
16-02-2026, 03:52 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,505
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (12)
من صـــ 541 الى صـــ 560
الحلقة (359)
٥ - باب مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ
١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ - يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا». [مسلم: ١٣٨٩ - فتح: ٤/ ٨٩]
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ». [مسلم: ١٣٨٨ - فتح: ٤/ ٩٠]
ذكر فيه حديث أَبَي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا».
وحديث سفيان بن أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ
خير لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
الشرح:
الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، والكلام عليهما من أوجه: وسفيان هذا فرد (٢) في الصحابة أزدي من أزد شنوءة (٣).
أحدها: العافية والعفاة والعفا: الأضياف وطلاب المعروف، قاله ابن سيده وقيل: هم الذين يعتفونك، أي: يأتونك يطلبون مما عندك (٤). والعافي أيضًا الرائد والوارد؛ لأن ذلك كله طلب.
والعافية: طلاب الرزق من الدواب والطير، وعن الأخفش: واحدها: عافية، والمذكر: عاف. وقال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شيئان: طلبها لأقواتها، وطلبها العفا، وهو المكان الخالي الذي لا أنيس به ولا ملك عليه.
ثانيها: في مسلم: «يتركون المدينة على خير ما كانت» (٥) روي بتاء الخطاب، ومراده غير المخاطبين، لكن نوعهم من أهل المدينة ونسلهم،
------------
(١) مسلم (١٣٨٨ - ١٣٨٩).
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني بالفرد سفيان بن أبي زهير، وأما سفيان مجرد ليس بفرد بل في الصحابة جماعة يسمون بسفيان فاعلمه.
(٣) هو سفيان بن أبي زهير الشنوئي، وقال بعضهم: النمري، ويقال: النميري، والأول أكثر، وهو من أزد شنوءة، له صحبة لا يختلفون فيه، وربما كان في أسماء أجداده نمر أو نمير فنسب إليه، يعد في أهل المدينة، له حديثان عن النبي - ﷺ -، أحدهم حديث الباب هذا.
انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ١٩٠ (١٠٠٦)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٠٤ (٢١١١)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٤٥ (٢٤٠٣)، «الإصابة» ٢/ ٥٤ (٢٣١٠).
(٤) «المحكم» ٢/ ٢٦٧.
(٥) مسلم (١٣٨٩/ ٤٩٩).
وبياء الغيبة، ذكرهما القرطبي (١).
ومعنى «على خير ما كانت» أي على أحسن حال كانت بعده من الرخاء، وكثرة الثمرة والخيرات، وفي معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس، ومعقلهم وحين تنافسوا فيها وتوسعوا في خططها، وغرسوا وسكنوا فيها ما لم يسكن قبل، وبنوا وشيدوا، وحملت إليها الخيرات، فلما انتهت حالها انتقلت الخلافة منها إلى الشام فغلبت عليها الأعراب، وتعاورتها الفتن، خاف أهلها فارتحلوا عنها.
وذكر أهل الأخبار أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي كما أخبر الصادق، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلوها عدت الكلاب على سواري المسجد. وعن مالك: في هذا الحديث: «لتتركن المدينة خير ما كانت، حتى يدخل الكلب أوالذئب فيعدي على بعض سواري المسجد» (٢).
وقال: الظاهر أن هذا الترك يكون في آخر الزمان (٣).
وقال عياض: هذا ما جرى في العصر الأول وانقضى، وهذا من معجزاته (٤).
ثالثها: فيه دلالة كما قال المهلب أنها تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد هذين الراعيين بعنزهما إلى المدينة، وهذا يكون قريب قيام الساعة، وأن آية قيام الساعة عند موت هذين الراعيين أحرى أن يصير غنمهما وحوشًا.
-----------
(١) «المفهم» ٣/ ٥٠١.
(٢) «الموطأ» ص ٥٥٤، ومن طريقه ابن حبان ١٥/ ١٧٦ - ١٧٧ (٦٧٧٣).
(٣) القائل هو القرطبي، انظره وما قبله في «المفهم» ٣/ ٥٠١ - ٥٠٢.
(٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٧.
وأما قوله: («آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ») ولم يذكر حشرهما، وإنما ذكر أنهما يخران على وجوههما أمواتًا، فلا شك أنه لا حشر إلا بعد الموت، فهما. آخر من يموت بالمدينة، وآخر من يحشر بعد ذلك كما قال - عليه السلام -. وقال الداودي: يكونان في إثر من يبعث منها، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُم جَمِيعٌ لَّدَينَا تُحفَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] وفي «أخبار المدينة» لابن شبة من حديث أبي هريرة قال: «آخر من يحشر رجلان: رجل من مزينة، وآخر من جهينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس» (١).
رابعها: «يَنْعِقَانِ» قال صاحب «العين»: نعق بالغنم ينعق نعاقًا ونعيقًا إذا صاح بها (٢). قال الأزهري عن الفراء وغيره: وهو دعاء الراعي الشاء، يقال: انعِق بضأنك أي: ادعها، وقد نعق الراعي بها نعيقًا (٣).
وعن الفراء في قوله تعالى: ﴿كمَثَلِ اَلَّذِى يَنعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] قال: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي، ولم يقل: كالغنم. والمعنى -والله أعلم- إن مثلهم كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت (٤).
وفي «الموعب»: نعيقًا ونعاقًا: إذا صاح بها الراعي زجرًا، ونعقًا،
-----------
(١) «تاريخ المدينة المنورة» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) «العين» ١/ ١٧١.
(٣) «تهذيب اللغة» للأزهري ٤/ ٣٦١٣.
(٤) «معاني القرآن» للفراء (١/ ٩٩).
ونعقانًا، وقد نعق ينعق، ونعق الغراب -بالمهملة والمعجمة (١) أيضًا- صاح. وقال الداودي معناه: يطلبان الكلام.
خامسها: «وحوشًا» ولمسلم «وحشًا» (٢) أي: خالية ليس فيها أحد.
وقال الحربي: الوحش من الأرض: الخلاء، والصحيح أن معناه: يجدانها ذات وحوش. وأصل الوحش: كل شيء توحش من الحيوان، وقد يعبر بواحده عن جمعه. وعن ابن المرابط معناه: أن غنمهما تصير وحوشًا، وإما تتقلب ذواتها أو تنفر وتتوحش من (أصواتها)، وأنكره عياض (٣).
سادسها: «يبسون»، بفتح أوله، وبضم الباء الموحدة بعدها، وبكسرها ثلاثية ورباعية، فالحاصل ثلاثة أوجه. وعبارة ابن التين: وقيل في يبسون ثلاث لغات: فتح الباء، وكسر الباء، وضمها من
-----------
(١) ورد بالهامش: قال في «الجمهرة»: نعق الغراب بالعين والغين وهو بالمعجمة أعلى وأفصح. وفي «المحكم» أن الغين في الغراب أحسن من الأول، نعق الغراب ونغق يعني بالمعجمة؛ للرواية، قال: الجوهري: النغاق من .. يقولون نغق … بالغرب ينعق الغراب بالمعجمة، ونعَق الراعي بالمهملة، انتهى. فالمعجمة ابن قتيبة روى غيره عطاء. الطوسي وصاحب كتاب العين أنه قال …
(٢) مسلم (١٣٨٩/ ٤٩٩).
فائدة:
قول المصنف -رحمه الله-: ولمسلم (وحشًا) يفهم منه أنها ليست في البخاري، والطبعة التي بين أيدينا بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وكذا في «فتح الباري» (١٨٧٤) وقع أيضًا: وحشًا كما في مسلم، وجاء في اليونينية ٣/ ٢١ أنه وقع في رواية كل من أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: وحوشًا، فيحمل كلام المصنف أنه اعتمد على أحد هذِه الروايات الأربع أو بعضها، ويدل لذلك أيضًا -كما هو واضح جلي- أنه قال: خامسها: (وحوشًا)، فذكرها كما هي لديه.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٨.
بسست. وقيل: هو رباعي من أبسست، إلا أن الذي يقتضيه الإعراب إذا كان ثلاثيًا أن يكون بفتح الياء وكسر الباء؛ لأنه ثلاثي مضاعف على ما ذكره ابن فارس (١)، ومعناه: يتحملون بأهليهم، أو يدعون الناس إلى بلاد الخصب، أو يسوقون. والبس: سوق الإبل، أقوال.
وقال ابن وهب: يزينون لهم البلاد يحببونها إليهم، ونحوه حديث مسلم «هلم إلى الرخاء» (٢).
وقال الداودي: يزجرون الدواب إلى المدينة فيبسون ما يطئون من الأرض فيفتونه فيصير ترابًا من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥] ويفتنون نيات من في المدينة بما يصفون لهم من رغد العيش في غيرها. وقال مالك: البس: السير، قال صاحب: «المطالع» عن أبي مروان بَس بِس بفتح الباء وكسرها، يقال في زجر الإبل: بس بكسر السين، منونًا وغير منون، وبإسكانها. وقال النووي: الصواب والذي عليه المحققون أن معناه: الإخبار عمن خرج من المدينة متحملًا بأهله باسًّا في سيره، مسرعًا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر بفتحها، وهو من أعلام نبوته (٣). وقال الخطابي: البس: السير الرفيق (٤). وفي «الواعي»: وبس: زجر للحمار. وقال أبو عبيد: يقال في الزجر إذا سقت حمارًا أو غيره: بس بس، وهو من كلام أهل اليمن، وفيه لغتان: بسست وأبسست، فيكون على هذا يبسون بفتح الياء وضمها (٥)، كما سلف.
-----------
(١) «المجمل» ١/ ١١٢.
(٢) مسلم (١٣٨١).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٥٩.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٢٦١.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ٤١٨.
وقال الخليل: بس: زجر للبغل والحمار بضم الباء وفتح السين، تقول: بُسَ بُسَ (١).
قال أبو عمرو الشيباني: يقال بس فلان كلابه: أي: أرسلها. وقال: ابن فارس: بسست الإبل إذا زجرتها عند السوق (٢).
سابعها: قوله: («وَالمَدِينَةُ خير لَهُمْ») أي: في الآخرة لمن صبر عليها ابتغاء وجهه تعالى، قاله الداودي، وقال ابن بطال: يعني: لفضل الصلاة في مسجده، ولما في سكنى المدينة، والصبر على لأوائها وشدتها، فهو خير لهم مما يصيبون من الدنيا في غيرها.
والمراد بالحديث: الخارجون عن المدينة رغبة عنها وكرهًا، فهؤلاء المدينة خير لهم، وهم الذين جاء فيهم الحديث أنها تنفي خبثها (٣)، وأما من خرج منها لحاجة أو طلب معيشة أو ضرورة ونيته الرجوع إليها، فليس بداخل في معناه (٤).
ثم فيه برهان جليل بصدق الشارع بإخباره بما يكون قبل وقته، فأنجز الله تعالى لرسوله ما وعد به أمته، فتحت اليمن ثم الشام، ثم العراق، وكمل ذلك كله.
ثامنها: ثنية الوداع موضع قريب من المدينة مما يلي مكة (٥).
----------
(١) «العين» ٧/ ٢٠٤.
(٢) «المجمل» ١/ ١١٢.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٨٨٣) من حديث جابر، ورواه مسلم (١٣٨٣).
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٥) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٨٦.
٦ - باب الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ
١٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا». [مسلم: ١٤٧ - فتح: ٤/ ٩٣]
ذكر فيه حديث عُبَيْد اللهِ، عَنْ خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا».
و(عبيد) الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (١). و(خبيب) -بضم الخاء المعجمة- هو خاله (٢) - ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف بن عِنَتة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم، أخي زيد، وكانا توأمين، ابني الحارث بن الخزرج، توفي خبيب الأعلى في خلافة عثمان، وكان شهد بدرًا وما بعدها (٣)، وتوفي الأدنى في زمن مروان بن محمد بن مروان (٤).
و(يأرز) بمثناة تحت، ثم همزة، ثم راءٍ مكسورة، ثم زاي، هذا هو المشهور، وحكاه ابن قرقول عن أكثر الرواة، قال: وقال أبو الحسين بن
-----------
(١) تقدمت ترجمته في حديث (١٤٨).
(٢) يقصد أنه خال عبيد الله بن حفص، وهو كذلك.
(٣) خبيب الأعلى هو جد خبيب بن عبد الرحمن الراوي، انظر: تمام ترجمته في «معرفة الصحابة» ٢/ ٩٨٨ (٨٥٢)، ٢/ ٢٥ (٦٥١)، «أسد الغابة» ٢/ ١١٨ (١٤١٣)، «الإصابة» ١/ ٤١٨ (٢٢١٩).
(٤) خبيب الأدنى هو ابن عبد الرحمن الراوي، انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٠٩ (٧١٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٨٧ (١٧٧٥)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٢٢٧ (١٦٧٨)، «تاريخ الإسلام» ٨/ ٨٧.
سراج: ليأرز. بضم الراء. وعن القابسي (١): فتحها.
ونقل ابن التين عن الشيخ أبي عمران أنه قال: الذي جرى على ألسنتهم -يعني: المحدثين- فتح الراء، والصواب كسرها، ومعناه فيما ذكره ابن سيده: ثبتت في مكانها ولاذت بجحرها ورجعت إليه (٢).
وقال أبو عبيد: عن الأصمعي: يأرز: ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض (٣).
وقال أبو الأسود الديلي: إن فلانا إذا سئل أرز، وإذا دعي اهتز. قال أبو عبيد: يعني إذا سئل المعروف تضامَّ، وإذا دعي إلى طعام أو غيره مما يناله اهتز لذلك (٤). وقال الداودي معناه: يرجع ويجتمع ويأتي، وكان هذا في زمن رسول الله - ﷺ - ومن يليه، و(الجحر): الكوة، والمراد بالمدينة هنا أهلها، قاله أبو مصعب الزبيري، وفيه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع، وأن عملهم حجة، كما رأى مالك.
وقال المهلب: فيه أن المدينة لا يأتيها إلا مؤمن، وإنما يسوقه إليها إيمانه ومحبته في رسول الله - ﷺ -، فكأن الإيمان يرجع إليها كما خرج منها أولًا ومنها انتشر كانتشار الحية من جحرها، ثم إذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، فكذلك الإيمان دخلته الدواخل لم يقصد المدينة إلا مؤمن كامل الإيمان (٥).
-----------
(١) في هامش الأصل: حكاه عن المروزي.
(٢) «المحكم» ٩/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٢.
(٤) السابق ١/ ٣٢.
(٥) «شرج ابن بطال» ٤/ ٥٤٨.
٧ - باب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ [هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ] قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ، كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ». [مسلم: ١٣٨٧ - فتح: ٤/ ٩٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ، كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بزيادة أبي هريرة (١).
ومعنى «انماع» ذاب، يقال منه: قد امَّاع العسل في الماء فهو مماع امَّاعًا، وهو عسل مائع، وقد ماع يميع ميعًا ميوعًا، وتميع الشراب إذا ذهب وجاء، فهو يتميع تميعًا.
ومعنى «لا يكيد» لا يدخلها بمكيدة ولا بمكر يطلب فيها غرتهم، ويفترس عورتهم.
----------
(١) مسلم (١٣٨٧).
وورد بهامش الأصل: أي مع سعد، وليس في مسلم: «انماع كما ينماع» وإنما فيه: «أذابه الله كلما يذاب» وليس فيه: «لا يكيد» وإنما فيه: «من أراد أهل المدينة بسوء».
٨ - باب آطَامِ المَدِينَةِ
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ».
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠ - مسلم: ٢٨٨٥ - فتح: ٤/ ٩٤]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن الزهري، عن عُرْوَةُ عن أسَامَةَ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمِ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرى؟ إِنِّي لأَرى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ».
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزهْرِيِّ.
الشرح:
متابعة معمر رواها البخاري في: الفتن عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر به (١)، ومتابعة سليمان رواها مسلم (٢) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن سليمان عنه (٣)، وسليمان هو ابن كثير
-------------
(١) حديث سيأتي برقم (٧٠٦٠)، باب: قول النبي - ﷺ -: ويل للعرب من شر قد اقترب.
(٢) ورد بالهامش حاشية: لم يروها مسلم، إنما روى مسلم حديث معمر عن الزهري، لا حديث سليمان والله أعلم.
(٣) هذِه المتابعة لم يروها مسلم كما ذكر المصنف -رحمه الله- وتبعه على ما ذكر، العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٤٣٢ وفيه نظر، فالذي في مسلم (٢٨٨٥/ ٩): حدثنا عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، فليس في الإسناد سليمان بالمرة.
ويدل لذلك ما ذكره الحافظ في «التغليق» ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ أن المتابعة هذِه رواها البخاري بإسناده في كتاب «بر الوالدين، من تأليفه خارج»الصحيح": ثنا محمد بن =
العبدي البصري (١)، كان أكبر من أخيه محمد بخمسين سنة (٢)، كذا بخط الدمياطي الحافظ على أصله.
و(الآطام) بالمد والقصر: القصور، نقله ابن التين عن أبي عبد الملك، وقال ابن فارس: الأطم: الحصن، وجمعه: آطام (٣).
زاد الخطابي: المبني بالحجارة (٤). وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، حكاه ابن سيده (٥).
والجمع القليل من كل ذلك: آطام، والكثير: أطوم. وعن ابن الأعرابي: الأطوم: القصور. وقال الداودي: المنازل. وقال الجوهري: الواحدة: أطمة، مثل أكمة (٦).
وخلال: معناه: بين، ومثلت الفتن التي بعده فرآها عيانًا، فأنذر بها قبل وقوعها، فالرؤية هنا العلم، وهذِه إحدى علامات نبوته وهي الإخبار
------------
= كثير؛ ثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال: «هل ترون ما أرى، أرى الفتن خلال بيوتكم». ثم ساقه بإسناده إلى البخاري بهذا الإسناد. وقال في «الفتح» ٤/ ٩٥: أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها المؤلف في «بر الوالدين» له خارج الصحيح.
(١) أبو داود، ويقال أبو محمد البصري، عن يحيى بن معين: ضعيف وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، إلا في الزهري فإنه يخطئ عليه.
انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٣ (١٨٧٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٣٨ (٦٠٣)، «المجروحين» لابن حبان ١/ ٣٣٤، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٦ (٢٥٥٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٩٤ (٩١).
(٢) هو محمد بن كثير العبدي، أبو عبد الله البصري، تقدمت ترجمته في حديث (٩٠).
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ٩٨.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ١٠٥.
(٥) «المحكم» ٩/ ١٧١.
(٦) «الصحاح» ٥/ ١٨٦٢.
بالمغيبات، فكانت الفتن بعده كالقطر كما أخبر، وخبره الصادق المصدوق، وشبهها بمواقع القطر لكثرتها وعمومها كقتل عثمان (١)، ويوم الحرة (٢) (٣).
--------
(١) من ذلك ما سيأتي برقم (٣٦٧٤) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا»، ورواه مسلم (٢٤٠٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان. من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه: أن عثمان استأذن على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ائذن له وبشره بالجنة ..».
ومن ذلك أيضًا ما سيأتي برقم (٣٦٧٥) من حديث أنس أن النبي - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، وغير ذلك من الأحاديث، انظر: «المنتخب من دلائل النبوة» لأبي نعيم ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢، «دلائل النبوة» للبيهقي ٦/ ٣٨٨ - ٣٩٢.
(٢) انظر: «البداية والنهاية» ٨/ ٦١٦ - ٦٢٣، «تاريخ الإسلام» ٥/ ٢٣ - ٣٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد الأربعين، كتبه مؤلفه.
٩ - باب لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ». [٧١٢٥، ٧١٢٦ - فتح: ٤/ ٩٥]
١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. «عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ». [٥٧٣١، ٧١٣٣ - مسلم: ١٣٧٩ - فتح: ٤/ ٩٥]
١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ، يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». [٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣ - مسلم: ٢٩٤٣ - فتح: ٤/ ٩٥]
١٨٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ: «يَأْتِى الدَّجَّالُ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ- بَعْضَ السِّبَاخِ التِي بِالمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ، الذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ عَلَيْهِ». [٧١٣٢ - مسلم: ٢٩٣٨ - فتح: ٤/ ٩٥]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -وهو ابن إبراهيم-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ -وهو نفيع بن الحارث- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:- «لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ».
وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «على أنقاب المدنية ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال».
وحديث أبي سعيد: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان مما حدثنا به أن قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، ينزل بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولان: لا. فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة من اليوم، فيقول الدجال: أقتله، فلا يسلط عليه».
وحديث أبي عمرو -هو الأوزاعي- عبد الرحمن بن عمرو، ثنا إسحاق، حدثني أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: «ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدَّجَّال، إلا مكةَ والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجفُ المدينةُ بأهلِها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كلُّ كافرٍ ومنافقٍ».
الشرح:
حديث أبي بكرة من أفراده، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أخرجه مسلم (١).
وحديث أبَي سَعِيدٍ أيضًا. وسيأتي مطولًا في ذكر بني إسرائيل (٢).
وحديث أَنَسٍ أخرجه مسلم في الفتن، والنسائي في الحج (٣).
وأنقاب ونقاب: جمع نقب، قال ابن وهب: يعني مداخلها. وقال غيره: هي أبوابها وفوّهات طرقها التي يدخل منها إليها.
قال الخطابي: هي طريق في رأس الجبل (٤). وقال الداودي: هي الطرق التي يسهلها الناس، ومنه: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي اَلبلَادِ﴾ [ق: ٣٦] وضبط ابن فارس أنه بالسكون يقتضي ألا يكون جمعه أنقابًا (٥) كما رواه أبو هريرة (٦)، وإنما يجمع على نقاب كما رواه أبو سعيد (٧).
وقال أبو المعالي في «المنتهى»: النقب: الطريق في الجبل، وكذلك النقب والمنقب والمنقبة عن يعقوب.
وقال ابن سيده: النقب والنقب في أي شيء كان نقبه ينقبه نقبًا (٨).
وعن القزاز: ويقال أيضًا: نقب، بكسر النون. وقال الأخفش: أنقابها: طرقها، الواحد: نقب وهو من الآية السالفة أي: جعلوا فيها طرقًا ومسالك، وقال غيره: ونقاب أيضًا جمع نقب (٩)، ككلب وكلاب،
-----------
(١) مسلم (١٣٨٠).
(٢) يأتي برقم (٧١٣٢) كتاب: الفتن، باب: لا يدخل الدجال المدينة.
(٣) مسلم (٢٩٤٣)، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٥ (٤٢٧٤).
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٣٢.
(٥) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٨٠.
(٦) سيأتي برقم (١٨٨٠).
(٧) حديث (١٨٨٢).
(٨) «المحكم» ١/ ٢٧٧.
(٩) ورد بهامش الأصل: في «القاموس» النقب، النقَب جمعه أنقاب ونقاب.
وتجمع فَعْل اسمًا على فعال وفعول قياسًا مطردًا.
وفي هذِه الأحاديث برهان ظهر لنا صحته وعلمنا أن ذلك من بركة دعائه للمدينة، وقد أراد عمر والصحابة أن يرجعوا إلى المدينة حين وقع الوباء بالشام (١)، ثقة منهم بقوله - عليه السلام - الذي أمنهم من دخول الطاعون بلدهم (٢)، وكذلك نوقن أن الدجال لا يستطيع دخولها البتة، وهذا فضل عظيم لها. وقد أخبر الله أنه يوكل الملائكة بحفظ من شاء من عباده من الآفات والعدو والفتن، فقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١] يعني بأمر الله لهم بحفظه، ومازالت الملائكة تنفع المؤمنين بالنصر لهم والدعاء والاستغفار لذنوبهم، وسيأتي معنى حديث الدجال وفتنته في موضعه، وهو كتاب: الفتن، إن شاء الله (٣). وفي حديث أنس أن الدجال لا يدخل مكة أيضًا (٤)، وهو فضل كبير أيضًا لها وللمدينة على سائر الأرض.
وقوله: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال» لا يعارضه حديث أنس «ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات» والرجف رعب، وإنما الرجفة تكون من أهل المدينة على من فيها من المنافقين والكافرين، فيخرجونهم من المدينة بإخافتهم إياهم تغليظًا عليهم وعلى الدجال، فيخرج المنافقون إلى الدجال فرارًا من أهل المدينة ومن قوتهم (عليه) (٥).
-----------
(١) سيأتي هذا الحديث (٥٧٢٩) كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطاعون، من حديث ابن عباس، ورواه مسلم (٢٢١٩) كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها.
(٢) حديث (١٨٨٠)، ورواه مسلم (١٣٧٩).
(٣) انظر شرح الحديث الآتي برقم (٧١٣٢).
(٤) حديث الباب (١٨٨١).
(٥) هذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» (٤/ ٥٥١): (عليهم) وهو أصح وأصوب.
والرعب: الخوف، يقال: رعبته فهو مرعوب، ولا يقال: أرعبته.
قال ابن التين: وضبط المسيح هنا بكسر الميم وتشديد السين، سمي بذلك لأنه يمسح الأرض -أي يقطعها- أو لأنه ممسوح العين اليمنى، وسلف الاختلاف في عيسى - ﷺ - لم سمي مسيحًا؟
والدجال مشتق من الدجل، وهو التمويه أو التغطية. وقال ابن دريد: لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير (١). والطاعون: الوباء.
قال الداودي: والدجالون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيٌّ (٢) إلا الأعور فإنه يزعم أنه إله. وهو في مسلم بدون الاستثناء (٣)، والذي أعطي من قتله للرجل وإحيائه، فقد أتبع ذلك بأنه يريد قتله فلا يطيقه، فيكون ذلك سبب هلاكه، وينزل ابن مريم - ﷺ - حكمًا عدلًا فيقتله.
ومعنى رجف المدينة: اضطرابها، ويكون بها زلزلة وأمر يرعب عنه كل منافق، ويثبت الله المؤمنين.
واحتج القاضي في «معونته» بهذا الحديث على فضل المدينة على البقاع التي لم تحرس من ذلك (٤)، وحديث أنس يرده، فإن فيه أن مكة أيضًا محروسة من الدجال.
------------
(١) «جمهرة اللغة» ١/ ٤٥٠.
(٢) سيأتي حديث بنحو هذا الكلام برقم (٣٦٠٩) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٣) مسلم (١٥٧) بعد حديث (٢٨٨٨) كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٤) «المعونة» ٢/ ٦٠٦.
١٠ - باب المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ
١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِى خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا». [٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢ - مسلم: ١٣٨٣ - فتح: ٤/ ٩٦]
١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينِ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ». [٤٠٥٠، ٤٥٨٩ - مسلم: ١٣٨٤ - فتح: ٤/ ٩٦]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعَهُ عَلَى الِإسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي بيعتي. فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَينْصَعُ طَيِّبُهَا».
وحديث زيدِ بْنِ ثَابِتِ قال: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى أحُدٍ رَجَعَ ناسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ».
الشرح:
حديث جابر وزيد أخرجهما مسلم أيضًا (١).
-------------
(١) حديث جابر رواه برقم (١٣٨٣)، وحديث زيد رواه برقم (١٣٨٤).
وفي رواية للبخاري في المغازي: «تنفي الذنوب» (١)، وفي رواية: «وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد» (٢) وكان هذا الأعرابي من المهاجرين كما قاله بعض العلماء (٣)، فأراد أن يستقيل النبي - ﷺ - في الهجرة فقط، ولم يرد أن يستقيله في الإسلام، فأبى - ﷺ - من ذلك في الهجرة؛ لأنها عون على الإثم، وكان ارتدادهم عن الهجرة من أكبر الكبائر، ولذلك دعا لهم - ﷺ - فقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولاتردهم على أعقابهم» (٤) ويحتمل كما قال القاضي أن بيعته كانت بعد الفتح وسقوط الهجرة إليه، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة ولم يقله (٥).
وفيه من الفقه:
أن من عقد على نفسه أو على غيره عقدًا لله فلا ينبغي له حله؛ لأن في حله خروجًا عما عقد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والدليل على أنه لم يطلب الارتداد عن الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة الشارع على ذلك، ولو كان
------------
(١) سيأتي برقم (٤٠٥٠) باب: غزوة أحد.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٨٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨].
(٣) قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٩٧: لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشري ذكر في «ربيع الأبرار» أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي - ﷺ - قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي «الذيل» لأبي موسى: في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا أهـ. وقال هذا الكلام بنصه العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٤٣٦.
(٤) سلف برقم (١٢٩٥)، ورواه مسلم (١٦٢٨).
(٥) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٠.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|