عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم يوم أمس, 01:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان




حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(7)





الــــزهـــــد
الحمد لله الذي جعل الدنيا مزرعة الآخرة ، نحمده سبحانه ونشكره ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا ..
أما بعـــــــــــــد ...
فإن من عبادات القلوب التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم -جل وعلا - عبادة الزهد ..
والزهد : عدم رغبة القلب فيما لا ينفع في الدار الآخرة ، بينما الورع / ترك ما يضر
في الآخرة .
قال أبو واقد الليثي - رحمه الله تعالى -" تابعنا الأعمال أيها أفضل ، فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزهد في الدنيا "

وقال الحسن البصري :" ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ، وإضاعة المال ،

ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب بك منها فيما لو لم تصبك .​
الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، بحيث تصغر الدنيا في عينيك ، فيسهل عليك الإعراض عنها ..​
الزهد سفر القلب من وطن الدنيا ، وأخذه في منازل الآخرة .​
ومتعلّق الزهد ستة أشياء ، لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها ، يزهد العبد في المال ، ويعلم أن المال ليس مقصوداً لذاته ، وإنما هو وسيلة لغيره .​
ويزهد في الصور ، وفي الرياسة ،وفي الناس ، وفي النفس ،و كل ما دون الله ..​
وليس المراد في الزهد في الدنيا .. أن يرفض العبد الدنيا بكمالها وأن لا يتملّكها ، فقد كان سليمان و داؤود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ،ومع ذلك كانا لهما من المال والملك والنساء ما لهما ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق ،ومع ذلك كان له تسع نسوة .​
العلم مع الزهد والعبادة .. يلطف القلب ويرققه ، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة ، فيشمل الزهد .. الزهد في الحرام وهو فرض عين بحيث يعرض المرء عن المعاصي والذنوب .
، ويشمل الزهد: الزهد في الشبهات، وله مراتب عديدة يختلف حكمها، ويشمل الزهد في الفضول، بترك ما لا يعني من الأقوال وأعمال الجوارح، وما لا ينفع في الآخرة.

وكذلك يشمل الزهد: الزهد في النيات والإرادات بأن يقصد المرء بعمله كله وجه الله والدار الآخرة.
قال سفيان الثوري: «الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا بلبس
العباءة». وقد أمر الله جل وعلا بالزهد في مواطن من كتابه كما قال سبحانه: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: ١٣١]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]، وقال سبحانه:

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ١٩ - ٢٠]، وقال:﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤].
وفي السنن قال النبي e: «من كانت الدنيا همه فَرَّقَ الله عليه أمره، وجعل فَقْرَه بين
عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيَّتَه جَمَعَ الله أمره، وجعل غِنَاه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة».
وفي الصحيح: «إن المكثرين هم المُقِلّون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللهُ خَيْرًا فنَفَحَ
فيه يمينه وشماله وبين يديه وخلفه، وعمل فيه خيرًا كثيرًا».
ويعين على الزهد: أن يَعْرِف المرءُ أن الدنيا زائلة عما قريب، وأنها لن تبقى، ولذلك حذرنا الله تبارك وتعالى من الاغترار بها، وفي الحديث: «كنت نهيتكم عن زيارة
القبور، فزوروها؛ فإنها تزهد في الدنيا وتُذَكِّر الآخرة».

ومما يعين على الزهد: أن يكون المرء صادق اليقين، تام الإيمان بالدار الآخرة المحتوية على النعيم المقيم والشقاء الدائم، مما يجعل المرء يزهد فيما يكلل سرعته في مشيه إلى جنة الخلد، وفي الحديث الصحيح: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يُقَال: يا ابن آدم، هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يارب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصْبَغ صبغة في الجنة، فيقول الله له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مَرَّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط».
ومما يعين على الزهد أيضًا: أن يعرف العَبْدُ أن الزهد لا يمنع من نعم الله في الدنيا،
بل زهده فيها يجعل الدنيا تأتيه وهي راغمة، فالزهد لا يمنع من استعمال الدنيا في ما يرضي الله، والزهد لا يمنع من وصول نعم الله إلى عبد الله، بل زهده في الدنيا يكون من أسباب تنعُّم الله على العبد، ولا يمنع الزهد من وصول ما كتبه الله لك يا أيها العبد، كما أن حرص العبد على الدنيا لا يجلب له من الدنيا ما لم يُقَدَّر له فيها؛ لذلك علينا أن نكون من الزاهدين حيث نعمل الأسباب تقرُّبًا لله لا مَحَبّة في الدنيا،

ونكتَسِب رغبة في أن نُغْنِي أنفسنا عن خلق الله، لا محبة للفخر والرياء والرفعة في الدنيا.
ومما يعين على الزهد: أن يعرف العبد حقيقة الدنيا، وأن يتلفَّت إلى ما حوله من النعم، وأنها عما قريب منتقلة عنه، فكم من صاحب مال كثير زال عنه ماله؟! وكم من صاحب شركات عظيمة زالت عنه شركاته؟! قال تعالى:﴿ مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ
بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦].
ويعين على الزهد: أن يقارن العبد بين الدنيا والآخرة؛ فإن نعيم الآخرة دائم ونعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة صاف غير مكدر ونعيم الدنيا مكدر بالمصائب قال تعالى: ﴿ قُلْ
مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
وفي سنن ابن ماجه أن النبي e قال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» الزهد فيما ينفع في الدار الآخرة ليس من الدين في شيء؛ فإن
بعض الناس يعتقد أن ترك نعم الله وتحريم المباحات من الزهد، وهذا فَهْمٌ خاطئ مغاير لدين الإسلام ليس من الدين في شيء،

بل صاحبه قد اعتدى على شرع الله بتحريم ما أحل الله، فيكون داخلًا في قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [المائدة: ٨٧].
قال محمد بن كعب القرظي: إذا أراد الله بعبده خيرًا أزهده في الدنيا وفقهه في الدين، وبَصَّرَهُ عيوبه، ومن أوتيهن فقد أوتي خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿
وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]فمن كانت دنياه معينة على طاعة الله سببًا من أسباب الإقدام على أنواع القربات، فإنه حينئذ يكون من الزاهدين؛ لأنه لم يقصد الدنيا، وإنما قصد بما اكتسبه الآخرة، أما من كان مراده الدنيا ليفاخر الناس ويباهي بما عنده فإنه حينئذ ليس من الزهد في شيء.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من الزاهدين. اللهم يا حي يا قيوم عرِّفْنَا بحقيقة
الدنيا، واجعلنا يا حي يا قيوم ممن استعمل الدنيا لتكون سلمًا لرفعة الدرجة في الآخرة.
هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليم كثيرًا.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.68 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]