوم للسمرقندي، (1/ 59)، التفسير الوسيط، للواحدي، (2/ 553)، تفسير ابن كثير، (1/ 545)، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، للفيروز آبادي، (1/ 471).

[2] ينظر: النكت للقصاب الكرجي، (2/ 200)، التفسير البسيط، للواحدي، (4/ 461)، تفسير الرازيّ، (7/ 74)، تفسير ابن القيم، (ص160)، تفسير المنار لمحمد رشيد، (3/ 77، 11/ 341)، التحرير والتنوير لابن عاشور، (3/ 78)، زهرة التفاسير لأبي زهرة، (2/ 1038)، تفسير ابن عثيمين، (3/ 373).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 20.42 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.08%)]