
19-02-2026, 11:59 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,303
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (14)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (404)
٢٩ - باب ذِكْرِ القَيْنِ وَالحَدَّادِ
٢٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -. فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. [مريم: ٧٧ - ٧٨]
القين: هو الحداد، ثم استعمل في الصانع، قال ابن سيده: القين: الحداد (١). وقيل: كل صانع قين.
قلت: والقين أيضًا العبد، والقينة: المغنية والأمة والماشطة أيضًا، والتقين: التزين بأنواع الزينة، والجمع أقيان وقيون.
وقد قان الحداد قينًا ضربها بالمطرقة. وقان الشيء يقين قيانة: أصلحه.
وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - (٢)، أي: زينتها.
--------
(١) «المحكم» ٦/ ٣١٤.
(٢) ذكره الحافظ في «الفتح» أيضًا ٤/ ٣١٨، وما وقفت عليه، من حديث شهر بن حوشب أن أسماء بنت يزيد بن السكن، إحدى نساء بني عبد الأشهل، دخل عليها يومًا، فقربت إليه طعامًا، فقال: لا أشتهيه، فقالت: إني قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - .. الحديث مطولًا.
رواه أحمد ٦/ ٤٥٨، والحميدي ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠ (٣٧١)، والطبراني ٢٤ (٤٣٤)، وأبو عبد الله الأصبهاني في «مجلس إملاء في رؤية الله» ص ٣٧٦ (٨٦١)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٢٠. وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٥٠ - ٥١: شهر فيه كلام وحديثه حسن.
والقين: هو في يصلح الأبنية أيضًا.
ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِل دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قلت: لَا أَكْفُرُ بمحمد حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ.
فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧].
هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر قريبًا، في باب: هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في دار الحرب بلفظ: (وإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال) (١). وقال في التفسير إثره: قال ابن عباس: ﴿هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] أي: هدمًا (٢). وقد أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أبيه، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عنه (٣).
قال مقاتل: صاغ خباب شيئًا من الحلي فلما طلب منه الأجر قال: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان؟ قال خباب: نعم. قال العاصي: فميعاد ما بيننا الجنة.
وقال الكلبي ومقاتل فيما ذكره الواحدي: كان خباب قينًا وكان العاصي يؤخر حقه فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاصي: يا خباب
-------
(١) سيأتي برقم (٢٢٧٥) كتاب: الإجارة.
(٢) سيأتي قبل حديث (٤٧٣٥).
(٣) رواه ابن جرير ٨/ ٣٨٤ (٢٣٩٥٥) من طريق عبد الله عن معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٥١١ لابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر.
مالك! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. قال: كنت إذ ذاك على دينك وأما اليوم فإني على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة -استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفضل فيها نصيبًا منك. فأنزل الله الآية (١).
وهذا الباب كالباب قبله أن الحداد لا تضره مهنته في صناعته إذا كان عدلًا.
قال أبو العتاهية:
ألا إنما التقوى هو العز والكرم … وحبك للدنيا هو الذل والعدم
وليس على حر تقي نقيصةٌ … إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله لربها سخطه إلى يوم القيامة (٢). ألا ترى وعيد الله على استهزائه بقوله ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٩، ٨٠] يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إياه. ﴿وَيَأتِينَا فَرْدًا﴾ أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه.
وكان العاصي بن وائل لا يؤمن بالبعث فلذلك قال له خباب: (والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث) (٣). ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد لأنه حينئذٍ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، ويتمنى العاصي بن وائل وغيره أن لو كان ترابًا ولم يكن كافرًا وبعد البعث يستوي يقين المكذب به مع يقين المؤمن
--------
(١) «أسباب النزول» ص ٣١٠ (٦١٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٧ - ٦٤٧٨) ما في معنى كلام المصنف هذا فانظره.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٥) كتاب: البيوع، باب: التقاضي.
ويرتفع الكفر وتزول الشكوك وكان غرض خباب من قوله إياس العاصي من كفره، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة منهم العاصي بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبي بن خلف.
وفيه: جواز الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه الظلم والتعدي. فإن قلت: من عين الكفر آجلًا فهو كافر الآن إجماعًا، فكيف يصدر هذا عن خباب ودينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد من هذا كله. قلت: لم يرد خباب هذا وإنما أراد لا تعطني حتى تموت ثم تبعث أو إنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك.
وقال أبو الفرج: لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لا يبعث خاطبه على اعتقاده فكأنه قال: لا أكفر أبدًا. وقيل: أراد خباب أنه إذا بعث لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. وقرئ: (ووُلدًا) بضم الواو ذكره الفراء، ونصبها عاصم، وثقل في كل القرآن، وقرأ مجاهد: ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، ونصب سائر القرآن. والوُلد والوَلَد لغتان، وقيس تجعل الوُلد جمعًا والوَلَد واحدًا (١).
----------
(١) «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
قلت: قال أبو علي الفارسي في «الحجة للقراء السبعة» (٥/ ٢١٠ - ٢١١): اختلفوا في ضم الواو وفتحها من قوله -عز وجل-: (وولدا) [مريم: ٧٧] في ستة مواضع، في مريم أربعة مواضع [٧٧، ٨٨، ٩١، ٩٢] وفي الزخرف [٨١] ونوح [٢١].
فقرأهن ابن كثير وأبو عمرو: (وولدا) بالفتح؛ إلا في سورة نوح: (ماله وولده) فإنهما قرآه بضم الواو في هذِه وحدها. وقرأهن نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن. وقرأهن حمزة والكسائي بضم الواو في كل القرآن. اهـ.
وانظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٢/ ٩٢ - ٩٣ و«تفسير الطبري» ١٢/ ٢٥٣.
وقال الفارابي: الوُلد لغة في الوَلد ويكون واحدًا وجمعًا، وذكره أيضًا بكسر الواو وفتح الواو. وقال ابن سيده: الوَلَد والوُلد ما ولد أيًّا ما كان وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، ويجوز أن يكون الوُلد جمع وَلَد كوَثَن ووُثْن. والوِلد كالولد وليس بجمع. والوَلَد أيضًا: الرهط (١).
----------
(١) «المحكم» ١٠/ ١٣١.
٣٠ - باب ذِكْرِ الخَيَّاطِ
٢٠٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث أَنَسَ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وفي لفظ: فجعلت ألقيه إليه (١). هذا الحديث يأتي في الأطعمة أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في الأطعمة، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوليمة (٣).
وفيه: جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ وإجابته إلى دعوته.
--------
(١) رواه مسلم (٢٠٤١).
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٩).
(٣) أبو داود (٣٧٨٢)، الترمذي (١٨٥٠)، النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٥٥ (٦٦٦٢) كتاب: الأطعمة، باب: القديد، وقال في هامش «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦: هنا آخر كتاب الوليمة، ويلاحظ أن أبواب الوليمة وأبواب الأطعمة وآداب الأكل وكتاب الأشربة المحظورة والدعاء بعد الأكل والشرب، جاءوا في المخطوط (ج) تحت مسمى: كتاب الوليمة. اهـ.
ويبدو أنها النسخة التي نقل منها المصنف رحمه الله.
وفيه: مؤاكلة الخدم وأن المؤاكل لأهله وخدمه مباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه وإذا لم يعلم ذلك فلا يأكل إلا مما يليه. وقد سئل مالك عن ذلك فأجاب بهذا الجواب.
وفيه: دليل على جواز الإجارة خلافًا لمن لا يعتد به؛ لأنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القين والصائغ والنجار؛ لأن هؤلاء إنما تكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والذهب والفضة وهي أمور من الصنعة يوقف على حدها ولا يختلط بها غيرها، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده فيجتمع إلى الصنعة الآلة، واحد منهما معناه التجارة والآخر الإجارة، وحصة أحدهما لا تتميز عن الأخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يخرز بخيوطه ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فائدة في القياس؛ لأن الشارع وجدهم على هذِه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها إذ لو طولبا بغيرها شق عليهم فصار بمعزل، والعمل به ماض صحيح لما به من الإرفاق، قاله أجمع الخطابي (١).
وفيه: تواضعه - ﷺ - إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه، وقد اختلف في إجابة الدعوة هل هي على الوجوب أو على الندب؟
والأظهر عندنا أنها في العرس واجبة.
وفيه: إتيانه منازل أصحابه.
---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٩ - ١٠٢٠.
وفيه: الائتمار بأمرهم، وقد قال شعيب - عليه السلام -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فتأسى به في الإجابة.
وفيه: الإجابة إلى الثريد، وهو خير الطعام. والدباء -ممدود-: القرع، جمع دباءة، وفيه لغة بالقصر، وأنكرها القرطبي (١).
ووقع في «شرح المهذب» أنه القرع اليابس. والخبر في جاء به الخياط كان من شعير -كما ذكره الإسماعيلي- وإنما تتبعه من حوالي القصعة لأن الطعام كان مأكلًا مختلفًا، فكان يأكل مما يعجبه منه وهو الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد.
قال ابن التين: وفيه: جواز ذلك إذا أكل مع خادمه إذا كان في القصعة شيء مفرد. وحديث: «كل مما يليك» (٢)؛ لأنه لم يكن معه خادمه، وكان في القصعة شيء متماثل.
وقول أنس: (فلم أزل أحبها من يومئذٍ) حقيق أن يحب ما أحب نبيه.
وقوله: (من حوالي القصعة): يقال: رأيت الناس حوله وحولَيْه وحواله وحواليه، والجمع أحوال. وإلقاء أنس له الدباء دليل على جواز مناولة الضيفان بعضهم بعضًا، ولا نكير على فاعله، نعم، المكروه أن يتناول شيئًا من أمام غيره أو من مائدة أخرى، فقد كرهه ابن المبارك، ويأتي في الأطعمة -إن شاء الله تعالى- كما نبهنا عليه (٣).
----------
(١) «المفهم» ٥/ ٣١٤.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٦) كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ورواه مسلم (٢٠٢٢) كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
(٣) سيأتي برقم (٥٣٧٩).
فائدة: كان أيوب خياطًا. وأول من خاط الثياب ولبسها إدريس - عليه السلام -، وكانوا قبله يلبسون الجلود. وسيأتي أن إبراهيم كان عطارًا، وأن زكريا كان نجارًا. وأجَّر موسى نفسه على الرعي صلى الله وسلم عليهم.
٣١ - باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ
٢٠٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ -قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِىَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [انظر: ١٢٧٧ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة البردة، وسلف في الكفن من الجنائز فراجعه (١) وفيه: جواز قبول الهدية من الضعيف إذا كان له مفضلة من التبرك وشبهه. والهبة لما يسأله الإنسان من ثوبه أو غيره. والأثرة على نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشيء، والتبرك بثوب الإمام والعالم؟ رجاء النفع به في استشعاره كفنًا وشبه ذلك، وإعداد الكفن.
والبردة كالمئزر، وربما كانت من صوف أو كتان، وربما كانت أكبر من المئزر وقدر الرداء، قاله الداودي. وظاهر إيراد الحديث أنها الشملة، أنها الصوف؛ لأن الشملة كساء يؤتزر به، قاله ابن فارس (٢).
وقوله: (منسوج في حاشيتها): قال الجوهري: حاشية الثوب: أحد جوانب الثوب (٣). وقال الهروي نحوه. وقال القزاز: حاشيتاه ناحيتاه
----------
(١) راجع شرح حديث (١٢٧٧).
(٢) «المجمل» ٢/ ٥١٢.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٣.
اللاتي في طرفها الهدب.
وقوله: (وأخذها محتاجًا إليها، ولما طلبها بعث بها إليه)؛ لأنه - عليه السلام - كان إذا أتاه شيء صرفه للمسلمين.
وقوله: (إنها إزاره): يقول: ليأتزر بها.
وقوله: (ثم رجع فطواها): يعني: رجع بعد قيامه من مجلسه.
وقوله: (لا يرد سائلًا) أي: فيما يجد وفيما ينبغي أن يجاب سائله.
وقوله: (لتكون كفني): رجاء بركتها لما صارت شعاره ولصقت بجسده.
وكذلك قال: أشعرنها إياه يعني: حقوه. وسأله عبد الله بن أُبي في قميصه في يلي جسده ليكفن والده فيه فأجاب (١).
---------
(١) سلف الحديث برقم (١٢٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص، ورواه مسلم (٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه. من حديث ابن عمر.
٣٢ - باب النَّجَّارِ
٢٠٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٤/ ٣١٩]
٢٠٩٥ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ الذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ التِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ. قَالَ: «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ». [انظر: ٤٤٩ - فتح: ٤/ ٣١٩]
ذكر فيه حديث أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ» .. الحديث.
وحديث جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ: يا رَسُولِ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا .. الحديث.
وقد سلفا في الجمعة (١)، وظاهرهما التعارض؛ فإن في الأول: أنه - عليه السلام - بعث إليها، وفي الثاني: أنها قالت ذلك، فيجوز أن يكون أرسل
---------
(١) سلفا برقم (٩١٧ - ٩١٨) باب: الخطبة على المنبر.
إليها بذلك ثم أرسلت فقالت، أو تكون ابتدأته، ثم بعث إليها أن مريه، فحفظ كل واحد بعض القصة.
وكان اتخاذه سنة سبع، وقيل: سنة ثمان. حكاه ابن التين عن الشيخ أبي محمد. وكان من طرفاء الغابة، وصانعه غلام لسعد بن عبادة، قاله مالك، أو غلام العباس، أو غلام امرأة من الأنصار أو غير ذلك كما سلف في موضعه. قال ابن فارس: ناقة طرفة: ترعى أطراف المراعي ولا تختلط بالنوق، والطرفاء: شجرة معروفة (١).
وقوله: (فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها): كذا هنا. وفي لفظ: (حنت حنين الناقة التي فارقت ولدها) (٢). وفي آخر (سمع للجذع مثل أصوات العشار) (٣)، وقد أسلفنا أنه نزل فضمه، وقال:
«لو لم أضمه لحن إلى قيام الساعة» (٤).
وفيه: رد على القدرية؛ لأن الصياح ضرب من الكلام، وهم لا يجوزون الكلام إلا من حي ذي فم ولسان، كأنهم لم يسمعوا قوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ الآية [فصلت: ٢١].
و(تئن): بكسر الهمزة، يقال: أنَّ يئن أنينًا وأنانًا: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.
--------
(١) «المجمل» ٢/ ٥٩٤.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٩٣.
(٣) انظر ما سلف برقم (٩١٨)، وما سيأتي برقم (٣٥٨٥).
(٤) رواه ابن ماجه (١٤١٥) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر، وأحمد ١/ ٢٤٩ - ٣٦٣، والدارمي ١/ ١٨٢ (٣٩) باب: ما أكرم النبي - ﷺ - من حنين المنبر، والضياء في «المختارة» ٥/ ٣٨ (١٦٤٥)، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ١٦: إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢١٧٤).
وقوله: (حتى استقرت): أي سكنت، من قر يقر، إذا سكن. وفيه معنى آخر أي: قل صوتها شيئًا فشيئًا حتى سكنت.
وفيه: أن الأشياء التي لا روح لها تعقل، إلا إنها لا تتكلم حتى يؤذن لها. وإنما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يقبل هدايا أصحابه ويأكل معهم ويستوهب منهم؛ لأنه أب لهم رحيم بهم رفيق. وأطيب
ما أكل الرجل من كسب يده وولده من كسبه.
ومنه قول لوط صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] أي: أيامى نساء أمتي، قاله مجاهد (١)، وهو حسن، أو كان في شرعه تزويج الكافر المسلمة، أو هؤلاء بناتي إن أسلمتم. وقال عكرمة: أراد انصرافهم ولم يعرض عليهم شيئًا لا بناته ولا بنات أمته.
وقوله ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء؛ لأنها داخلة في بيوتكم.
وفيه: المطالبة بالوعد، والاستنجاز فيه، وتكليف سيد العبد ما يفعله العبد، ولا يسأل عن طيب نفس العامل بما علم وكلام ما لا يعرف له كلام: الجمادات وشبهها كما سلف، وكانت هذِه آية معجزة أراد الله تعالى أن يريها عباده ليزدادوا إيمانًا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق للعادات.
قال ابن بطال: وأما نحن بيننا فلا يجوز كلام الجمادات إلينا (٢).
قلت: لا امتناع في ذلك.
------------
(١) رواه الطبري ٧/ ٨٢ - ٨٣ (١٨٣٨٩ - ١٨٣٩٠)، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٢ (١١٠٨٨).
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
٣٣ - باب شِرَاءِ (١) الحَوَائِجِ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - جَمَلًا مِنْ عُمَرَ. [٢١١٥] واشْتَرَى ابن عُمَرَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ، فَاشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهُ شَاةً. [٢١١٦] وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا. [انظر: ٤٤٣]
ثم ساق حديث عائشة: قَالَتِ: اشْتَرى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
الشرح:
حديث عائشة سلف (٢). والغَنَمُ: اسم للشاة والمعز، لا واحد لها من لفظها، والجمع: أغنام فإذا أرادوا واحدة قالوا: شاة، صرح به القزاز.
وفيه: ما بوب له، وهو مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع وخروجًا عن أحوال المتكبرين؛ لأنه لا يشك أحد أن جميع الأمة كانوا حراصًا على كفاية ما يعن له من أموره، وما يحتاج إلى التصرف فيه رغبة منهم في دعوته وتبركًا بذلك.
----------
(١) ورد بهامش الأصل: (الإمام)، وعلَّم عليها أنها نسخة. ونسبها الحافظ في «الفتح» ٣١٩/ ٤ لأبي ذر الهروي.
(٢) الحديث السابق (٢٠٦٨).
٣٤ - باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ (١)
وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهُوَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ». يَعْنِى جَمَلًا صَعْبًا.
٢٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «جَابِرٌ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ. فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبْ». فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «تَزَوَّجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟». قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: «أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟!». قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: «أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالكَيْسَ الكَيْسَ». ثُمَّ قَالَ: «أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟». قُلْتُ نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، قَالَ: «الآنَ قَدِمْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً. فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي المِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ فَقَالَ: «ادْعُ لِي جَابِرًا». قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ. قَالَ: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٤/ ٣٢٠]
ثم ساق حديث جَابِرٍ في بيع الجمل.
----------
(١) ورد بهامش الأصل: (والحُمُر) وعلَّم عليها أنها نسخة.
حديث جابر هذا أخرجه البخاري في نحو عشرين موضعًا ستمر بك إن شاء الله، وسلف منها: الصلاة إذا قدم من سفر (١)، وبعضه في الحج (٢).
في حديث عمر: ركوب الجمل الصعب؛ لأنه بين بعد في باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته، أن ابن عمر كان راكبًا عليه (٣)؛ فلذلك بوب عليه هنا.
وقول جابر: (كنت في غزوة).
فيه: ذكر العمل الصالح ليأتي بالأمر على وجهه لا يريد فخرًا.
وقوله: «ما شأنك؟».
فيه: تفقد لأحوال صحابته وذكرهم له ما ينزل بهم عند سؤاله.
وقوله: (فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنهِ): فيه نزول الشارع لأصحابه.
ومعنى يحجنه: يضربه بالمحجن -بكسر الميم- عصا محنية الرأس كالصولجان.
وقال ابن فارس: خشبة في طرفها انعقاف، واحتجنتُ بها الشيء (٤).
وفيه: ضرب الدواب.
وقوله: (أكفه عن رسول الله - ﷺ -).
فيه: توقيره، وهو واجب من غير شك.
وقوله: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك».
---------
(١) برقم (٤٤٣).
(٢) برقم (١٨٠١).
(٣) برقم (٢١١٥).
(٤) «المجمل» ٢/ ٢٦٦ مادة: حجن.
فيه: حض على تزويج البكر، وعلى ما هو أقرب لطول الصحبة والمودة وما تستريح إليه النفوس؛ لما فيها من طبع البشرية والضعف، وقيل: معنى تلاعبها: من اللعاب لا اللعب، يؤيده رواية البخاري في
موضع آخر: «فأين أنت من الأبكار ولعابها (١)» (٢) بضم اللام كما قيده المستملي.
وقوله: «إنهن أطيب أفواهًا».
وفيه: اعتذار جابر بأخواته.
وقوله: «أما إنك قادم»: يحتمل أن يكون إعلامًا وإن قدمت، قاله الداودي. و«الكيس الكيس» أي: الجماع، كما قاله ابن الأعرابي؛ لما فيه. والغسل من الأجر والكيس: العقل جعل طلب الولد عقلًا. وفي البخاري في موضع آخر الكيس: الولد (٣)، ولعله حضه على طلب الولد واستعمال الكيس والرفق فيه إذا كان لا ولد له إذ ذاك، وقيل: أمره أن يتحفظ لئلا تكون حائضًا. والكيس: شدة المحافظة على الشيء، وقيل: حضه على الولد؛ ليكثر الإسلام ويعملوا بشرائعه.
وفيه: سؤال رب السلعة للبيع وإن لم يعرضها له.
وفيه: وزن ما يباع به: لقوله: «بأوقية».
وفيه: الاستعجال للمقدوم.
وقوله: (وقدمت بالغداة)، أي: غداة اليوم في قدم فيه - عليه السلام -.
----------
(١) ورد بهامش الأصل: رجح في «المطالع» أن تلاعبها من الملاعبة، ولم يذكر الضم في اللعاب إلا عن أبي الهيثم فقط وقدم عليه اللمز.
(٢) سيأتي برقم (٥٠٨٠) كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٤٦) كتاب: النكاح، باب: طلب الولد.
وقوله: (فوزن لي أوقية) هكذا هو بالألف، وادعى ابن التين أنه وقع بدونها (١).
وفيه: التوكيل في القضاء، قاله الداودي.
وفيه: الرجحان في الوزن، ولعله كان يأمره (٢) الوكيل، والوكيل لا يرجح إلا بالإذن. ومذهب مالك والشافعي والكوفيين: أن الزيادة في البيع من البائع والمشتري والحط من الثمن يجوز، سواء قبض الثمن أم لا، على حديث جابر، وهي عندهم هبة مستأنفة. وقال ابن القاسم: هبة، فإن وجد بالمبيع عيبًا رجع بالثمن في الهبة. وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة فاسدة لحقت بالعقد وأفسدته، وخالفه صاحباه (٣).
وقال الطحاوي: لا تجوز الزيادة في البيع (٤). وترك أصحابنا فيه القياس، ورجعوا إلى حديث جابر، وسنوضح ذلك في باب: استقراض الإبل.
واختلفوا في أحكام الهبة فعند مالك: أنها تجوز وإن لم تقبض.
وعند الشافعي والكوفيين: لا تجوز حتى تقبض، كما ستعرفه في أحكامها في بابه.
----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهي لغة لبعضهم وقد رأيت في بعض روايات مسلم، وقال النووي فيما رواه ثابت عن رسول الله - ﷺ -: وقد ذكرها البخاري في باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة قال ذكرها مسلم فيه، وجاءت فيها أحاديث أخر انتهى وفي «المطالع» أن الخطابي حكاه وعنده باب، وحكاه اللحياني.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي الصحيح أمره به.
(٣) انظر: «المبسوط» (١٣/ ١٢٣، ١٤/ ٨٥)، «بدائع الصنائع» ٥/ ٢٥٩، «المنتقى» ٥/ ١٣، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٩٠، «أنوار البروق» ٣/ ٢٨٤، «المجموع» ٩/ ٤٦٢، «مسائل الكوسج» (٢٢٣٣).
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤٨.
وفيه: جواز هبة المبتاع ورد ما اشتراه، وكذا فعل في جمل عمر كما سيأتي (١).
وقد اختلف أهل العلم في البيع هل القبض شرط في صحته أم لا؟
على قولين: أحدهما: لا، وأن البيع يتم بالقول غير الربوي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (٢).
وثانيهما: نعم، وإنه من تمام العقد، فإن تلف قبل قبضه فمن ضمان بائعه. قال ابن المنذر: وقد وهب الشارع الجمل من جابر قبل أن يقبضه، وإذا جاز أن يهبه المشتري للبائع قبله، جاز أن يهبه لغيره وجاز بيعه، وأن يفعل فيما اشتراه ما يفعله المالك فيما ملكه، وليس مع من خالف هذا سنة يدفع بها هذِه السنة الثابتة.
--------
(١) برقم (٢١١٥).
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٥ - ١٦٧، «التفريع» ٢/ ١٣٠، «مسائل الكوسج» (١٧٨٦، ١٨٠٦، ١٨٢١، ١٨٤٥، ١٨٤٧)، «مسائل صالح» (١٢٨٧)، «مسائل ابن هانئ» (١١٧٥)، «الروايتين والوجهين» ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، «المغني» ٧/ ١٨٨.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|