عرض مشاركة واحدة
  #367  
قديم 17-02-2026, 12:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 111 الى صـــ 130
الحلقة (367)






حديث البراء سلف في الباب قبله (١).
وحديث عدي وسهل أخرجهما مسلم أيضًا (٢)، وخرج حديث عدي في التفسير أيضًا، وقال: «إن وسادك إذًا لعريض» (٣) وقال في رواية: «إنك لعريض القفا» (٤)
وفي سند حديث عدي، حُصين بن عبد الرحمن بضم الحاء، كذا حيث وقع بلا كنية، فإن كني به فهو بفتح أوله.
والعقال فيه، الحبل.
وقال الداودي في حديث سهل بن سعد: أحسب أنه غير المحفوظ، وإنما المحفوظ حديث عدي؛ لأن البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة، وإن كان محفوظًا فإنما كان هو الذي فرض عليهم ثم نسخ بالفجر.
والخيط: اللون عند أهل اللغة، وبيانه في حديث عدي: سواد الليل وبياض النهار، فخيط الفجر بياض الصبح أول ما يبدو يمتد كالخيط ثم ينتشر.
وروي عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى (٥)، وروي معناه عن ابن مسعود (٦).

-------
(١) برقم (١٩١٥).
(٢) مسلم (١٠٩٠ - ١٠٩١) كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر.
(٣) سيأتي برقم (٤٥٠٩).
(٤) سيأتي برقم (٤٥١٠).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣٥) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١).



وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجر كم، إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت (١).
وقال أبو عبيد: الخيط الأبيض: هو الصبح المصدق، والأسود: هو الليل، والخيط: هو النور.
واختلف العلماء في الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب عَلَى من يريد الصوم كما فرضه ابن المنذر، فقال الأربعة وأبو ثور: إنه يحرم عند اعتراض الفجر الآخر في الأفق وهو المنتشر ضوءه معترضًا به.
وروي معناه عن عمر وابن عباس، وهو قول عطاء وعوام علماء الأمصار (٢).
وفيه: قول ثان رويناه عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة وابن مسعود وغيرهم، فروينا عن سالم بن عبيد الله أن أبا بكر الصديق نظر إلى الفجر مرتين ثم تسحر في الثالثة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم أقام بلال الصلاة (٣).
وعن علي أنه قَالَ حين صلى الفجر: الآن حين تبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود (٤).

-----------
(١) تقدم.
(٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٥٤، «أحكام القرآن» ١/ ٩٢، «البيان» ٣/ ٤٩٧، «المغني» ٤/ ٣٢٥.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٢٩) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١٢).
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٦١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري.



وروينا عن حذيفة أنه لما طلع الفجر تسحر ثم صلى (١).
وروينا عن ابن مسعود مثله (٢) زاد الطحاوي قَالَ زر: تسحرت ثم انطلقت إلى المسجد فمررت بمنزل حذيفة، فدخلت عليه فأمرني بلقحة، فحلبت، ثم قَالَ: ادن فكل. فقلت إني أريد الصيام. فقال: وأنا أريد الصيام. فأكلنا وشربنا، ثم أتينا المسجد فأقمت الصلاة، فلما صلى حذيفة قَالَ: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -. قلت: أبعد الصبح؟ قَالَ: نعم هو الصبح، غير أن الشمسَ لم تطلع (٣).
قَالَ النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. ورواه من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن زر، ومن طريق إبراهيم، عن صلة، ولم يرفعاه، قَالَ: فإن كان رفعه صحيحًا فمعناه أنه قرب النهار كقوله تعالى: ﴿فَإذَا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن قربنا (٤) المنازل إذا قارب، وروى حماد عن أبي هريرة أنه سمع النداء والإناء عَلَى يده فقال: أحرزتها ورب الكعبة (٥).

---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨ (٨٩٣٥، ٨٩٣٧، ٨٩٣٩)، والطبري ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٦ - ٣٠٠٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١)، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١١).
(٣) رواه أحمد ٥/ ٣٩٦، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٢ كتاب: الصيام، باب: الوقت الذي يحرم فيه الطعام على الصيام، وفي «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢٣ - ٦٢٤ (١٣٤١) (تحفة). من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، به.
(٤) بياض في (م) بمقدار كلمة.
(٥) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٦/ ٢٣٣. من طريق حماد بن سلمة، ثنا حميد، عن أبي رافع أو غيره عن أبي هريرة، به، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٧/ ١١٧ - ١١٨: إسناد صحيح موقوف.



وقال هشام: كان عروة يأمرنا بهذا، يعني: إذا سمع النداء والإناء عَلَى يده، فلا يضعه حَتَّى يقضي حاجته منه. ورواه الحسن عن النبي - ﷺ - مرسلًا (١).
قلت: هو في «سنن أبي داود» عن أبي هريرة مسندًا، وأخرجه الحاكم في «مستدركه» ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط مسلم، ولم يخرجاه (٢).

-----------
(١) رواه أحمد ٢/ ٤٢٣، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٧٢ - ١٧٣ (٧٣٦٩).
(٢) أبو داود (٢٣٥٠) كتاب: الصوم، باب: في الرجل يسمع النداء والإناء على يده، «المستدرك» ١/ ٢٠٣، كتاب الصلاة، ١/ ٤٢٦ كتاب: الصوم ٢/ ٤٢٣، ٢/ ٥١٠، ورواه أيضًا الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٣)، والدارقطني ٢/ ١٦٥، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا، به.
ورواه أحمد ٢/ ٥١٠، والحاكم ١/ ٢٠٣، ٢٠٥، والطبري ١٨١/ ٢ (٣٠٢٤)، والبيهقي ٤/ ٢١٨ من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، مرفوعًا به. وزاد فيه: وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر.
والحديث صححه الحاكم على شرط مسلم -كما ذكر المصنف- وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا سمع أحدكم ..» الحديث، وحديث حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - مثله، فقال أبي: هذان الحديثان ليسا بصحيحين، أما حديث عمار فعن أبي هريرة موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح ا. هـ «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٢٣ - ١٢٤ (٣٤٠)، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (٧٥٩) بتصرف يسير.
وصححه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطي» ٢/ ٢١٢ فأورده وسكت، وسكوته عنه تصحيح له كما نص هو على ذلك في مقدمته للكتاب ١/ ٦٦ فقال: «وإن لم تكن فيه عله كان سكوتي عنه دليلًا على صحته. ا. هـ وهذِه الفائدة من»صحيح أبي داود" ٧/ ١١٥.
وتعقب ابن القطان عبد الحق الإشبيلي فقال: سكت عنه عبد الحق، وهو حديث =



--------------= مشكوك في رفعه في الموضع الذي نقله منه -قلت: يقصد «سنن أبي داود»- قال أبو داود: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، أظنه، عن حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، به. هكذا في رواية ابن الأعرابي عن أبي داود (أظنه) عن حماد وهي متسعة للتشكك في رفعه واتصاله، وإن كان غيره لم يذكر ذلك عن أبي داود فهو بذكره إياه قد قدح في الخبر الشك، ولا يدرؤه إسقاط من أسقطه، فإنه إما أن يكون شك بعد اليقين، فذلك قادح، أو تيقن الشك، فلا يكون قادحًا، ولم يتعين هذا الأخير، فبقي مشكوكًا فيه ا. هـ «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٢٨٢ (٢٧٧).
وكلام ابن القطان هذا ذكره عنه ابن القيم، وسكت عليه، فكأنما أقره على قوله، «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢٣٣.
وهذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في «إتحاف المهرة» ١٦/ ١١٩ - ١٢٠ (٢٠٤٧٩) وعزاه للدارقطني والحاكم وأحمد وقال: قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات ا. هـ.
قلت: قول الدارقطني هذا غير موجود في «سننه» التي فيها الحديث فلعله في مصدر آخر، والله أعلم.
والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر، وتعقب ابن القطان قائلًا: لست أدري من أين جاء ابن القطان بهذا، والذي في «سنن أبي داود»: حدثنا عبد الأعلى حدثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. فهذا إسناد متصل بالسماع صحيح، ثم قد رواه أحمد: حدثنا غسان حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو به، وغسان: هو ابن الربيع، وهو ثقة، ثم رواه أيضًا: حدثنا روح، حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة. مثله. فهذِه أسانيد ثلاثة متصلة صحيحة ا. هـ «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢٣٣.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٩٤) و«صحيح أبي داود» (٢٠٣٥) وفيه ردٌّ بديع رائع على ابن القطان، فليراجع.
وقال فيه أيضًا متعقبًا أبا حاتم في تضعيفه للحديث: إني أرى أن الصواب لم يكن حليف أبي حاتم حين ضعف الحديثين من طريقي محمد بن عمرو، وعمار بن أبي عمار، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة! ومن الغريب، أنه لم يذكر الحجة في جزمه بأن حديث عمار الثقة موقوف! وقد رواه حماد الثقة عنه مرفوعًا، والمفروض أن =

--------





= يذكر المخالف له في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله المخالف له في ذلك، ثم كيف يجزم بعدم صحة الحديث، وله شواهد موصولة أخرى يقطع الواقف عليها بأن الحديث صحيح بلا ريب؟! ا. هـ «صحيح أبي داود» ٧/ ١١٨.
قلت: هذِه الشواهد التي أشار إليها الشيخ هي من حديث جابر وبلال وأبي أمامة وأنس بن مالك وابن عمر.
حديث جابر رواه: أحمد ٣/ ٣٤٨ من طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا عن الرجل يريد الصيام، والإناء على يده ليشرب منه فيسمع النداء، قال جابر: كنا نحدث أن النبي - ﷺ - قال: «ليشرب».
قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٣: إسناده حسن؛ وقال الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٣: هذا إسناد لا بأس به في الشواهد، وتابعه الوليد بن مسلم: نا ابن لهيعة به، أخرجه أبو الحسين الكلابي في «نسخة أبي العباس طاهر بن محمد» ورجاله ثقات رجال مسلم، غير ابن لهيعة فإنه سيء الحفظ. ا. هـ وحديث جابر هذا ذكره المصنف -رحمه الله- بعد حديث أبي هريرة.
وحديث بلال رواه: أحمد ٦/ ١٢، ١٣، والطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٦)، والشاشي ٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٩٧٢ - ٩٧٥)، والطبراني ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (١٠٨٣) عن بلال قال: أتيت النبي - ﷺ - أوذنه بالصلاة وهو يريد الصوم، فدعا بإناء فشرب، ثم ناولني
فشربت ثم خرج إلى الصلاة.
قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٢: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٣.
وحديث أبي أمامة رواه: الطبري ٢/ ١٨١ (٣٠٢٥) من طريق أبي غالب عن أبي أمامة قال: أقيمت الصلاة والإناء في يد عمر، قال: أشربها يا رسول الله؟ قال: «نعم»، فشربها.
قال الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٣٨٢: إسناده حسن.
وحديث أنس رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٩٨٣) من طريق مطيع بن راشد عن توبة العنبري أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: انظر من في المسجد فادعه، فدخلت -يعني المسجد- فإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فدعوتهما .. الحديث، قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٥٢؛ والحافظ في "مختصر =



وعن جابر مثله، أخرجه القاضي يوسف بن حماد بن زيد في كتاب «الصيام» (١).
وقال بعض أهل العلم فيما حكاه الحازمي (٢): إن حديث حذيفة كان في أول الأمر ثم نسخ بدليل حديثي الباب، وتأول بعضهم قوله في حديث عدي: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» قال بياض النهار أن ينتشر في الطرق والسكك والبيوت وقت صلاة المسفرين بصلاة الصبح. وذكر إسحاق بن راهويه عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: لولا الشهرة لصليت الغداة ثم تسحرت.
وقال إسحاق بعد أن ذكر ما ذكرناه عن أبي بكر وعلي وحذيفة: هؤلاء لم يروا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة، رأوا أن يصلي المكتوبة بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا، ورأوا الأكل بعد طلوع الفجر المعترض مباحًا حَتَّى يتبين بياض النهار من سواد الليل. ومال إسحاق إلى القول الأول، ثم قَالَ من غير أن يطعن في هؤلاء الذين تأولوا الرخصة في الوقت: فمن أكل في ذَلِكَ الوقت فلا قضاء عليه ولا كفارة إذا كان متأولًا.

--------
= زوائد البزار«(٦٩٥): إسناده حسن.
وحديث ابن عمر رواه: الطيالسي ٣/ ٤١٤ (٢٠١٠)، وعبد بن حميد ٢/ ٥٢ - ٥٣ (٨٥٠)، وابن عدي في»الكامل«٧/ ١٦١ في ترجمة قيس بن الربيع (١٥٨٦) من طريق قيس بن الربيع، عن زهير بن أبي ثابت عن تميم بن عياض، عن ابن عمر قال: كان علقمة بن علاثة عند رسول الله - ﷺ - فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال رسول الله - ﷺ -: رويدًا يا بلال يتسحر علقمة. قال: وهو يتسحر برأس. وانظر:»الصحيحة«(١٣٩٤).
(١) تقدم تخريجه في شواهد حديث أبي هريرة السابق له.
(٢)»الاعتبار في الناسخ والمنسوخ" للحازمي ص: ١١٢.



وقال الطحاوي، ولم يذكر حديث أبي بكر ولا علي، ولا فعل أبي هريرة وابن مسعود: حديث حذيفة يدل عَلَى أن وقت الصيام طلوع الشمس، وأن ما قبل طلوع الشمس في حكم الليل (١).
وهذا يحتمل عندنا أن يكون بعدما أنزل الله ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قبل أن ينزل ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ عَلَى ما في حديث سهل، وذهب علم ذَلِكَ عن حذيفة وعلمه غيره، فعمل حذيفة بما علم ولم يعلم الناسخ فصار إليه، ومن علم شيئًا أولى ممن لم يعلم.
وقال ابن قدامة: ﴿الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ هو: الصباح، وأن السحور
لا يكون إلا قبل الفجر، قَالَ: وذلك إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش وحده، وقد شذَّ، ولم يعرج أحد عَلَى قوله، قال والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى الغروب، هذا قول جماعة المسلمين (٢).
وقال الطبري: الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من طلوع الشمس وآخره غروبها (٣)، هذا ليس بصحيح منه كما نبه عليه القرطبي (٤)؛ لأن الله تعالى أمر بصوم ما يقال عليه يوم لا ما يقال عليه نهار، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعدُوَدَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
واحتج أصحاب مالك للقول الأول فقالوا: الصائم يلزمه اعتراف طرفي النهار، وذلك لا يكون إلا بتقديم شيء وإن قلَّ من السحر، وأخذ شيء من الليل؛ لأن عليه أن يدخل في إمساك أول جزء من اليوم بيقين، كما عليه أن يدخل في أول رمضان بيقين، والأكل مناف

---------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٢.
(٢) «المغني» ٤/ ٣٢٥.
(٣) «تفسير الطبري» ٢/ ١٨٠ - ١٨١.
(٤) «تفسير القرطبي» ٢/ ٣١٩.



لأول جزء من الإمساك، فينبغي له أن يقدم الإمساك ليتحقق له أنه حصل في طلوع الفجر ممسكًا، ومن أكل حين يتبين له الفجر ويعلمه فقد جعل أكلًا في أول الصوم.
واختلفوا فيمن أكل وهو شاك في طلوع الفجر، فقالت طائفة: الأكل والشرب مباح حَتَّى يتيقن طلوع الفجر.
وروى سفيان عن أبان عن أنس عن الصديق قَالَ: إذا نظر الرجلان إلى الفجر فقال أحدهما: طلع. وقال الآخر: لم يطلع. فليأكل حَتَّى يتبين لهما (١).
وعن ابن عباس قَالَ: أحل الله الأكل والشرب ما شككت (٢).
وروى وكيع عن عمارة بن زاذان عن مكحول قَالَ: رأيت ابن عمر أخذ دلوًا من زمزم ثم قَالَ لرجلين: أطلع الفجر؟ فقال أحدهما: لا، وقال الآخر: نعم، فشرب (٣).
ومكحول هذا ليس بالشامي، وهو قول عطاء وأبي حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبي ثور، كلهم قَالَ: لا قضاء عليه، وليس كمن يأكل وهو يشك في غروب الشمس إذ الأصل بقاء النهار، والأصل هناك بقاء الليل (٤).
وقال مالك: من أكل وهو شاك في الفجر فعليه القضاء (٥).

------------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٧٢ (٧٣٦٥) باب: الطعام والشراب مع الشك.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٧٢ (٧٣٦٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٩ (٩٠٦٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٨ (٩٠٦٠).
(٤) انظر: «المبسوط» ٣/ ٧٧، «البيان» ٣/ ٥٠٠، «المغني» ٤/ ٣٩٠.
(٥) «المدونة» ١/ ١٧٣.



وقال ابن حبيب: هو عنده استحباب إلا أن يعلم أنه أكل بعد الفجر فيصير واجبًا، كمن أفطر وظن أنه قد أمسى ثم ظهرت الشمس (١).
قلت: الخلاف محله إذا لم يبن الحال.
واحتج الأولون بما أسلفناه، وهو القياس، قَالَ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، وهو العلم به، وليس الشك علمًا به، ولكن الاحتياط أن لا يأكل في شك، والبناء عَلَى اليقين من قواعد الدين، والشك
مطرح، كما في الشك في الصلاة.
وقد وقع الاتفاق عَلَى أنه إذا أكل يوم الشك أنه لا قضاء عليه إذا لم يبن أنه من رمضان، ومسألتنا كذلك قد أكل في زمن يجوز أن يكون من الليل ومن النهار، فلم يلتفت إلى التحرير مع استصحاب حكم الليل، كما لم نوجب الإعادة في يوم الشك مع استصحاب حكم شعبان، وهذِه المسألة مبنية عَلَى ما إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث.
واحتج من أوجب القضاء بأن الطعام والشراب يحرم عند اعتراض الفجر الآخر وصوم رمضان عليه بيقين، فلا يسقط حكم الصوم إلا بيقين، ومن شك هل أكل قبل الفجر أو بعده؟ فليس بيقين دخوله في الإمساك، وهو كمن شك في الغروب فأكل، وكمن شك في الصلاة، فلا تجزئه الصلاة؛ لأن الوقت عليه بيقين، وكذا لو شك في دخول رمضان وصام عَلَى الشك لم يجزئه من رمضان، وكذا لو شك هل كبر للإحرام لم يجزئه؛ لأن عليه الدخول في الصلاة بيقين كما يدخل في وقتها بيقين، كذلك عليه الدخول في أول جزءٍ من اليوم بيقين، كما عليه الدخول في رمضان بيقين. أعني: الاعتقاد الصحيح. وفرق ابن

-------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٨.


حبيب بين من أكل وهو شاك في الفجر وبين من أكل وهو شاك في الغروب، كما سيأتي في باب: إذا أفطر في رمضان ثم طلعت عليه الشمس (١).
وقال ابن القاسم: من طلع عليه الفجر وهو يأكل أو يطأ فليلق ما في فيه ولينزع. ولم يفرق بين الأكل والوطء. وقال ابن الماجشون: ليس الأكل كالجماع؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر، ولكن لم يبتدئه ولم يتعمده، فعليه القضاء إذا تنحى مكانه، فإن عاد أو خضخض فعليه القضاء والكفارة، وهو قول الشافعي (٢).
وقال أبو حنيفة والمزني: لا كفارة عليه، واحتجوا بأنه إذا أولج ثم قَالَ: إن جامعتك فأنت طالق فلبث أنه لا حنث عليه ولا مهر، ولم يجعله الليث كالإيلاج في وجوب المهر والحد، وجعله الليث هنا كالإيلاج في وجوب الكفارة.
وفي حديثي عدي وسهل أن الحكم للمعاني لا للإلفاظ، بخلاف قول أهل الظاهر.
وقوله: (فعلموا) إنما يعني: الليل والنهار حجة في أن النهار من طلوع الفجر.
فائدة:
«عريض القفا» في رواية البخاري السالفة قال الخطابي تفسر عَلَى وجهين: أحدهما: أن تكون كناية عن الغباوة أو سلامة الصدر، يقال للرجل الغبي: إنك لعريض القفا. والآخر أن يكون أراد: إنك غليظ

--------
(١) برقم (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت الصديق.
(٢) انظر: «البيان» ٣/ ٥٠٠.



الرقبة، وافر اللحم؛ لأن من أكل بعد الفجر لم ينهكه الصوم ولم يبن له أثر فيه.
وقوله: «إن وسادك لعريض». أي: إن نومك إذًا لطويل. كنَّى بالوساد عن النوم، ومعنى العريض: السعة والكثرة إذ لم يرد به ضد الطول.
أخرى: قوله في حديث سهل: «حَتَّى يتبين له رؤيتهما» ضبطت هذِه اللفظة عَلَى ما في «المطالع» (١) وغيره عَلَى ثلاثة أوجه:
أحدها: رئيهما -براء مكسورة ثم همزة ساكنة- ومعناه منظرهما، ومنه قول تعالى: ﴿أَحسَنُ أَثاثًا وَرءيًا﴾ [مريم: ٧٤].
ثانيها: زِيِّهما بزاى مكسورة ثم ياء مشددة بلا همز ومعناه لونهما.
ثالثها: رَئّيِهما بفتح الراء وكسر الهمزة وتشديد الياء، قَالَ عياض: هذا غلط؛ لأن الرئيَّ التابع من الجن فإن صح فمعناه مرئي (٢).
ثالثة: في حديث سهل: إن الله تعالى لم ينزل: ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ إلا منفصلًا عن قوله: ﴿مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ويجمع كما قَالَ القرطبي بأن يكون حديث عدي متأخرًا عن حديث سهل، وأن عديًا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، إنما سمع الآية مجردةً، وعلى هذا فيكون ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ متعلقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال متعلقًا بمحذوف، قَالَ: ويحتمل أن تكونا قضية واحدة.
وذكر بعض الرواة ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ متصلًا بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرقًا كما بينه حديث سهل (٣).

----------
(١) ورد تعليق في هامش الأصل: ليس في «المطالع» الثاني.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٧.
(٣) «المفهم» ٣/ ١٤٨ بتصرف.



وحديث سهل يقتضي أن يكون متفرقًا، وذلك أن فرض الصيام كان في السنة الثانية قطعًا.
وقال سهل في حديثه: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود. فأنزل الله ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ فدلَّ هذا عَلَى أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك إلى أن أسلم عدي في السنة التاسعة.
وقيل: العاشرة، حتى أخبره رسول الله - ﷺ - أن ذَلِكَ كان سواد الليل وبياض النهار.
قَالَ: وقوله: فأنزل الله بعد ذَلِكَ ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ روي أنه كان بينهما عام (١).
وقال عياض: وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولًا ثم نسخ بقوله ﴿مِنَ اَلفَجرِ﴾ كما أشار إليه الطحاوي والداودي، وإنما المراد أن ذَلِكَ فعله وتأوله من لم يكن مخالطًا لرسول الله - ﷺ -، إنما هو من الأعراب، ومن لا فقه عنده، أو لم تكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار (٢).
قال الطحاوي: أهل الكتاب من شريعتهم أنهم إذا ناموا في ليلهم حرم عليهم ما يحرم على الصائم إلى خروجهم من صوم غد تلك الليلة (٣)، وهذا أسلفناه.

--------
(١) «المفهم» ٣/ ١٤٩ - ١٥٠.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٥.
(٣) «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢٥ (تحفة).



١٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ»
١٩١٨، ١٩١٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ؛ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ». قَالَ القَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى هذَا وَيَنْزِلَ ذَا.

١٩١٨ - [انظر: ٦١٧ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٤/ ١٣٦]

١٩١٩ - [انظر: ٦٢٢ - مسلم: ١٠٩٢ - فتح: ٤/ ١٣٦]
ذكر فيه حديث نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ». قَالَ القَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَينْزِلَ ذَا.
هذا الحديث تقدم في الأذان قبل الفجر (١) وانفرد بقوله: «فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» واقتصر ابن بطال ذكره من طريق عائشة وأسقط ابن عمر وتوبع (٢).
وقوله: (واَلْقَاسِم) هو بالخفض عطفًا عَلَى نافع؛ لأن عبيد الله روى عن نافع عن ابن عمر، وعن القاسم عن عائشة، وأخطأ من ضبطه بالرفع كما نبه عليه ابن التين.

-------
(١) برقم (٦٢٢ - ٦٢٣) كتاب: الأذان.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤١ - ٤٢.



قَالَ ابن بطال: معنى حديث عائشة ومعنى لفظ الترجمة واحد وإن اختلف اللفظ، قَالَ: ولم يصح عند البخاري عن النبي - ﷺ - لفظ الترجمة، واستخرج معناه من حديث عائشة، ثم قَالَ: ولفظ الترجمة رواه وكيع، عن أبي هلال، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة بن جندب قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ ولَا الفجرُ المستطيل ولكنَّ الفجرُ المستطير في الأفق» وحسنه الترمذي (١).
هذا آخر ما ذكره وهو عجيب منه، فالبخاري نفسه في الأذان أورد هذا اللفظ بعينه من حديث ابن مسعود (٢) وشرحه ابن بطال (٣).
فيا للعجب من كونه يدعي أن ذَلِكَ لم يصح عنده وينتقل إلى حديث آخر، وقد نقل بعدُ أن ابن مسعود رواه كما ستعلمه.
قال المهلب: والذي يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أن بلالًا كانت رتبته وخطته أن يؤذن بليل عَلَى ما أمر به الشارع من الوقت؛ ليرجع القائم وينبه النائم وليدرك السحور منهم من لم يتسحر، وقد روى هذا كله ابن مسعود عن رسول الله - ﷺ -، فكانوا يتسحرون بعد أذانه.
وفيه: قرب أذان ابن أم مكتوم من أذان بلال.
قَالَ الداودي: قوله: لم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا وقد قيل له: أصبحت دليل أن ابن مكتوم كان يراعي قرب طلوع الفجر أو طلوعه؛ لأنه لم يكن يكتفى بأذان بلال في علم الوقت؛ لأن بلالًا فيما يدل عليه الحديث كان تختلف أوقاته، وإنما حكى من

----------
(١) الترمذي (٧٠٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في بيان الفجر وانظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٢) سلف برقم (٦٢١).
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.



قَالَ: ينزل ذا ويرقى ذا، ما شاهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفي به رسول الله - ﷺ -، ولم يقل فكلوا واشربوا حَتَّى يؤذن ابن أم مكتوم، ولقال: فإذا فرغ بلال فكفوا، ولكنه جعل أول أذان ابن أم مكتوم علامة للكف، ويحتمل أن لابن أم مكتوم من يراعي له الوقت، ولولا ذَلِكَ لكان ربما خفي عليه الوقت.
ويبين ذَلِكَ ما روى ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم قَالَ: كان ابن أم مكتوم ضرير البصر ولم يكن يؤذن حَتَّى يقول له الناس حين ينظرون إلى فروع الفجر: أذن (١)، وقد روى الطحاوي حديث أنيسة -وكانت قد حجت مع رسول الله - ﷺ -- أنها قالت: كان إذا نزل بلال وأراد أن يصعد ابن أم مكتوم تعلقوا به، قالوا: كما أنت حتى نتسحر (٢).
وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث فيه صعوبة، وكيف لا يكون بين أذانيهما إلا ذَلِكَ وهذا يؤذن بليل وهذا بعد الفجر، فإن صح بأن بلالًا، كان يصلي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حَتَّى يسمع مجيء ابن أم

--------
(١) رواه البيهقي ١/ ٣٨٠ كتاب: الصلاة، باب: السنة في الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر؛ والخطيب في «الفصل للوصل» ١/ ٣٢١.
(٢) الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٣٨، ورواه أحمد ٦/ ٤٣٣، والطيالسي ٣/ ٢٣٧ (١٧٦٦)، وابن سعد ٨/ ٣٦٤، والطيالسي ٣/ ٢٣٧ (١٧٦٦)، وابن سعد ٨/ ٣٦٤، وابن خزيمة ١/ ٢١٠ - ٢١١ (٤٠٥)، والطبراني ٢٤/ ١٩١ (٤٨٠ - ٤٨١)، والبيهقي ١/ ٣٨٢ كتاب: الصلاة، باب: القدر الذي كان بين أذان بلال ..، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٣٢ في ترجمة: أنيسة (٦٧٤٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٣٤ - ١٣٥ من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت خبيب، به.
قال الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ١٣٨ - ١٣٩: إسناده صحيح على شرطهما.



مكتوم، وهذا ليس ببين؛ لأنه قَالَ: لم يكن بين أذانيهما، فإن أبطأ بعد الأذان لصلاة وذكر لم يقل ذَلِكَ، وإنما يقال: لما نزل هذا طلع هذا.
وقال الداودي: فعل هذا كان في وقت تأخر بلال بأذانه، فشهده القاسم، فظن أن ذَلِكَ عادتهما قَالَ: وليس بمنكر أن يأكلوا حَتَّى يأخذ الآخر في أذانه.
قلت: (قوله فشهده القاسم) غلط فتأمله.
وجاء أنه لا ينادي حَتَّى يقال: أصبحت أصبحت (١)، أي: دخلت في الصباح أو قاربته.

----------
(١) سلف برقم (٦١٧).


١٨ - باب تَعجيل السَّحُورِ
١٩٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٥٧٧ - فتح: ٤/ ١٣٧]
ذكر فيه حديث عبد العزيز ابن أبي حازمِ عن أبيهَّ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ مع أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
هذا الحديث من أفراد البخاري، ولما رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله بن عامر، عن أبي حازم، عن سهل قَالَ: ينبغي أن يتأمل كيف يصح ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل، ثم يروي ابن أبي حازم، عن عبد الله بن عامر، عن أبي حازم، عن سهل.
قلت: وعبد الله بن عامر ضعفوه (١)، وقد أخرجه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن أبي حازم في باب: وقت الفجر (٢).

----------
(١) هو عبد الله بن عامر الأسلمي، أبو عامر المدني، كان من قراء القرآن، روى عن: عمرو بن شعيب، وسعيد المقبري، وأبي الزناد، ونافع مولى ابن عمر، وأبي الزبير. وعنه: إبراهيم بن سعد، وأبو نعيم الفضل بن دكين.
قال البخاري: يتكلمون في حفظه، وقال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: ضعيف، زاد أبو حاتم: ليس بالمتروك، وعن يحيى بن معين: ليس بشيء؛ ضعيف. قال الحافظ في «التقريب» (٣٤٠٦): ضعيف.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٦ - ١٥٧ (٤٨٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٢٣ (٥٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٥٠ (٣٣٥٥).
(٢) سلف برقم (٥٧٥).



ورأيت بخط الدمياطي في أصله: قيل الأولى: أن يقول: باب: تأخير السحور، وكأنه أخذه من قول ابن بطال: ولو ترجم له باب: تأخير السحور كان حسنًا، وجوابه كما نقله عن المهلب أنه يريد تعجيل الأكل فيه؛ لمراهقتهم بالأكل والشرب لآخر الليل ابتغاء القوة عَلَى الصوم ولبيان علم الصبح بالفجر الأول.
وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان فيستعجل الخدمَ بالطعام مخافة الفجر (١).
وكان رسول الله - ﷺ - يغلس بالصبح؛ ليتمكن من طول القراءة وترتيلها؛ ليدرك المتفهم التفهم والتدبر، أو ليمتثل قول الله تعالى في النزتيل (٢).

--------
(١) «الموطأ» ص ٩٢.
(٢) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٣ - ٤٤.



١٩ - باب قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلَاةِ الفَجْرِ
١٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ، قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. [نظر: ٥٧٥ - مسلم: ١٠٩٧ - فتح: ٤/ ١٣٨]
ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ. قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.
هذا الحديث سلف في باب وقت الفجر (١)، وهو دال عَلَى تأخير السحور، وحكمته التقوي به عَلَى الصوم، وإنما كان يؤخره إلى الفجر الأول، وكذا جعله الله حدًّا للأكل بقدر ما يتم أكله حَتَّى يطلع الثاني، ولولا هذا الفجر الأول لصعب ضبط هذا الوقت عَلَى الناس، فقيل لهم: إذا رأيتم الفجر الأول فهو نذير بالثاني، وهو بإثره بقدر ما يتعجل الأكل وينهض إلى الصلاة.
وفيه: دليل عَلَى تقدير الأوقات بأعمال الأبدان، والاستدلال عَلَى المغيب بالعادة في العمل، ألا ترى في حديث طلوع الشمس من مغربها أنه لا يعرف تلك الليلة التي تطلع من صبحها إلا المتهجدون بتقدير الليل بمقدار صلاتهم وقراءتهم المعتادة، والعرب تُقَدِّر الأوقات بالأعمال، فيقولون: قدر حلب شاة وفواق ناقة.

--------
(١) برقم (٥٧٧).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]