عرض مشاركة واحدة
  #397  
قديم 18-02-2026, 06:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,643
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (397)






لنون ابن. وزمعة باسكان الميم عَلَى الأكثر كما مضى.
واختلف في معنى قوله: («هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ») عَلَى قولين:
أحدهما: معناه: هو أخوك، قضاء منه - ﷺ - بعلمه لا باستلحاق عبد له؛ لأن زمعة كان صهره - ﷺ -، وسودة ابنته كانت زوجته فيمكن أن يكون - ﷺ - علم أن زمعة كان يمسها.
والثاني: معناه: هو لك يا عبد ملكًا؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، ولم يقر زمعة ولا شهد عليه، والأصول تدفع قول ابنه فلم يبق إلا أنه عبد تبعًا لأمه، قاله ابن جرير.
وقال الطحاوي: معنى: «هُوَ لَكَ» أي: بيدك لا ملك له، لكنك تمنع منه غيرك، كما قَالَ للملتقط في اللقطة: «هي لك» (١) أي: بيدك تدفع عنها غيرك حَتَّى يأتيها صاحبها، لا أنها ملك لك. ولا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - ﷺ - أنه جعله ابنا لزمعة وأمر أخته أن تحتجب منه، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه وهو سودة، ولم يعلم منها تصديقه ألزم - ﷺ - عبدًا بما أقر به، ولم يجعله حجة عَلَى سودة، ولم يجعله أخاها، وأمرها أن تحتجب منه (٢).
قلت: فيه نظر، وسيأتي الجواب عن احتجابها منه، وليس بمحال.
ويؤيد الأول رواية البخاري في المغازي: «هو لك، هو أخوك يا عبد ابن زمعة» (٣) من أجل أنه ولد عَلَى فراشه. لكن في «مسند أحمد» و«سنن النسائي»: «ليس لك بأخ» (٤). واختلف في تصحيحها؛

---------
(١) سبق برقم (٩١) ويأتي برقم (٢٣٧٢)، ورواه مسلم (١٧٢٢/ ٥).
(٢) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣٧ - ٣٨ (تحفة).
(٣) يأتي برقم (٤٣٠٣) باب: من شهد الفتح.
(٤) «المسند» ٤/ ٥٥ من طريق سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن =



فأعلها البيهقي (١) والمنذري (٢) والمازري (٣)، وأما الحاكم فاستدركها وصحح إسنادها (٤).
--------
= الزبير، أن زمعة كانت له جارية .. الحديث.
و«سنن النسائي» ٦/ ١٨٠ - ١٨١ من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير -مولى لهم- عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يطؤها .. لحديث.
فسقط من سند أحمد يوسف بن الزبير.
ورواه من طريق أحمد، عبد الرزاق في «المصنف» ٧/ ٤٤٣ (١٣٨٢٠) -وهو الذي رواه أحمد عنه- والطحاوي في «المشكل» كما في «التحفة» ٤/ ٣٩ (٢٢٨٣).
ورواه من طريق النسائي، أبو يعلى ١٢/ ١٨٧ (٦٨١٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٣/ ١١٥، وفي «المشكل» (٢٢٨٤)، والدارقطني ٤/ ٢٤٠، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٩٦ - ٩٧ - وسيأتي- والبيهقي ٦/ ٨٧، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٢٥، والذهبي في «ميزان الاعتدال» ٦/ ١٣٩.
(١) قال في «السنن» ٦/ ٨٧: إسناد هذا الحديث لا يقاوم إسناد الحديث الأول يقصد حديث عائشة الذي هو حديث الباب؛ لأن الحديث الأول رواته مشهورون بالحفظ والفقه والأمانة، والحديث الآخر في رواته من نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وهو جرير بن عبد الحميد، وفيهم من لا يعرف بسبب يثبت به حديثه، وهو يوسف بن الزبير.
وقال في «المعرفة» ٨/ ٢٩٨: لم يثبت إسناده.
(٢) قال في «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ١٨٢: هذِه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها.
(٣) قال في «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٤٣١: دعواهم في بعض الطرق: أنه لما أمر سودة بالاحتجاب منه قال: ليس بأخ لك، رواية لا تصح وزيادة لا تثبت.
وقال الخطابي في «معالم السنن» ٢/ ٧٠٥: في بعض الروايات: «احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ». وليس بالثابت.
وقال النووي في «شرح مسلم» ١٠/ ٣٩: قوله: «ليس بأخ لك»، لا يعرف في هذا الحديث، بل هي زيادة باطلة مردودة.
(٤) «المستدرك» ٤/ ٩٦ - ٩٧.
وقال الذهبي في «الميزان» ٦/ ١٣٩: حديث صحيح الإسناد. =



وقال بعضهم الرواية فيه: «هو لك عبد» بإسقاط حرف النداء الذي هو ياء، أي: هو وارثه، فيرث هذا الولد وأمه. وهي غير صحيحة، ثم عَلَى تقدير صحتها قد يكون المراد: يا عبد، فحذف حرف النداء كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
وقوله: («الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ») أي: لصاحب الفراش. وكذا أخرجه في الفرائض البخاري من حديث أبي هريرة وترجم عليه وعلى حديث عائشة: الولد للفراش حرة كانت أو أمة (١). والعاهر: الزاني. ومعنى له الحجر: الخيبة ولا حق له في الولد.
وقد أوضحت شرح هذا الحديث في شرحي «للعمدة» فليراجع منه (٢).
وانفرد أبو حنيفة فقال: لا تصير الأمة فراشًا إلاِ إذا ولدت ولدًا (٣) واستلحقه فما يأتي بعد ذَلِكَ يلحقه إلا أن ينفيه. ومقصود البخاري بإيراده هنا استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع، والأمر للاحتياط حيث أمرها بالاحتياط ورعًا.
وقوله: (مِنْ شَبَهِهِ) بفتح الشين والباء وبكسر الشين وسكون الباء.
وادعى الداودي أن هذا الحديث ليس من الباب في شيء؛ لأنه يحكم

-----------
= وذكر الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٣٧ تضعيف الخطابي والنووي لهذِه الزيادة وقال: وتعقب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير عند النسائي بسند حسن، فرجال سنده رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير. وذكر تعليل البيهقي، وتعقبه بما يرده، فلينظر. وكذا تعقبه ابن التركماني في «الجوهر» ٦/ ٨٧ بما يرده.
(١) يأتيا برقمي (٦٧٤٩ - ٦٧٥٠).
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٨/ ٤٥٨ - ٤٨٠.
(٣) «بدائع الصنائع» ٤/ ١٢٦، ٦/ ٢٤٤.



فيه بالشبه وبقول القافة. وليس كما زعم بأنه تفسير للشبهات. واحتج لابن القاسم عَلَى عبد الملك بقوله: («احْتَجِبِي») في قوله: إن الزاني لا ينكح ابنته. قالوا: فلو لم يراعِ الزاني، لما أمرها أن تحتجب. وأجيب بأن ذَلِكَ من باب الستر، وللرجل أن يمنع زوجته رؤية أخيها.
تنبيهات:
أحدها: روى الطحاوي من حديث عروة، عن عكرمة، عن عبد الله ابن زمعة أنه خاصمه رجل إلى رسول الله - ﷺ - في ولد ولد عَلَى فراش أبيه؛ فقال - ﷺ -: «الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة» (١) قَالَ: والأول أولى لموافقة الجماعة؛ ولأن عبد الله بن زمعة لم يعلم له حديث عن رسول الله - ﷺ - سوى حديث الوليدة. وعبد الله بن زمعة -الذي روى عنه عروة أمر النبي - ﷺ - باستخلاف أبي بكر عَلَى الصلاة (٢).

----------
(١) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣١ - ٣٢ (٢٢٧٣) «تحفة».
وإسناده: حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، حدثنا الهيثم بن جميل، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة.
فالحديث عن عروة عن عبد الله بن زمعة، ليس فيه ذكر لعكرمة كما ذكر المصنف -رحمه الله- فيبدو أنه سبق قلم. والله أعلم.
(٢) «شرح المشكل» ٤/ ٣٤ (٢٢٧٧). ورواه أيضًا أبو داود (٤٦٦٠)، وأحمد ٤/ ٣٢٢، وابن أبي عاصم في «السنة» (١١٦١)، والطبراني في «الكبير» ١٣ (٢١٣)، وفي «الأوسط» ٢/ ١١ - ١٢ (١٠٦٥)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٤٠ - ٦٤١، والضياء في «المختارة» ٩/ ٣٥٦ - ٣٥٨ (٣٢٢ - ٣٢٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما ثقل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة قال: مروا من يصلي بالناس، … الحديث بطوله.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٤٠٦): إسناده جيد.



وحديث عاقر الناقة (١) -ليس هو بابن زمعة أخي سودة، إنما هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب (٢).
ثانيها: ذكر ابن الجوزي: إذا مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره فادعاه ورثته لحق به، إلا أنه لا يشارك مستلحقيه في ميراثهم إلا أن يستلحق قبل القسمة، فإن كان أنكره فلا إلحاق. وكان سعد يقول: هو ابن أخي، يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وكان عبد يقول: هو أخي ولد عَلَى فراشه، يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام، فقضى به - ﷺ - إبطالًا لحكم الجاهلية.
ثالثها: يؤخذ من قوله: «احتجبي منه يا سودة» أن من فجر بامرأة حرمت عَلَى أولاده، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والأوزاعي والثوري، وهو قول لنا لأنه لما رأى الشبه بعتبة فأجراه مجرى النسب، والأظهر عندنا وعن مالك وأبي ثور: لا، والاحتجاب للتنزيه (٣).
ويحتمل كما قَالَ القرطبي أن يكون ذَلِكَ لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة. وكذلك قَالَ في حفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه» (٤)، وقال لفاطمة بنت قيس:

--------
(١) «شرح المشكل» ٤/ ٣٣ (٢٢٧٥).
وسيأتي الحديث برقم (٣٣٧٧، ٤٩٤٢)، ورواه مسلم (٢٨٥٥).
(٢) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣٢ - ٣٤ تحفة.
وانظر: ترجمة عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٣ (١٦٣٨)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٣ (١٥٥٥)، و«أسد الغابة» ٣/ ٢٤٥ (٢٩٤٩)، و«الإصابة» ٢/ ٣١١ (٤٦٨٤).
(٣) «المنتقى» ٦/ ١٠، «الفروع» ٥/ ٥٢٦.
(٤) رواه أبو بكر الشافعي في «الفوائد» ٢١/ ٤ - ٥، كما في «الإرواء» ٦/ ٢١١ من طريق وهب بن حفص نا محمد بن سليمان نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي =



«انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم تضعين ثيابك عنده» (١) فأباح لها ما منعه لأزواجه (٢).
قلت: بل هما أم سلمة وميمونة، لا حفصة وعائشة (٣).
رابعها: قول عبد: (أَخِي) تمسك به الشافعي عَلَى أن الأخ يجوز أن يستلحق الوارث نسبًا لمورثه بشرط حوزه للإرث، إذ يستلحقه الكل وبشرط الإمكان وغير ذَلِكَ مما هو مذكور في الفروع، وهي موجودة في الولد المذكور حين استلحقه عنده. وتأوله أصحابنا بتأويلين:
أحدهما: أن سودة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذَلِكَ حَتَّى يكون كل الورثة مستلحقين.

--------
= عثمان، عن أسامة قال: كانت عائشه وحفصة عند النبي - ﷺ - جالستين فجاء ابن أم مكتوم .. الحديث. قلت -أي: الألباني-: وهذا سند واه جدًّا، حفص هذا كذبه أبو عروبة، وقال الدارقطني: كان يضع الحديث ا. هـ.
والحديث رواه: أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) وأحمد ١/ ٢٩٦ عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - ﷺ - فأقبل ابن أم مكتوم .. الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٨٠٦).
ملحوظة: قال الألباني: حفص، وفي الإسناد وهب بن حفص وهو الصحيح.
انظر ترجمته في «لسان الميزان» ٦/ ٢٢٩ وكلام ابن أبي عروبة والدارقطني فيه.
(١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٣٧) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها.
(٢) «المفهم» ٤/ ١٩٧ - ١٩٨.
(٣) سيأتي تخريج حديث: «أفعمياوان أنتما» هذا في حديث (٥٢٣٦) كتاب: النكاح، باب: نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة. وذلك لأن المصنف -رحمه الله- سيذكر هذا الحديث هناك بشيء من التفصيل، مصححًا له، وفيما ذكرنا من تخريجه رد على المصنف في تخطئته القرطبي إن كان القرطبي قصد ما في «الفوائد». والله أعلم.



ثانيهما: أن زمعة مات كافرًا فلم ترثه سودة كما سلف وورثه عبد.
وقال مالك: لا يستلحق إلا الأب خاصة (١)، واعتذر عنه بأنه - ﷺ - لعله علم أنه بالفراش.
خامسها: قَالَ الطحاوي: جعل بعض الناس دعوى سعد دعوى ادعاها لأخيه من أمةٍ لغيره لا تزويج بينهما (٢)، وليس كما قَالَ؛ لأنه أعلم من أن يدعي دعوى لا معنى لها، ووجه دعواه أن أولاد البغايا في الجاهلية قد كانوا يُلحقونهم في الإسلام بمن ادَّعاهم، وقد كان عمر بن الخطاب يحكم بذلك عَلَى بعده من الجاهلية، فكيف في عهده - ﷺ - مع قربه من الجاهلية! فإن ما ادَّعى سعد ما كان يحكم له به؛ لأنه بمنزلة أخيه في ذَلِكَ الذي قد توفي بعهده فيه؛ لولا أن عبد بن زمعة قابل دعواه بدعوى توجب عتاقه للمدِّعي فيه؛ لأنه كان يملك بعضه بكونه ابن أمة أبيه، فلما ادَّعى الأخوة عتق منه حظه، وكان ذَلِكَ هو الذي أبطل دعوى سعد فيه لا لأنها كانت باطلة، ولم يكن من سودة تصديق لأخيها عبد عَلَى ما ادَّعاه من ذَلِكَ، فألزمه رسول الله - ﷺ - ما أقر به في نفسه وخاطبه بقوله: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ولم يجعل ذلك حجة عليها، وأمرها بالحجاب منه، إذ لم يجعله أخاها، وكيف يجوز أن يجعله أخاها ويأمرها بالاحتجاب منه، وهو قد أنكر عَلَى ذَلِكَ احتجابها من عمها من الرضاعة (٣)؟
فائدة: لا خلاف أن من مات وبيده عبد فادَّعى بعض بني المتوفي أنه أخوه أنه لا يثبت له بتلك الدَّعوى نسب من المتوفي، وأنه يدخل مع المدعي في ميراثه عند أكثر أهل العلم، وإن كان ما يدخل منه مختلفًا

--------
(١) انظر: «المنتقى» ٦/ ٧، ٨.
(٢) «مشكل الآثار» ٤/ ٣٥ تحفة.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٤٤)، ورواه مسلم (١٤٤٥) والمذكورة في الحديث عائشة.



في مقداره، ولا يدخل في قولِ أخرى في شيء مما بيده، منهم الشافعي، وحكي أنه قول جماعة من المدنيين.
قَالَ الطحاوي: وقد روي عن عبد الله بن الزبير أنه كان لزمعة جارية يطؤها، وكان يظن برجل يقع عليها، فمات زمعة وهي حامل، فولدت غلامًا كان يشبه الرجل الذي يظن بها فذكرته سودة لرسول الله - ﷺ -، فقال: «أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس بأخ لك» ففيه نفي الأخوة (١). واحتمل قوله: «أما الميراث فله» أن يكون المراد به الميراث الذي وجب له في قصة عبد بإقراره به لا فيما سواه من تركه زمعة.
سادسها؛ فائدة: فيه -كما قَالَ أبو عمر-: الحكم بالظاهر إذ حكم للولد بالفراش ولم يلتفت للشبه، وكذلك حكم في اللعان بظاهر الحكم، ولم يلتفت إلى ما جاءت به عَلَى النعت المكروه. وحكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطل لأمره سودة بالاحتجاب (٢).
وأما حديث عدي فذكره هنا؛ لأنه - ﷺ - أفتاه بالشدة عن الشبهة أيضًا؛ خشية أن يكون الكلب الذي قتله غير مسمًّى عليه كما أسلفناه، فكأنه أهل به لغير الله، وقد قَالَ تعالى في ذَلِكَ ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فكانت في فتياه باجتناب الشبهات دلالة عَلَى اختيار القول في الفتوى بالأحوط في النوازل والحوادث المحتملة للتحليل والتحريم الذي لا يقف عَلَى حلالها وحرامها؛ لاشتباه أسبابها، وهذا معنى الحديث السالف: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣) أي: دع ما تشك فيه ولا تتيقن إباحته، وخذ ما لا يشك فيه ولا التباس، وقال ابن المنذر عن بعضهم: الشبهة تنصرف ثلاثة أقسام:

------
(١) «شرح معاني الاثار» ٣/ ١٥٥.
(٢) «التمهيد» ٨/ ١٨٢.
(٣) تقدم تخريجه أول الباب.



أحدها: شيء يعلمه المرء حرامًا ثم يشك في حله، فالأصل التحريم إلا بيقين مثل الصيد حرام قبل ذكاته، ثم يشك في ذكاته. وحديث عدي شاهد له، وهو أصل لكل محرم حَتَّى يحل، ومن ذَلِكَ موت قريب عَلَى ما بلغه، وله جارية فيتوقف حَتَّى يتبين. وكذا إذا اشتبه عليه مذكًى بميتة، ولا مدخل للاجتهاد فيه عَلَى الأصح.
ثانيها: شيء يعلمه حلالًا ثم يشك في تحريمه، فالأصل الحل، كجارية شك في عتقها، وزوجة شك في طلاقها. وحديث عبد الله بن زيد شاهد له (١).
ثالثها: أن يشكل فلا يدري حله أو حرمته ويحتملان، فالأحسن التنزه كما فعل الشارع في التمرة الساقطة.
وفيه: المعراض وهو عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد،
فما أصاب بحده فهو وجه ذكاته فيؤكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وهو المقتول بما لا حد له كالعصا والحجر. يقال: أَقِذُتها أقذها إذا أثخنتها ضربًا. وقَالَ أبو سعيد: الوقذ: الضرب عَلَى ما بين القفا فتصير هَدتها إلى الدماغ فتذهب العقل. وقال ابن فارس: الوقذ: شدة الضرب (٢).
وفيه: دلالة عَلَى اعتبار التسمية في الصيد. وقد اختلف العلماء في تاركها عمدًا وسهوًا عَلَى ثلاثة أقوال، ثالثها: يفرق بين العامد والساهي، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن

----------
(١) يشير المصنف إلى حديث عبد الله بن زيد بن عاصم السالف برقم (١٣٧): أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: «لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». ويأتي بعد باب برقم (٢٠٥٦).
(٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٩٣٣.



حي وإسحاق ورواية عن أحمد، وقال أشهب: يؤكل مطلقًا إلا أن يكون مستحقًّا.
وحمل ابن القصار وابن الجهم قول مالك في العامد عَلَى الكراهية.
وقال عيسى وأصبغ: هو حرام مطلقًا. وهو قول أبي ثور وداود. وقال الشافعي: هو حلال مطلقًا، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة.
قَالَ ابن عبد البر: ولا أعلم أحدًا من السلف روي عنه المنع مطلقًا إلا محمد بن سيرين والشعبي، عَلَى خلاف فيه، ونافع (١).
وأما حديث التمرة المسقوطة والساقطة، قد يأتي مفعول بمعنى فاعل كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، أي: آتيا، و﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساترًا.
وفيه: أن التمرة وغيرها من اللقط لا يعرف.
وفيه: أنه لا يجب أن يتصدق بها.
وفي «المدونة»: يتصدق بالطعام تافهًا كان أو غير تافه أعجب إليَّ إذا كان إن بقي خشي عليه الفساد. وقال مطرف: إن أكله غرِمَه وإن كان تافهًا. وهذا الحديث حجة عليه، قَالَ: وإن تصدق به فلا شيء عليه، ومذهبه تعريف اللقطة وإن قلت كالتمرة والدرهم، وكذا الشافعي لكن ليس كالكثير بل زمنًا يقل أسف صاحبه عليه غالبًا. وحكى ابن المنذر عن مالك: يعرفها سنة فإن كانت أقل من درهم إلاِ أن تكون اليسير مثل الفلس والجزرة فإنه يتصدق به من يومه ولا يأكله. وعن أبي حنيفة أن القليل عشرة دراهم. وقال ابن وهب: يعرفه أيامًا ثم يأكله إن كان فقيرًا أو يتصدق به إن كان مليًا.

----------
(١) «التمهيد» ٢٢/ ٣٠٢.


وفيه: أنه لا يأكل الصدقة؛ لتخوفه أن يكون ذَلِكَ من الصدقة، وأنها حرام عليه، وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة.
قَالَ المهلب: تركها تنزهًا عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس عَلَى أحد غيره بواجب أن يتبع (الجزازات) (١)؛ لأن الأشياء مباحة حَتَّى يقوم الدليل عَلَى الحظر، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره، ولا يدرى أحلال هو أم حرام واحتملهما ولا دليل عَلَى أحدهما، ولا يجوز أن يحكم عَلَى من أخذ مثل ذَلِكَ أنه أخذ حرامًا؛ لاحتمال أن يكون حلالًا، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله - ﷺ - فيما فعل في التمرة، وقد قَالَ لوابصة بن معبد حين سأله عن البر والإثم فقال: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر» كذا ساقه ابن بطال عن وابصة (٢)، والذي يحضرنا أنه قَالَ للنواس بن سمعان (٣). وقال ابن عمر: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى

---------
(١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٧، وفي «عمدة القاري» ٩/ ٢٥١: الجوازات.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٨.
(٣) حديث النواس رواه مسلم (٢٥٥٣) كتاب: البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم.
وحديث وابصة -هو ابن معبد- حديث مشهور معروف:
رواه أحمد ٤/ ٢٢٨، والدارمي ٣/ ١٦٤٩ (٢٥٧٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٤ - ١٤٥، والحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٥٥)، وكما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٣٥٩/ ١)، وأبو يعلى ٣/ ١٦٠ - ١٦٢ (١٥٨٦ - ١٥٨٧)، والطبراني في «الكبير» ٢٢ (٤٠٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٢٤، ٦/ ٢٥٥، والبيهقي في «الدلائل» ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣ من طريق حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن وابصة، بنحوه. =



حَتَّى يدع ما حاك في الصدر (١).
فإن قلت: إذا وجدت التمرة في البيت فقد بلغت محلها وليست من
الصدقة، قلت: كان - ﷺ - يؤتى بالتمر عند صرام النخل -كما ساقه البخاري عن أبي هريرة- وإن الحسن أو الحسين أخذ تمرة فجعلها في فيه، فطرحها من فيه (٢). وهذا أحسن من جواب القابسي أنه يحتمل
أنه - ﷺ - كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت عَلَى فراشه فصارت شبهة.
وفيه أيضًا: أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح في مثله، وأما التمرة واللبابة من الخبز ونحوهما فقد أجمعوا عَلَى أخذها

--------
= قال النووي في «المجموع» ٩/ ١٧٥ وفي «الأذكار» كما في «نيل الأوطار بتخريج أحاديث الأذكار» (١٢٥٥) وفي «رياض الصالحين» (٥٩١) وفي «الأربعين النووية» الحديث (٢٧): حديث حسن.
وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢٦٨٣): إسناده حسن.
لكن الحديث أشار الحافظ ابن رجب لضعفه في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٩٤.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٧٥: فيه أيوب بن عبد الله بن مكرز، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان.
وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٤٣: مدار هذِه الطرق على أيوب بن عبد الله، وهو مجهول.
وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (١٧٣٤): حسن لغيره.
اعتذار: ذكر شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٧٦ هذا الحديث وقال: هو في السنن! وهذا خطأ؛ فالحديث -كما في التخريج- ليس في شيء من السنن الأربعة، إلا في «سنن الدارمي». وجلَّ من لا يسهو، فالمصنف لم يحضره هذا الحديث وإنما عزاه لابن بطال! والله أعلم.
(١) سلف معلقًا قبل حديث (٨) وسلف الكلام عليه هناك.
(٢) سلف برقم (١٤٨٥).



ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها؛ استدلالًا بقوله:
«لأَكَلْتُهَا» وأنها مخالفة لحكم اللقطة، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب: اللقطة. وحديث أنس وحديث أبي هريرة يدل أنهما واقعتان، وجد تمرة في الطريق والثانية عَلَى فراشه.
وأما حديث عائشة فإقراره لهم عَلَى هذا السؤال وجوابه لهم يدل عَلَى اعتبار التسمية إما عند الذبح أو عند الأكل، والتسمية عند الأكل مستحبة، وظاهره أنها تنوب عن التسمية عند الذكاة، لا كما نفاه ابن التين وابن الجوزي حيث قال: قوله: «سَمُّوا وَكُلُوا» ليس يعني أنه يجزئ عما لم يسم عليه ولكن؛ لأن التسمية عند الطعام سنة، ويستباح بها أكل ما لم يعرف أَسُمِّي عليه أم لا إذا كان الذابح ممن تصح ذكاته إذا سمى.
قَالَ الداودي: أمر - ﷺ - ألا نظن بالمسلمين إلا خيرًا، وأن نحمل أمرهم عَلَى الصحة حَتَّى يتبين غيره.
وقال مالك في «الموطأ»: هذا كان في أول الإسلام قبل أن تنزل آية التسمية (١). وقد روى ذَلِكَ مبينًا في حديث عائشة: أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام وممن يصح أن لا يعلموا أن هذا شرع، وأما الآن فقد استبان ذَلِكَ حَتَّى لا نجد من لا يعلم أنها مشروعة، ولا نظن بالمسلمين تركها، فليسم إذا أكل، ويسمي الآكل لما يخشى من النسيان، قاله الداودي، وهي نزعة مالكية.
وقال ابن بطال: في جواب هذا منه - ﷺ - من الأخذ بالحزم في ذَلِكَ؛ خشية أن ينسى الذي صاده التسمية، وإن كانت التسمية عند الأكل غير

---------
(١) «الموطأ» ص ٣٠٢.


واجبة، لما تقرر من فضل أهل ذَلِكَ القرن، وبعدهم عن مخالفة أمر الله ورسوله في ترك التسمية عَلَى الصيد (١). وإنما لم تدخل الوساوس في حكم الشهات المأمور باجتنابها لقوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» (٢) فالوسوسة ملغاة مطرحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت. والمالكية حملوا حديث عبد الله بن زيد عَلَى المستنكح الذي يغتر به ذَلِكَ كثيرًا بدليل شكايته لرسول الله - ﷺ - ذَلِكَ. والشكوى إنما تكون من علة، فإذا كثر الشك في مثل ذَلِكَ وجب إلغاؤه وإطراحه؛ لأنه لو أوجب له - ﷺ - حكمًا؛ لما انفك صاحبه من أن يعود إليه مثل ذَلِكَ التخيل والظن فيقع في ضيق وحرج. وكذا حديث عائشة مثل هذا المعنى؛ لأنه لو حمل ذَلِكَ الصيد عَلَى أنه لم يذكر اسم الله عليه، لكان في ذَلِكَ أعظم الحرج، والمسلمون محمولون عَلَى السلامة، ولا ينبغي أن نظن بهم ترك التسمية، فتضعف الشبهة فيه، فلذلك لم يحكم بها وغلب الحكم بضدها، لأن المسلمين في ذَلِكَ الزمن كانوا من القرن الذين أُثني عليهم، فلا يتوجه إليهم سوء الظن في دينهم (٣).
وكذا قَالَ أبو عمر: في الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولا يدرى هل سمى عليه أم لا؟ أنه لا بأس به، وهو محمول عَلَى

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٠٠.
(٢) رواه مسلم (١٢٧) عن أبي هريرة.
(٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث ابن مسعود الآتي برقم (٢٦٥٢): «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم …» الحديث. ورواه مسلم (٢٥٣٣).
ورواه مسلم أيضًا (٢٥٣٤ - ٢٥٣٦) من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وعائشة، بنحوه.



أنه سمى، إذ المؤمن لا يظن به إلاِ الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمولة عَلَى السلامة حَتَّى يتبين غيره من تعمد ترك التسمية ونحوه، قَالَ: وبلغني أن ابن عباس سئل عن الذي نسي أن يسمي الله -عز وجل- عَلَى ذبيحته، قَالَ: يسمي الله ويأكل ولا بأس عليه (١). وقال مالك مثله.
ومما يدل عَلَى بطلان قول من قَالَ: إن ذَلِكَ كان قبل نزول: ﴿وَلَا تَأكُلُو﴾ أن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل مكة باديتها هم الذين أشير إليهم بالذكر في الحديث. ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في الأنعام بمكة، وأن الأنعام مكية.
قلت: لكن ذكر الثعلبي وغيره أن فيها ست آيات مدنيات نزلن بها.
وأجمع العلماء عَلَى أن التسمية عَلَى الأكل إنما معناها التبرك لا مدخل لها في الذكاة بوجه من الوجوه. واستدل جماعة العلماء عَلَى أن التسمية ليست واجبة بهذا الحديث لما أمرهم بأكل ذبيحة الأعراب بالبادية، إذ يمكن أن يسموا ويمكن أن لا بجهلهم. ولو كان الأصل أن لا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذَلِكَ إلا بيقين من التسمية، إذ الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، والشك والإمكان لا تستباح به المحرمات. قالوا: وأما قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] فإنما خرج على تحريم الميتة وتحريم ما ذبح على النصب وأهل به لغير الله، قال ابن عباس: خاصمت اليهود رسول الله - ﷺ - وقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل

-------
(١) «التمهيد» ٢٢/ ٢٩٩ - ٣٠٣. وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٧٩ (٨٥٣٨، ٨٥٤١)، ٤/ ٤٨١ (٨٥٤٨)، والدارقطني ٤/ ٢٩٦، والحاكم ٤/ ٢٣٣، والبيهقي ٩/ ٢٣٩ من طرق عنه، وبألفاظ مختلفة.


مما قتل الله. فأنزل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ «الآية (١).
--------
(١) رواه أبو داود (٢٨١٩)، والترمذي (٣٠٦٩)، والطبري في»تفسيره«٥/ ٣٢٨ (١٣٨٢٩)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠، وابن عبد البر ٢٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، والضياء في»المختارة«١٠/ ٢٥٥ - ٢٥٧ (٢٦٩ - ٢٧١) من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
ووقع عند الترمذي: أتى ناس النبي - ﷺ -، دون تعيين أنهم اليهود.
ووقع عند الضياء في الحديث الثاني: إن المشركين قالوا.
قال المنذري في»مختصر سنن أبي داود«٤/ ١١٣: عطاء بن السائب اختلفوا في الاحتجاج بحديثه، وأخرج له البخاري مقرونًا بجعفر بن أبي وحشية، وفي إسناده أيضًا عمران بن عيينة، قال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه فإنه يأتي بالمناكير. اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن القيم في»الحاشية«٤/ ١١٣ - ١١٤: هذا الحديث له علل: إحداها: أن عطاء بن السائب اضطرب فيه، فمرة وصله ومرة أرسله. الثانية: ذكر العلة الأولى التي ذكرها المنذري. الثالثة: ذكر العلة الثانية التي ذكرها المنذري. الرابعة: أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى النبي - ﷺ - إياه إنما كان بعد قدومه المدينة.
وقال الحافظ ابن كثير في»التفسير«٦/ ١٥٦ - ١٥٧: الحديث فيه نظر من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا.
الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية.
الثالث: أن الحديث رواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي - ﷺ -، وقال: حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلًا. اهـ.
وقال الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٥١٠): حديث صحيح، لكن ذكر اليهود فيه منكر. والمحفوظ أنهم المشركون أهـ.
وروى أبو داود (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، والطبري ٥/ ٣٢٦ (١٣٨١٦)، والحاكم ٤/ ١١٣، ٢٣١، والبيهقي ٩/ ٢٤١ من طريق إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله -عز وجل- ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ والحديث قال عنه الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. =



قَالَ أبو عمر: كذا في الحديث: اليهود، وإنما هم المشركون؛ لأن اليهود لا يأكلون الميتة كما ساقه ابن عباس مرة أخرى (١). والمخاصمة هي التي قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. يريد قولهم: ما قتل الله تعالى.
--------
= وقال الحافظ ابن كثير ٦/ ١٥٨: إسناده صحيح. وكذا قال الحافظ في «الفتح» ٩/ ٦٢٤. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٥٠٩).
قال ابن كثير ٦/ ١٥٨: المحفوظ ما روي عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود. اهـ بتصرف.
(١) «التمهيد» ٢٢/ ٣٠١. وحديث ابن عباس تقدم تخريجه والكلام عليه.



٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] [انظر: ٩٣٦ - مسلم: ٨٦٣ - فتح: ٤/ ٢٩٦]
ذكر فيه حديث حُصَيْنٍ -وهو ابن عبد الرحمن- عَنْ سَالِمٍ -وهو ابن أبي الجعد رافع- قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ رسول الله - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١].
هذا الحديث سلف بالإسناد المذكور في الجمعة، في باب: إذا نفر الناس عنه، فراجعه (١). وسلف تفسير الآية قريبًا (٢). وقال قتادة: لم يبق مع النبي - ﷺ - إلا اثنا عشر رجلًا وامرأة (٣).

-----------
(١) سلف برقم (٩٣٦).
(٢) يراجع أول كتاب: البيوع.
(٣) رواه الطبري ١٢/ ٩٨ (٣٤١٤٠، ٣٤١٤٢).



٧ - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ
٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ، الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ». [٢٠٨٣ - فتح: ٤/ ٢٩٦]
ذكر فيه حديث المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ، الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ».
هذا الحديث من أفراده.
ونحوه حديث الحسن عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «يأتي عَلَى الناس زمان لا يبالي فيه أحد إلا آكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره»، أخرجه الحاكم، ثم قَالَ: إن صح سماع الحسن من أبي هريرة فهذا حديث صحيح (١).

-------
(١) «المستدرك» ٢/ ١١.
ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٣١)، والنسائي ٧/ ٢٤٣، وابن ماجه (٢٢٧٨) وأحمد ٢/ ٤٩٤، وأبو يعلى ١١/ ١٠٥ - ١٠٦ (٦٢٣٣)، ١١/ ١١٤ (٦٢٤١)، والبيهقي ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ٢/ ٩٣ (١٢٧٢)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤١٧ من طرق عن الحسن، به.
قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢٨٦٤): اختلف في سماع الحسن من أبي هريرة، والجمهور على أنه لم يسمع منه.
وقال في «مختصر سنن أبي داود» ٥/ ٨: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فهو منقطع.
وقال الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٤٢: لم يصح؛ للانقطاع.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١١٦٧)، و«ضعيف الجامع» (٤٨٦٤).



وهذا يكون لضعف الدين وعموم الفتن، وقد أخبر - ﷺ - أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا (١)، وأنذر بكثرة الفساد، وظهور المنكر، وتغير الأحوال، وذلك من أعلام نبوته.
وفي الحديث: «من بات كالًّا من عمل الحلال بات والله عنه راضٍ، وأصبح مغفورًا له» (٢).
و«طلب الحلال فريضة عَلَى كل مؤمن» (٣) ذكره (المنذري) من

-----------
(١) رواه مسلم (١٤٥) عن أبي هريرة.
(٢) روي من حديث ابن عباس والمقدام بن معدي كرب.
حديث ابن عباس رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢٨٩ (٧٥٢٠) بلفظ: «من أمسى كالًا من عمل يديه أمسى مغفورًا له».
قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٦٣: فيه جماعة لم أعرفهم، وضعفه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١٦٦٠)، والألباني في «الضعيفة» (٢٦٢٦).
وأما حديث المقدام فرواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٤/ ١٠ بلفظ: رأيت النبي - ﷺ - ذات يوم وهو باسط يديه وهو يقول: «ما أكل العبد طعامًا أحب إلى الله من كدّ يده، ومن بات كالًا من عمله بات مغفورًا له».
قال الحافظ الذهبي في «السير» ١٤/ ٥٥٠، والألباني في «الضعيفة» (١٧٩٤): حديث منكر. وانظر الحديث الآتي قريبًا برقم (٢٠٧٢).
(٣) روي من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر.
حديث ابن مسعود رواه الطبراني ١٠/ ٧٤ (٩٩٩٣)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين» ٣/ ٣٢٠ (٥١٠)، والأزدي في «من وافق اسمه» ص ٥١، وأبو الحسين الصيداوي في «معجم الشيوخ» ص ١٠٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٢٦، وفي «أخبار أصبهان» ٢/ ٣٣٩، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٠٤ (١٢٢)، والبيهقي في «السنن» ٦/ ١٢٨، وفي «الشعب» ٦/ ٤٢٠ (٨٧٤١)، والحافظ الذهبي في «السير» ١٥/ ٤٢٢، وفي «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٩٠٢ من طريق
يحيى بن يحيى، عن عباد بن كثير الرملي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: «طلب الحلال فريضة بعد الفريضة». =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 51.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]