
24-02-2026, 01:10 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان
حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(6)
التـــفــاؤل
الحمد لله فارج الكُرُبات ..وأشهد أن لا إله الا الله مجيب الدعوات ..وأشهد أن محمد عبده ورسوله عليه أتم التسليم وأفضل الصلوات ، أما بعد ..
فإن من أعمال قلوب الصائمين ..التي يتقربون بها لله أن يتفاءلوا .. بحيث يتفاءل المرء بأن يغفر الله له في هذا الشهر الكريم ،شهر رمضان ، ويتفاءل بأن يستجاب له دعاءه ، ونتفاءل أيضا أن يمحّص الله ذنوبنا في شهر رمضان ،وأن يتقبل الله منا عباداتنا .
تأميل الناس في فضل الله عز وجل:
إذا أمّل الناس في فضل الله ، ورجوا إحسانه جلَّ وعلا عند كل سبب ضعيف أو قوي ، فهم على خير ولو غلطوا في جهة الرجاء ، فإن الرجاء خير لهم .
وإذا قطع العباد أملهم من الله ، وقطعوا رجاءهم من الله كان ذلك من أعظم الشرّ عندهم ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:
{قال الله ـ عزَّ وجل ـ أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء} وجاء في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال:{لا طيره وخيرها الفأل ، قالوا :وما الفأل ؟!قال :الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم}.
وفي الحديث: «لا طيرة وأحب الفأل الصالح».
وفي الترمذي أن رسول الله صلى الله غليه وسلم كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: يا راشد، يا نجيح. وفي السنن من حديث بريدة أن النبي صلى الله عله وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، ورئي بشر ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها ورُئِيَ بشر ذلك في وجهه.
وفي صحيح مسلم أن النبي r قيل له: «منا رجال يتطيرون. فقال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم». وجاء في الصحيح أن النبي r قد ذكر أن سبعين ألفًا من أمة محمد r يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وقد وصفهم النبي r بأنهم لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون،
فقوله: ولا يتطيرون: أي لا يتشاءمون، فإذا نُهِيَ عن التشاؤم دل ذلك على مشروعية ضده ألا وهو التفاؤل، وليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، والله تعالى قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر، ونحو ذلك.
فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي بها القلب، وإنما كان r يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، أما التفاؤل فإنه حسن ظن بالله سبحانه وتعالى.
والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال، وإذا كان التفاؤل محبوبًا محمودًا عند الله عز وجل، فإن الذي يقابله التشاؤم وهو من الأمور المذمومة،
ومن أمثلة ذلك: أن يتشاءم الإنسان بالأعداد أو الطير أو المرضى، وهذا من الأمور المحرمة في الشرع، والتطيّر إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به، ولم يعبأ به شيئًا فإنه لا يضره البتة، والطيرة باب من أبواب الشرك، ومن إلقاء الشيطان الوساوس في قلوب العباد، فهو من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ولهذا يعظم شأنه، ويكبر عند من يكثر العناية به، فمن تَطَيَّرَ زاده التطير شرًّا وشؤمًا، والمتطير متعب القلب، مُنَكَّد الصدر، كاسف البال، سيئ الخلق، يتخَوَّف من كل ما يراه ويسمعه، فهو أشد الناس وجلًا، وأنكدهم عيشًا، وأضيقهم صدرًا، وأحزنهم قلبًا، كم حَرَم نفسه بذلك من حظ؟! وكم منعها من رزق؟! وكم قطع عليها من فائدة؟!
واعلم بأنه ليس شيء أضر بالرأي ولا أفسد بالتدبير من اعتقاد الطيرة، ومن ظن أن خوار بقرة، أو نعيب غراب يرد قضاء، أو يَدْفَع مقدورًا فقد جهل.
وفي السنن: «الطيرة شرك»، وفي المسند: «مَنْ رَدَّته الطيرة من حاجة فقد أشرك»، وقد عاب الله تعالى على بعض الأمم السابقة بالتطير،
فقال سبحانه: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وقوم صالح: ﴿ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] فكان عاقبتهم سوء العاقبة دنيا وآخرة، وأصحاب القرية ﴿ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: ١٨] فرد عليهم أنبياؤهم: ﴿ قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [يس: ١٩].
وعلاج الطيرة يكون بحسن التوكل على الله، والاعتماد عليه، ومعرفة أنه لا يحدث شيء إلا بتقدير الله وخلقه، وأن القدر سابق على هذه الحادثة التي تشاءموا منها.
خرج عمر بن عبد العزيز في سفر فقيل له: القمر في الدبران، وكانوا يتشاءمون من ذلك، فقال: «إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار».
التطير ينافي التوكل، ويدل على قلة العقل، ويورث اضطراب النفس، ويؤدي إلى الكسل وترك العمل، وكثرة الفشل، التطير سيئ العاقبة دنيا وآخرة.
فيا أيها المؤمنون اجتنبوا التطير في جميع شئونكم، واتصفوا بصفة التفاؤل في كل أحوالكم، والله جل وعلا عند حسن ظنِّ عبده به، والله جل وعلا قد عَوَّدَكم الجميل، وبَيَّنَ لكم أنه ينصر أولياءَهُ المؤمنين، فتفاءلوا بنصر الله تجدوه.
هذا، والله جل وعلا أسأل أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يُصْلِحَ أحوالنا جميعًا، وأن يردنا إلى دينه ردًّا حميدًا.
هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|