
16-02-2026, 04:10 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,278
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (13)
من صـــ 9 الى صـــ 30
الحلقة (362)
وعن ابن مسعود نحوه (١).
وقال مسروق (٢): لم يكونوا يعدون الفجرَ الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول الأعمشِ (٣).
وقال ابن عساكر: قام الإجماع عَلَى أن الخيطَ الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، ولم يخالف فيه إلا الأعمش، ولم يعرج أحد عَلَى قوله لشذوذِه.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ: حَدَّثَنَا أصحابُ محمدٍ - ﷺ - قَالَ: أحيل الصوم عَلَى ثلاثة أحوال: صيام ثلاثة أيام لما قدم المدينة، ثم صوم رمضان، ومن لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ اَلشَّهرَ فَلْيَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الاية، فكانت الرخصة للمريض والمسافر (٤).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ -ولم يسمع منه (٥) - قَالَ:
----------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٣٤ (٧٦١٩) كتاب: الصيام، باب: تأخير السحور، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١٠ - ٣٠١١) بمعناه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت.
(٣) روى ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٩ (٩٠٧٥) والطبري ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٠ - ٣٠٠١) عن الأعمش، عن مسلم قال: لم يكونوا يعدوا الفجر فجركم ولكن يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
(٤) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٠ كتاب: الصيام، باب: ما قيل في بدء الصيام إلى أن نسخ بفرض صوم شهر رمضان.
(٥) قال الترمذي في «سننه» ٥/ ٢٩١ بعد حديث (٣١١٣): عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن غلام صغير ابن ست سنين. اهـ. =
أحيل الصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن سيدنا رسول الله - ﷺ - بعدما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، فصام سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى شهر رمضان.
ثم قَالَ: «إن الله تعالى أنزل عليكم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ .. الاية [البقرة: ١٨٣] (١).
قلت: الذي عليه المؤرخون أن فريضة رمضان إنما نزلت في شهر شعبان عَلَى رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وأغرب البغوي فقال: يقال: نزلت قبل بدر بشهرٍ وأيام (٢).
------------
= وقال الدارقطني: سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من معاذ فيه نظر؛ لأن معاذًا قديم الوفاة: مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة. اهـ.»علل الدارقطني«٦/ ٦١.
(١) رواه الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٦)، ٢/ ١٣٨ (٢٧٤٠)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٥ (١٦٧٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٠.
(٢)»معالم التنزيل" للبغوي ١/ ١٤٩.
١ - باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ، أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ: وَالذِي أَكْرَمَكَ [بالَحْقِّ] لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ». [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٤/ ١٠٢]
١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [٢٠٠٠، ٤٥٠١ - مسلم: ١١٢٦ - فتح: ٤/ ١٠٢]
١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَه». [انظر: ١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٤/ ١٠٢]
معنى: كتب فرض كما في قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ أي: فرض، وقيل: إنه كان فرض عَلَى النصارى فنقلوه عن وقتِه من الحرِّ إلى الربيع
وزادوا فيه، حكاه الزَّجاج وتوقف فيه، لكنه مروي عن الشعبي وأنه زيد فيه إلى خمسين (١)، وهم أمة عيسى كما ذكره ابن عباس في «تفسيره».
وقيل: التشبيه إنما هو من أجل صومِهم، كان [من] (٢) العشاء الآخرة إلى مثلِها، وكان ذَلِكَ فرض عَلَى المؤمنين في أوَّلِ ما افترض عليهم الصوم.
قَالَ السديُّ: كتب عَلَى النصارى أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النومِ ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان، فاشتد ذَلِكَ عَلَى النصارى، وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذَلِكَ اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاءِ والصيفِ. وقالوا: نزيد عشرين يومًا نُكفر بها ما صنعنا. فجعل صيامهم خمسين يومًا، فلم يزلْ المسلمون عَلَى ذَلِكَ يصنعون حَتَّى كان من أمر [أبي] (٣) قيس بن صرمة وعمر ما كان، فأحل اللهُ تعالى لهم الأكلَ والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ (٤).
وقال الحسن فيما ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره»: والله قد كتب الصِّيام عَلَى كلِّ أمةٍ خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا (٥).
وإليه نحا الزمخشري في قوله: آدم فمن دونه. فعلمنا أن الصَّومَ عبادة قديمة لم تخل منها أمة (٦).
-----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٤ (٢٧٢٧) مطولًا.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) زيادة ليست في الأصل، مثبته من «تفسير الطبري».
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٣٤ - ١٣٥ (٢٧٢٨) من طريق موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي به.
(٥) «تفسير ابن أبي حاتم» ١/ ٣٠٥ (١٦٢٦).
(٦) «الكشاف» ١/ ٢٠٤.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُم تَتَقُونَ﴾ أي: بالمحافظة عليه. أو: تنتظمون في سلك المتقين، فإن الصَّومَ من شعارِهم.
وروي أن صرمة بن مالك (١) كان شيخًا كبيرًا جاء إلى أهلهِ وهو صائمٌ فدعا بعشائِه، فقالوا: أمهل حَتَّى نجعل لك طعامًا سخنًا تفطر عليه، فنام، فجاءوا بطعامِه، فقال: قد كنت نمت. فبات جائعًا، فنزلت الآية (٢).
وجاء عمر لأهلِهِ فقال: إنها قد كانت نامت، فظن أنها اعتلت عليه، فواقعها، وفعل مثل ذَلِكَ كعب بن مالك، فنزلت ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٧].
-----------
(١) سيأتي قريبًا في باب: قول الله جل ذكره ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ في حديث (١٩١٥) حكايته المصنف الاختلاف في اسمه، فقيل: صرمة بن أنس، وقيل: صرمة بن قيس، وقيل: صرمة بن مالك، نسبة إلى جده، وقيل: صرمة بن أبي أنس، واسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٥) والذي فيه: قيس بن صرمة الأنصاري.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٠، والطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧١ (٢٩٤٩)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦ (١٦٧٧) من حديث كعب بن مالك، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣١٧: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات. اهـ
قلت: ابن لهيعة وان كان فيه ما فيه إلا أن الراوي عنه هنا عبد الله بن المبارك، قال الحافظ في «التقريب» (٣٥٦٣): رواية ابن المبارك وابن وهب، عن ابن لهيعة أعدل من غيرهما. اهـ
وقال الألباني في «الصحيحة» ١/ ٥٩٥: المتقرر من مجموع كلام الأئمة في ابن لهيعة أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيئ الحفظ، وقد نص بعضهم على أن حديثه صحيح، إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك. وابن وهب، والمقرئ. اهـ.
فالمتقرر أن هذا الحديث سنده حسن. =
ذكر فيه حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. الحديث.
وسلف في الإيمان في باب: الزكاة من الإسلام (١).
وفيه: أن أداءَ الفرائضِ يوجب الجنةَ، وأن عمل السنن والرغائب يوجب الزيادة في الجنة بفضله.
وفيه: عن أبي سهيل عن أبيه. وأبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، ولم يذكر الحج فيه؛ لأنه لم يفرض حينئذٍ (٢) ولا الجهاد؛ لأنه لم يكن عَلَى الأعراب فرضًا.
وفيه: اليمين عَلَى ترك فعل الطاعة المندوب إليها وهو مكروه، لكنه - ﷺ - سكت إما لأنه حديث عهدٍ بالإسلام فلا ينفره، أو لأنه أخبر أنه لا ينقص من الفرائضِ ولا يزيد فيها فإذا أتى بها عَلَى أكملِ أحوالِها لم يحتج إلى النوافل.
ومعنى: (وَلَا أَنْقُصُ) أي: مما فرض الله عليَّ.
وحديث ابن عمر: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ.
وحديث عائشة أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ».
------------
= وقد أورده السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٧ وعزاه لأحمد والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: إسناده حسن.
(١) برقم (٤٦).
(٢) قال النووي في «شرح مسلم» ١/ ١٧٨: نزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل سنة تسع، وقال الزيلعي في «تبيين الحقائق»: ٢/ ٢ كان فرض الحج في سنة ست.
واختلف العلماءُ هل كان واجبًا قبل فرض رمضان أم لا؟ والأشبه أنه لم يجب قط.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ بالأول (١)، وعبَّر الطبري عنه، فقال: عن قوم: أنه كان يصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
وعن قومٍ: أنه لم يزل يصومه ويحث أمته عليه حَتَّى مضى لسبيله، روي هذا عن ابن عباس قَالَ: ما رأيت رسولَ الله - ﷺ - يصوم يومًا يتحرى فضلَه إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان (٢).
ووجه كراهية ابن عمر صومه (٣)، هو نظير كراهية من كره صومَ رجب إذ كان شهرًا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في الإسلام ما كان يُعظَّم في الجاهلية من غير تحريم صومه عَلَى من صامه، ولا مرية من الثواب الذي وعد اللهُ صائمه عَلَى لسان رسوله إذا كان مبتغيًا بصومِه ثوابَ اللهِ ولا يريد به إحياء سنةِ أهل الشرك، وكذلك صوم رجب، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في بابه إن شاء الله، وهذا أولى من دعوى نسخه بفرض رمضان كما مشى عليه ابن التين، وليس في الأمر بصومه ما يدل عَلَى منع صومه إلا أنه اقترن به ما يدل عَلَى أن جميعَ الفرضِ من الصيامِ.
-----------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٠٣.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٠٠٦) باب: صوم يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٣٢) كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.
(٣) رواه مسلم (١١٢٦/ ١١٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه» وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.
وقال الداودي: فيه دليل عَلَى أن معنى الآية: كتب عليكم رمضان كما كتب عَلَى الذين من قبلكم صيام، وفيه ردٌّ عَلَى عطاءَ وقتادةَ في قولهما: كتب عَلَى أوائل أمة محمد - ﷺ - ثلاثة أيام من كل شهر (١). وقيل: إن في يوم عاشوراء ست عشرة فضيلة.
واختلف في السبب الموجب لصيام رسول الله - ﷺ - عاشوراء، فروي أنه كان يصومه في الجاهلية (٢).
وفي البخاري عن ابن عباس: قدم النبيُّ - ﷺ - المدينةَ فرأى اليهودَ تصومه قالوا: يومٌ صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهِم فصامه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» (٣).
ويحتمل أن تكون قريش كانت تصومه كما في حديث عائشة، وكان - ﷺ - يصومه معهم قبل أن يبعث، فلما بعث تركه، فلما هاجر أعلم أنه من شريعة موسى فصامه وأمر به، فلما فُرض رمضان (٤)، فيجمع بهذا بين الحديثين.
----------
(١) رواهما الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٤، ٢٧٣٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٠٢)، باب: صيام يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٢٥) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠٤).
(٤) كذا في الأصل وجواب الشرط (تركه) محذوف.
٢ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ
١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ -مَرَّتَيْنِ- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ٣/ ١٠٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّة، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومن حديث أبي سعيد (٢)، وزاد: «يوم القيامة» (٣)
وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر والحارث الأشعري. قَالَ الحاكم: صحيحٌ عَلَى شرطهما (٥).
------------
(١) مسلم (١١٥١) كتاب: الصيام.
(٢) مسلم (١١٥١/ ١٦٥).
(٣) مسلم (١١٥١/ ١٦٣).
(٤) النسائي ٤/ ١٦٢ كتاب: الصيام، فضل الصيام.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ كتاب: الصوم، مطولًا. ورواه الترمذي (٢٨٦٣ - ٢٨٦٤) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأحمد ٤/ ١٣٠، والطيالسي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١٢٥٧)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ١٤٥ - ١٤٢ (١٥٧١)، وابن خزيمة ٣/ ٩٥ - =
ومعنى: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»: سترٌ من الآثام أو النار؛ أو لأنه يكسر شهوته ويضعف قوته، ومنه قيل للترس: مجن؛ لأن صاحبَه يستتر به.
وفي بعض الأحاديث «الصوم جنَّة ما لم يخرقه» قيل: وبم يخرقه؟ قَالَ: «بكذب أو غيبة» (١).
------------
= ١٩٦ (١٨٩٥) كتاب: الصيام، باب: ذكر تمثيل الصائم في طيب ريحه بصيب ريح المسك إذ هو أطيب الطيب، وابن حبان ١٤/ ١٢٤ - ١٢٦ (٦٢٣٣) كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧ (٣٤٢٧)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٨٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٢١٧ - ٢١٩، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٢٩٨).
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ١٣ (٤٥٣٦)، ٨/ ١٥ (٧٨١٤) وقال: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا الربيع بن بدر، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٢ في ترجمة: ربيع بن بدر السعدي (٦٥١)، والحديث أورده الحافظ ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ١٣٩ ط الرسالة. وقال: في إسناده نظر. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧١: فيه: الربيع بن بدر، وهو ضعيف. اهـ.
قال الحافظ في «التقريب» (١٨٨٣): الربيع بن بدر، متروك.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٠): حديث ضعيف جدًا.
وروي النسائي ٤/ ١٦٧، والدارمي ٢/ ١٠٨١ (١٧٧٣) كتاب: الصيام، باب: الصائم يغتاب، وأبو حاتم الرازي كما في «العلل» ١/ ٢٣٧، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٩٤ (١٨٩٢) كتاب: الصيام، والشاشي في «مسنده» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١ (٢٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣١٣ (٣٦٤٣)، والضياء في «المختارة» ٣/ ٣١٨ (١١٢١)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣، جميعًا من طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: «الصيام جنة ما لم يخرقها» وعند بعضهم: ما لم يخرقه.
قال الدارمي بعد روايته الحديث: يعني بالغيبة.
والحديث صححه أبو حاتم الرازي في «العلل» ١/ ٢٣٧، وقال المنذري: كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٣٠: إسناده حسن.
والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٦٥٧). =
والرفث هنا: الفحش والخناء والجهل، وما لا يصلح من القول أو الفعل.
وقال ابن التين: قيل: اسم لما يريده الرجل من النساء. وقيل: هو الإفصاح بما يجب أنْ يكنى عنه من ذكرِ النكاحِ. وقيل: هو قبيح الكلام، فإن كان من قبيل الكلام قيل فيه: رفثَ وأرفثَ، ذكره ابن فارس (١)، فيقرأ: يرفث. بضم الياء وفتحها، والرواية الثاني.
وفي رواية ستأتي قريبًا: «ولا يصخب» (٢) وهو الصوت والجلبة. قَالَ ابن التين: لا يجوز في مضارعِه ضم الخاء ولا كسرها؛ لأن ماضيه صخِب بالكسر.
قلت: ذكر القزاز الصخب فيه بغير نفيه، ويقال فيه بالسين أيضًا.
وذكر بعضهم أن الأصلَ بالسين ونقلت إلى الصادِ تجوزًا، وكذا هو إذا كان بعدها خاء أو أخواتها من حروف الاستعلاء.
وعند الطبري: «ولا يسخر» من السخرية بالناس.
والجهل: السفه، وهو ضد العلم يتعدى بغيرِ حرف جرٍ، نقول جهل عليَّ فلانٌ. تعني: تعدى.
و(«قاتله») يحتمل أن يريد به: أراد قتاله.
وقوله («فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ») اختلف هل يقوله بلسانه ليكف عن شتمِه، أو بقلبه؟ والأظهر الأول؛ لأنه لا ينكف بذلك، ووجه الثاني خوف الرياءِ لا جرم، فرق بعض أصحابِنا بين الفرضِ والنفل، وقد
----------
= وعياض بن غطيف قال عنه الحافظ في «التقريب» (٥٣٦٢): مقبول.
(١) «المجمل» لابن فارس ٢/ ٣٩٠.
(٢) برقم (١٩٠٤) باب: هل يقول: إني صائم إذا شتم؟
كان حكمُ الصِّيامِ عند مريم وأهل زمانها عدم الكلام في الصوم متعارفًا بينهم، قَالَ تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] قَالَ زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون بالكلامِ كما يصومون من الطعامِ، ولا يتكلمون إلا بذكر اللهِ تعالى.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعامٍ أن يقول: إني صائم؟ ثم ذكر حديث أبي هريرة (١).
وروي عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم (٢)، وقاله قتادةُ والزهري (٣).
والخلوف، بضم الخاء عَلَى الصواب، وهو تغير رائحة الفم، وكثير يروونه بفتحها. قَالَ الخطابي: وهو خطأٌ؛ لأن المصادر التي جاءت عَلَى فعول بفتح الفاء قليلةٌ ذكرها سيبويه وليس هذا منها، وإن كان فعله بالإسكان في المصادر أيضًا قليلة يقال: خلف فوه، يخلفُ وأخلف يُخلف إذا تغير (٤).
وفي كتاب ابن الجُوزي: لخلوف فم الصائم: إذا هو أخلف. وقال: كذا
في كتابي: من أخلف وهو لغة، واللغة المشهورة: خلف. ولم يزد ابن بطال عَلَى قوله: يعني تغير رائحته في آخر النهار؛ لأن الفم يتغير بترك الطعام (٥).
-----------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٩٤ (٧٤٥٦) كتاب: الصيام، باب: الرفث واللمس وهو صائم.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٣) كتاب: الصوم، باب: الرجل يدعى إلى طعام وهو صائم، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٨ (٩٤٣٩، ٩٤٤٢)، والبغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٥٥٢)، والطبراني ٩/ ٣١٥ (٩٥٧٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٢) كتاب الصوم.
(٤) «إصلاح غلط المحدثين» للخطابي ص ١٠٢ بتصرف.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٢.
قَالَ أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه (١)، ولم يذكر ضبطه.
ومعنى: «أَطْيَبُ»: أذكى عند الله وأقرب إليه. قَالَ المازري: هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباعٌ تميل إلى شيء يستطيبه، وتنفر من شيءٍ فيتقذره، والله -سبحانه وتعالى- مقدس عن ذَلِكَ، لكن جرت عادتنا التقرب للروائح الطيبة، فاستعير ذَلِكَ في الصوم لتقريبه من اللهِ (٢).
وهل هذا الخلوف في الدنيا أو في الآخرة؟ جاء في رواية: «حين يخلف» (٣) وجاء في مسلم: «يوم القيامة» (٤) فيكون أطيب من ريح المسك جزاء وأجرًا ورضى أكثر من أجر من ندب إلى استعمال المسك.
وقال: «عِنْدَ اللهِ»: يعني طيبه عند الله. يريد: في الآخِرَة أي: يجازيه يوم القيامةِ لطيب نكهته الكريهة في الدنيا حَتَّى تكون كريحِ المسكِ، والدليل عَلَى أنه أراد الآخرةَ بقوله: «عِنْدَ اللهِ» قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يريد: أيامَ الآخرةِ. ومن هذا الباب الحديث الصحيح الآتي أنه يجازي الشهيدَ في الآخرةِ بأن يجعل رائحة دمه الكريهة في الدنيا كرائحة المسك في الآخرة (٥).
-------------
(١) «غريب الحديث» ١/ ١٩٥.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٣١٩. وكلامه من باب التأويل الذي جرت عليه عادة كثير من المتكلمين، والاشتراك في الصفة بين الخالق والمخلوق لا يلزم منه التشبيه. وانظر التعليق على هذا بالتفصيل في كتاب التوحيد من هذا الشرح.
(٣) رواها أحمد ٢/ ٤٨٠، وابن حبان ٨/ ٢١١ (٣٤٢٤) كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم.
(٤) مسلم (١١٥١/ ١٦٣) كتاب الصيام، باب: فضل الصيام.
(٥) سيأتي برقم (٢٨٠٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: من يجرح في سبيل الله -عز وجل-، =
والفم فيه لغات: فتح الفاء في الأحوال الثلاث، وكسرها كذلك، واتباع الفاء الميم كامرئ.
وقوله: («الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ») (١) أي: أكافئ، لا شك أن الصومَ وجميع الأعمال له تعالى، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشترك فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى فيثيبه عليه عَلَى قدرِ خلوصِه لوجهه، جاز أن يضيفه إلى نفسِه، ألا ترى قوله: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي».
وكان ابن عيينة يقول في قوله: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» قَالَ: لِأن الصوم: هو الصبرُ، يصبِّر الإنسانُ نفسَه عن المطعمِ والمشربِ والمنكح، ثم قرأ: ﴿نَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) [الزمر: ١٠].
وجاء أن: «الصوم نصف الصبر» (٣).
------------
= ورواه مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. من حديث أبي هريرة.
(١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال السمعاني في «المذيل على تاريخ بغداد» بعد أن ساق سندًا طويلًا، قدم الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري بغداد وتفقد مجلس الوعظ، وروى في أول مجلس عقده الحديث المشهور عن النبي - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه …» الحديث. [قلت «المحقق»: سبق برقم (١٨٠٤)، ورواه مسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة]. فقام سائل وقال: لما سمى النبي - ﷺ - «السفر قطعة من العذاب» فقال: لأن سبب فرقة الأحباب، فاضطرب الناس وتواجدوا وما أمكنه أن يتم المجلس فتركه.
(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٣) قطعة رويت في حديثين:
الأول: عن رجل من بني سليم مرفوعًا: «سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله يملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر». =
و«الصبر نصف الإيمان» (١).
------------
= رواه الترمذي (٣٥١٩) كتاب: الدعوات، وقال: حديث حسن، وأحمد ٤/ ٤٦٠، ٥/ ٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٢، ومعمر بن راشد في «الجامع» (٢٠٥٨٢)، والعدني في «الإيمان» (٥٨)، والدارمي في «مسنده» ١/ ٥١٩ (٦٨٠) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الطهور، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ (٢٩٢٠)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٥٨٢ - ١٥٨٣ (١٧٣٤)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٤٣٢ - ٤٣٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤٣٦ (٦٣١)، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٩٤٤)، و«ضعيف الجامع» (٢٥٠٩).
الثاني: عن أبي هريرة مرفوعًا: «لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر». رواه ابن ماجه (١٧٤٥) كتاب: الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد -وهذا لفظه- والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٦٢ (٢٢٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٢ (٣٥٧٧)، والديلمي في «الفردوس» ٢/ ٤٠٩ (٣٨١٧). قال المناوي في «فيض القدير» (٥٢٠٠) منتقدًا تحسين السيوطي للحديث: قال ابن العربي في «السراج»: ضعيف جدًا. والحديث ضعفه البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٧٩، وكذا الألباني في «الضعيفة» (٣٨١١).
(١) روي مرفوعًا وموقوفًا. عن عبد الله بن مسعود: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله». والموقوف هو الصحيح.
المرفوع رواه: ابن الأعرابي في «المعجم» ١/ ٣٠٩ (٥٩٢)، وتمام الرازي في «الفوائد» ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٤، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٥٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١٢٣ (٩٧١٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «العلل» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ (١٣٦٤)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٣، وفي «لسان الميزان» ٥/ ١٥٢ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد الأيامي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعًا.
قال أبو نعيم والخطيب البغدادي: تفرد به المخزومي عن سفيان بهذا الإسناد. زاد ابن الجوزي: والمخزومي مجروح، ويعقوب بن حميد قال يحيى والنسائي: ليس بشيء اهـ. =
وقال وكيع في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ٢٤] هي أيام الصوم، إذ تركوا الأكل والشرب فيها (١)، ثم هذا كله إنما يكون فيما خلص لله تعالى من الرياء، ويدل عليه أيضًا قوله - ﷺ - عن الله تعالى أنه قَالَ: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٢) فجعل عمل الرياء لغيره، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى.
-----------
= وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤)، والحافظ في «اللسان» ٥/ ١٥٢: قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد ولا من حديث الثوري اهـ.
وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٩) منكر.
والموقوف رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٧٤ (٧١٨) وقال: صحيح، والطبراني ٩/ ١٠٤ (٨٥٤٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٤٦ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٤ (٤٨) -وقال: روي من وجه آخر غير قوي مرفوعًا- و٧/ ١٢٣ (٩٧١٧)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٢ وقال: هذا موقوف صحيح، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٧: رجاله رجال الصحيح.
وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤): الصحيح المعروف أنه من قول ابن مسعود، وقال في «الآداب» (٩٣٢) رويناه عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، والموقوف أصح، وقال الحافظ: روي موقوفًا بسند صحيح، ومرفوعًا ولا يثبت رفعه اهـ. «فتح الباري» ١/ ٤٨ بتصرف.
(١) رواه بنحوه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٤٨ في ترجمة الحسن بن صالح بن حي (٤٤٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣١٨ (٣٩٤٩) لكنه عن عبد العزيز بن رفيع. قوله، وكذا عزاه السيوطي أيضًا في «الدر المنثور» ٦/ ٤١١ لابن المنذر وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «الشعب».
(٢) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله. من حديث أبي هريرة.
وعنه: إذا كان يوم القيامة يحاسبُ الله العبد، فيؤدي ما عليه من المظالم من سائر أعماله الصالحة، حَتَّى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم بالصوم، فيدخله الجنة (١) (٢)، وبنحوه ذكره ابن العربي.
قَالَ القرطبي (٣): وكنت أستحسنه حَتَّى ذكرت حديث المقاصة،
--------------
(١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره وهو قول ابن عيينة. [قلت «المحقق»: تقدم تخريجه].
(٢) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ كتاب: الصيام، باب: من كره السواك بالعشي …، ٤/ ٣٠٥، باب: في فضل شهر رمضان وفضل الصيام على سبيل الاختصار، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ (٣٥٨٢) عن إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد ما تقول في ما يرويه النبي - ﷺ -، عن ربه تعالى: كل عمل ابن آدم له ..... الحديث.
فقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة ..... قوله.
(٣) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: «كل العمل كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: انظر «المسند» ٢/ ٤٦٧] وكذا رواه أبو داود ولفظه: «قال ربك تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٤/ ٢٢٧ (٢٦٠٧)] ورواه قاسم بن أصبغ عن شعبة ولفظه: «كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٦٠ من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن الجهم عن روح عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] وقد أخرجه المصنف -يعني: البخاري- في التوحيد عن آدم بلفظ: يرويه عن ربكم قال: «لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: سيأتي برقم (٧٥٣٨)] وكذا رواه أحمد من طريقه. [قلت «المحقق»: انظر: «مسند أحمد» ٢/ ٤٥٧ من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] انتهى كلام ابن حجر. [قلت «المحقق»: انتهى من «فتح الباري» ٦/ ١٠٩]
فوجدت فيه: «أتدرون من المفلس؟» ثم قَالَ: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام» الحديث (١).
وقال آخرون: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فيقول: أنا أتولى جزاءه عَلَى ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب. وهذا القول ذكره الداودي، وصوب الطبري الأول، وأبعدَ مَنْ قَالَ: إن معناه لم يتعبد به غير الله، فلم يعظم الكفار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة السجود والصدقة وشبهها.
وقد حكى المسعودي وغيره أن جماعة من الملاحدة وغيرهم يعبدوا المشترى وزحل والزهرة به، وكذا قول من قَالَ: إنه ليس للصائم ونفسه فيها حظ. حكاه الخطابي (٢)؛ لأن غيره من العبادات كذلك، وكذا قول من قَالَ: لأن الاستغناء عن الطعام من صفة الرب، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء.
وأما معنى قوله: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» فأنا المتفرد بجزائه عَلَى عمله ذَلِكَ لي، بما لا يعلم عنه مبلغه غيري، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري بإعلامي إياه أن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله: «الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» فقال: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به».
-----------
(١) «المفهم» ٣/ ٢١٢. والحديث رواه مسلم (٢٥٨١) كتاب: البر والصله، باب: تحريم الظلم. من حديث أبي هريرة.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٤٦.
وهي في مسلم أيضًا (١)، وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] أن عملهم الصيام فيفرغ لهم الجزاء إفراغًا من غير تقدير، فخص الصيام بالتضعيف عَلَى سبعمائة ضعف في هذا الحديث.
وقد نطق الرب ﷻ بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضًا، كتضعيف الصيام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وجاء في ثواب الصبر مثل ذَلِكَ وأكثر، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فيحتمل -والله أعلم- أن هاتين الآيتين نزلتا عَلَى رسول الله - ﷺ - بعدما أعلمه الله تعالى ثواب الصيام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحي.
وأما قول من قَالَ: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام، فإنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب، فواهٍ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل والشرب، وهو حقيقة الصيام، وإذا اطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائي أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا كان في الباطن، فإذا كف عنه باطنًا وتمادى عليه فقد علمت صيامه.
وليس قول من تأول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أنَّ مريم كانت صائمة في ذَلِكَ الوقت بصواب، بدليل قوله تعالى في الآية ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية [مريم: ٢٥]، فأخبر أن ذَلِكَ كان بعد أكلها وشربها.
------------
(١) مسلم (١١٥١/ ١٦٤).
ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى ﴿صَومًا﴾: إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام: إذا أمسك عن الكلام. ولا يعترض عَلَى هذا بقوله: ﴿فَقُولى﴾ لأن المراد به الإشارة، بدليل قوله بعد ﴿فَأَشَارَت إِلَيهِ﴾ الآية، وقيل: معناه: أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر الله جلّ وعز عَلَى مقدار ثوابها بعض مخلوقاته -وقد سلف- وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اَللهِ﴾.
وقال الثقفي في «نضرة الصحاح»: لأنه يتعلق بالنية، والنية محلها القلب فلا يطلع عليها غير المطلع عليها، فالرب يتولى جزاءه، والحفظة لا تعلم النية، وما أحسن ما حكاه ابن العربي عن الزهاد أن الصوم عن الطعام والمحظورات صوم العوام، وأن صوم الخواص هو الصوم عن غير ذكر الله، وخواص الخواص هو الصوم عن رؤيته، فلا يفطر إلا برؤيته. ولقائه، ويوم أراكم ذاك فطر صيامي، وهذا الذي قَالَ فيه تعالى: «الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (١)، وفيه أقوال أخرى ذكرها الطالقاني في كتابه «حظائر القدس».
فائدة:
سيأتي في باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، عقب قوله: «من ريح المسك» «وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٢)
أما عند لقاء ربه فلما يرى من الخيرات المعدة له وما قدمه، وعند
------------
(١) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٢٢٩.
(٢) برقم (١٩٠٤).
فطره لتمام عبادته، وسلامتها من المفسد، وأبعد من قَالَ أنه بإباحة الأكل.
فائدة أخرى:
قوله: («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ») أقسم للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبّ اَلسَّمّاَءِ وَالأَرضِ﴾ [الذاريات: ٢٣].
أخرى:
أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة السواك للصائم بعد الزوال وقال: إنه يزيل الخلوف، ورأيت في البويطي عدم الكراهة، وبه قَالَ مالك (١)، وأكثر الفقهاء، ومنعوا أنه يزيل؛ لأنه من المعدة.
وقوله: («يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي») يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف عَلَى المسك، وأن يكون لأجل الصوم.
------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٦٦٥، «المجموع» ٦/ ٤٠٢.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|