عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم يوم أمس, 12:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



      • الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
      • خالد بن عثمان السبت
      • (3)

العلاقة بين التدبر وما يقاربه من الألفاظ
أولًا: علاقته بالتفسير:
إن أصل مادة (التفسير) تدور على الكشف والبيان؛ يقال: فسَّر الكلام؛ أي: أبان معناه وأظهره، فهو إخراج الشيء من مقام الخفاء إلى مقام التَّجَلِّي [1].
وأما في الاصطلاح: فهو علم يُبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية [2].

وبناء على ذلك، يقال في العلاقة بين التفسير والتدبر: بأن بينهما ملازمة؛ وذلك أن التوصل إلى مراد الله تعالى من كلامه يحتاج إلى تدبر ونظر وتأمل، كما أن التدبر يتوقف على معرفة المعنى. والله أعلم.
ثانيًا: علاقته بالتأويل:
التأويل يأتي لمعنيين [3]:
الأول: بمعنى التفسير؛ ومن ذلك قوله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 78) ، وقوله: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف: 82) ، وقوله: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (آل عمران: 7) ؛ على أحد الأوجه في التفسير.

فتأويل القرآن بمعنى تفسيره، وهو المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - في دعائه لابن عباس - رضي الله عنهما: «وعَلِّمْه التأويل» [4].
وهكذا تأويل الرؤيا يأتي بمعنى تفسيرها؛ كما في قوله تعالى: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ}(يوسف: 36) ، وقوله: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 6) ، وقوله: {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 21) ، وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} (يوسف: 44) ، وقوله: {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) ، وقوله: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} (يوسف: 45) ؛ فهذا كله بمعنى تفسير الرؤيا.
الثاني: بمعنى ما يصير إليه الشيء في ثاني حال؛ فتأويل الخبر بوقوع المُخْبَر؛ ومن ذلك قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (الأعراف: 53) ، وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس: 39) .
وهكذا يُعَبَّر بـ (التأويل) في الرؤيا بمعنى تحقق الوقوع، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ} (يوسف: 100) .
كما ورد بمعنى العاقبة؛ ومن ذلك قوله تعالى في موضعين من القرآن: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء: 59، الإسراء: 35) .

وهكذا يُعبر بـ (التأويل) عن امتثال المأمور، ومن ذلك حديث عائشة - رضي الله عنها: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»؛ يتأَوَّل القرآن [5].
بعد ذلك يمكن أن يُقَال بأن التأويل له تَعَلُّق بالتدبر باعتبار الإطلاقين السابقين، وبيان ذلك: أن تَعَلُّقه به من جهة إطلاقه مُرادًا به التفسير لا يخفى؛ إذ القول فيه كالقول في التفسير.
وأما وجه تَعَلُّقه بالتأويل إذا أُريد به المعنى الآخر: فإن ذلك يكون بالامتثال والعمل والتطبيق، وذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، إضافة إلى التفكر فيما يؤول إليه الإنسان، وما يقع في الدنيا والآخرة مما وعد الله به أهل طاعته وأهل معصيته، والله أعلم.
ثالثًا: علاقته بالبيان:
البيان: من بان الشيء: إذا اتضح وانكشف.
هذا من حيث الجملة، ويتقيَّدُ معناه بحسب مُتَعَلَّقِه، والمقصود هنا: ما يتعلق بالتدبر؛ وذلك بإطلاق البيان على ما يُشْرَح به المُجْمَل والمُبْهَم ويُكْشَف به عن المعنى، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (القيامة: 19) ، وقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (النحل: 44) [6].

رابعًا: علاقته بالاستنباط:
ترجع مادة (الاستنباط) إلى الاستخراج [7]؛ قال ابن جرير - رحمه الله: «وكل مُسْتَخرِج شيئًا كان مُسْتترًا عن أبصار العيون أو عن معارف القلوب، فهو له مُسْتَنْبِط» اهـ [8].
وبناء على ذلك، فإن الاستنباط من القرآن يكون بمعنى استخراج المعاني والأحكام وألوان الهدايات في العقائد والسلوك وغير ذلك، وهذا يكون نتيجة للتدبر كما لا يخفى، وهو قدر زائد على مجرد فهم اللفظ والكشف عن معناه، والله أعلم.
قال ابن القيم - رحمه الله: «وقد مدح الله تعالى أهل الاستنباط في كتابه، وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعِلَل، ونِسْبة بعضها إلى بعض، فيُعْتَبَر ما يَصِحّ منها بصحة مِثْلِه ومُشْبِهه ونَظِيره، ويُلْغَى ما لا يَصِحّ. هذا الذي يَعْقِله الناس من الاستنباط.
قال الجوهري: «الاستنباط: كالاستخراج» [9]، ومعلوم أن ذلك قَدْر زائد على مُجَرّد فَهْم اللفظ؛ فإن ذلك ليس طَرِيْقُه الاستنباط؛ إذ موضوعات الألفاظ لا تُنَال بالاستنباط، وإنما تُنَال به العِلَل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله سبحانه ذَمّ من سمع ظاهرًا مُجَرَّدًا فأَذَاعَه وأَفْشَاه، وحَمِد من استنبط من أُولي العلم حقيقتَه ومعناه.

ويُوَضِّحه: أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يَخْفَى على غير مُسْتَنْبِطه، ومنه: استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وقد سئل: هل خَصَّكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس؟ فقال: «لا، والذي فَلَق الحَبّة، وبَرَأ النَّسَمَة؛ إلا فَهْمًا يُؤْتِيه الله عبدًا في كتابه» [10].
ومعلوم أن هذا الفَهْم قَدْر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه؛ فإن هذا قَدْر مُشْتَرك بين سائر من يَعْرِف لغة العرب، وإنما هذا فَهْم لَوَازِم المعنى ونظائره، ومُرَاد المُتَكَلِّم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المُرَاد، ولا يَخْرُج منها شيء من المراد ... » اهـ [11]، ثم ذكر أمثلة لذلك.
خامسًا: علاقته بالفهم:
الفهم: قيل: هو تصور المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يتحقق بها ما يَحْسُن [12].
وبناء على ذلك، فإن الفهم يكون نتيجة للتدبر، كما أنه يكون وسيلة لما وراء ذلك من المعاني الداخلة تحت التدبر، فإن من التدبر ما لا يكون إلا بعد الفهم، والله أعلم.
وبهذا نعلم أن بين التدبر والفهم ملازمة، ولا يخفى أن الناس يتفاوتون في الفهم تفاوتًا كبيرًا، وكلٌّ يحصل له من التدبر بحسبه.


----------------------------------------------
(1)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الفاء، باب الفاء والسين وما يثلثهما) (4/ 504) ، الصحاح (مادة: فسر) (2/ 781) ، المصباح المنير (مادة: فسر) ص: 385، واللسان (مادة: فسر) (5/ 55) ، المفردات (مادة: فسر) ، ص: 38.
(2)
ينظر: قواعد التفسير (1/ 29) .
(3)
وذلك هو المعهود في القرآن، وفي كلام العرب. وللمتأخرين إطلاق ثالث لا حاجة لذكره هنا.
(4)
رواه أحمد في المسند (2397، 2422، 2879، 3032، 3102) .
والقول فيه بهذا الاعتبار كالقول في التفسير من جهة المُلازَمة بينه وبين التدبر.
(5)
رواه البخاري (817، 4968) ، ومسلم (484) .
(6)
ينظر: مقاييس اللغة (كتاب الباء، باب الياء وما يثلثهما) (1/ 328) ، والمفردات (مادة: بان) ص: 69.
(7)
ينظر: السابق (كتاب النون، باب النون والباء وما يثلثهما) (5/ 381) .
(8)
تفسير الطبري (8/ 571) .
(9)
انظر: الصحاح (باب الطاء، فصل النون) (مادة: نبط) (3/ 1162) .
(10)
أخرجه البخاري (111، 3047، 6915) .
(11)
إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 397) .
(12)
ينظر: القاموس (باب الميم، فصل الفاء) (4/ 162) ، المعجم الوسيط (مادة: فهم) (2/ 704) .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.31%)]