
01-03-2026, 01:25 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,829
الدولة :
|
|
رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان

- الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
- خالد بن عثمان السبت
- (11)

الثاني: أشرنا سابقًا إلى التفاوت الحاصل بين القلوب من ناحية حياتها ومرضها وموتها، وقوتها وضعفها؛ فالقلب قد يكون مريضًا أو ضعيفًا، فإذا أصغى صاحبه بسمعه مع حضور القلب حال الاستماع أو القراءة، فإنه ينتفع ويعتبر، ما لم يصل إلى حال الطمس والختم على القلب؛ ولهذا فإن من الكفار من يتأثر بسماع القرآن، وقد يكون ذلك سبب دخوله في الإسلام، كما وقع ويقع في القديم والحديث؛ وقد سمع جُبير بن مُطْعِم - رضي الله عنه - قبل إسلامه النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} (الطور: 35 - 37) ، قال: كاد قلبي أن يطير [1].
قال الخطابي: «كأنه انزعج عند سماع هذه الآية؛ لفهمه معناها، ومعرفته بما تضمنته، ففهم الحجة، فاستدركها بلطيف طبعه ... » اهـ [2].
الشرط الثاني: العمل الذي يصدر من المكلف (الاستماع، أو القراءة، مع حضور القلب) :
وإليك بيان هذا الشرط وما يتعلق به:
أما الاستماع: فيكفي في ذلك قول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) .
يقول ابن سعدي - رحمه الله: «هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يُتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث، أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه، وأما الاستماع له
(1) رواه البخاري (4854) .
(2) فتح الباري (8/ 479) .
فهو أن يُلقي سمعه ويُحضِر قلبه، ويتدبر ما يستمع، فإن من لاَزَم هذين الأمرين حين يُتلى كتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا، وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًّا متجددًا، وهدًى متزايدًا، وبصيرةً في دينه؛ ولهذا رَتَّبَ الله حصول الرحمة عليها، فدل ذلك على أن من تُلي عليه الكتاب فلم يستمع له ويُنْصِت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير» اهـ [1].
وقال القرطبي - رحمه الله: «حُسْن الاستماع كما يجب قد مدح الله عليه، فقال: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الزمر: 18) ، وذم على خلاف هذا الوصف فقال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} (الإسراء: 47) ، فمدح المُنْصِت لاستماع كلامه مع حضور العقل، وأَمَر عباده بذلك أدبًا لهم، فقال: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: 204) ، وقال هاهنا: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} (طه: 13) ؛ لأنه بذلك ينال الفهم عن الله تعالى.
وعن وهب بن مُنَبِّه - رحمه الله - أنه قال: من أدب الاستماع سكون الجوارح، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور العقل، والعزم على العمل؛ وذلك هو الاستماع كما يُحِب الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه، ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويَحصُر عقله فلا يُحَدِّث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم.
(1) تفسير السعدي (ص 345) .
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر [1]، فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه، عليه الصلاة والسلام، بنية صادقة على ما يُحِب الله، أفهمه كما يُحِب، وجعل له في قلبه نورًا» اهـ [2].
وقال أبو بكر الآجري - رحمه الله: «وإن الله وعد لمن استمع كلامه، فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل، ولزوم الواجب لاتباعه، والعمل به، يبشره منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب» اهـ [3].
ويقول ابن تيمية - رحمه الله: «ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعقله، وتَدَبَّره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة، والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا مَنظومِه ولا منثورِه» [4].
وقال تلميذه ابن القيم - رحمه الله: «سماع القرآن بالاعتبارات الثلاثة: إدراكًا وفهمًا، وتدبُّرًا، وإجابةً ... فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشادًا لحجة، وتبصرة لعِبْرَة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد ... وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة، وكشف شبهة» [5].
(1) رواه البيهقي في الشعب (1658) ، وروى البيهقي أيضًا في الشعب (1657) هذا الكلام بنحوه عن محمد بن النضر الحارثي.
(2) تفسير القرطبي (11/ 176) .
(3) أخلاق أهل القرآن للآجري ص: 7.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 749) .
(5) مدارج السالكين (1/ 484 - 485) .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|