عرض مشاركة واحدة
  #384  
قديم 18-02-2026, 12:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,213
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (384)






وقول أنس: ما مسِسْت خزة ولا حريرة ألين من كف رسول الله - ﷺ -، كسر السين أفصح من الفتح، وهو دال على كمال فضائله خَلْقًا وخُلُقًا، وأما طيب رائحته فإنما طيبها الرب تعالى لمباشرته الملائكة ولمناجاته لهم.

٥٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ فِي الصَّوْمِ
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي: «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢١٧]
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ، أَنا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَلِيٌّ، ثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ الحَدِيثَ يَعْنِي: «إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «نِصْفُ الدَّهْرِ».
إسحاق هذا قال الجياني: لم ينسبه أحد من شيوخنا ولا أبو نصر (١)، ورواه أبو نعيم في «مستخرجه» عن أبي أحمد، ثَنَا ابن شيرويه، ثَنَا إسحاق بن إبراهيم، أنا هارون، ثنا علي بن مبارك. وقد جاء في إكرام الضيف وبره أحاديث، وهو من صنع المرسلين، ألا ترى ما صنع إبراهيم - ﷺ - بضيفه حين جاءهم بعجل سمين، وصح: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» (٢)، ومن إكرامه أن يأكل معه ولا يوحشه بأن يأكل وحده، وهو معنى قوله: «وإن لضيفك عليك حقًّا» (٣) يريد أن تطعمه أفضل ما عندك وتأكل

-------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٨٥.
(٢) يأتي برقم (٦١٣٨) كتاب: الأدب، باب: إكرام الضيف، ورواه مسلم (٤٧) كتاب: الإيمان، باب: الحث على إكرام الضيف والجار. من حديث أبي هريرة.
(٣) رواه بهذا اللفظ أبو داود (١٣٦٩) كتاب: التطوع، باب: ما يؤمر به من القصد في =



معه. ألا ترى أن أبا الدرداء كان صائمًا فزاره سلمان فلما قرب إليه الطعام قال: لا آكل حَتَّى تأكل، فأفطر أبو الدرداء من أجله وأكل معه، ومن حقه أن يقوم بحقه، والزور: الضيف، والرجل يأتيه زائرًا، الواحد والاثنان والثلاثة، والمذكر والمؤنث في ذَلِكَ بلفظ واحد، يقال: هذا رجل زَور، ورجلان زَور، وقوم زَور فيؤخذ في كل موضع؛ لأنه يتصدر في موضع الأسماء، ومثل ذَلِكَ هم قوم صوم وفطر وعدل في أن المذكر والمؤنث بلفظ واحد، وقد سلف، ذلك في الصلاة وقيل: زور جمع زائر مثل تاجر وتجر.
وحقها هنا: يريد الوطء، فإذا سرد الصوم ووالى قيام الليل ضعف عن حقها، وفي لفظ: «إن لأهلك» (١) بدل «زوجك»، والمراد بهم هنا: الأولاد والقرابة، ومن حقهم الرفق بهم والإنفاق عليهم وشبه ذَلِكَ. والزوج أفصح، وفي لغة زوجة.

--------
= الصلاة، والترمذي (٢٤١٣) كتاب: الزهد، والنسائي ٤/ ٢١٠ - ٢١١. كتاب: الصيام، صوم يوم وإفطار يوم.
(١) رواه عبد بن حميد ١/ ٢٨٧ - ٢٨٨ (٣٢١)، والبزار في «البحر الزخار» ٦/ ٣٧٩ (٢٣٩٧).



٥٥ - باب حَقِّ الجِسْمِ فِي الصَّوْمِ
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟». فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً. قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ - عليه السلام - وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ». قُلْتُ: وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ - عليه السلام -؟ قَالَ: «نِصْفَ الدَّهْرِ». فَكَانَ عَبْدُ اللهِ يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢١٧]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَبْدَ اللهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟». فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» الحديث بطوله.
وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل؛ لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت، كما قال في الحديث المروي عند أبي داود: «إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى» (١).
قال المبرد: المنبت: المسرع في السير، فكأنه وقفت دابته ولم يبلغ

------
(١) قلت: لم أقف عليه عند أبي داود، إنما رواه ابن المبارك في «الزهد» (١١٧٩)، والبزار كما في «كشف الأستار» (٧٤)، والخطابي في «العزلة» ص: ١٢٥، =


منزله، وقال - ﷺ -: «أحب العمل إلى الله تعالى ما داوم عليه صاحبه وإن قل» (١)، وقال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون» (٢) فنهى عن التعمق في العبادة وإجهاد النفس في العمل؛ خشية الانقطاع، ومتى دخل أحد في شيء من العبادة لم يصلح له الانصراف عنها، وقد ذم الله تعالى
من فعل ذَلِكَ بقوله ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧] فوبخهم على ترك التمادي فيما دخلوا فيه، ولهذا قال ابن عمرو حين ضعف عن القيام بما كان التزمه: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله - ﷺ -. وقد

------
= والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص: ٩٥ - ٩٦، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ١٨٤ (١١٤٧)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ١٨، وعبد الكريم القزويني في «التدوين» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ من طريق أبي عقيل محمد بن المتوكل، عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا به.
قال الحاكم: حديث غريب الإسناد والمتن، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٦٢: فيه: يحيى بن المتوكل؛ وهو كذاب.
ورواه البيهقي في «الشعب» ٣/ ٤٠١ - ٤٠٢ (٣٨٨٥)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٣٣٦ (١٣٧٥) من طريق محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر، عن عائشة مرفوعًا به.
ورواه ابن المبارك (١١٧٨) من طريق محمد بن سوقة، عن ابن المنكدر مرسلًا.
قال البخاري في «التاريخ» ١/ ١٠٣: المرسل أصح.
وللحديث طريق أخرى من حديث ابن عمرو بن العاص، رواه ابن المبارك (١٣٣٤)، والبيهقي في «السنن» ٣/ ١٩، وفي «الشعب» ٣/ ٤٠٢ (٣٨٨٦) عن عبد الله مرفوعًا به.
والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٤٨٠).
(١) سيأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه، ورواه مسلم (٧٨٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، و(٢٨١٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى. من حديث عائشة.
(٢) يأتي برقم (٦٤٦٥).



جاء في رواية أخرى تأتي في باب: صوم داود: «إنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت له العين» (١). أي: غارتا ودخلتا وهجمت على الضرر دفعة واحدة، والهجم: أخذ الشيء بسرعة، وهجمت على القوم: دخلت عليهم، ويحتمل أن يكون هجمت بغلبة النوم وكثرة السهر.
وقوله: «بحسبك» أي: يكفيك أن تصوم ثلاثة أيام.
وفي رواية: «صم من كل عشرة يومًا» (٢) وقد علل صيامها بأنه يعادل صيام الدهر كله، وسيأتي الكلام على ذَلِكَ. والسين ساكنة، أي: يكفيك ما ذكرته. ونقل ابن التين عن بعض العلماء أن صيامها حسن ما لم يعيِّنْها، وليس فيها تشبه بالفرض إذا لم يعين أيامًا من الشهر، مثل قصد أيام البيض فقد كرهه مالك، وقال: ما هذا ببلدنا، وقال: الأيام كلها لله، وكره أن يجعل على نفسه صوم يوم يوفيه أو شهر (٣)، قال عنه ابن وهب: وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه صوم يوم يوفيه أو شهر كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء ويفطر إذا شاء، وذكر علي بن الفضل المقدسي في رسالة مالك إلى هارون أنه أمره بصيامها، وقال: بلغني عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ذَلِكَ صيام الدهر» (٤) إلا أنه

------
(١) يأتي قريبًا برقم (١٩٧٩).
(٢) رواه النسائي في «المجتبى» ٤/ ٢١٢، وفي «الكبرى» ٢/ ١٣٠، وأحمد ٢/ ٢٢٤.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٧٧.
(٤) هذا الحديث رواه أحمد ٤/ ١٩، ٥/ ٣٤، ٣٥، والدارمي ٢/ ١٠٩٣ (١٧٨٨)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٥٩) من حديث معاوية بن قرة، عن أبيه مرفوعًا: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام الدهر وإفطاره».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٨٢: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٩٦: رجاله رجال الصحيح.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٨٠٦).



تكلم في إسنادها -أعني: الرسالة- وهي مذكورة في «سنن الكجي» وهو ثقة إمام، وادعى الباجي أنه روى في إباحة تعمدها أحاديث لا تثبت، وفي «صحيح مسلم» عن (معاذة) (١)، قلت لعائشة: أكان رسول الله - ﷺ - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. قلت: فمن أي شهر كان يصوم؟ قالت: ما كان يبالي من أي الشهر كان يصوم (٢).
قال: واختلف القائلون بإباحة تعمد صومها على أربعة أقوال في تعيينها: فقال ابن حبيب: كان أبو الدرداء يصوم أول يوم واليوم العاشر والعشرين (٣).
قال: وبلغني أن هذا كان صوم مالك، رواها ابن حبيب. قال الباجي: فيه نظر؛ لأن رواية ابن حبيب، عن مالك فيها ضعف ولو صحت، إذ أن المعنى أن هذا مقدار صوم مالك، فأما أن يتحرى صيامها، فالمشهور عن مالك منعه (٤).
وقال سحنون: يصوم أوله. واختاره الشيخان [أبو محمد و] (٥) الحسن؛ لأنه لا يدري ما يمنعه من فعل ذَلِكَ من مرض، أو موت أو غير ذَلِكَ.
وفي الترمذي قال أبو ذر: قال لي رسول الله - ﷺ -: «إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشر» ثم

------
(١) في الأصل: (معاذ) والصواب ما أثبتنا كما في مصادر التخريج.
(٢) مسلم (١١٦٠) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر …
(٣) انظر «المنتقى» ٢/ ٧٧.
(٤) «المنتقى» ٢/ ٧٧.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، فالمشهور أن الشيخين في المالكية يطلق على أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني وأبي الحسن علي القابسي.



حسنه (١)، وقال الشيخ أبو إسحاق في «زاهيه»: أفضل صيام التطوع أول يوم من الشهر من العشر الأول وحادي عشرة وحادي عشريه.
وقوله: «فصم صيام نبي الله داود ولا تزد عليه» وقال في الباب بعده: «لا أفضل من ذَلِكَ» (٢)، وقال: «صم وأفطر»، وقال: «لا صام من صام الأبد» مرتين (٣)، وقال فيمن صام الأبد: «لا صام ولا أفطر» أخرجاه (٤).
استدل بهذا من منع صوم الدهر من خمسة أوجه:
قوله: «ولا تزد» «صم وأفطر»، «لا أفضل من ذَلِكَ»، دعاؤه على من صامه، أنه في معنى من لم يؤجَرْ لقوله: «لا صام ولا أفطر» لأنه أمسك ولا أجر له.
ومعنى: «لا صام من صام الأبد»: أنه لم يصم يومًا ينتفع به، وتكون (لا) بمعنى لم، كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: ٣١] وقوله: «وأي عبدٍ لك لا ألما» (٥) ويحتمل أنه دعا ليرجع عن ذَلِكَ، وأجاز

---------
(١) الترمذي (٧٦١) كتاب: الصوم.
ورواه أيضًا النسائي ٤/ ٢٢٢، وأحمد ٥/ ١٦٢، والطيالسي ١/ ٣٨١ (٤٧٧)،
والحميدي ١/ ٢٢٧ (١٣٦)، وابن خزيمة ٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣ (٢١٢٨)، وابن حبان ٨/ ٤١٤ - ٤١٦ (٣٦٥٥ - ٣٦٥٦)، والبيهقي ٤/ ٢٩٤، والخطيب في «تالي التلخيص» ٢/ ٤٢٨ (٢٥٧)، والمزي في «التهذيب» ٣١/ ٣١٨. والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٥/ ٧٥٣، وكذا رمز السيوطي لصحته في «الجامع الصغير» كما في «الفيض» ١/ ٥٠٧ (٧٣٥)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (٩٤٧).
(٢) يأتي برقم (١٩٧٦).
(٣) يأتي برقم (١٩٧٧).
(٤) قلت: قول المصنف -رحمه الله- عن هذا الحديث: أخرجاه، فيه نظر، فالحديث انفرد مسلم بإخراجه (١١٦٢) من حديث أبي قتادة.
(٥) رواه الترمذي (٣٢٨٤) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة والنجم، والبزار =



مالك، وابن القاسم، وأشهب في «المجموعة» صيامه.
قال ابن حبيب: إنما النهي إذا صام فيه ما نهي عنه (١)، وهو مذهب
سائر الفقهاء إلا الظاهرية، فإنهم أثموا فاعله عمدًا بظاهر أحاديث النهي عنه (٢)، وقد صح أنه قال: «إني أصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٣)، وعندنا أن صومه غير العيد والتشريق مكروه لمن خاف ضررًا أو فوت حق، ومستحب لغيره.
واحتج من لم يكرهه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] وبقوله - عليه السلام - حكاية عن الله تعالى: «إلا الصوم فإنه لي» (٤).
قال الداودي: وإنما صار صيام يوم ويوم أفضل؛ لأنه أبقى لقوة الجسم وإذا استمر صار عادة.

--------
= كما في «كشف الأستار» (٢٢٦٢)، والحاكم ١/ ٥٤، ٢/ ٤٦٩، والبيهقي في «السنن» ١٠/ ١٨٥، وفي «الشعب» ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣ (٧٠٥٥ - ٧٠٥٦). عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ١٥٥: رجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٤١٧).
ورواه الحاكم ١/ ٥٥، ٤/ ٢٤٥، والبيهقي في «السنن» ١٠/ ١٨٥، وفي «الشعب» ٥/ ٣٩٣ (٧٠٥٧).
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٧٧.
(٢) انظر «المحلى» ٧/ ١٢.
(٣) سيأتي برقم (٥٠٦٣) كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح، ورواه مسلم (١٤٠١) كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت … من حديث أنس.
(٤) سبق برقم (١٩٠٤)، ورواه مسلم (١١٥١) من حديث أبي هريرة.



٥٦ - باب صَوْمِ الدَّهْرِ
١٩٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: «فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ». قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ». قُلْتُ: إِنِّى أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ - عليه السلام - وَهْوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ». فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٠]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَقُولُ: والله لأَصُومَنَّ النَّهَارَ، وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ. إلى آخر الحديث. وفي آخره، «لا صام من صام الأبد» مرتين.
وقد أخرجه مسلم أيضًا (١).
وفيه: أن التألي على الله تعالى في أمر لا يجد منه سعة ولا إلى غيره سبيلًا منهي عنه، كما نهى رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عمرو عما تألى فيه من قيام الليل وصيام النهار، وكذا من حلف: لا يتزوج، ولا يأكل، ولا يشرب، فهذا كله غير لازم عند أهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] والذي حلف ألَّا ينكح أن ينكح، كذلك سائر المحرجات الشاملة مباح له إتيان ما حلف عليه، وعليه كفارة يمين.

-----------
(١) مسلم (١١٥٩).


وفيه: أن التعمق في العبادة والإجهاد للنفس مكروه؛ لقلة صبر البشر على التزامها، لاسيما في الصيام الذي هو إضعاف للجسم، وقد رخص الله تعالى فيه في السفر لإدخال الضعف على من تكلف مشقة الحلِّ والترحال، فكيف إذا انضاف ذَلِكَ إلى من كلفه الله قتال أعدائه الكافرين؛ حَتَّى تكون كلمة الله هي العليا!؟ (١) ألا ترى أنه - عليه السلام - قال ذَلِكَ في الحديث عن داود (وكان لا يفر إذا لاقى) (٢): أي أنه أبقى لنفسه قوة؛ لئلا يضعف نفسه عند المدافعة واللقاء، وقد كره قوم من السلف صوم الدهر، روي ذَلِكَ عن ابن عمر، وابن مسعود، وأبي ذر، وسليمان، وعن مسروق، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن شداد،
-------
(١) قال ابن القيم رحمه الله: سافر رسول الله - ﷺ - في رمضان، فصام وأفطر، وخير الصحابة بين الأمرين، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من عدوهم ليتقووا على قتاله. فلو اتفق مثل هذا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم، فهل لهم الفطر؛ فيه قولان: أصحهما دليلًا: أن لهم ذلك وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذِه الحالة، فإنها أحق بجوازه؛ لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين؛ ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر؛ ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظمُ من المصلحة بفطر المسافر؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. والفطر عند اللقاء، من أعظم أسباب القوة. اهـ. «زاد المعاد» ٢/ ٥٢ - ٥٣.
قلت: وحول هذا المعنى روى مسلم (١١٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري قال: سافرنا مع رسول الله - ﷺ - إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلًا فقال رسول الله - ﷺ -: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة فمنا من صام
ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا …».
(٢) الحديث الآتي (١٩٧٧)، ورواه مسلم (١١٥٩/ ١٨٦ - ١٨٧).



وعمرو بن ميمون، واعتلوا بقوله في صيام داود: «لا أفضل من ذَلِكَ» وغيره كما سلف، وقالوا: إنما نهى عن صوم الأبد لما في ذَلِكَ من الإضرار بالنفس، والحمل عليها في منعها من الغذاء الذي هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزور والضيف، وقد أخبر الشارع بقوله: في صوم داود: «وكان لا يفر إذا لاقى» أن من فضل صومه على غيره إنما كان من أجل أنه لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي أفضل من الصوم، وذلك بثبوته لحرب الأعداء عند التقاء الزحوف وتركه الفرار منهم؛ فكان إذا قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معاني الصيام، قد بين أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء الفرائض. وعمَّا هو أفضل من صومه ذَلِكَ من ثقل الأعمال وهو صحيح الجسم غير مكروه له صومه ذَلِكَ، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من الفرائض فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عنها عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه وإن كان غير آثم.
وكان ابن مسعود يقل الصوم، فقيل له في ذَلِكَ قال: إني إذا صمت ضَعُفْتُ عن الصلاة وهي أحب إليَّ منه (١). وكان أبو طلحة لا يكافي يصوم على عهد رسول الله - ﷺ - من أجل الغزو، فلما توفي ما رأيته يفطر إلا يوم فطر وأضحى (٢).

--------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣١٠ (٧٩٠٣)، وابن سعد ٩/ ١٥، والطبراني ٩/ ١٧٥ - ١٧٦ (٨٨٧٥)، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٥٤ (٢٠١٨). وقال الهيثمي ٥/ ٢٥٧: رجاله رجال الصحيح.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٢٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: من اختار الغزو على الصوم من حديث أنس.



وصححه الحاكم (١)، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين (٢)، وسرده أبو الدرداء، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت الصديق، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين، وقالوا: من أفطر الأيام المنهي عن صومها فليس بداخل فيما نهي عنه من صوم الدهر، وحمل بعضهم النهي عنه لمن تضرر به، وأيده برواية أبي قلابة: أن امرأةً صامت حَتَّى ماتت؛ فقال - عليه السلام -: «لا صامت ولا أفطرت» (٣) ومن صام حَتَّى بلغ به الصوم هذا الحد فلا شك أنه بصومه ذَلِكَ آثم.
وفي «صحيح ابن حبان» من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «من صام الدهر ضيقت عليه جهنم» وضم أصابعه هكذا على تسعين (٤)

----------
(١) «المستدرك» ٣/ ٣٥٣.
قلت: وهذا قصور في العزو من المصنف -رحمه الله- لأن الحديث بتمامه في «صحيح البخاري» كما سبق.
ومما يؤخذ على الحاكم أيضًا أنه قال بعد روايته للحديث: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وهذا مما يؤخذ عليهما، فالحديث في «صحيح البخاري» كما مر.
قال الحافظ في «الفتح» ٦/ ٤٢: هذا الحديث يؤخذ فيه على الحاكم أن أصله في البخاري فلا يستدرك. اهـ. بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٩ (٩٥٦٤).
(٣) رواه معمر بن راشد ١١/ ٢٩٢ (٢٠٥٧١).
(٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٣٤٩ (٣٥٨٤) كتاب: الصوم، باب: صوم الدهر، ورواه أحمد ٤/ ٤١٤، والطيالسي ١/ ٤١٤ (٥١٦)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٨ (٩٥٥٤)، والبزار في «البحر الزخار» ٨/ ٦٨ (٣٠٦٣)، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٢١٩، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٣٠٠، وفي «الشعب» ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤ (٣٨٩١) من طريق الضحاك بن يسار عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا به.
قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٩٣: رجاله رجال الصحيح. =



قيل: هو مدح، وقيل: ذم كما أوضحته في «التحفة». وفي ابن ماجه بإسناد فيه ابن لهيعة من حديث ابن عمر مرفوعًا: «صام نوح الدهر إلا يومين الأضحى والفطر» (١).
--------
= ورواه البزار ٨/ ٦٧ (٣٠٦٢)، والرويا في ١/ ٣٦٨ (٥٦١)، وابن خزيمة ٣/ ٣١٣
(٢١٥٤ - ٢١٥٥) من طريق قتادة عن أبي تميمة عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا به.
ورواه الطيالسي ١/ ٤١٤ (٥١٥)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٨٢ (٩٥٥٣)، وعبد بن حميد ١/ ٤٩٤ (٥٦٢)، والبيهقي ٤/ ٣٠٠ من طريق قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى موقوفًا.
قال العقيلي: لا يصح مرفوعًا، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» ١/ ١٨٩ (٧٥٤): رواه أحمد والنسائي في «الكبرى» وابن حبان، وحسنه أبو علي الطوسي.
والحديث صححه الألباني بطرقه المرفوعة والموقوفة في «الصحيحة» (٣٢٠٢).
قلت: للعلماء في تأويل قوله: ضيقت عليه جهنم، قولان:
الأول: أن تضيق عليه جهنم فلا يدخلها جزاء لصومه.
الثاني: أن يكون إذا صام الأيام التي نهى النبي - ﷺ - عن صومها فتعمد مخالفة الرسول - ﷺ - أن يكون ذلك عقوبة لمخالفة الرسول - ﷺ -. وهذان القولان قالهما البزار في «البحر» ٨/ ٦٩، وابن خزيمة ٣/ ٣١٣ نقلًا عن المزني.
وعاب ابن حزم على من قال بالقول الأول، فقال: من نوادرهم قولهم: معناه: ضيقت عليه جهنم حتى لا يدخلها، وهذِه لكنة وكذب، أما اللكنة فإنه لو أراد هذا لقال: ضيقت عنه، ولم يقل: عليه، وأما الكذب فإنما أورده رواته كلهم على التشديد والنهي عن صومه اهـ. «المحلى» ٧/ ١٦.
وأورد ابن القيم هذين القولين في «الزاد» ٢/ ٨٣، ومال إلى ترجيح القول الثاني، وهو الذي ذكره ورجحه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٢٢، وكذا الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة».
(١) ابن ماجه (١٨١٤) كتاب؛ الصيام، باب: صيام نوح - عليه السلام -، ورواه البيهقي في «الشعب» ٣/ ٣٨٨ (٣٨٤٦)، والمزي في «التهذيب» ٣٢/ ١٢١ - ١٢٢ من طريق ابن لهيعة عن ابي قنان، عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ - … الحديث. =



فرع:
قال القاضي والمتولي: صوم داود أفضل من صوم الدهر، وفي كلام غيرهما إشارة إلى تفضيل السرد وتخصيص هذا بابن عمرو ومن في معناه تقديره لا أفضل من هذا في حقك، يؤيد هذا أنه لم ينه حمزة بن عمرو عن السرد، ولو كان ما قاله لابن عمرو أفضل في حق كل الناس لأرشد حمزة إليه وبينه له.
وقال الغزالي في «الإحياء» بعد أن قرر استحباب صوم الدهر: ودونه مرتبة أخرى وهي صوم نصفه (١). كذا ذكر، وهو أشد على النفس، ومن لا يقدر على ذَلِكَ فليصم ثلاثة، وهو أن يصوم يومًا ويفطر يومين، فإذا صام ثلاثة من أول الشهر، وثلاثة من وسطه، وثلاثة من آخره فهو ثلث واقع في الأوقات الفاضلة، فإن صام الاثنين والخميس والجمعة فهو قريب من الثلث.

--------
= قال البوصيري في «المصباح» ٢/ ٧٢: إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة، وكذا ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٥٩)، وقال: ثم إن الحديث لو صح، لم يجز العمل به؛ لأنه من شريعة من قبلنا وهي ليست شريعة لنا على ما هو الراجح عندنا، لاسيما وقد ثبت النهي عن صيام الدهر في غير ما حديث عنه - ﷺ - حتى قال - ﷺ -، في رجل يصوم الدهر: «وددت أنه لم يطعم الدهر». رواه النسائي بسند صحيح اهـ.
(١) «الإحياء» ١/ ٢٣٨.



٥٧ - باب حَقِّ الأَهْلِ فِي الصَّوْمِ
رَوَاهُ أَبُو جُحَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٩٦٨]

١٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَطَاءً، أَنَّ أَبَا العَبَّاسِ الشَّاعِرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما: بَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ وَأُصَلِّي اللَّيْلَ، فَإِمَّا أَرْسَلَ إِلَىَّ، وَإِمَّا لَقِيتُهُ، فَقَالَ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ وَلَا تُفْطِرُ، وَتُصَلِّى [وَلَا تَنَامُ]؟ فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَظًّا، وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا». قَالَ إِنِّي لأَقْوَى لِذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ - عليه السلام -». قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى». قَالَ مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللهِ؟ قَالَ عَطَاءٌ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ صِيَامَ الأَبَدِ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ». مَرَّتَيْنِ. [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢١]
رواه أبو جحيفة عن النبي - ﷺ -. هذا قد سلف مسندًا قريبًا (١).
ثم ساق حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف، وفيه: «وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا».
وفيه أبو العباس المكي الشاعر وهو السائب بن فروخ الأعمى والد العلاء.
ثم ترجم له:

--------
(١) سلف برقم (١٩٦٨).


٥٨ - باب صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». قَالَ: أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا» فَقَالَ: «اقْرَإِ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ». قَالَ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: «فِي ثَلَاثٍ». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤]
وفي سنده المغيرة، وهو ابن مقسِّم الكوفي، مات سنة ثلاث أو ست وثلاثين ومائة.
و:


٥٩ - باب صَوْمِ نبي الله دَاوُدَ - عليه السلام -
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ المَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثِهِ- قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ: لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟». فَقُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ». قُلْتُ: فَإِنِّى أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ - عليه السلام -، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤]

١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، [بْنُ عَبْدِ اللهِ] عَنْ خَالِدٍ [الحَذَّاءِ] عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو المَلِيحِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِيكَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُهَا لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الوِسَادَةُ بَيْنِى وَبَيْنَهُ، فَقَالَ: «أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «خَمْسًا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «سَبْعًا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «تِسْعًا». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «إِحْدَى عَشْرَةَ». ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ دَاوُدَ - عليه السلام - شَطْرَ الدَّهْرِ، صُمْ يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا». [انظر: ١١٣١ - مسلم: ١١٥٩ - فتح: ٤/ ٢٢٤]
وذكره من طريقين عنه، وفيه أبو قلابة واسمه عبد الله بن زيد، وأبو المليح واسمه عامر بن أسامة.
وقوله: («إنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت له العين») سلف بيانه قريبًا (١).
وقوله: (نهتت) هو بالنون ثم هاء ثم مثناة فوق ثم أخرى مثلها،

--------
(١) ورد بهامش الأصل: حرره في «الكاشف».


ومعناها: ضعفت، ولأبي الهيثم: نهكت، وليست هذِه الكلمة معروفة في كلامهم حَتَّى «الصحاح»، كذا بخط الدمياطي في الحاشية، وقال ابن التين: ضبط بكسر التاء في بعض الروايات وبالفتح في بعضها، وأعجم التاء ثلاثًا، ثم قال: ولم يذكره أحد من أهل اللغة وإنما ذكره الهروي، وابن فارس بتاء معجمة باثنتين. قال ابن فارس: النهيت دون الزئير (١). قال: وكذلك ذكر صاحب «الصحاح» (٢). قال الهروي: نهت ينهت أي: صوت، والنهيت: صوت يخرج من الصدر شبيه بالزجر، وقال في رواية أخرى: نهكت (٣)، ولا وجه له إلا أن يقرأ بضم النون، من نهكته الحمى إذا نقضته، وسلف عقب باب: ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه: «فإنك إذا فعلت ذَلِكَ هجمت عينك ونفهت نفسك». ونفهت: أعيت وملَّت، وكذا في كتاب مسلم (٤)، وذكره الهروي.
وقال الداودي: قوله في داود - عليه السلام - في «ولا يفر إذا لاقى» يريد أنه لم يتكلف من العمل ما يوهنه عن لقاء العدو. وقوله في الباب الأول: أسرد الصوم. أي: أديمه. وقوله: فإما أرسل إليَّ أو لقيته، الشك من عبد الله راويه، وسببه طول الزمن.
وقوله: («أما يكفيك من الشهر صوم ثلائة أيام») وسبق: «صم يومًا وأفطر يومين» (٥)، وفي أخرى: وذكر خمسًا وسبعًا وتسعًا، وإحدى

-------
(١) «مجمل اللغة» ٢/ ٨٤٥.
(٢) «الصحاح» ١/ ٢٦٩.
(٣) رواه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» ٣/ ٤٣٧ (٦٥٦).
(٤) مسلم (١١٧٦).
(٥) سلف برقم (١٩٧٦).



عشرة. فإما أن يكون اختصر المحدث في بعضها، أو حفظ بعضًا ونسي بعضًا، أو حدث عبد الله ببعضه تارة وبكماله أخرى.
وقوله في باب: صوم الدهر: بأبي أنت وأمي، أي: أفديك بهما، وهذا من جملة توقيره وحقيق فدائه بالأنفس.
وقوله: («إحدى عشرة») هو الصواب، ووقع في رواية أبي الحسن بحذف الهاء، والصواب إثباتها، وكذا هو عند أبي ذر. وللأصيلى: أحد عشر بغير ياء.
ودخوله - عليه السلام - على عبد الله، فيه زيارة المفضول وإكرامه، وإلقاء الوسادة له من باب التكريم، وتواضعه - عليه السلام - وجلوسه بالأرض.
والأدم: الجلود. قال الداودي: الأدم: الجلد، والذي ذكره أهل اللغة: أن الأدم، بفتح الألف والدال: جمع أديم، وهو جمع نادر في أحرف، ومنه: أفيق وأفق، وأديم وأدم، وأهيب وأهب، زاد الهروي قضيم وقضم. قال: وهي الجلود البيض، ولم يذكر أنه نادر مثل ما ذكره الخطابي (١)، والليف: جمع ليفة.
وحق الأهل أن تبقى في نفسه قوة يمكنه معها الجماع، فإنه حق يجب للمرأة المطالبة به لزوجها عند بعض أهل العلم، كما لها المطالبة بالنفقة عليها؛ فإن عجز عن واحد منهما طلقت عليه بعد الأجل في ذَلِكَ، هذا قول أبي ثور وحكاه عن بعض أهل الأثر، ذكره ابن المنذر (٢)، وجماعة الفقهاء على خلافه في الطلاق إذا عجز عن الوطء، وسيأتي الكلام في أحكام ذَلِكَ في موضعه من النكاح.

-----
(١) «غريب الحديث» للخطابي ٢/ ٥٠٢.
(٢) انطر «الإشراق» ١/ ١٢٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]