
19-02-2026, 11:36 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (14)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (403)
وروى نافع عن مالك أنه كان يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، وكان يكره بيعه الرجل ابتداءً، وقال نافع: وإنما نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن العقور.
وقال ابن القاسم: لا بأس بشراء كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها.
وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث والماشية.
قال سحنون: ويحج بثمنها. وهو قول الكوفيين. وقال مالك: إن قتل كلب الدار فلا شيء فيه، إلا أن يسرح مع الماشية (١).
وفي «مختصر ابن الحاجب»: وفي كلب الصيد قولان (٢). وقال أبو عبد الملك: يجوز في القسم والمواريث دون غيرها. وعن أبي حنيفة: من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته،
وكذلك السباع كلها. وقال الأوزاعي: الكلب لا يباع في مقاسم المسلمين، هو لمن أخذه.
حجة الشافعي حديث الباب، فإن النهي فيه عام.
حجة المخالف أن الله تعالى لما أباح لنا في علمناه أفاد لنا ذلك إباحة التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك، وما قالوه هو عين النزاع.
قالوا«: و﴿مَا﴾ في الآية بمعنى: في، التقدير: في أحل لكم من الطيبات والذي علمتم من الجوارح مكلبين، وهذا قول جماعة من السلف. وروي عن جابر: أنه جعل القيمة في كلاب الصيد (٣)، وعن عطاء مثله، وقال: لا بأس بثمن الكلب السلوقي. وعن النخعي مثله (٤).
----------
(١) انظر:»المنتقى«٥/ ٢٨.
(٢)»مختصر ابن الحاجب«ص ٢٠٤.
(٣) انظر:»التمهيد" ٨/ ٤٠٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٠، ٢٠٩١١، ٢٠٩١٥) كتاب: البيوع، من رخص في ثمن الكلب.
وقال أشهب: في قتل المعلم القيمة. وأوجب ابن عمر فيه أربعين درهمًا، وفي كلب ماشية شاة، وفي كلب الزرع فرقًا من طعام، وفي كلب الدار فرقًا من تراب (١) - أي: تراب المعدن دون الرماد.
ويقضى على صاحب الكلب بأخذه كما يقضى على الآخر بدفعه، وأجاز عثمان الكلب الضاري في المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله (٢).
وقد أذن في اتخاذ كلب الصيد والماشية. وكان النهي منصبًا إلى غير المنتفع به، أو كان النهي فيه، وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه؛ ولذلك لما أعطى الحجام أجرة كان ناسخًا لما تقدمه. وذكر الطحاوي من حديث أبي رافع: أنه - عليه السلام - لما أمر بقتل الكلاب أتاه أناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذِه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، فلما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها (٣)، لكن جاء في «سنن أبي داود»: (فإن جاء يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا) (٤)، وهو دالٌّ على عدم صحة بيعه.
----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٤).
(٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٤٠٣.
(٣) «شرح معاني الاثار» ٤/ ٥٧.
(٤) أبو داود (٣٤٨٢) كتاب: الإجارة، باب: في أثمان الكلاب.
قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٢٦: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٦٥).
فصل:
وأما النهي عن ثمن الدم فهو على التنزيه على المشهور، وبه قال الأكثرون، وهو مشهور مذهب أحمد، فإنه - عليه السلام - أعطاه أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطه، وقال لمحيصة: «اعلفه ناضحك، وأطعمه
رقيقك» (١).
ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء، والخياطة، وسائر الصناعات، والنهي عن ثمن الدم السائل في حرم الله تعالى. وقال أبو جحيفة: أجرة الحجام من ذلك. وهو قول أبي هريرة والنخعي (٢)؛ لأنه قرنه بمهر البغي، وهو حرام، فكذا هو. قالوا: ولأن عمله غير معلوم، وكذا مدة عمله، فالإجارة فاسدة. وقال آخرون: إنه
---------
(١) رواه أبو داود (٣٤٢٢) كتاب: التجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٧) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام، وابن ماجه (٢١٦٦) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام والبغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل، وأحمد ٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٣٩ (٢١٢٠)، وابن الجارود ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (٥٨٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣١ - ١٣٢ كتاب: الإجارات، باب: الجعل على الحجامة، وأبو عوانة ٣/ ٣٥٩ (٥٢٩٩) كتاب: البيوع، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، ٣/ ١١٦ - ١١٧، وابن حبان ١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨ (٥١٥٤) كتاب: الإجارة، والطبراني ٢٠/ ٣١٢ (٧٤٢)، والبيهقي في «سننه» ٩/ ٣٣٧ كتاب: الضحايا، باب: التنزيه عن كسب الحجام، والبغوي في «شرح السنة» ٨/ ١٨ (٢٠٣٤)، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٢٢٠ (١٥٨٢) وابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ١٢٠ جميعًا من حديث حرام بن محيصة عن أبيه محيصة بن مسعود به.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٣٥٧: إسناده صالح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٠٠٠) وفيه بحث رائع فليراجع.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠ (٢٠٩٨٥، ٢٠٩٩١) كتاب: البيوع، كسب الحجام.
يأخذها على أخذ الشعر، وهو قول عطاء: إذا رأى الشعر قبله. وقال الآخرون: يجوز للمحتجم إعطاؤها، ولا يجوز للحجام أخذها. ورواه ابن جرير عن أبي قلابة. فإن الشارع أعطاها مع أنه قال: «إن كسبه خبيث» (١) وفي رواية: «سحت» (٢)، وبه قال ابن جرير إلا أنه قال: يعلفها ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله كان حرامًا. وعن أحمد وبه قال فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ لحديث: «اعلفه ناضحك ورقيقك» رواه حرام بن محيصة، عن أبيه مرفوعًا (٣).
----------
(١) رواه مسلم (١٥٦٨) كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنورة، وأبو داود (٣٤٢١) كتاب: الإجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٥) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في ثمن الكلب، وأحمد ٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ٤/ ١٤١ جميعًا من حديث رافع بن خديج.
ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٢ كتاب: البيوع، من حديث رافع، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه! وهو وهم منه رحمه الله، فالحديث عند مسلم كما ترى.
قال الألباني في «الصحيحة» (٣٦٢٢): تنبيه: رويت الفقرة الأولى من الحديث بزيادة في آخرها: … وهو أخبث مثله، وهي زيادة لا تصح اهـ.
قلت: رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ١٥٤ - ١٥٥، والبيهقي في «سننه» ١/ ١٩ من حديث ابن عباس مرفوعًا: «ثمن الكلب خبيث وهو أخبث منه». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٤٥٩): ضعيف جدًا.
(٢) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٢١١، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١١٥ (٤٦٩٧) كتاب: المزارعة، باب: عسب الفحل، والطبري في «تفسيره» ٤/ ٥٨٠ (١١٩٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٩٤، والدارقطني ٣/ ٧٢ - ٧٣، والبيهقي في «سننه» ٦/ ٦ كتاب: البيوع، باب: النهي عن ثمن الكلب، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٩٠ (١٤٨٥ - ١٤٨٦) جميعًا من حديث أبي هريرة، وصحح الألباني هذِه الرواية بمجموع طرقها في الصحيحة (٢٩٩٠) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: في يحجم ليس في يزين الناس.
وذكر ابن الجوزي: أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا.
وروى ابن حبيب: أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور. وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر،
ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين (١).
وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة ولا ينكرونها (٢).
وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. قول ابن جرير.
فصل:
قوله: (ونهى عن الواشمة والموشومة)؛ أي: عن فعل الواشمة.
والوشم: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل و(النَّئُور) (٣) (٤) فيخضر، وقال الداودي: فيسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله.
----------
(١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ٨١.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الاثار» ٤/ ١٣٢.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: النئور يلج، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر ولك أن تقلب الواو، المضمومة همزة كما في «الصحاح».
(٤) النَّئُور: هو دخان الشحم، انظر: لسان العرب، مادة: وشم ٥/ ١٨٩.
والموشومة: التي يفعل ذلك بها، وفي حديث آخر: «الموتشمة» (١)، وفي آخر: «المستوشمة» (٢). وفسر العتبي في حديث آخر «لعن الواشمة» (٣): أي: التي تنتحل.
فصل:
وقوله: (وآكل الربا): قال الداودي: هو الذي يأكله، كان هو المربي أو غيره. وقال القزاز: هو في يعمل به ويأكل منه، وموكله: في يزيد في المال؛ لأنه هو في جعل له ذلك وأطعمه إياه. وقال الداودي موكله: الذي يطعمه غيره، وهذا من قوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. قال الخطابي: وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما هو الرابح مغتبطًا والآخر منهضمًا؛ لأنهما في الفعل شريكان، ولله حدود لا تتجاوز في حال العدم والوجد (٤).
فصل:
قوله: (ولعن المصور): ظاهره العموم، وخفف منه ما لا روح فيه كالشجر. وجاء أنه يقال لهم يوم القيامة: «أحيوا ما خلقتم» (٥). وسيأتي باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، والنهي عن كسب الإماء؛ لأنه رذيلة.
--------
(١) ذكر هذا اللفظ الحافظ في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٧٦.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٤٥) كتاب: اللباس، باب: الواشمة.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨) باب: بيع الميتة والأصنام.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٨.
(٥) سيأتي برقم (٣٢٢٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه. من حديث عائشة.
٢٦ - باب ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]
٢٠٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». [مسلم: ١٦٠٦ - فتح: ٤/ ٣١٥]
ذكر حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
معنى ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾: ينقصه شيئًا بعد شيء، من محاق الشهر؛ لنقصان الهلال فيه. ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ يضاعف أجرها وعدًا منه، أو ينمي المال في أخرجت منه.
﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كل مصرٍ على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا أو إطعامه.
(أثيم) متمادٍ في الإثم يريد فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا يزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه.
قال المهلب: سئل بعض العلماء عن معنى هذِه الآية، وقيل له: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة ربما كان مقلًا! قال: معنى ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾: أي: الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة، فكذلك صاحب الربا يجد عمله ممحوقًا، إن تصدق منه أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا بحاله.
وقالت طائفة: إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ، احتجوا لذلك بحديث الباب، فلما كان نفاقها بالحلف الكاذبة في الدنيا، كان محق البركة فيها في الدنيا.
وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق (١). وروى الطبري في «تفسيره» من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الربا وإن كثر فإلى قل» (٢) وقيل: إن تصدق منه فلا يقبل؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن صرف في سبيل الخير لم ينفعه، وربما محقه في الدنيا وتبقى تبعاته.
وقيل: يهلك وتذهب بركته، ومحقه الله فامتحق. وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا، وذكره كالتفسير للآية (٣)، فيقال: كيف يجتمع المحاق والزيادة؟ فبين الحديث أن اليمين مزيدة في الثمن، وممحقة للبركة منه، والبركة أمر زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يمحق البركة منه -كما سلف- وإن كان عدده باقيًا على ما كان.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إياكم وكثرة الحلف، فإنه ينفق ثم يمحق» (٤).
-----------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ٣١٦ (١٥٣٥٣) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الربا.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠٥ (٦٢٥٠) معلقًا.
ورواه ابن ماجه (٢٢٧٩) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، وأحمد ١/ ٣٩٥، ٤٢٤، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٧، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٧٥٨): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، العباس بن جعفر وثقه ابن أبي حاتم وابن المديني وابن حبان، وباقي رجاله على شرط مسلم.
وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣١٥: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٤٢)، و«صحيح الترغيب» (١٨٦٣).
(٣) مسلم (١٦٠٦) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع.
(٤) مسلم (١٦٠٧)، وانظر «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٤٥٩ (٧٣٧).
و«ممحقة» (١) بفتح الميم وكسر الحاء ويصح فتحها، قال صاحب «المطالع»: كذا قيد القاضي أبو الفضل، والذي أعرف بفتحها.
و«منفقة» بفتح الميم كما قيد ابن التين؛ لأنها مفعلة من نفق ومحق،
وعن ابن فارس: ويقال: المحقة، وهو رديء (٢)، وضبطهما النووي بفتح أولهما وثالثهما وسكون ثانيهما (٣). ويقال: نفق البيع ينفق نفاقًا: كثر الراغب.
و«الحلف»: اليمين بإسكان اللام وكسرها، ذكره ابن فارس (٤)، وهي اليمين الكاذبة.
----------
(١) ورد بهامش (م): وفي رواية: مُمحقة: بالضم وكسر الحاء، اسم فاعل وزنه للمبالغة لا التأنيث.
(٢) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٤.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٤٤.
(٤) «المجمل» ١/ ٢٤٩.
٢٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ
٢٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] [٢٦٧٥، ٤٥٥١ - فتح: ٤/ ٣١٦]
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى: أَن رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بالله لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
حديث الباب من أفراده، وعنده في موضع آخر عن ابن مسعود مرفوعًا في حديث الأشعث (١)، وسيأتي أنها نزلت في من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم (٢).
ومعنى ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: أمره ونهيه، أو ما جعل في العقل من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق ﴿لَا خَلَقَ﴾: من الخلق، وهو النفسس، أو من الخلق أي: لا نصيب لهم مما يوجبه الخلق الكريم.
﴿وَلَا يُكلمُهُم﴾ بما يسرهم، بل بما يسوءهم عند الحساب بقوله ﴿إنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٦]، أو لا يكلمهم أصلًا، بل يكل حسابهم إلى الملائكة، ويسمع كلامه أولياؤه، أو يغضب عليهم كما
--------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٦ - ٢٦٧٧) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ و(٤٥٤٩ - ٤٥٤٠) كتاب: التفسير.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٧٥) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، و(٤٥٥١) كتاب: التفسير.
تقول: فلان لا يكلم فلانًا.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: لا يبرهم ولا يمنُّ عليهم (١) ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يقضي بزكاتهم، نزلت في من يحلف أيمانًا فاجرة لينفق بها بيع سلعته، أو في الأشعث نازع خصمًا في أرض، فقام ليحلف، فنزلت، فنكل الأشعث واعترف بالحق (٢)، أو في أربعة من أحبار اليهود كتبوا كتابًا وحلفوا أنه من عند الله فيما ادعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل (٣).
﴿أَلِيمٌ﴾: موجع حيث وقع، وهذا الوعيد الشديد في هذِه اليمين الغموس لما جمعت من المعاني الفاسدة، وكذا كذبه في اليمين بالله تعالى، وهو أصل ما يحلف فيه، وغرَّر المسلمين، واستحلال مال المشتري بالباطل في لا يدوم في الدنيا عوضًا عما كان يلزمه من تعظيم حق الله تعالى والوفاء بعهده والوقوف عند أمره ونهيه، فخاب متجره وخسرت صفقته.
وفي «تفسير الطبري»: أنها نزلت في رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن أبي الأشرف، وحيي بن أخطب (٤). وفي «تفسير أبي القاسم الجُوزي»: عن ابن عباس: نزلت في ناس من علماء اليهود أصابتهم فاقة، فجاءوا إلى كعب بن الأشرف، فسألهم كعب عن رسول الله - ﷺ -، فقالوا: نعم، هو رسول الله - ﷺ -. قال كعب: لقد حرمتم خيرًا كثيرًا، فنزلت. وقيل: نزلت في الذين حرفوا التوراة، حكاه الزمخشري (٥).
--------
(١) هذا من التأويل المذموم، وسيأتي بيان ذلك في كتاب التوحيد.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٣٢٠ (٧٢٧٨).
(٣) رواه الطبري ٣/ ٣١٩ (٢٢٧٥) عن عكرمة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) «الكشاف» للزمخشري ١/ ٣٣١.
والوجه أن نزولها في أهل الكتاب، وفي «المستدرك» صحيحًا عن قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: «يا معشر التجار، إنه يشهد بيعكم اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» (١).
وفيه -أيضًا- مصحح الإسناد عن إسماعيل بن عبيد، عن ابن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «يا معشر التجار، إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وبر وصدق» (٢)، وفيه -أيضًا- مثله عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: «إن التجار هم الفجار»، فقالوا: يا رسول الله: أليس الله قد أحل البيع؟ قال: «بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون» (٣).
قال الداودي: هذا جزاؤه إن لم يتب. وريد: أنه يتحلل صاحبه إلا أن يرضي الله خصمه بما شاء ويتجاوز عنه، أو يأخذ له من حسناته، أو يلقي عليه من سيئاته.
--------
(١) «المستدرك» ٢/ ٥. ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٢٦) كتاب: البيوع، باب: في التجارة يخالطها الحلف واللغو، والترمذي (١٢٠٨) كتاب البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم، والنسائي ٧/ ١٤ - ١٥ كتاب: الإيمان والنذور، في الحلف والكذب لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وابن ماجه (٢١٤٥) كتاب: التجارات، باب: التوقي في التجارة، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٧٤).
(٢) «المستدرك» ٢/ ٦.
ورواه أيضا الترمذي (١٢١٠) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم -وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢١٤٦)، وصححه ابن حبان ١١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٤٩١٠) كتاب: البيوع، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٩٤).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٦٦).
وأما الحلف فهو بينه وبين الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. قال بعض العلماء: الذنوب كلها، الباري تعالى يقتص للبعض من البعض بأخذ حسنات الظالم أو بإلقاء السيئة عليه. وقيل: نزلت الآية في
رجلين اختصما في أرض، فجعل رسول الله - ﷺ - اليمين على المدعى عليه فقال: المدير إذًا يحلف. فنزلت (١).
--------
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين كتبه مؤلفه.
٢٨ - باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».
٢٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا - عليه السلام - قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمْسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِىَ بِفَاطِمَةَ عليها السلام بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي. [٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح: ٤/ ٣١٦]
٢٠٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». فَقَالَ عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ، وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٣١٧]
ثم ذكر فيه حديث علي: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ … وساق الحديث.
وفيه: وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بإِذْخِرٍ.
وحديث عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: إن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ …» الحديث إلى قوله: «إِلَّا الإِذْخِرَ فإنه لِصَاغَتِنَا وَلسُقُفِ بُيُوتنَا».
الشرح: التعليقان الأولان مسندان كما سلف (١)، وحديث علي ساقه -أيضًا- مطولًا بقصة حمزة وإنشادها:
ألا يا حمز للشرف النواء (٢)
والشارف: المسن من النوق، وفيه في مسلم: بأنه المسن الكبير (٣). والمعروف أنه النوق خاصة لا من الذكور، وبه جزم ابن التين حيث قال: إنها المسنة من الإبل. وحكى الحربي عن الأصمعي أنه يقال: شارف للذكر والأنثى، ويجمع على شرف، ومنه البيت المذكور، ولم يأت فعل جمع فاعل إلا قليلًا، كما قاله عياض (٤). وفي «المخصص» عن الأصمعي: ناقة شارف وشروف، قال سيبويه: جمع الشاوف: شُرُف، والقول في الشارف كالقول في البازل -يعني: خروج نابها- أبو حاتم: شارفة، صاحب «العين»، والجمع: شوارف. ولا يقال للبعير شارف (٥). وقال في «المحكم»: الشارف من الإبل: المسن والمسنة، والجمع: شُرَّف وشُرُف (٦)، وفي «الجامع»: هي الناقة المسنة، وتجمع شرفًا وشوارف.
---------
(١) سلف برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٧٥) كتاب: المساقاة، باب: بيع الحطب والكلأ.
(٣) مسلم (١٧٥٠).
(٤) «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» للقاضي عياض ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٥) انتهى من «المخصص» (٢/ ١٣٨). وانظر: «العين» (٦/ ٢٥٣).
(٦) «المحكم» لابن سيده ٨/ ٣٤.
والنواء: ذكره ابن ولاد في الممدود المكسور أوله: السمان من الإبل (١). وفي «التهذيب» (٢): النوى: الشحم واللحم أيضًا. نوت الناقة: سمنت، فهي ناوية والشعر لعبد الله بن السائب جد أبي السائب المخزومي، فيما ذكره ابن المرزباني وأن القينة تمثلت به. وحديث عكرمة عن ابن عباس سلف في الحج (٣)، وشيخ البخاري فيه إسحاق هو ابن شاهين الواسطي، قاله ابن ماكولا وابن البيع (٤)، وصرح به الإسماعيلي وأبو نعيم.
وقوله: (وقال عبد الوهاب عن خالد: لصاغتنا وقبورنا) سلف مسندًا قبل (٥).
إذا تقرر ذلك:
ففيما ذكر أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها، والصوّاغ إذا كان عدلًا لا تضره صناعته؛ لأنه - عليه السلام - قد أجازه.
وفيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات والاكتساب منها للرفيع والوضيع.
وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم، والاستعانة على الولائم والتكسب لها من طيب الكسب، وأن طعام الوليمة على
--------
(١) «المقصور والممدود» ص ١١٢.
(٢) «تهذيب اللغة» للأزهري ٤/ ٢٦٨٣ مادة: نوى.
(٣) سلف برقم (١٥٨٧).
(٤) قلت: هو الحاكم أبو عبد الله، صاحب «المستدرك»، قال ذلك في كتابه «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٢٣) ط. مكتبة الفرقان. فقال: إسحاق، قال أبو عبد الله في مواضع كثيرة من الكتاب: حدثني إسحاق سمع خالد بن عبد الله. ولم ينسبه -قلت: وهذا الحديث منها- وهو إسحاق بن شاهين الواسطي.
(٥) سلف برقم (١٣٤٩).
الناكح. ولم يختلف أهل السير كما قاله ابن بطال (١) في غير هذا الباب
أن الخمس لم يكن يوم بدر. وذكر إسماعيل القاضي أنه كان في غزوة بني النضير حين حَكَّم سعدًا (٢).
قال: وأجيب أن بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك. وقيل: إنما كان الخمس يقينًا في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضرها سيدنا رسول الله - ﷺ - قال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي إلى تأويل.
قلت: ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن جحش لما بعثه - عليه السلام - في السنة الثانية إلى نخلة في رجب، وقيل: عمرو بن الحضرمي وغيره واستاقوا الغنيمة، وهي أول غنيمة، قسم ابن جحش الغنيمة وعزل لرسول الله - ﷺ - الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس فأخر النبي - ﷺ - الخمس والأسيرين (٣)، ثم ذكر خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر في رمضان فقسم غنائمها مع الغنيمة الأولى وعزل الخمس فيكون قول علي: شارفي من نصيبي من المغنم. يريد: يوم بدر. ويكون قوله: كان رسول الله - ﷺ - أعطاني شارفًا قبل ذلك من الخمس قبله من غنيمة ابن جحش.
وقال الداودي: فيه دليل أن آية الخمس نزلت يوم بدر؛ لأنه لم يكن قبل بنائه بفاطمة مغنم غيره، وذلك كله سنة اثنتين من الهجرة في رمضان، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك.
--------
(١) «شرح ابن بطال» ٥/ ٢٤٨ في كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما حكم سعدًا في قريظة، هذا المعروف.
[قلت (المحقق): وهو كما قال فالثابت أن تحكيم سعد بن معاذ كان في غزوة بني قريظة. انظر: «البداية والنهاية» ٤/ ٤٩٩ - ٥١٠، و«تاريخ الإسلام» ٢/ ٣٠٧ - ٣١٨].
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٤١.
قال: وذكر أبو محمد في «جامع مختصره» أنه تزوجها في السنة الأولى. قال: ويقال: في الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرًا، وهذا كان بعد بدر؛ لأن بدرًا كانت على سنة ونصف من مقدمه المدينة، وهذا يعضد ما قاله الداودي.
وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي: نكحها بعد وقعة أحد. وقيل: تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف.
وقال ابن الجوزي: بنى بها في ذي الحجة وقيل: في رجب. وقيل: في صفر من السنة الثانية.
وفي كتاب ابن شبّة من رواية أبي بكر بن عياش أنه - عليه السلام - غرم حمزة الناقتين. وقد قام الإجماع على أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه ضمانه كالمجنون، والسنام المقطوع حرام، والحالة هذِه بالإجماع، فإن سبقت التذكية فلا شك في حله وخالف عكرمة وإسحاق وداود فقالوا: لا تحل ذبيحة الغاصب ولا بيعه.
وفي الحديث: الاستعانة باليهود ومعاملتهم وإن كان مالهم يخالطه الربا.
(وقينقاع): نونه مثلثة كما سلف أول الباب أول البيوع (١).
وقوله: (فلما أردت أن أبني بفاطمة). البناء: الدخول، والأصل فيه أنهم كانوا إذا أراد أحدهم الدخول على أهله رفع قبة أو بناء يدخلان فيه.
وقوله: (في وليمة عرسي) الوليمة: الطعام الذي يصنع عند العرس، والعرس -بضم الراء وإسكانها مهملة: الأملاك والبناء. وقيل: هو طعامه خاصة- أنثى وقد يذكر ويصغر بغيرها، وهو نادر؛ لأن حقه الهاء إذ هو
-------------
(١) في الحديث السالف برقم (٢٠٤٨).
مؤنث على ثلاثة أحرف. والجمع: أعراس وعروسات. والعروس: نعت الرجل والمرأة؟ رجل عروس في رجال أعراس، وامرأة عروس في نسوة عرائس، ذكره ابن سيده (١).
وقال الأزهري: العرس طعام الوليمة وهو من أعرس الرجل بأهله إذا بنى عليها ودخل بها، وتسمى الوليمة عرسًا والعرب تؤنثه (٢).
وفي «الموعب»: العرس هو طعام الزفاف. والعرس هو الطعام في يمد للعروس. وقال ابن دينار: سألت أبا عثمان عن اشتقاق العروس، فقال: قالوه تفاؤلًا، من قولهم عرس الصبي بأمه إذا ألفها. ووقع في
كتاب الشرب عند البخاري: و(معي صائغ) (٣).
قال ابن التين عند أبي الحسن قال علي: (ومعي طالع). أي: يدله على الطريق ووقع في بعض رواياته: (فأفظعني) (٤).
قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع اشتد، وهو مفظع وفظيع (٥).
وفيه من الفقه: تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام، والعادة فيها أن تهدر من أجل القرابة.
وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قيل: أراد أن أباه جدهم والأب كالسيد.
وقيل: كان ثملًا. فقال ما ليس جدًا.
--------
(١) «المحكم» ١/ ٢٩٧.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٣٩٠ مادة: عرس.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٧٥) باب: بيع الحطب والكلأ.
(٤) رواه مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر ..
(٥) «المجمل» ٣/ ٧٢٣.
وفيه: وذلك قبل تحريم الخمر.
احتج به من لا يرى بوقوع طلاق السكران كما قال ابن الجوزي.
ووهّى النووي مقالة من قال: إن السكر لم يزل محرمًا فقال: هو قول من لا تحصل له أن السكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له ولا يعرف (١).
وفيه: ما كانوا عليه من القلة.
وفيه: طلبهم الكفاف.
-----------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ١٤٤.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|