
16-02-2026, 04:35 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,117
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (13)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (366)
ولا عبرة بقول أبي القاسم الجوهري أنه موقوف، فقد قَالَ ابن عبد البر: لا يختلفون في إسناده. وصِلة هو ابن زفر، ووقع في كتاب ابن حزم: ابن أشيم (٢)، وهو غلط.
وحديث ابن عمر بطرقه أخرجه مسلم (٣) وقد سلف (٤).
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٦)، وحديث أنس من أفراده.
وقد سلف فقه الباب في باب: هل يقال رمضان (٧)؟ واضحًا.
وحديث أبي هريرة ساقه البخاري عن آدم، ثَنَا شعبة، ثَنَا محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، فذكره.
قَالَ الإسماعيلي: رواه هكذا، وفيه: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة
-------
(١) أبو داود (٢٣٣٤) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، الترمذي (٦٨٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، النسائي ٤/ ١٥٣، ابن ماجه (١٦٤٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (١٩١٤)، ابن حبان ٨/ ٣٥١ (٣٥٨٥) كتاب: الصوم، صوم يوم الشك، الدارقطني ٢/ ١٥٧، الحاكم في»المستدرك«١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
وصححه الألباني في»صحيح أبي داود«(٢٠٢٢)، و»الإرواء«(٩٦١).
(٢)»المحلى" ٧/ ٢٣.
(٣) مسلم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر ..
(٤) برقم (١٩٠٠).
(٥) مسلم (١٠٨١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٦) مسلم (١٠٨٥) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعا وعشرين.
(٧) راجع شرح أحاديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠).
شعبان ثلاثين» وقد رويناه عن عندر وابن مهدي وعدد جماعات، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
وهذا يجوز أن يكون آدم رواه عَلَى التفسير من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحًا.
ورواه المقرئ، عن ورقاء، عن شعبة عَلَى ما ذكرناه أيضًا، ويحيى بن عبد الله بن صيفي ثقة (١).
ومعنى: خنس الإبهام: قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون الخنوس لازمًا.
وقوله: («الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ») أي ربما كان كذلك و«غبي» بالباء وروي بالميم من الإغماء، وهو: الإخفاء، وقد سلف «ويومًا» أراد به: مع ليلته.
وفيه: دلالة لقول ابن عبد الحكم أنه إذا حلف لا يكلم إنسانًا شهرًا أنه يبر بتسعة وعشرين يومًا.
وعند مالك: لا يبر إلا بثلاثين. والمشرُبة بضم الراء وفتحها: الغرفة، وقيل: الخزانة والجمع: مشارب، ولعل يمينه كانت في أول النهار إن كان الصحيح قوله: غدا، أو في نصفه إن كان الصحيح: أو راح، قاله ابن التين.
قَالَ الترمذي: والعمل عَلَى حديث عمار عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي
------
(١) هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي القرشي المخزومي المكي، مولى بني مخزوم، وثقه ابن معين والنسائي. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٦٢ (٦٧٠)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤١٦ (٦٨٦٦).
وأحمد وإسحاق، وكرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أن صيامه مكان يوم من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه (١).
واحتج القاضي في «شرح الرسالة» عَلَى أبي حنيفة في تجويزه صوم يوم الشك عَلَى أنه لرمضان بحديث ابن عمر، وفيه: «لا تصوموا حَتَّى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». فنهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين، فمتى لم يوجدا أو أحدهما فيجب أن لا يجزئه، وقد أسلفنا أن كافة الفقهاء ذهب إلى معنى «فَاقْدُرُوا لَهُ» مجمل يفسره قوله - ﷺ -: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا»، وكذلك جعل مالك في «الموطأ»: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا» بعد قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» (٢) كما صنع
البخاري؛ لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ».
وحكى ابن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في معناه إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب (٣)، وقد سلف.
والحديث نص أنه لم يرد اعتبار ذَلِكَ بالنجوم والمنازل؛ لأنه لو كلف ذَلِكَ أمته لشق عليهم؛ لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى في الدين من حرج، وإنما أحال عَلَى إكمال الثلاثين يومًا وهو شيء يستوي في معرفته الكل. وقد انضاف إلى أمره باعتبار ثلاثين عند عدم الرؤية بفعله في نفسه، فعن عائشة: كان - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر المشهور، فإذا رآه صام، وإن غم عدَّ شعبان ثلاثين وصام. ولو كان ها هنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به (٤).
----------
(١) «سنن الترمذي» عقب حديث (٦٨٦).
(٢) «الموطأ» ص ١٩٢.
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٠.
(٤) تقدم تخريجه باستيفاء.
وجمهور الفقهاء عَلَى أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، إما بالرؤية وإما بإكمال شعبان ثلاثين، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله؛ لأنه ممكن في الشهر أن يكون ناقصًا، فالرؤية تصحح ذَلِكَ وتوجب اليقين، وإلا فإكمال العدد ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» عند العلماء. ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه كما سيأتي في باب: صيام يوم الشك.
وأما حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» له، فإن معناه -كما قَالَ الطبري: الشهر الذي نحن فيه أو الذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأن الألف واللام إنما تدخلها العرب في الأسماء، إما لمعهود قد عرفه المُخبِر والمخبَر، وإما للجنس العام من الشهر، ومعلوم أنه - ﷺ - لم يقصد في ذَلِكَ الخبر عن الجنس العام؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فأحال عَلَى الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعًا وعشرين، فعلم أن قوله: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» أن ذَلِكَ قد يكون في بعض الأحوال. وقد روى البخاري بعده عن ابن عمر مرفوعًا: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر (كذا وكذا) (١)» (٢) يعني: مرة ناقصًا ومرة كاملًا. وروي عن عروة، عن عائشة أنها أنكرت قول من قَالَ أنه - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»: لا والله ما قَالَ كذلك، إنما قَالَ حين هجرنا: «لأهجرنكم شهرً» وأقسم عَلَى ذَلِكَ، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرًا. فقال: «إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة» (٣).
-----------
(١) ورد فوق الكلمتين: هكذا وهكذا.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٣).
(٣) رواه مسلم (١٠٨٣) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين، والنسائي ٤/ ١٣٦ - ١٣٧، وأحمد ٦/ ٣٣.
١٢ - باب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
قَالَ إِسْحَاقُ (١): وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهْوَ تَمَامٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ.
١٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ». [مسلم: ١٠٨٩ - فتح: ٤/ ١٢٤]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «شهرًا عيد لا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ».
حديث أبي بكرة أخرجه مسلم أيضًا (٢). ونقل الداودي عن بعض العلماء أنه لم يروه أهل المدينة.
وإسحاق (٣) هذا هو ابن سويد بن هُبَيْرة العدوي عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا وهو المذكور بعد في حديث أبي بكرة، الراوي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة.
-------------
(١) ورد بهامش (م): هو إسحاق بن راهويه، وفي هامش الأصل: ابن سويد، كذا في نسختي، وعليه ما رقمته عليه، والظاهر أنها للمستملي. اهـ
ووقع بين السطور رموز غير واضحة.
(٢) مسلم (١٠٨٩) كتاب: الصيام، باب: معنى قوله - عليه السلام - شهرا عيد لا ينقصان.
(٣) ورد بهامش (م): "إسحاق أي الذي هو من رجال السند لا المذكور بعد الترجمة في بعض النسخ.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة أول مولود ولد بالبصرة في الإسلام سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، ومات أبو بكرة نفيع بن مسروح سنة إحدى وخمسين بالبصرة. ولما خرَّج الترمذي حديث أبي بكرة حسنه، قَالَ: وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ -
مرسلًا (١).
وسمي شهر رمضان شهر عيد، وإنما العيد في شوال؛ لأنه قد يرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم من رمضان، أو أنه لما قرب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قرب منه، ذكرهما الأثرم، واختلف في معناه عَلَى تأويلين:
أحدهما: لا ينقصان من سنة، أي غالبًا.
والثاني: لا ينقص ثوابهما بل ثواب الناقص كالكامل، وقد ذكرهما
البخاري أول الباب، أو المراد لا ينقص العمل في عشر ذي الحجة ولا رمضان، وفيه قوة، وبالأول قَالَ البزار: إن نقص أحدهما تم الآخر.
وقَالَ الطحاوي: روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، [عن أبيه] (٢) عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «كل شهر حرام ثلاثون» قَالَ: وليس بشيء لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء، ولأن العيان يمنعه (٣).
-----------
(١) الترمذي (٦٩٢) باب: ما جاء في شهرًا عيد لا ينقصان.
(٢) زيادة من الطحاوي.
(٣) «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢١ (١٣٣٨ - تحفة) وحديث أبي بكرة رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٤٦ - ٤٧ من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مرفوعًا، وقال: حديث لا يحتج بمثله؛ لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف. =
وقال المهلب: روى زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا».
وبالثاني قَالَ الطحاوي والبيهقي (١): والأحكام متكاملة فيهما لأن في الأول الصوم وفي الثاني الحج.
فإن قلت: موضع العبادة من ذي الحجة لا يتأثر بالنقص؛ لأن موضع العبادة منه في أوله خاصة. فجوابه أنه قد يكون في أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون في آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصانه، فإذا كان ذَلِكَ وقع وقوف الناس بعرفة في ثامن ذي الحجة ومرة عاشره.
وقد اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده، أيجزئ عنه؛ لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر رمضان الناقص، والإجزاء هو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشافعي،
--------------
= وأورده الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٣/ ٢٦٢ في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي (٤٨١٢) من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق. به. وقال الذهبي: عبد الرحمن ضعفوه، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: ضعيف، ومرة قال: متروك، وقال البخاري: فيه نظر. اهـ.
وأورد متنه الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٤٧ وعزاه للطبراني في «الكبير» وقال: رجاله رجال الصحيح اهـ.، ولم أقف عليه في «الكبير» فلعله في الجزء المفقود من المعجم، وقول الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، فيه نظر، إن كان طريق الطبراني هو نفس الطريق السابق الذي فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وقد أجمعوا على ضعفه، إلا أنه قد يكون طريق الطبراني غير هذا الطريق والله أعلم.
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٨ - ٥٩، و«سنن البيهقي» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.
واحتج أصحاب الشافعي عَلَى جواز ذَلِكَ بصيام من التْبَسَتْ عليه المشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان وبعده، قالوا: كما يجزئ حج (١) من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده.
وقال ابن القاسم: إن أخطئوا ووقفوا العاشر أجزأهم، وإن قدَّموا الوقوف يوم التروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم (٢). وهذا يخرج عَلَى أصل مالك فيمن التَبَسَتْ عليه المشهور فصام شهرًا ثم تبين أنه أوقعه بعد رمضان، أنه يجزئه دون ما إذا أوقعه قبله، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه، وقال بعض العلماء أنه لا يقع وقوف الثامن أصلًا؛ لأنه إن كان برؤية وقفوا التاسع، وإن كان بإغماء فالعاشر.
------------
(١) ورد بهامش / ١٣١ ب/ ما نصه: ولا يخفي أن محل ذلك إذا لم يقع تقصير في طلب ثبوت الهلال.
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ٨.
١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ»
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٥) - فتح: ٤/ ١٢٦]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قال: قال النَّبِيِّ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثينَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» -وعقد الإبهام في الثالثة- والشهر هكذا وهكذا وهكذا«يعني تمام ثلاثين (١).
وانفرد بإخراجه من حديث سعد بن أبي وقاص (٢).
وقال أبو حاتم: مرسل عن محمد بن سعد، عن رسول الله - ﷺ - (٣)، ولأبي داود عن ابن مسعود: ما صمت مع رسول الله - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٤).
------------
(١) مسلم (١٠٨٠/ ١٥).
(٢) مسلم (١٠٨٦) باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين.
(٣)»علل ابن أبي حاتم«١/ ٢٥٥ (٧٥٤).
(٤) أبو داود (٢٣٢٢) باب الشهر يكون تسعًا وعشرين يومًا، ورواه الترمذي (٦٨٩) باب ما جاء أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وأحمد ١/ ٣٩٧، ٤٤١، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٨ (١٩٢٢) من طريق عيسى بن دينار، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود .. قوله. قال المباركفوري في»تحفة الأحوذي«٣/ ٣٠٢: حديث حسن، وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٠١١).
وعن عائشة مثله عند الدارقطني: إسناد حسن صحيح (١)، ولابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة (٢).
قَالَ أبو حاتم الرازي: وحديث ابن عباس رفعه: «الشهر تسع وعشرون وثلاثون» خطأ، والصحيح: عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ -، كذا رواه الحفاظ، فقيل له: فقد روي عن سماك، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة أيضًا، فقال أبو زرعة: يخطئ من يقول ذلك (٣).
وخطَّأ أبو حاتم رواية من روى عنها مرفوعًا: «إِنَّا أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» (٤).
إذا تقرر ذَلِك؛ فمعنى قوله: «إنا أمة» أي: جماعة قريش، مثل
----------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٩٨، ورواه أحمد ٦/ ٨١، ٩٠، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٥٧ (٥٢٤٩)، والبيهقي ٤/ ٢٥٠ كتاب: الصيام، باب: الشهر يخرج تسعًا وعشرين فيكمل صيامهم. من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة. به.
وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق بن سعيد ا. هـ، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٧ رواه أحمد والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٢٣: إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٧/ ٩٠، وسنده صحيح على شرطهما.
(٢) ابن ماجه (١٦٥٨) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهر تسع وعشرون، ورواه الترمذي في «العلل الكبير» ١/ ٣٣٢، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٠٧ (٦٤٨٦)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ١/ ٣٢٠ من طريق القاسم بن مالك المزني، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة. به.
وانظر: «مصباح الزجاجة» ٢/ ٦٣. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٣٤٥): حسن صحيح.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٣٣ (٦٨٠).
(٤) السابق ١/ ٢٣٩ (٦٩٧).
قوله: ﴿وَأُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].
و«أُمِّيَّةٌ» أي: باقون عَلَى ما ولدت عليه الأمهات لا نكتب ولا نحسب، أو نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأَن هذِه صفات النساء غالبًا.
وقال الرشاطي: يعني نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل له: أمي نسبة إلى أم القرى مكة، وجعله الله أميًا خشية أن يرتاب المبطلون، إنما يسمع وحيًا فيبلغه ولم يأخذ عن كتب
الأمم قبلنا، ولا بحساب نجوم.
وقال: «أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذته عما جاء به الوحي من الله.
ومعنى: «لَا نَحْسُبُ» وهو بضم السين أي: لم نكلف في تعريف
مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتاب، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذَلِكَ الحساب وغيرهم، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يلفظ بعبارة عنه نزولًا إليها بما يفهمه الخرس والعجم، وحصل من إشارته بيده أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنسِه إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعًا وعشرين.
وعلى هذا أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذَلِكَ يقال له: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذَلِكَ ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم، وكذا من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك، فإنه قَالَ: لا يجزئه إذا صامه
بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية.
وفيه: أن يوم الشك من شعبان.
وقال المهلب: في الحديث بيان لقوله: «اقْدُرُوا لَهُ» أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا كما تأول الفقهاء، ولا اعتبار في ذَلِكَ بالنجوم
والحساب، وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عَلَى الرؤية للأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس في الصيام والحج والعدد والديون، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانًا أو كالعيان.
وأما ما غمض حَتَّى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار، فقد نهينا عنه وعن تكلفه، وذلك أن رسول الله - ﷺ - إنما بعث إلى الأميين الذين لا يقرءون الكتب ولا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانًا.
وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء لمن قَالَ: امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات.
١٤ - باب لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». [مسلم: ١٠٨٢ - فتح: ٤/ ١٢٧]
ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف فقهه في باب: هل يقال رمضان؟ وانفرد داود فقال: لا يصح صومه أصلًا ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذ بظاهر هذا الحديث، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود (٢).
ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن وابن سيرين (٣).
---------
(١) مسلم (١٠٨٢) كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين.
(٢) رواه عن عمر: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٠) كتاب: الصيام، من كره أن يتقدم شهر رمضان بصوم، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٧). والبيهقي ٤/ ٢٠٩ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم، وعن علي: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٢٩)، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، والبيهقي ٤/ ٢١٠. وعن حذيفة: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٣، ٩٤٩٠)، والبيهقي ٤/ ٢١٠.
(٣) رواه عن الشعبي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٩٤٩٥ - ٩٤٩٦، ٩٥٠٤ - ٩٥٠٥). وعن النخعي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٥، ٩٤٩٨، ٩٥٠٦) وعن =
وهو قول الشافعي (١). وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران بفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر (٢).
قَالَ عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله (٣).
وأجازت طائفة صومه تطوعًا، روي عن عائشة وأختها أسماء أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (٤). وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق (٥).
وحجة هذا القول أنا أنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو عَلَى وجه المراعاة خوفًا أن يكون من رمضان فيلحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، إنما نيتة أنه من شعبان فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهي عن أن يصومه عَلَى أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع.
----------
= الحسن: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١)، ٢/ ٣٢٣ (٩٥٠٠). وعن ابن سيرين: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦٢ (٧٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١).
(١) انظر: «البيان» ٣/ ٥٥٨.
(٢) رواه عن ابن عباس: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٥٨ (٧٣١١ - ٧٣١٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٢)، ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٨.
وعن أبي هريرة: عبد الرزاق ٤/ ١٥٨ (٧٣١٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٥).
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠ (٧٣١٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٣).
(٤) رواه عنهما البيهقي ٤/ ٢١١.
(٥) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «المغني» ٤/ ٣٢٦.
واختلفوا إذا صامه عَلَى أنه من رمضان فقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويرون أن من صامه عَلَى غير رؤية ثم جاء المثبت أنه من رمضان عَلَى أن عليه قضاءه. قَالَ مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا (١).
وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل عَلَى أنه من رمضان، ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزئه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حَالَ دون الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غير سحاب (٢).
ويجزئهم من رمضان وإن ثبت بعد ذَلِكَ أن شعبان تسع وعشرون، وهو قول أحمد بن حنبل، وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث. وقول أهل المدينة أولى؛ لنهيه - ﷺ - أن يتقدم صوم رمضان؛ ولقول عكرمة وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (٣).
-----------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ١٨٢.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦١ (٧٣٢٣).
(٣) حديث عكرمة تقدم تخريجه قريبًا جدًا، وحديث عمار تقدم أيضا تخريجه باستيفاء، وسلف معلقًا قبل حديث (١٩٠٦) وصححه جمع من الأئمة، فراجعه.
١٥ - باب قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. [٤٥٠٨ - فتح: ٤/ ١٢٩]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ … الحديث إلى قوله: فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾.
هذا الحديث من أفراده، لم يخرجه مسلم إلا نزول الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَى اَلَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتابع البخاري عَلَى قيس بن صرمة: الترمذي وابن خزيمة والدارمي وجماعات (١).
-----------
(١) الترمذي (٢٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، أحمد ٤/ ٢٩٥، =
وقال أبو نعيم في «الصحابة»: صرمة بن أنس -وقيل: ابن قيس- الخطمي الأنصاري الشاعر نزلت فيه ﴿وَكُلُواْ وَاَشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية ثم ساق من حديث صرمة بن أنس: أتى النبي - ﷺ - عشية من العشيان وقد جهده الصوم فقال له: «مالك يا قيس، أمسيت طليحًا ..» الحديث (١)، وكذا ذكره أبو داود في «سننه» (٢) ومقاتل في «تفسيره».
وقال ابن عبد البر: صرمة بن أبي أنس -قيس- بن مالك البخاري، أبو قيس. وقال بعضهم: صرمة بن مالك نسبه إلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُم ليلَةَ اَلصِيَام﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) كذا هو في «أسباب النزول» للواحدي (٤).
وقال الداودي: ما ذكره البخاري من كونه قيس بن صرمة أخشى أنه ليس بمحفوظ، إنما هو صرمة بن قيس، وبخط الدمياطي قيل: نزلت في ابنه قيس، والأشبه: صرمة، ترهب في الجاهلية ثم أسلم وشهد أحدًا.
وفي كتاب ابن الأثير من حديث أبي هريرة: ضمرة بن أنس (٥)، ولعله تصحيف.
----------
= الدارمي ٢/ ١٠٥٣ - ١٠٥٤ (١٧٣٥) كتاب: الصيام، باب: متى يمسك المتسحر عن الطعام والشراب، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٩٠٤) كتاب: الصوم، باب: ما كان الصائم عنه .. وابن حبان ٨/ ٢٤٠ (٣٤٦٠) كتاب: الصوم، باب: السحور، البيهقي ٤/ ٢٠١.
(١) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم الأصبهاني ٣/ ١٥٢٤ ترجمة (١٤٨٤) حديث (٣٨٦٤)، والحديث رواه أيضًا الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٩٥٧).
(٢) أبو داود (٢٣١٤) كتاب: الصيام، باب: مبدأ فرض الصيام.
(٣) «الاستيعاب في أسماء الأصحاب» ٢/ ٢٩٠ (١٢٤٤).
(٤) «أسباب النزول» ١/ ٥٣ - ٥٤ (٩١ - ٩٢).
(٥) «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير ٣/ ٥٨ (٢٥٧٠).
وقال السهيلي: حديث صرمة بن أبي أنس -قيس بن صرمة- الذي أنزل الله فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهذِه في عمر، ثم قال:
﴿وَكُلُواْ وَاَشرَبُواْ﴾ إلى آخر الآية.
فهذِه في صرمة بن أنس، بدأ الله بقصة عمر لفضله، ثم بقصة صرمة (١).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالرفث (٢) كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من النساء، قاله الزجاج (٣).
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم﴾ أي: سكن، أو من الملابسة وهو الاختلاط والاجتماع، والعرب تسمي المرأة لباسًا.
﴿تَختَانُونَ﴾ من الخيانة أي: تخونون أنفسكم بارتكابكم ما حرم عليكم. والمباشرة: الجماع من البشرة ﴿وَابْتَغُوا مَاكَتَبَ اللهُ لَكُم﴾ الولد أو الجماع. وقال ابن عباس: ليلة القدر (٤)، وهو غريب.
وقولها: (فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ). هي من خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.
-----------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٨٧.
(٢) ورد بهامش (م) / ١٣٤ أ/ ما نصه: الرفث بسكون الفاء مصدر رفث يرفث من باب قصد وضرب وكذب: فحش الكلام، وبالفتح الاسم رفث اسم لما يريد الرجال من النساء والحكمة، وضد الصواب رقد أي: دنا.
(٣) انظر: «معالم التنزيل» ١/ ٢٠٦.
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٧٦ (٢٩٨٥ - ٢٩٨٦)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧ (١٦٨٣)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٩ لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكر إسماعيل بن إسحاق عن زيد بن أسلم وإبراهيم التيمي قالا: كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حَتَّى تكون القابلة، فنسخ الله ذَلِكَ. وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم في ذَلِكَ فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد الرقاد وقبله في الليل كله (١).
------------
(١) رواه الطبري ٢/ ١٧٢ (٢٧٥٣)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٨ لعبد بن حميد والطبري.
١٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
فِيهِ البَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». [٤٥٠٩، ٤٥١٠ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٤/ ١٣٢].
١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. [٤٥١١ - مسلم: ١٩٠١ - فتح: ٤/ ١٣٢]
ثم ذكر حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ .. الحديث.
وحديث سهل بن سعد من طريقين: عنه لما أُنْزِلَتْ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|