
23-02-2026, 04:09 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان
حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا
الشيخ سعد بن ناصر الشثرى
(5)
ترك الحزن
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
أما بعد...فإن من الأمور التي ترد إلى القلوب ..الحزن ،
والحزن هو ألم القلب لوقوع مكروه ، أو فوات محبوب في الماضي ، والحزن لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة ، فلا فائدة فيه .. وإذا لم يقترن بالحزن محرم ، فإنه يُعفى عنه لقول النبي صلّى الله وسلم : [ إنّ الله لا يؤاخذ على دمع العين ولا حزن القلب ، ولكن يؤاخذ على هذا أو يرحم ] وأشار إلى لسانه صلّى الله عليه وسلم .
وقد نهى الله المؤمنين عن الحزن ، فقال سبحانه ) ولا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوَنَ إنْ كُنتم مُؤمِنِين ( أي لا تضعف أبدانكم ولا تحزن قلوبكم بسبب ما أصابكم من المصائب ،
فإن الحزن زيادة مصيبة .. وسببٌ لاستظهار عدوكم عليكم ، بل تشجعوا واطردوا عن قلوبكم الحزن ، إذ لا يليق بالمؤمن الحزن ، إذ أن المؤمن هو الأعلى الذي يرجو نصر ربه في الدنيا ، وهو الذي يؤمل رفعة الدرجة في الآخرة ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلم لأبي بكر الصدّيق : [لا تحزن إنّ الله معنا ] لما كانوا في الغار في ليلة الهجرة ..
إن الشيطان يحرص على إيقاع الأحزان في قلوب أهل الإيمان كما ورد في الحديث: «لَوْ تَفْتَحُ عمل الشيطان» أي: تفتح الحزن والجزع، وهذا يضر ولا ينفع، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠].
ومن الرؤيا المنامية ما يكون تحزينًا من الشيطان، كما ورد ذلك في الصحيحين، والنهي عن الحزن؛ لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر بالإرادة، فالحزن مرض للقلب يَمْنعه من القيام ببعض وظائفه، وإن كان الحزنُ ليس من اختيار العبد،
وإنما يقع في قلبه في أحيان كثيرة بدون أن يقصده، وإنما المرادُ أن يحاول العبدُ رفع الحزن الحاصل في قلبه.
والحزن نوع من أنواع المصائب التي يكفر الله بها الذنوب، كما قال النبي e: «ما يُصِيبُ المسلم من نصب –أي: تعب- أو وصب –أي: مرض- ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» متفق عليه. وعلى العبد إذا وقع الحزن في قلبه أن يتجنَّب التسخط من أقدار الله.
إن المؤمن حريص على إبعاد الحزن عن قلبه، ولذلك كان من دعاء النبي e: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن»، وفي الحديث: «التلبينة تُجِمُّ فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن» والتلبينة هي الحساء أو الشوربة من البر أو الشعير، وربما وضع معهما شيء من العسل أو اللبن.
والحزن قد يعرض لبعض عباد الله الصالحين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾
[التوبة: ٩٢]، ولما جاء خبر موت أهل مؤتة جلس النبي e يُعْرف فيه الحزن. وقال e: «إنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون» مع أن الأوْلى بالعبد أن يسعى جهدًه في إزالة الحزن عنه، فإن الحزن مضعف للقلب موهنٌ للعزيمة، لا يرُدّ من قضاء الله شيئًا، وإذا أصاب الحزن قلبَ المؤمن شكاه إلى ربه القادر على كل شيء، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦].
ويمتن الله تعالى على بعض عباده بإبعاد الحزن عنهم، كما قال سبحانه:
(أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ ٦٣ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ) [يونس: ٦٢ - ٦٤]، فالإيمان والتقوى من أسباب إبعاد الأحزان عنالقلوب.
ومن طُرُقِ إبعاد الحزن عن القلب: اتباع هدي الله الوارد في كتابه، كما قال سبحانه:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
إن الدار الخالية من الأحزان هي الجنة، كما قال تعالى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٧ - ٦٨]، وقال تعالى عن أهل الجنة: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، وقال:﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
ومن هنا جاءت الشريعة بالنهي عن الحزن الذي قد يعتري بعض قلوب المؤمنين من أجل صدود غير المسلمين عن دعوة الإسلام أو افترائهم الكذب على المسلمين، كما قال تعالى:﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]،
وقال: ﴿ وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: ٦٥]، وقال: ﴿ ۞ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ ۚ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان: ٢٣]، وقال:﴿ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦]، وقال: (قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ ٦٩ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِى ضَيْقٍۢ مِّمَّا يَمْكُرُونَ)[النمل: ٦٩ - ٧٠]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
إن المؤمنين لا يحزنون إذا حصل انتصار مؤقت لأعدائهم عليهم؛ فإن الآخرة خالصة لهم، وإن العاقبة الحميدة في الدنيا تكون لهم وما حصل ذلك الانتصار لأعداء الإسلام إلا لينقِّي الله المؤمنين ويصفِّيَهم، كما قال تعالى:
(وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٣٩ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌۭ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٤١ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ)[آل عمران: ١٣٩ - ١٤٢]، لم يرد في الشرع الأمر بالحزن المنافي لتمام الرضا أبدًا؛ إذ لا فائدة في الحزن، بل قد يكون فيه مضرة، لكنه يُعْفَى عنه إذا لم يَقْتَرِن به ما يَكْرهه الله، وقد يقترن بالحزن ما يجعل صاحبه يُثَاب عليه ويُحمد عليه، ويكون محمودًا من تلك الجهة، كمن يحزن على مصيبة في دينه، أو يحزن بسبب المصائب التي تُصِيب إخوانه المسلمين، فهنا يُثَاب العبد على هذا الحزن لما فيه من محبَّةِ الخير للآخرين وبُغْضِ الشَّرّ لهم.
أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يبعد عنا وعنكم الحزن.
هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|