
17-02-2026, 11:46 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,168
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (13)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (378)
ثانيها:
خروج سيدنا رسول الله - ﷺ - لفتح مكة يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان، فلما كان بالصلصل -جبل بذي الحليفة (١) - نادى مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. فلما بلغ الكديد أفطر بعد صلاة العصر على راحلته كما سلف.
ثالثها:
الكَديد (٢) بفتح الكاف، ثم دال مهملة، ثم مثناة تحت، ثم دال مهملة بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو أقرب إلى المدينة من عسفان، قال أبو عبيد: بينه وبين عسفان ستة أميال، وعسفان على أربعة برد من مكة، وبالكديد عين جارية بها نخل كثير.
وفي البخاري -كما سلف-: وَالكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. ورواه بعد: حَتَّى بلغ عسفان (٣).
قال عبد الملك: والكَديد: العقبة المطلة على الجحفة، وذكر صاحب «المطالع» أن بين الكديد ومكة اثنين وأربعين ميلًا، وكذا قاله قبله القاضي عياض قال: وهذا كله في هذِه الغزوة، وسميت هذِه المواضع فيه لتقاربها وإن كانت عسفان متباعدة عن هذِه المواضع لكنها كلها مضافة إليها ومن عملها، فاشتمل اسم عسفان عليها (٤).
----
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٨٠.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١١١٩.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٩٤٨).
(٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٦٤.
رابعها:
عَلِمَ - ﷺ - بحال الناس ومشقتهم في بعض هذِه المواضع فأفطر وأمرهم بالفطر في بعضها.
خامسها:
فيه: دلالة لما ترجم له إشارة، وهو أن المسافر يصوم بعض رمضان دون بعض، ولا يلزمه بصوم بعضه الدوام عليه، وفيه: رد لما أسلفناه من قول علي، والمعنى عنده: من أدركه رمضان وهو مسافر فعدة من أيام أخر، ومن أدركه حاضرًا فليصمه، وهو قول عبيدة السلماني وسويد وأبي مجلز، كما سلف، وهو قول مردود بسفر الشارع في رمضان وإفطاره فيه في الكديد، وجمهور الأمة على خلافه لثبوت السنة بالتخيير فيه؛ ولصيامه في سفره، وإنما أمر من شهد الشهر كله أن يصوم، ولا يقال لمن شهد بعضه أنه شهده كله، والمبين عن الله سافر فيه وأفطر. ومن الغريب أن ابن أبي حاتم لما ذكره عن علي قال: وروي عن عائشة وابن عمر، وابن عباس وابن جبير، وابن الحنفية، وعبيدة، وعلي بن حسين، وسويد بن غفلة، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، والشعبي، وأبي مجلز، والسدي نحو ذاك (١).
وفيه أيضًا: رد ظاهر لقول من زعم أن فطره بالكديد كان في اليوم الذي خرج فيه من المدينة. وذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز له الفطر في ذَلِكَ اليوم، وإنما يجوز لمن طلع عليه الفجر في السفر (٢)، واختلفوا كما
--------
(١) «تفسير القرآن العظيم» لابن أبي حاتم ١/ ٣١١ - ٣١٢، وقد روى حديث علي بسنده (١٦٥٦).
(٢) «البيان» ٣/ ٤٧١.
قال أبو عمر (١) وغيره في الذي يخرج في سفره وقد بيت الصوم، فقال مالك: عليه القضاء ولا كفارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وداود والطبري والأوزاعي، ونقله ابن بطال (٢) عن سائر الفقهاء بالحجاز، وللشافعي قول آخر: أنه يكفر إن جامع، وعن مالك: الكفارة أيضًا (٣).
وقال أشهب: لا يُكَفِّر إن تأول فعل رسول الله - ﷺ - بالكَديد، وقال ابن الماجشون: إن أفطر بالجماع كفر أو بغيره فلا (٤).
والحجة في سقوط الكفارة واضحة بحديث ابن عباس وجابر، كذا قال ابن بطال، وفيه ما سلف، ومن جهة النظر أيضًا؛ لأنه متأول غير هاتك لحرمة صومه عند نفسه وهو مسافر فدخل في عموم إباحة الفطر (٥).
سادسها:
السفرة التي كان فيها عبد الله بن رواحة غير هذِه، ويحتمل أن تكون غزوة بدر؛ لأن الترمذي روى عن عمر: غزونا مع رسول الله - ﷺ - في رمضان يوم بدر والفتح (٦)، قال: وأفطرنا فيهما (٧).
سابعها:
معنى حديث أبي الدرداء في الباب أنه - عليه السلام - كان صائمًا وابن رواحة،
--------
(١) «التمهيد» ٩/ ٦٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٩٠.
(٣) «بدائع الصنائع» ٢/ ١٠٠، «عيون المجالس» ٢/ ٦٤٨، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٦٩، «المغني» ٤/ ٤٨٠.
(٤) «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٤، ٤٩.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٩٠.
(٦) في هامش الأصل: ولا يحتمل أن يكون يوم الفتح وذلك؛ لأنه توفي في وقعة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، والفتح كان في رمضان منها.
(٧) الترمذي (٧١٤) باب: ما جاء في الرخصة للمحارب في الإفطار، وقال: حديث عمر لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال الألباني: ضعيف الإسناد.
وسائر أصحابه مفطرون، فلو لم يجز الفطر في رمضان لمن سافر فيه ما ترك الشارع أصحابه مفطرين فيه ولا سوغهم ذَلِكَ.
وفيه: وفي حديث ابن عباس الرد على من قال: إن الصيام لا يجزئ
في السفر معللًا بأن الفطر عزيمة من الله وصدقة فإن الشارع فعله، وكذا ابن رواحة، وقصد بذلك أن يسنَّ لأمته ليقتدوا به لمن كان به قوة له.
وقد روي عن ابن عباس: إنما أراد الله بالفطر في السفر التيسير عليكم فمن يسر الله عليه الصيام فليصم ومن يسر عليه الفطر فليفطر (١).
فهذا ابن عباس لم يجعل إفطاره - ﷺ - في السفر بعد صيامه ناسخًا للصوم في السفر ولكنه جعله على جهة التيسير، بل ظاهر الحديث أن الصوم فيه أفضل، وقد صام وكان يومًا حارًّا كما سلف وتكلف صومه.
فإن قلت: لا يأمن أن يضعف.
قلت: المقيم كذلك، نعم مظنة المشقة في السفر أكثر، ولا يقاس على القصر.
وفيه: ترك بعض العمل وهو يحب أن يعمل به خيفة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وهو مخصص لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقال الداودي: أفطر بعد أن بيَّت الصوم للضرورة، وقيل إنه أصبح ناويًا للفطر، وقال مطرف: للمسافر أن يفطر بعد أن يبيت الصوم، واحتج بهذا الحديث وكله مردود؛ لأنهم ظنوا أن ذَلِكَ في يوم واحد، وهو غلط كما أسلفناه، فبينهما أيام، ووقع ذَلِكَ للمزني؛ فإنه قال: إذا أصبح صائمًا ثم سافر يجوز له
------
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٦٦ - ٦٧ كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٧٢.
الفطر. واحتج بأنه - عليه السلام - خرج عام الفتح إلى مكة صائمًا في رمضان حَتَّى بلغ كراع الغميم أفطر، أخرجه مسلم من حديث جابر (١)، وغلطوه؛ فإن بين المدينة وكراع الغميم ثمانية أيام، والمراد بالحديث: أنه صام أيامًا في سفره، ثم أفطر، وقيل: إن المزني تبين له ذَلِكَ فرجع عن هذا الاحتجاج لا عن مذهبه، لكن المزني غير منفرد بهذا الاحتجاج، فقد وقع أيضًا في كتاب البويطي وهذا لفظه ومنه نقلته: من أصبح في حضر صائمًا، ثم سافر فليس له أن يفطر. إلا إن ثبت حديث رسول الله - ﷺ -: أنه أفطر يوم الكديد انتهى. والكديد وكراع الغميم متقاربان.
فرع:
خرج مسافرًا فأفطر. فقال مالك: لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال المغيرة وابن كنانة: يكفر، وهو قول للشافعي (٢).
وفي القضاء على من سافر في صوم التطوع فأفطر قولان (٣)، وإذا ابتدأ صوم التطوع في السفر ثم أفطر من غير عذر ففيه أيضًا روايتان لهم (٤).
------
(١) مسلم (١١١٤) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر …
(٢) «مختصر الطحاوي» ص ٥٣ - ٥٤، «عيون المجالس» ٢/ ٦٤٨، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٦٩.
(٣) في الأصل تحتها تعليق: أي للمالكية.
(٤) في هامش الأصل: آخر ١ من ٧ من تجرئة المصنف.
٣٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - لِمَنْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ وَاشْتَدَّ الحَرُّ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ»
١٩٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهم قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». [مسلم: ١١١٥ - فتح: ٤/ ١٨٣]
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا، وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: «ليس البر أن تصوموا في السفر»، قال شعبة: وكان يبلغني عن يحيى بن أبي كثير أنه كان يزيد في هذا الحديث أنه قال: «عليكم برخصة الله التي رخص لكم»، قال: فلما سألته لم يحفظه (١).
ورواه الوليد عن الأوزاعي: حَدَّثَني يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر: مرَّ برجل في سفر في ظل شجرة يُرش عليه الماء فسأل فقالوا: صائم يا رسول الله، قال: «ليس من البر الصيام في السفر عليكم برخصة الله التي أرخص لكم فاقبلوها» (٢)،
------------
(١) مسلم (١١١٥).
(٢) هذا الحديث اختلف في إسناده:
فرواه النسائي ٤/ ١٧٦ كتاب: الصيام، ما يكره من الصيام في السفر، وفي «الكبرى» ٢/ ٩٩ - ١٠٠ (٢٥٦٦) من طريق شعيب، قال: حدثنا الأوزاعي، =
---------= قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال حدثني جابر بن عبد الله … فذكره.
قلت: في هذا السند ذكر محمد بن عبد الرحمن دون ذكر اسم جده، وصرح فيه بالتحديث من جابر.
قال النسائي: هذا خطأ ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر! ورواه النسائي ٤/ ١٧٦، وفي «الكبرى» ٢/ ١٠٠ (٢٥٦٧) من طريق الفريابي قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن، قال حدثني من سمع جابرًا، عن جابر … فذكره.
قلت: وقع هنا أيضًا محمد بن عبد الرحمن دون ذكر اسم جده، وأبهم اسم شيخه الذي سمع الحديث من جابر.
ورواه الفريابي في كتاب «الصيام» ص ٧٣ (٧٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٦٢ كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، وابن حبان ٢/ ٧٠ - ٧١ (٣٥٥) كتاب: البر والإحسان، باب: ما جاء في الطاعات وثوابها. من طريق الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر … فذكره.
ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٧٦، وفي «الكبرى» ٢/ ١٠٠ (٢٥٦٨) من طريق علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر … فذكره.
ورواه أيضًا النسائي في «المجتبى» ٤/ ١٧٦، وفي «الكبرى» ٢/ ١٠٠ (٢٥٦٩) من طريق علي بن المبارك، عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر … فذكره.
ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٧٧، وفي «الكبرى» ٢/ ١٠٠ (٢٥٧٠) من طريق شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن محمد بن عمرو بن حسن، عن جابر .. فذكره.
قلت: فسمى شعبة هنا اسم شيخ محمد بن عبد الرحمن المبهم في السند السابق بأنه محمد بن عمرو بن حسن. قال النسائي: حديث شعبة هذا هو الصحيح.
قال أبو حاتم في «العلل» ١/ ٢٤٧ كما سيأتي رادًّا على من سمى محمد بن عبد الرحمن أنه ابن ثوبان-: إنما هو محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. =
-----------= وقال عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطي» ٢/ ٢٣٤: رواه النسائي من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر ولم يسمع محمد بن عبد الرحمن من جابر بن عبد الله. اهـ.
وأطنب ابن القطان في الرد عليه ومناقشة النسائي فقال: هو خطأ، وإنما هو قول النسائي تلقاه عنه، ولم ينظر فيه، ولا تفقَّد صحته، ولا نقله عنه كما قاله، فإن النسائي إنما قال: لم يسمع هذا الحديث محمد بن عبد الرحمن من جابر، فقال هو لم يسمع من جابر، هكذا بإطلاق، وزاد من عنده أنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، ولكنه لم يصب من حيث القضاء عليه بأنه لم يسمع من جابر.
والنسائي إنما قال فيه: إنه لم يسمع من جابر هذا الحديث، وذلك أنه اعتقد فيه أنه رجل آخر.
وبيان اتصال الحديث المذكور وأنه ليس بمنقطع كما ذكر، فهو بأن تعلم أنه حديث يرويه رجلان، كل واحد منهما يقال له: محمد بن عبد الرحمن؛ أحدهما: ابن ثوبان، والآخر: ابن سعد بن زرارة، وهذا هو الذي لم يسمعه من جابر، فأما ابن ثوبان فإنه يقول فيه: حدثني جابر.
ثم ذكر ابن القطان حديث النسائي (٢٥٦٦) وقال: هذا إسناد صحيح متصل، يذكر كل واحد منهم: حدثني، حتى انتهى ذلك إلى محمد بن عبد الرحمن فقال: حدثني جابر.
وهذا هو الذي أورد أبو محمد وفسر محمد بن عبد الرحمن، بأنه ابن ثوبان، وأصاب في ذلك، وأخطأ في قوله: لم يسمع من جابر، وهو يروى من قوله ويسمع حدثني جابر.
والذي بعده من قول النسائي: هذا خطأ، ومحمد بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جابر.
نبين الآن -إن شاء الله- أنه إنما قال ذلك معتقدًا أنه محمد بن عبد الرحمن بن سعد، لا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وذلك أن كل ما أورد بعده منقطعًا، إنما هو لمحمد بن عبد الرحمن بن سعد، لا لابن ثوبان.
ثم ساق طرق النسائي طريقًا طريقًا وناقش جميعها، فمن أراد الاستزادة فليراجع «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٧٧ - ٥٨٢ فإنه شفى فيه وكفى. =
قال أبو حاتم في «علله»: هذا خطأ إنما هو محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن جابر (١).
قلت: وله طريقان آخران أحدهما من طريق كعب بن عاصم الأشعري مرفوعًا: «ليس من البر الصيام في السفر»، أخرجه الحاكم بإسناد صحيح (٢)، وللبيهقي: «ليس من ام بر ام صيام في ام سفر» (٣)،
-------
= ونقل الحافظ في «التلخيص الحبير» ٢/ ٢٠٥ كلام ابن القطان وأقره.
أما في «الفتح» ٤/ ١٨٥ فذهب إلى أن الصواب في رواية يحيى بن أبي كثير أنها عنه عن محمد بن عبد الرحمن، وهو ابن سعد عن محمد بن عمرو بن الحسن عن جابر، وأن قول من قال فيها: محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وهم، وإنما هو ابن عبد الرحمن بن سعد اهـ.
وقال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٥٦ رادًّا على ما قاله الحافظ في «الفتح» وهذا عندي بعيد؛ لأنه يلزم منه تخطئة ثقتين حافظين هما الوليد بن مسلم ووكيع فإنهما قالا: ابن ثوبان، ومثل هذا ليس بالأمر السهل ما أمكن الجمع دون تخطئة الثقات الآخرين وذهب إليه ابن القطان، والله أعلم وخلاصة القول أن هذِه الزيادة إسنادها صحيح، ولا يضره تفرد يحيى بن أبي كثير؛ لأنه ثقة ثبت كما في «التقريب»، وإنما يخشى البعض من التدليس وقد صرح هنا بالتحديث فأمنا من تدليسه اهـ. انظر «الإرواء» (٩٢٥).
(١) «العلل» ١/ ٤٢٧.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٣٣. وصححه الألباني في «الإرواء» ٤/ ٥٨ (٩٢٥).
(٣) رواه بهذا اللفظ أحمد ٥/ ٤٣٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٦٣ كتاب: الصيام، باب: الصيام في السفر، والطبراني ١٩/ ١٧٢ (٣٨٧ - ٣٨٨).
والذي عند البيهقي في «السنن» ٢/ ٢٤٢ كتاب: الصيام، باب: تأكيد الفطر في السفر إذا كان يجهده الصوم، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٢٩٢ (٨٧٦٨) كتاب: الصيام، الفطر والصوم في السفر، بلفظ: «ليس من البر الصيام في السفر».
وكذا رواه النسائي ٤/ ١٧٤ - ١٧٥ كتاب: الصوم، باب: ما يكره من الصيام في السفر، وابن ماجه (١٦٦٤) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار، وأحمد ٥/ ٤٣٤. =
وهي لغة لبعضهم يبدلون اللام ميمًا فيما ذكره أبو القاسم البغوي وغيره (١).
ثانيهما: من طريق ابن عمر مرفوعًا: «ليس من البر ..» الحديث، أخرجه ابن ماجه (٢)، وقال أبو حاتم: منكر (٣).
وقوله: («ليس من البر») من هنا يراد بها: تأكيد النفي، وأبعد من ذهب أنها للتبعيض.
إذا تقرر ذَلِكَ فإن احتج ظاهري نخعي به، فقال: ما لم يكن من البر فهو من الإثم فدل أن صيامه لا يجزئ في السفر.
فجوابه أن لفظه خرج على شيء معين كما سبق في الحديث، ومعناه: ليس البر أن يبلغ الإنسان بنفسه هذا المبلغ كما أسلفناه،
-------
= والحديث بلفظ: «ليس من ام بر ام صيام في أم سفر».
قال الحافظ في «التلخيص الحبير» ٢/ ٢٠٥: هذِه لغة لبعض أهل اليمن، يجعلون لام التعريف ميمًا، ويحتمل أن يكون النبي - ﷺ - خاطب بها هذا الأشعري كذلك؛ لأنها لغته، ويحتمل أن يكون الأشعري هذا نطق بها على ما ألف من لغته، فحملها عنه الراوي عنه، وأداها باللفظ الذي سمعها به، وهذا الثاني أوجه عندي، والله أعلم. اهـ.
وقال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٥٨ - ٥٩، و«الضعيفة» (١١٣٠): شاذ بهذا اللفظ، وقال معقبًا على كلام الحافظ: إن إيراد الحافظ هذين الاحتمالين قد يشعر القارئ لكلامه أن الرواية ثبتت بهذا اللفظ عن الأشعري، وإنما تردد في كونه من النبي - ﷺ - نفسه، أو من الأشعري، ورجح الثاني. وهذا الترجيح لا داعي له، بعد أن أثبتنا أنه وهم من معمر، فلم يتكلم به النبي - ﷺ - ولا الأشعري بل ولا صفوان بن عبد الله ولا الزهري، فليعلم هذا فإنه عزيز نفيس إن شاء الله تعالى. اهـ «الضعيفة» ٣/ ٢٦٥، وانظر أيضًا «الإرواء» ٤/ ٥٩ ففيه تعقب آخر على كلام الحافظ.
(١) قد أسلفنا قول الحافظ فيه.
(٢) تقدم تخريجه، وانظر «الإرواء» (٩٢٥).
(٣) «العلل» ١/ ٢٤٧.
والله قد رخص في الفطر، ويصححه صوم الشارع في شدة الحر وحاشاه من الإثم، فالمعنى: ليس هذا أثر البر؛ لأنه قد يكون الإفطار أبر منه، إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه؛ وهذا لقوله - عليه السلام -: «ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان» (١)، ومعلوم أن الطواف مسكين، وأنه من أهل الصدقة، وإنما أراد المسكين الشديد المسكنة الذي لا يسأل ولا يُتصدق عليه، وقال بعضهم: معناه: ليس من البر الواجب، وإنما يحتاج إلى هذا من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأما من حمله على القاعدة الشرعية في رفع ما لا يطاق عن هذِه الأمة، وبأن للمريض المقيم ومن أجهده الصوم أن يفطر، فإن خاف من صومه محذورًا عصى بصومه وعليه يحمل قوله - عليه السلام -: «أولئك العصاة»، وأما من حاله غير حال المظلل عليه فحكمه ما سلف من التخيير، وبهذا يرتفع التعارض وتجتمع الأدلة ولا تحتاج إلى فرض نسخ إذ لا تعارض.
وقال القاضي أبو محمد: لفظه يحتمل الفضيلة ويحتمل أن يراد به ما هو شرط في إجزاء الفعل فيتوقف إلى البيان، وقد أسلفنا أنه خرج على سبب والفطر رخصة فيأخذ منه، ومن أشد ما يوردونه حديث «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر»، وقد سلف ضعفه (٢).
وقال القاضي أبو محمد: هو موقوف عند أهل النقل.
---------
(١) سلف هذا الحديث في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤٧٦، ١٤٧٩).
ورواه مسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه.
(٢) تقدم تخريجه باستيفاء.
وأما حديث «إن الله وضع عن المسافر الصيام (١)» (٢) فالمراد: وضع الوجوب؛ بدليل بقية الحديث وعن الحامل والمرضع.
---------
(١) وقع في الأصل بعدها: وشطرالصلاة وعلم عليها (لا .. إلى).
(٢) رواه أبو داود (٢٤٠٨) كتاب: الصوم، باب: اختيار الفطر، والترمذي (٧١٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الرخصة في الإفطار للحبلى والمرضع، والنسائي ٤/ ١٨٠ - ١٨٢ كتاب: الصيام، وضع الصيام عن المسافر، وابن ماجه (١٦٦٧) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الإفطار للحامل والمرضع، وأحمد ٤/ ٣٤٧، وابن سعد ٧/ ٤٥، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٣٩٤ (٤٣٠)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٤٧٠ - ٤٧١، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ١٦٢ - ١٦٣ (١٤٩٣)، وابن خزيمة ٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨ (٢٠٤٢ - ٢٠٤٤)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المسافر، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٥ - ١٦، والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٧٦٢ - ٧٦٦)، وفي «الأوسط» ٧/ ١٧ (٦٧٢٤)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ١٥٤ كتاب: الصلاة، باب: السفر في البحر كالسفر في البر في جواز القصر، و٤/ ٢٣١ كتاب: الصيام باب: الحامل والمرضع لا تقدران على الصوم ....، من حديث أنس بن مالك، رجل من بني عبد الله بن كعب.
ووقع في بعض المصادر: أنس بن مالك، رجل من بني الأشهل، أو عبد الأشهل، وهو خطأ؛ قال الحافظ في «الإصابة» ١/ ٧٢: الصواب عبد الله بن كعب.
قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٨٣): إسناده حسن صحيح.
وفي الباب من حديث عمرو بن أمية الضمري.
رواه النسائي في ٤/ ١٧٨: ١٨٠، وفي «الكبرى» ٢/ ١٠٢ - ١٠٣ (٢٥٧٨ - ٢٥٨٠) كتاب: الصيام، وضع الصيام عن المسافر، والدارمي ٢/ ١٠٦٧ (١٧٥٣) كتاب: الصيام، باب: الرخصة للمسافر في الإفطار، وقال الألباني: أخرج النسائي والدارمي من طريق الأوزاعي قال: أخبرني يحيى قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني أبو المهاجر قال: حدثني أبو أمية -يعني: الضمري-: أنه قدم على النبي - ﷺ - .. فذكره نحوه.
وهذا إسناد صحيح متصل، لكن قوله: أبو المهاجر! وهم من الأوزاعي كما قال =
فائدة:
يجوز أن يكون هذا المجهول هو أبو إسرائيل، روى الخطيب في «مبهماته» أنه - عليه السلام - رأى رجلًا يهادى بين ابنيه وقد ظُلل عليه فسأل عنه فقالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه مروه فليمش وليركب» (١). وفي «مسند أحمد» ما يشعر بأنه غيره فإن فيه أنه - عليه السلام - دخل المسجد وأبو إسرائيل يصلي فقيل لرسول الله - ﷺ -: هو ذا يا رسول الله لا يقعد ولا يتكلم ولا يستظل ولا يفطر، فقال: «ليقعد وليتكلم وليستظل وليفطر» (٢).
--------
= ابن حبان وغيره، والصواب: أبو المهلب؛ وهو ثقة من رجال مسلم. اهـ «صحيح سنن أبي داود» ٧/ ١٧١.
(١) سلف من حديث أنس (١٨٦٥) أن النبي - ﷺ - رأى شيخًا يهادى بين ابنيه، قال: «ما بال هذا»، قال: نذر أن يمشي. قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني». وأمره أن يركب.
(٢) أحمد ٤/ ١٦٨ وفيه: «وليصم» بدل قوله: «وليفطر».
٣٧ - باب لَمْ يَعِبْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الصَّوْمِ وَالإِفْطَارِ
١٩٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. [مسلم: ١١١٨ - فتح: ٤/ ١٨٦]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم مطولًا بزيادة ذكر رمضان (١)، وهو حجة على من زعم أن الصائم في السفر لا يجزئه صومه؛ لأن تركهم لإنكار الصوم، والفطر يدل أن ذَلِكَ عندهم من المتعارف المشهور الذي تجب الحجة به ولا حجة لأحد مع خلاف السنة الثابتة، وقد ثبت أنه - ﷺ - صام ولم يعب على من صام ولا على من أفطر، فوجب التسليم له.
----------
(١) مسلم (١١١٨).
٣٨ - باب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ
١٩٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٤/ ١٨٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس السالف قريبًا: فصَام حتى بلغ عسفان فأفطر (١). ولعل سبب فطره أنه قيل له: إن الناس هلكوا إذ أخذوا باختيارك في الصوم فأفطر ليراه الناس فأفطروا بفطره.
وقد سلف ذَلِكَ من حديث جابر (٢)، وأن الناس قد شق عليهم الصيام (٣).
قال ابن بطال (٤): اختلف العلماء في الفطر المذكور في هذا الحديث، فقال قوم: معناه أنه أصبح مفطرًا قد نوى الفطر في ليلته، هذا جائز بالإجماع أن يُبَيِّت المسافر الفطر إن اختاره، وقال آخرون: معناه أنه يفطر في نهاره لعل إن مضى صدر عنه، وأن الصائم جائز له أن يفعل ذَلِكَ في سفره؛ لأنه - عليه السلام - صنع ذَلِكَ رفقًا بأمته، وقد جاء
--------------
(١) سلف برقم (١٩٤٤) باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر.
(٢) سلف قريبًا برقم (١٩٤٦).
(٣) رواه مسلم (١١١٤/ ٩١) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان ..
(٤) إلى نهاية هذا الباب نقله المصنف بتمامه من «شرح ابن بطال» ٤/ ٨٩ - ٩٠.
ذاك مبينًا في حديث جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر أنه - عليه السلام - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حَتَّى بلغ كراع الغميم، فصام الناس وهم مشاة وركبان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصوم، وإنما ينظرون إلى ما فعلت فدعا بقدح من ماء فرفعه حَتَّى نظر الناس إليه، وصام بعض فقيل له: إن بعضهم قد صام فقال: «أولئك العصاة»، وقد أسلفناه من «صحيح مسلم» عن جابر (١)، وهو يبين معنى الترجمة وأنه - عليه السلام - إنما أفطر ليراه الناس فيقتدوا به ويفطروا؛ لأن الصيام كان نهكهم وأضرَّ بهم فأراد - عليه السلام - الرفق بهم والتيسير عليهم أخذًا بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأخبر تعالى أن الإفطار في السفر أراد به التيسير على عباده، فمن اختار رخصة الله فأفطر في سفره أو مرضه لم يكن معنفًا، ومن اختار الصوم وهو يسير عليه فهو أفضل؛ لصحة الخبر أنه صام حين شخص من المدينة متوجهًا إلى مكة حَتَّى بلغ عُسفان والكديد فصام معه أصحابه، إذ كان ذَلِكَ يسيرًا عليهم، وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار لما دنا من عدوه فصار الصوم عسرًا إذ كان لا يؤمن عليهم الضعف والوهن في حربهم لو كانوا صيامًا عند لقاء عدوهم، فكان الإفطار حينئذ أولى بهم من الصوم عند الله وأفضل لما يرجون من القوة على العدو، وإعلاء كلمة الدين بالإفطار.
وروى شعبة (عن) (٢) عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير أن رسول الله - ﷺ - أمر أصحابه يوم فتح مكة فقال:
---------
(١) مسلم (١١١٤) كتاب: الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية.
(٢) في الأصل: (بن)، والمثبت من مصادر التخريج.
«أفطروا فإنه يوم قتال» (١).
وروى حماد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر أن رسول الله - ﷺ - كان في سفر فأتى على غدير فقال للقوم: «اشربوا» فقالوا: يا رسول الله أنشرب ولا تشرب؟ قال: «إني أيسركم إني راكب وأنتم مشاة» فشرب وشربوا (٢).
----------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٣٠٢ (٩٦٨٨) كتاب: الجهاد، باب: الصيام في الغزو، وفيه: عبد الله بن شعبة، عن عمرو بن دينار، بدل شعبة.
ورواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٢/ ١٤٠ - ١٤١، وقال: قال شبابة: قال شعبة: لم يسمع عمرو بن دينار من عبيد بن عمير إلا ثلاثة أحاديث.
(٢) رواه أبو يعلى في «مسنده» ٤/ ١٤٦ (٢٢٠٨)، والفريابي في «كتاب الصيام» ص: ٨٤ (٩٤)، وذكره ابن حزم في «المحلى» ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١.
٣٩ - باب ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَسَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ: نَسَخَتْهَا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى، حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -: نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ
١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَرَأَ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ. قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ. [٤٥٠٦ - فتح: ٤/ ١٨٧]
ثم ساق عن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَرَأَ: «فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ». قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ (١).
وَقَالَ ابن نُمَيْرٍ: حدثنا الأَعْمَشُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، ثَنَا ابن أَبِي لَيْلَى قال: حَدَّثنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -: نَزَلَ رَمَضَانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْم مِسْكِينَا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَنْ يُطِيقُهُ، وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأمِرُوا بِالصَّوْمِ
الشرح:
أثر ابن عمر أخرجه أيضًا في التفسير وقال: ﴿طَعَامُ مِيكِينٍ﴾ (٢)،
--------
(١) وقع في هامش الأصل ما نصه: في نسختي التعليق قبل الحديث.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٠٦)، وكذا الآية في الأصل، وفي اليونينية ٦/ ٢٥: (طعام مساكين) ليس عليها تعليق.
وكذا رواه الإسماعيلي في «صحيحه». وأثر سلمة أخرجه في تفسيره عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن يزيد بن أبي عبيد، عنه بلفظ قال: لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حَتَّى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (١).
وفي «مستدرك» الحاكم عنه وقال: صحيح على شرط الشيخين أنه قر ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ واحد ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
قال: زاد مسكينًا آخر فهو خير له وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام، وأمر أن يطعم الذي يعلم أنه لا يطيق (٢). وفي رواية له على شرط البخاري ولا قضاء عليه (٣).
وفي الجزء الخامس من حديث أبي عبد الله محمد بن جعفر ونفيل البغدادي، عن ابن عباس ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام يفطر ويطعم نصف صاع، مكان كل يوم (٤). ثم قال: محفوظ من حديث الثوري يعني عن منصور، عن مجاهد عنه. موقوف. وفليح من حديث عبد الله بن الوليد العدني، عنه، ثم ساقه.
وتعليق ابن نمير أسنده أبو نعيم عن أبي إسحاق، ثنا ابن زيدان، ثنا أبو كريب والحسن بن عفان قالا: ثنا ابن نمير، ثنا الأعمش بلفظ: ثنا صاحب محمد قال: أحيلت الصلاة على ثلاثة أحوال، قال: ونزل
رمضان فشق عليهم .. الحديث.
---------
(١) سيأتي برقم (٤٥٠٧).
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٠ كتاب: الصوم.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٠.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٢١ (٧٥٧٤) من حديث مجاهد عن ابن عباس بنحوه، وكذا رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٨ (ط. الحلبي)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٠٨ (١٦٤١)، والدارقطني ٢/ ٢٠٧، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٧١ كتاب: الصيام، باب: الشيخ الكبير لا يطيق الصوم.
وأسنده البيهقي من حديث علي يعني: ابن الربيع الأنصاري، ثنا عبد الله بن نمير بلفظ، ثنا أصحاب محمد قال: أحيل الصوم على ثلاثة أحوال.
ثم ساقه من حديث المسعودي، عن عمر، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكره (١).
وهذا يبين الصاحب من هو، لكن قال البيهقي: إنه مرسل، ابن أبي ليلى لم يدرك معاذًا (٢)، وللحازمي من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو به قال: وذكر فيه أن ذَلِكَ كان على وجه التطوع لا على جهة الفرض (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ فاختلف العلماء في تأويل هذِه الآية؛ فروي عن عائشة وابن عباس في رواية، وعكرمة وسعيد بن جبير وطاوس وعمرو بن دينار ومجا هد: أنهم قرءوها (يَطَّوقون) بفتح أوله وثانيه مشددًا (٤)، قال: الذين يحملونه ولا يطيقونه فدية (٥)، فعلى هذا القول الآية محكمة غير منسوخة
-----------
(١) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٠.
(٢) السابق.
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ١١١.
(٤) انظر: «مختصر الشواذ» ص ١٩.
(٥) رواه عن عائشة الطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٧٩)، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٧٢.
وعن ابن عباس، سيأتي برقم (٤٥٠٥).
وعن عكرمة وسعيد بن منصور ٢/ ٦٨٤ (٢٦٦)، والطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٧٦)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٢٩ لوكيع وعبد بن حميد وابن الأنباري.
وعن سعيد بن جبير، والطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٧٧)، وعزاه في «الدر المنثور» لابن أبي داود في «المصاحف».
وذكره القرطبي في «تفسيره» ٢/ ٢٦٧ عن طاوس وعمرو بن دينار.
ورواه عن مجاهد الطبري ٢/ ١٤٣ (٢٧٨٠).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|