عرض مشاركة واحدة
  #391  
قديم يوم أمس, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,176
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 591 الى صـــ 610
الحلقة (391)






وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وابن خزيمة (٣)، والمزني، وهو قوي يجمع به بين أحاديث الباب، وإنما تنتقل في العشر الأواخر، وقيل: في كله، وقيل: تلزم ليلة بعينها قيل: هي في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود (٤) وأبي حنيفة وصاحبيه (٥)، وقيل: بل في كل رمضان
--------
= من طريق داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن يحنس قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رفعت، قال: كذب من قال ذلك.
وروي نحوه عن الحجاج، فروى عبد الرزاق ٤/ ٢٥٣ (٧٧٠١) من طريق عبد الله بن شريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها … الحديث.
وكذا ساقه الحافظ ٤/ ٢٦٣.
ويدل للقول الراجح -وهو الصواب- أنها باقية، حديث أبي ذر: أنا كنت أسأل الناس عنها رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم الوحي، فإذا قبضوا رفعت؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» الحديث.
وقد تقدم تخريجه قريبًا فليراجع. والله أعلم.
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٠٤ - ١٠٥، و«الذخيرة» ٢/ ٥٥٠.
(٢) انظر: «المغني» ٤/ ٤٤٩.
(٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٣٢٧.
حيث قال: جماع أبواب ذكر الليالي التي كان فيها ليلة القدر في زمن النبي - ﷺ -، والدليل على أن ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر من رمضان في الوتر على ما ثبت. وقال في ٣/ ٣٢٩: إذ ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في الوتر.
(٤) رواه مسلم (٧٦٢)، وبعد حديث (١١٦٩).
(٥) قلت: وهو نص كلام المصنف أيضا في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩.
ونقل ابن الهمام في «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠ عن أبي حنيفة: أنها في رمضان فلا يدري أية ليلة هي، وقد تتقدم وتتأخر، وعندهما كذلك، إلا أنها معينة لا تتقدم ولا تتأخر، هكذا النقل عنهم في المنظومة والشروح، وفي «فتاوى قاضيخان» قال: وفي المشهور عنه أنها تدور في السنة وتكون في غيره فجعل ذلك رواية. =



قول ابن عمر، وجماعة من الصحابة (١)، وقيل: أول ليلة منه (٢)،
-------
= فهكذا ذكر هنا أنها رواية عن أبي حنيفة وحده دون صاحبيه، وهو ما حكاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٦٣ فقال: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية حكاه قاضيخان وأبو بكر الرازي منهم.
وكذا حكاه العيني في «العمدة» ٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(١) رواه عن ابن عمر ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٦ (٩٥٢٨) أنه قال: في رمضان.
قال الحافظ ٢/ ٢٦٣ إسناده صحيح.
وروي أيضا عن أبي هريرة، رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٢٦٦ (٥٥٨٦) و٤/ ٢٥٥ (٧٧٠٧).
وروي أيضًا عن ابن عباس، رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٥٥ (٧٧٠٨).
ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٢ (٨٦٨١)، ٢/ ٣٢٦ (٩٥٣٤) عن الحسن، وزاد المصنف في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩ أنه روي مرفوعًا، وكذا قال الحافظ ٤/ ٢٦٣ وزاد عزوه إلى أبي داود.
قلت: رواه أبو داود برقم (١٣٨٧) من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله - ﷺ - وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: «هي في كل رمضان».
ومن هذا الطريق بنحوه رواه البيهقي ٤/ ٣٠٧، قال أبو داود والبيهقي: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر لم يرفعاه إلى النبي - ﷺ -.
وأورد الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٤٥) الحديث المرفوع مضعفًا له، ومرجحًا للموقوف.
وقد تقدم في «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ الجزم به عن أبي حنيفة.
(٢) وتقدم عزو المصنف هذا القول مرفوعًا، فقال: ورواه ابن أبي عاصم من حديث خالد بن محدوج عنه مرفوعًا -أي: عن أنس-: «التمسوها في أول ليلة من رمضان» الحديث.
ونقل الحافظ ابن كثير في «التفسير» ١٤/ ٤١٠، والحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٦٣ حكاية هذا القول عن أبي رزين العقيلي الصحابي.
ثم قال الحافظ: وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: ليلة القدر أول ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره.



وقيل: في العشر الأوسط والآخر (١)، وقيل: في العشر الأواخر (٢)، وقيل: يختص بأوتار العشر الأواخر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: بل تطلب في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين وهو محكي عن علي وابن مسعود (٣)، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم (٤). وقيل: ليلة إحدى وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين ليلة يوم بدر، وقيل: ليلة خمس وعشرين وقيل: ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة. وادعى الروياني في «الحلية» أنه قول أكثر العلماء، وقيل: ليلة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة، وقيل: آخر ليلة من الشهر، حكى هذِه الأقوال أجمع القاضي عياض في «شرحه» (٥) وادعى الماوردي أنه لا خلاف أنها في العشر الأخير (٦).
--------
(١) وذكره كذلك في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩.
وهذا القول حكاه النووي في «المجموع» ٦/ ٤٩٤. وقال الحافظ ٤/ ٢٦٣: وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية.
(٢) وكذا قال في «الإعلام» ٥/ ٤٠٠ وزاد: وادعى الماوردي الاتفاق عليه.
قلت: قال الماوردي في «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٣: لا اختلاف بين العلماء أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان. اهـ.
وعمدة الاستدلال لهذا القول حديث الباب المروي عن عائشة (٢٠٢٠)، ورواه مسلم (١١٦٩/ ٢١٩).
(٣) رواه البيهقي ٤/ ٣١٠ عن ابن مسعود.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٩٥٢٦، ٩٥٣٧، ٩٥٤٠، ٩٥٤١) عن بلال ومعاوية وعائشة وابن عباس.
(٥) «إكمال المعلم» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٦) «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٣.



قال القاضي: ما في ليلة من ليالي العشر إلا وقد روي أنها هي، لكن ليالي الوتر أرجاها (١)، وفي «شرح الهداية» ذهب أبو حنيفة إلى أنها في رمضان تتقدم وتتأخر، وعندهما لا تتقدم ولا تتأخر لكن غير معينة (٢)، وقيل: هي عندهما في النصف الأخير من رمضان، وقال أبو بكر الرازي هي غير مخصوصة بشهر من الشهور، وبه قال الحنفيون، وفي قاضي خان (٣) المشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره وصح ذَلِكَ عن ابن مسعود (٤)، وقال ابن عباس: السورة ثلاثون كلمة فإذا وصلت إلى قوله ﴿هِىَ﴾ فهي سابعة وعشرون منها (٥).
وأجيب بأن قوله: ﴿لَيلَةُ اَلقَدرِ﴾ نص على عينها وهي الكلمة الخامسة، وهي كناية فإذا لم يدل الصريح فالكناية أولى، وقيل: إنها في ليلة النصف من شعبان، وقال ابن حزم: إن كان الشهر ناقصًا فهي أول العشر الأخر من غير شك، فهي إما في ليلة عشرين أو ثانية أو أربع أو ست أو ثمان وإن كان كاملًا فأول العشر الأواخر بلا شك (٦) إما ليلة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع في وترها. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر.

------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٢) انظر: «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٣) انظر «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٩٠.
(٤) تقدم تخريجه، وهو في مسلم (٧٦٢).
(٥) ينظر هذا القول وما يتعلق به في «المحلى» ٧/ ٣٥، و«الإعلام» ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣، و«الفتح» ٤٧/ ٢٦٥.
(٦) «المحلى» ٧/ ٣٣.



تنبيهات وفوائد:
الأول: قوله في حديث ابن عمر: («فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر من رمضان») يريد في ذَلِكَ العام الذي تواطأت فيه الرؤيا على ذَلِكَ وهي ليلة ثلاث وعشرين: لأنه قال في حديث أبي سعيد: «التمسوها في العشر الأواخر في الوتر فمطرنا ليلة إحدى وعشرين». وكانت ليلة القدر في ذَلِكَ العام في غير السبع الأواخر ولا تتضاد الأخبار.
وفي حديث أبي سعيد زيادة معنى أنها تكون في الوتر، وحديث عبد الله بن أنيس السالف دال أنها ليلة ثلاث وعشرين أيضًا (١)، فقال رجل: هذا أول ثمان فقال: «بل أول سبع: لأن الشهر لا يتم» (٢)، فثبت بهذا أنها في السبع الأواخر، وأنه قصد ليلة ثلاثٍ وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصًا، فدل هذا أنها قد تكون في غيرها من السنين بخلاف ذَلِكَ.
ثانيها: من ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها في سائر السنة، فلا دليل له إلا الظن من دوران الزمان بالزيادة والنقصان في الأهلة، وذلك فاسد؛ لأنه محال أن يكون تعليقها بليلة في غير شهر رمضان، كما لم يعلق صيامه بأيام معلومة تدور في العام كله بالزيادة والنقصان فرب الأهلة، فيكون صوم رمضان في غيره، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر في غير رمضان، وفي القرآن ما يدل على أنها في رمضان خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية [الدخان: ٣].
فأخبر أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر، وهي

--------
(١) رواه مسلم (١١٦٨).
(٢) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥.



الليلة التي أنزل الله فيها القرآن حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت بذلك أن تلك الليلة في شهر رمضان.
وقال الداودي: أراد به تحريض الناس على العمل في السنة كلها وهو من المعاريض: لأن قوله «في» يوجب البعض، فمعناه: أنها في السنة في العشر الأواخر، فسكت؛ ليجتهد في طلبها. قال: والذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أنها في وتر العشر الأواخر وأنها تنتقل.
ثالثها: القزع -المذكور في حديث (١) أبي سعيد- قطع من سحاب دقاق، قاله في «العين» (٢)، والتحري: القصد، يقال: تحريت الشيء: إذا قصدته وتعمدته.
و(تواطت). قال ابن بطال: المحدثون يروونه كذلك، وإنما هو (توطأت) (٣) بالهمز من قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
ومن قوله: ﴿أشد وطأ﴾ ولكنه يجوز في كلام كثير من العرب حذف الهمزة، ومعنى تواطأت: اتفقت واجتمعت على شيء واحد. والتوطئة: التليين، يقال: وطأت لفلان هذا الأمر إذا سهلته ولينته (٤).
رابعها: قال الطبري: أجمع الجميع أنها في وتر العشر الأواخر ثم لا حدَّ في ذَلِكَ خاص لليلة بعينها لا يعدوها لغيرها؛ لأنه لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها سيد الأمة مع جِدِّه في أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها

-------
(١) ورد بالهامش: الآتي في باب: الاعتكاف وخروج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين.
(٢) «العين» ١/ ١٣٢.
(٣) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: (تواطأت).
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٥٣.



ليلة طلقة (١)، وأن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (٢)؛ ولأن في دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر تلك الليلة للعيون ما لا تظهر في سائر السنة، من سقوط الأشجار إلى الأرض ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها، إذ لو كان ذَلِكَ حقًّا لم يخف عن بصر من يقوم ليالي السنة كلها، كيف ليالي شهر رمضان:؟!
خامسها: خصت هذِه الليلة بأنها خير من ألف شهر بنص القرآن، ويستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم (٣)، وهي أفضل ليالي السنة وهي من خواص هذِه الأمة، وقد سلف من علامتها أنها طلقة، وأن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع فيها. وفيه حديث أخرجه البيهقي في «فضائل الأوقات» (٤)، ثم قال: وقد روي في حديثين ضعيفين في صفة الهواء ليلة القدر فقال في أحدهما: «إنها ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح شمسها في صبيحتها ضعيفة حمراء» (٥)

---------
(١) دليله حديث جابر بن عبد الله، المتقدم ذكره وتخريجه.
(٢) دليله ما رواه مسلم (٧٦٢).
(٣) إجابة دعاء الداعي في ليلة القدر معلوم ضرورة لا يحتاج إلى دليل مستقل فضلًا عن وجود عشرات الأدلة النقلية والعقلية على ذلك، وتقييد المصنف -رحمه الله- إجابة الدعاء فيها بمن لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ليس خاصًا بلية القدر وحدها، إنما هو يشمل كل دعاء دعا به المسلم: ودليل ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢٧٣٥/ ٩٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل».
(٤) «فضائل الأوقات» ١٠٠ - ١٠١ وهو حديث أبي بن كعب الذي رواه مسلم (٧٦٢) وبعد حديث (١١٦٩).
(٥) رواه الطيالسي ٤/ ٤٠١ (٢٨٠٢)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٣٤)، وابن خزيمة ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٢١٩٢)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٤٧، =



وفي الآخر معناه (١)، ثم روى، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة:
-------
= وأبو نعيم الأصبهاني في «أخبار أصبهان» ٢/ ٢٦، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ٣٣٤ (٣٦٩٣) من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا به.
قال البزار: سلمة بن وهرام لا نعلم حدث عنه غير ابنه عبيد الله وزمعة، وهو من أهل اليمن لا بأس به، أحاديثه عن ابن عباس غرائب.
وروى العقيلي، عن الإمام أحمد أنه قال: سلمة بن وهرام روى عنه زمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديث ضعيف.
ثم قال العقيلي: وله عن عكرمة أحاديث لا يتابع منها على شيء، وفي ليلة القدر أحاديث صحاح بخلاف هذا اللفظ.
وضعف البيهقي إسناد هذا الحديث في «الشعب» ٣/ ٣٣٥.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧٧: فيه. سلمة بن وهرام وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام.
والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٧٥)، وقال في «صحيح ابن خزيمة» (٢١٩٢): حديث صحيح لشواهده -قلت: سيأتي تخريجها.
وقال في «الضعيفة» ٩/ ٣٩٤: زمعة بن صالح وسلمة فيهما ضعف، لكن لا بأس بهما في الشواهد.
(١) «فضائل الأوقات» ص ٢٤٠.
والحديث الآخر الذي أشار إليه البيهقي، لعله حديث عبادة بن الصامت كما أشار هو في «الشعب» ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥.
وهو حديث رواه أحمد ٥/ ٣٢٤، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ١٦٦ - ١٦٧ (١١١٩)، وابن عبد البر في «الاستذكار» ١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣ (١٥١٤٦) من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليلة القدر في العشر البواقي ..» الحديث.
وفي شطره الثاني: وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر ..» الحديث.
قال ابن عبد البر: هذا حديث حسن، حديث غريب، وهو من حديث الشاميين، رواته كلهم ثقات. وبقية إذا روى عن الثقات فليس بحديثه بأس. =



فإن ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من رمضان فإذا هو عذب (١)، وروى في «دلائل النبوة» -في آخره في باب: ما جاء في رؤيا ابن عباس في منامه- عن ابن عباس أن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع يومئذ ولا شعاع لها (٢).
---------
= وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧٥: رجاله ثقات.
وقال الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٩٣: هذا إسناد رجاله ثقات، صرح بقية فيه بالتحديث، فهو صحيح إن كان ابن معدان سمع من عبادة، وذلك مما نفاه أبو حاتم، وبين وفاتيهما نحو سبعين سنة.
وقد وصله معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن محمد بن عبادة بن الصامت عن أبيه مرفوعًا. اهـ.
قلت: وهذا الطريق هو الذي رواه منه البيهقي في «الشعب» (٣٦٩٤) وضعف الإسناد.
ثم قال الألباني: ومحمد بن عبادة هذا، أورده ابن حبان في «الثقات» ١/ ٢٤٠ هكذا: محمد بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، يروي عن عبادة، عداده في أهل الشام، روى عنه عيسى بن سنان.
وهكذا أورده ابن أبي حاتم ٤/ ١/ ١١٢ إلا أنه قال: أبيه، بدل: عبادة، قلت: ولعله الصواب، كما في هذا الحديث من رواية الزهري عنه، لكن معاوية بن يحيى -وهو الصدفي- ضعيف لا يحتج به. اهـ.
وفي الباب عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا.
رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢٥/ ١٣٩، وفي «مسند الشاميين» ٤/ ٣٠٩ (٣٣٨٩) بلفظ: ليلة القدر بلجة لا حارة ولا باردة. ولا سحاب فيها ولا مطر ولا ريح، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامة يومها: تطلع الشمس لا شعاع لها«.
قال الهيثمي ٣/ ١٧٨ - ١٧٩: فيه بشر بن عون، عن بكار بن تميم، وكلاهما ضعيف.
وقال الألباني في»الضعيفة«(٤٤٠٤): ضعيف بتمامه، وإسناده ضعيف.
(١)»فضائل الأوقات«(١٠٦) وبنحوه في»الشعب«٣/ ٣٣٢ (٣٦٩٠).
(٢)»دلائل النبوة" ٧/ ٣٣، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥١ (٨٦٦٦).



سادسها: من أهم الدعاء في هذِه الليلة: «اللَّهُمَّ إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (١) فيستحب الإكثار منه.
قال البيهقي في «فضائل الأوقات»: طلب العفو من الله مستحب في جميع الأوقات، وخاصة في هذِه الليلة، ثم روى بإسناده إلى أبي عمرو بن أبي جعفر قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل كثيرًا يقول في مجلسه، وفي غير المجلس: عفوك. ثم يقول: عفوك يا عفو، عفوك في المحيا عفوك، وفي القيامة عفوك، وفي مناقشة الحساب عفوك. قال أبو عمرو: فرئي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل

----------
(١) رواه الترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢١٨ - ٢١٩ (١٠٧٠٨ - ١٠٧١٢)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد ٦/ ١٧١، ١٨٢، ١٨٣، ٢٠٨ وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣/ ٧٤٨ - ٧٤٩ (١٣٦١ - ١٣٦٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٧٦٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٤٧٤ - ١٤٧٥، ١٤٧٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (٣٧٠٠ - ٣٧٠١)، وفي «الأسماء والصفات» ١/ ١٤٨ - ١٤٩ (٩٢)، وفي «فضائل الأوقات» ١١٣ - ١١٤، وفي «الدعوات الكبير» ١/ ١٥٠ (٢٠٣)، والبغوي في «معالم التنزيل» ٨/ ٤٩١ من طرق عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، به.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ورواه أحمد ٦/ ٢٥٨، والنسائي ٦/ ٢١٩ (١٠٧١٣)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١٢٢٨ (٩١٦) والحاكم ١/ ٥٣٠، والقضاعي ٢/ ٣٣٦ (١٤٧٨) من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة، به.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وصحح النووي أسانيد هذا الحديث في «الأذكار» (٥٤٤). وقال شيخ الإسلام ابن القيم في «إعلام الموقعين» ٤/ ٢٩٨: حديث صحيح. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٧) ورجح أن الحديث حديث عبد الله بن بريدة، وأن ذكر سليمان شاذ.



له: ماذا انتفعت من أعمالك؟ قال: بقولي: عفوك عفوك (١).
سابعها: الحكمة في إخفائها أن يجتهد الناس في طلبها رجاء إصابتها كما في ساعة الإجابة يوم الجمعة (٢) وغيره، ويسن لمن رآها كتمها، صرح به الماوردي (٣)، والمعروف أنها ترى حقيقة، وقول المهلب إنه لا يمكن رؤيتها حقيقة، غلط جدًّا.
ثامنها: قال مالك: في قوله: «التمسوها في تاسعةٍ تبقى» هي ليلة إحدى وعشرين «وسابعة تبقى» ليلة ثلاث وعشرين، «وخامسة تبقى» ليلة خمس وعشرين، وإنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من
الليالي على ما ذكر في الحديث إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إذا كان كاملًا فإنها لا تكون إلا في شفع، فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة
أربع وعشرين على ما ذكره البخاري عن ابن عباس، فلا يصادف واحدة منهن وترًا (٤)، وهذا دال على الانتقال كما اخترناه من وترٍ إلى شفع وعكسه: لأنه - عليه السلام - لم يأمر أمته بالتماسها في شهر كامل دون ناقص، بل أطلق طلبها في جميعه التي قدر بها الله تعالى على التمام مرة وعكسه، فثبت انتقالها في العشر الأواخر، قيل: وإنما خاطبهم

---------
(١) «فضائل الأوقات» (١١٥) وروى الحديث بنحوه في «الشعب» ٣/ ٣٣٩ (٣٧٠٣).
(٢) يشير المصنف -رحمه الله- إلى ما سلف برقم (٩٣٥) ورواه مسلم (٨٥٢) عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه» وأشار بيده يقللها.
(٣) «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٤.
قال الماوردي: ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أوجب من دين ودنيا ويكون أكثر دعائه لدينه وآخرته.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٠٤ - ١٠٥.



بالبعض: لأنه ليس على تمام الشهر على يقين.
تاسعها: قول ابن عباس في حديثه السالف: «هي في سبع يمضين» أو «سبع يبقين» هو شك منه، أو من غيره في أي اللفظين قاله النبي - ﷺ -، ودل قوله - عليه السلام - في الحديث الآخر «في سابعة تبقى» أن الصحيح من لفظ الشك قوله: «في سبع بقين». على طريقة العرب في التأريخ إذا جاوزوا نصف الشهر، إنما يؤرخون بالباقي لا بالماضي؛ ولهذا المعنى عدُّوا «تاسعة تبقى» ليلة إحدى وعشرين، ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين، وعدوا «سابعة تبقى» ليلة ثلاث (١) وعشرين، ولم يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر. وإنما كان يكون ذَلِكَ لو قال - عليه السلام - في تاسعة تمضي، ولما قال - عليه السلام -: «التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» وكان كلامًا مجملًا يحتمل معاني، وخشي - عليه السلام - التباس معناه على أمته بيَّن الوجه المراد به، فقال: «في تاسعة تبقى، وفي سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى» ليزول الإشكال في ذَلِكَ.
عاشرها: معنى: (وكف): سال، قال صاحب «الأفعال»: وكف المطر والدمع والبيت وكوفًا ووكيفًا ووكفانًا: سال (٢).
وقوله: («أرى رؤياكم») هكذا يرويه المحدثون بتوحيد الرؤيا وهو جائز: لأن رؤيا: مصدر، وأفصح منه: رؤاكم جمع رؤيا؛ ليكون جمعًا في مقابلة جمع، وهو الأشبه بكلام الشارع.
الحادي عشر: حديث ابن عمر دال أن رؤياهم اختلفت، فقوله: «التمسوها في العشر» يجوز أن يكون أعلم أولا أنها بالعشر فأخبر

--------
(١) في الأصل: أربع، والمثبت من (م) ولعله الصواب.
(٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ١٥٤ - ١٥٥.



بذلك، ثم في السبع فأخبر به، ويجوز أن يكون حض على العشر من به قوة، وعلى السبع من لم يقدر على العشر.
وقوله في حديث أبي سعيد الأول: (فخرج صبيحة عشرين فخطبنا).
وجهه -كما قال ابن التين- أنه أخرج قبته أو خرج هو من موضع إلى آخر، وأما هو فليس بوقت خروج من الاعتكاف، ولا يخرج من اعتكف وسط الشهر إلا بمغيب الشمس من ليلة إحدى عشرين.
قلت: في حديث أبي سعيد بيان ذَلِكَ ففي الصحيح: فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل ليلة إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه (١)، وفي أخرى -وهي أيضًا لمسلم-: اعتكف في قبة تركية على سدتها حصير. قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه (٢).
قال ابن عبد البر: والوجه في ذَلِكَ عندي أنه أراد أنه خطبهم غداة عشرين: ليعرفهم أنه اليوم الآخر من اعتكافه، وأن الليلة التي تلي تلك الصبيحة هي ليلة إحدى وعشرين وهي المطلوب فيها ليلة القدر (٣).
وقال المهلب: ليس بين الروايتين تعارض: لأن يوم عشرين معتكف فيه وبه تتم العشرة أيام؛ لأنه دخل في أول الليل فيخرج في أوله، فيكون معنى قوله: في ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج من صبيحتها. يريد الصبيحة التي تلي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التي بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العبارة في نسبة

-------
(١) أحد أحاديث الباب، حديث (٢٠١٨).
(٢) هذِه الرواية عند مسلم وحده (١١٦٧ - ٢١٥).
(٣) «الاستذكار» ١٠/ ٣٢٢.



الصبيحة إلى الليلة التي قبلها لتقدم الليل على النهار فإن نسبة الشيء إلى ما بعده جائز.
الثاني عشر: قوله «ثم أنسيتها» أو «نسيتها»: هو شك من المحدث أي الكلمتين قال، ومعنى (يجاور) في حديث عائشة: يعتكف.
وقوله: (وخطب الناس) فيه: أنه كان إذا أراد أن يؤكد أمرًا خطب، وجاز النسيان في هذا عليه: لأنه لم يؤمر بأن يبلغه أمته؛ لأنه معصوم من ضده. ومعنى (استهلت): أمطرت، يقال: استهلت السماء بالمطر، وهو شدة انصبابه، وقوله بعده: (فأمطرت) تأكيد، وسلف معنى: (وكف).
وقول ابن عباس: (التمسوها في أربع وعشرين) (١)، روى أنس أنه - عليه السلام - كان يتحرى ليلة ثلاث وعشرين، وليلة أربع وعشرين.
قال ابن حبيب: يتحرى أن يتم الشهر أو ينقص، فيتحراها في ليلة من السبع البواقي، فإن كان تامًّا (٢) فهي ليلة أربع وعشرين، أو ناقصًا فثلاث، قاله الداودي. ولعل ابن عباس إنما قصد في الأربع احتياطًا كما في حديث أنس فنسي الناقل ذكر ليلة ثلاث وعشرين (٣).

---------
(١) رواه البيهقي ٤/ ٣٠٨.
(٢) في (م): تماما.
(٣) قلت: كنت أودُّ لو أفردت كل قول من أقوال المصنف في تعيين ليلة القدر بالبحث والعزو لكتب الأحاديث والآثار ثم كتب الفقه في كل مذهب من المذاهب، لكني رأيت الأمر سيطول بنا جدًا فيما ليس في محله ولا في موضعه، فتركته خشية الإطالة والاستطراد، فالمسألة تحتاج إلى الإفراد بالتصنيف والبحث والتخريج، ولكي لا تفوت الفائدة لمن أرادها، نعزو هنا لكتب الآثار والفقه التي توسعت في بحث المسألة.=



٤ - باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ (١)
٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ». [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩]
ذكر فيه حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - ليُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ

--------
= فلينظر:»مصنف عبد الرزاق«٤/ ٢٤٦ - ٢٥٥، و»مصنف ابن أبي شيبة«٢/ ٢٥٠ - ٢٥٣، و٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧.
وينظر:»الإعلام«للمصنف ٥/ ٣٩١ - ٤٠٥ فقد فصل هناك القول، وكذا ينظر:»فتح الباري«٤/ ٢٦٣ - ٢٦٦ فقد ذكر ستة وأربعين قولًا في تعيينها فوجدته قد شفي فيه وكفي بما لا تجده في مكان آخر - فيما أعلم-.
وينظر من كتب الحنفية في:»المبسوط«٣/ ١٢٧ - ١٢٨، و»شرح فتح القدير«٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠، و»تبيين الحقائق«١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، و»حاشية ابن عابدين«٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩.
ومن كتب المالكية في»مقدمات ابن رشد«١/ ٢٠٧، و»النوادر والزيادات«٢/ ١٠٢ - ١٠٥، و»شرح ابن بطال«٤/ ١٥١ - ١٥٩، و»التمهيد«٢/ ٢٠٠ - ٢١٤، و»الذخيرة«٢/ ٥٤٩ - ٥٥١.
ومن كتب الشافعية»الحاوي الكبير«٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤، و»المجموع«٦/ ٤٨٨ - ٤٩٩، و»النجم الوهاج«٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢.
ومن كتب الحنابلة»المغني«٤/ ٤٤٧ - ٤٥٤، و»الشرح الكبير«٧/ ٥٥٠ - ٥٦٠، و»الفروع«٣/ ١٤٠ - ١٤٣، و»المبدع«٣/ ٥٩ - ٦٢.
وينظر كذلك»المحلى«٧/ ٣٣ - ٣٥، و»نيل الأوطار" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٦.
(١) ورد بهامش الأصل: يعني: ملاحاة.



القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَان؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ».
وقد سلف أن هذا الحديث من أفراد البخاري وفي لفظ له: «فالتمسوها في السبع والتسع والخمس» (١) ومعنى تلاحيا: تماديا (٢) أو تسابا.
قال ابن فارس: اللحا: الملاحاة، وهي المسارعة (٣)، وقال الهروي: هما كالسباب.
ومعنى «فرفعت»: أي رفع تعينها بدليل قوله: «فالتمسوها» فرفع علمها عنه بسبب تلاحيهما، فحرموا بركة تعينها، وهو دال على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين وتحرم أجرًا عظيمًا: لأن الله لم يرد التفرق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة: لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقد يذنب القوم فتتعدى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى.
وقد روي وجه آخر في رفع معرفتها من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر» (٤).

----------
(١) سلف برقم (٤٩).
(٢) ورد بهامش الأصل: لعله: تماريا.
(٣) «المجمل» ٣/ ٤٠٨.
(٤) رواه مسلم (١١٦٦).



ويجوز أن يكون هذا مرة، والملاحاة أخرى، وقد يتذكر الرؤيا من يوقظ من نومه. والغوابر: البواقي في آخر الشهر، ومنه ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الغَابِرِينَ (١٧١)﴾ [الشعراء: ١٧١] يعني: الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة، وقد تجعله العرب بمعنى الماضي أحيانًا، وهو من الأضداد.
ومعنى قوله: «وعسى أن يكون خيرًا لكم» يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذِه الجهة، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها، قاله ابن حبيب وغيره.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٥٨.


٥ - باب العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: وجد وشد المئزر (١)، وفي آخر: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره (٢)، وفي إسناده: أبو يعفور -وهو الصغير- وهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٣).
وروى ابن أبي عاصم من حديث علي: كان - ﷺ - إذا دخل العشر أيقظ أهله ورفع المئزر (٤). يعني: اعتزل النساء، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسن لأمته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كله، لئلا تفوت إذ قد يمكن أن يكون الشهر ناقصًا، وأن يكون

-------
(١) مسلم (١١٧٤).
(٢) مسلم (١١٧٥).
(٣) هو في إسناد حديث (١١٧٤).
وانظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٦٩ (٣٨٩٥) و٣٤/ ٤١٣.
(٤) ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٢ (٨٦٧٣)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ١/ ١٣٢ (١١٠٣، ١١٠٥)، ١/ ١٣٣ (١١١٤) وفي «الزهد» ص ٢٦٣، والفريابي في «الصيام» (١٥٧) من طريق أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي، به.
وتحرفت في مطبوع «المصنف» من هبيرة إلى أبي هريرة!.
قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (١١٠٣): إسناده صحيح.



كاملًا، فمن أحيا ليالي العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلها مثل هذِه الليلة، وأوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلها في طلبها، فذلك يسير في جنب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذِه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليالٍ؛ ليدركها أهل الضعف، وأهل الفتور في العمل منا، منة ورحمة.
قال سفيان الثوري: معنى شد المئزر هنا لم يقرب النساء (١)، وهو من ألطف الكنايات. قلت: قد أسلفنا في قوله: (أيقظ أهله) من الفقه: أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر ويحملهم عليها، وقد روى ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس: أنه - عليه السلام - كان يرش على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين (٢).
والمئزر والإزار: ما يأتزر به الرجل من أسفله، وهو يذكر ويؤنث وهو هنا كناية عن الجد والتشمير في العبادة.
ونقل القرطبي عن بعض أئمتهم أنه عبارة عن الاعتكاف ثم استبعده؛ لقوله: أيقظ أهله، فإنه يدل على أنه كان معهم في البيت وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له في بيته في المسجد (٣).

--------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٥٣ (٧٧٠٢).
(٢) رواه الطبراني ١١/ ١٢٨ (١١٢٥٩).
(٣) «المفهم» ٣/ ٢٤٩.



قلت: ويحتمل أمره به أن يوقظ المعتكفة معه في المسجد، أو إذا دخل البيت لحاجته.
وقوله: (وأحيا ليله): يعني: باجتهاده في العشر الأخير من رمضان: لاحتمال أن يكون الشهر إما ناقصًا وإما تامًّا، فإذا أحيا لياليه كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، وقيل: لأن العشر آخر العمل فينبغي أن يحرص على تجويد الخاتمة (١).

---------
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد الخمسين، كتبه مؤلفه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.62 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.99 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]