عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 22-02-2026, 05:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,525
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نصائح ومواعظ للاسرة المسلمة______ يوميا فى رمضان




ماذا نتعلم من مدرسة رمضان؟
أبي الحسن بن محمد الفقيه
(4)

ومنزلة الصبر منزلة عظيمة عند الله، فهو شطر الإيمان, وبه نال المؤمنون أجرهم بغير حساب؛ لذلك فاكتساب هذه المنزلة في دروس رمضان من أعظم الثمار التي يجنيها الصائم من صومه، ينقضي رمضان .. لكن صبره على الطاعة لا ينقضي بانقضائه .. وصبره على المعصية لا ينقطع بانقطاعه.
فكما كان على الجوع لله صابرًا محتسبًا في رمضان؛ فكذلك في غير رمضان تجده صائمًا صابرًا عن الحرام لا يأكله .. وعن الكبائر لا يقربها .. وعن المعاصي والسيئات لا يتعمدها، فصبره يلازمه؛ لأنه به يتم إيمانه .. وبه تكون نجاته وفلاحه, كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

الدرس السادس: المجاهدة: والمجاهدة من أبلغ الدروس التي نتعلمها من مدرسة رمضان، فالصائم طيلة شهر رمضان يكون في جهاد مع نفسه ومع هواه، ومع الشيطان .. يكابد الوساوس .. ويدافع النزوات .. ويغالب الخطرات السيئة حتى يكمل له ثواب الصيام، ويغتنم أجره أحسن اغتنام.
وهذه المجاهدة التي يقتضيها صوم رمضان من أجل الخصال الموجبة للثبات على الدين والهدى, قال تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] ، لذلك فالصائم يجد ثمرتها العاجلة في نفسه ممثلة في سهولة قيامه بالعبادات؛ كذكر الله، وقراءة القرآن، وأداء الفرائض والنوافل .. فكلما جاهد نفسه وجد لذلك ثمرة في قدرته على الطاعة.
وفي هذه الخصلة درس آخر يأخذ منه المؤمن الفطين عبرة وعظة، ليوظفه في حياته
بعد رمضان .. فالنفس الأمارة بالسوء، والهوى والشيطان، ومغريات الدنيا وزينتها كل ذلك يقتضي منه مجاهدة صادقة، في رمضان وفي غيره، وما شهر رمضان إلا مدرسة, يجدد فيها المؤمن عزيمته على جهاد النفس، ويوطن فيها حزمه وقوته على الثبات، حتى إذا انصرم رمضان؛ استمر بجهاده وثباته يحذر الآخرة, ويرجو رحمة ربه. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] .

قال المفسرون: أي يكابد أمرًا من أمور الدنيا، وأمرًا من أمور الآخرة، وهذه المكابدة عامة في كل وقت من عمر الإنسان، وفي الحديث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله عز وجل» [1].
الدروس الأخلاقية من رمضان
ومن الدروس الأخلاقية التي نتعلمها من مدرسة رمضان:
الدرس السابع: سلامة اللسان: وفي الإشارة إلى هذا الخلق الفاضل جاءت أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وإرشاداته للصائم خاصة؛ ليجعل من صومه في رمضان, وامتثاله لتلك الوصايا الغالية طبعًا لا يفارق سلوكه وأخلاقه في سائر الحياة.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب» [2].
فهذا الحديث يحث المؤمن على سلامة اللسان، وعلى اجتناب الصخب والرفث ورديء
الكلام، وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس الصيام عن الطعام والشراب، وإنما من اللغو والرفث» [3].
وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [4].

فرمضان مدرسة تعلم المسلم إمساك اللسان، وتمرنه على أدب الحديث والكلام، وعلى


اجتناب كل موارد الهلاك التي غالبًا ما يكون اللسان هو مصدرها ومنبعها، وفي الحديث سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أيُّ المسلمين أفضل؟ فقال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» [5]، وفي الحديث أيضًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه, وما بين رجليه؛ أضمن له الجنة» [6].
ففي ضمان سلامة اللسان ضمان للجنة، لذلك كان هذا الدرس الذي يهمه المؤمن الصائم من مدرسة الصيام من أنفس الدروس وأغلاها، إذ كل صائم استطاع حفظ لسانه شهرًا كاملاً من الصخب والغيبة والنميمة والفحش وقول الزور والكلام الباطل لا شك أن ذلك سيحمله بعد رمضان على سلامة لسانه، وحفظه من العثرات.
الدرس الثامن: عدم الرد بالمثل: وهذا الدرس دل عليه قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: «فإن امرؤ سابه أحد أو قاتله, فليقل: إني امرؤ صائم» [7].
وهذا الخلق كما أنه يحفظ على الصائم صومه ويجنبه زلات اللسان التي قد تحصل له
إذا رد على من سبه
بالمثل؛ فهو أيضًا يولد في نفسه خلق التسامح، ويغرس فيه بذوره الطيبة حتى إذا انقضى رمضان, وهو على هذا الحال، وجد في نفسه قدرة على العفو والصفح والاحتمال، ونال بذلك شرف الخلق الحسن والدرجة التي وعد الله بها العافين عن
الناس.
فالمؤمن الصائم لا يحفظ لسانه عن الرد عن سب الآخرين في رمضان فقط، وإنما خلقه


أن يكون رده سلامًا, كما قال تعالى في صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
فرمضان إذن مدرسة تؤصل هذا الخلق في تلك العبارة الوجيزة - إني صائم - وهذا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - مر في ليلة مع حرسه في إحدى الأماكن المظلمة فدهس رجلاً دهسًا خفيفًا - وكان لم يره - فقال: ذلك الرجل لعمر: أأنت مجنون؟ فقال عمر: لا. فبادر أحد الحراس ليؤدب ذلك الرجل، فقال عمر بن عبد العزيز: على رسلك فإنما سألني هل أنا مجنون، فأجبته.
فانظر إلى جواب عمر بن عبد العزيز، فيه السمت نفسه الذي أمر به الصائم في صومه، وفيه الأدب نفسه الذي يقوله الصائم في صومه .. لا يبعث على شحناء، ولا يؤجج نارًا للفتنة.

وهكذا يجب على المؤمن أن يكون .. خلقه سلام وقوله سلام .. ليحشر في دار السلام.
الدرس التاسع: العفو والحلم: فرمضان شهر الرحمة والغفران، فيه ينشر الله جل وعلا رحمته، ويوسع مغفرته، فله في كل ليلة من ليالي رمضان عتقاء من رمضان.
وعد فيه الصائم المحتسب بالغفران .. ووعد القائم المحتسب بالغفران ... وجعل ليلة
القدر ليلة غفران .. وفي هذا من المعاني العظيمة ما يدفع المؤمن إلى أن يكون هو

الآخر عفوًا حليمًا كريمًا.
فعفو الله من العافين أقرب .. لأنه سبحانه يحب العفو .. كما قال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] .

والجزاء عند الله من جنس العمل، فمن عفا عفا الله عنه, ومن غفر غفر الله له، .. وفي هذا الدرس الرمضاني عبرة لكل مؤمن لكي يوطن نفسه على العفو عن الزلات، والحلم عن المخطئين، قال تعالى في مدح من هذا شأنه: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
الدروس الاجتماعية من رمضان
وفي رمضان ينهم المسلم دروسًا قيمة في التكافل الاجتماعي، والتعاون بين المسلمين، والتوحد على الخير، ومن هذه الدروس.
الدرس العاشر: الإحسان والصدقة: فرمضان شهر الجود والعطاء، والإحسان والزكاة
، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو القدوة والأسوة، كان حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة [8]، وكان - صلى الله عليه وسلم: «لا يسأل شيئًا إلا أعطاه» [9].
وفي هذا درس لكل صائم وتمرين له، وتعويد له على البذل والعطاء، والإحسان إلى
الفقراء والمساكين وذوي الحاجة.

ولك أن تتأمل في حال الصائم حينما يكسر الجوع حدته .. ويتذوق منه مرارته كيف يكون شعوره, وهو يحسن إلى البائس الفقير المعوز المحروم .. فلا بد أنه يستشعر ما يؤلم ذلك الفقير في غير رمضان من جوع وحرمان, وهذا المشهد .. وذاك الشعور أن يكون محفزًا قويًا على حمل النفس على البذل والإحسان والجود.
فالصدقة أجرها عظيم عند الله، وثوابها حاصل في رمضان وفي غيره، وإن كان حصوله في رمضان مضاعفًا
لبركة شهر رمضان، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن في الجنة غرفًا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» [10].
فرمضان يحث المؤمن على التكافل، ولعل هذا الخلق العظيم من مقاصد تشريع زكاة
الفطر التي أوجبها الله على كل مسلم بالغ يملك قوت يوم العيد وليلته.
الدرس الحادي عشر: توحيد المسلمين: فإن في توحد المسلمين في صيام رمضان في وقت واحد في شهر واحد، وحضورهم لصلاة التراويح، وإفطارهم وسحورهم في وقت واحد، وكذلك سرورهم بعيد واحد، فإن في هذا كله توحيدًا وجماعًا لكلمة المسلمين،
ينبغي لكل مسلم أن يجعل منه منطلقًا لجمع كلمة المسلمين على الخير والهدى، وعلى ما

يعود عليهم بالخير والصلاح في الدارين، وأن ينبذ أسباب الفرقة، وعوامل الشتات التي هي أحد على شوكة المسلمين من سيوف الكفار. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103] .
الخاتمة
أخي المسلم, إن شهر رمضان المبارك هو من أجل مواسم الخير التي يغنم فيها المسلم الأجر والثواب، لكن المؤمن الفطين لا تقف همته عند حدود هذا الشهر المبارك، وإنما يجعل منه منطلقًا لأعماله، ومدرسة يجدد فيها عزمه، ويعقد فيها حزمه على عبادة الله - جل وعلا - فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، ورب رمضان هو رب الشهور كلها، وما استحبه الله في رمضان استحبه في غيره.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
---------------------------------
(1) رواه أبو نعيم.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه ابن حبان.

(4) رواه البخاري.
(5) رواه البخاري ومسلم.
(6) رواه البخاري.
(7) رواه البخاري.

(8) رواه البخاري ومسلم.
(9) رواه أحمد.
(10) رواه أحمد.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.67 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]