
13-02-2026, 09:12 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (12)
من صـــ 169 الى صـــ 180
الحلقة (340)
بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم (١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يرميها من أسفلها أحب إليَّ.
وقد روي عن عمر أنه جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها (٢).
وفيه دليل على تسمية هذِه السورة بالبقرة، وقد قال - عليه السلام -: «إن البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان» (٣) أي: ثوابهما، فالصواب: أنه لا كراهة في تسميتها ولا غيرها باسمها، وإنما ذكر سورة البقرة؛ لأن معظم مناسك الحج فيها، وإنما كره الحَجَّاج ذَلِكَ كما سيأتي قريبًا (٤)، وسبقه إليه جماعة من السلف.
وقد احتج النخعي على الأعمش بهذا الحديث، وهذِه إضافة لفظ كباب الدار، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] فأضاف القول إلى جبريل الذي نزل به من عند الله، وهذا من اتساع لغة العرب تضيف الشيء إلى من له أقل سبب. وقد ترجم له البخاري في فضائل القرآن فقال: باب: من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا (٥)، خلافًا للحَجَّاج، ولمن أنكر ذَلِكَ قبله.
فرع:
السنة أن لا يقف عندها كما سيأتي بعد بأبواب، بخلاف الأولين.
---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٠، ١٣٤١٢).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤١٥ - ٤١٦ بتصرف. وأثر عمر رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٤) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٣) رواه مسلم (٨٠٤) كتاب الصلاة، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
(٤) سيأتي برقم (١٧٥٠).
(٥) سيأتي برقم (٥٠٤٢) من حديث عائشة.
١٣٦ - باب رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ
ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨٠]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
١٣٧ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ
١٧٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابن مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هذا مَقَامُ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
أما حديث ابن عمر فيأتي مسندًا قريبًا (١)، وحديث ابن مسعود سلف (٢)، وقد كرره البخاري في الباب. وسميت الجمرة الكبرى؛ لأنها تُرمى يوم النحر وحدها، وتكرر باقي الأيام، ووقع في رواية أبي الحسن: (سبع حصايات)، وصوابه (حصيات)؛ لأنه جمع حصاة، واليسار بفتح الياء وكسرها، وقام الإجماع على أن من رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن، واختلفوا إذا رماها بأقل من سبع: فذكر الطبري عن عطاء: أنه إن رمى بخمس أجزأه، وعن مجاهد: إن رمى بست لا شيء عليه، وذكر ابن المنذر: احتج بحديث سعد بن أبي وقاص قال: رجعنا مع النبي - ﷺ - وبعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب بعضهم على
--------
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: رمي الجمرتين.
(٢) برقم (١٧٤٧).
بعض (١)، وبه قال أحمد وإسحاق، وعن طاوس إن رمى ستًّا يطعم تمرة (٢)، أو لقمة، وذكر الطبري عن بعضهم، أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، وجعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به، قال: حسن قد كانت عائشة أم المؤمنين تقول: إنما الحصى جمار ليحفظ به التكبير، وقال الشافعي وأبو ثور: إن بقيت عليه حصاة فعليه مدٌّ من طعام، وفي حصاتين مدَّان، وإن بقيت عليه ثلاث فأكثر فعليه دم (٣).
---------
(١) رواه النسائي ٥/ ٢٧٥، وأحمد ١/ ١٦٨، وابن حزم في «حجة الوداع» (٣٦٠)، والبيهقي ٥/ ١٤٩ كتاب: الحج، باب: من شك في عدد ما رمى. من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، به.
قلت: وهو حديث ضعيف لانقطاعه، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد لم يدرك سعدًا، إنما يروي عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال: أبو زرعة: مجاهد، عن سعد مرسل. اهـ. «المراسيل» ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
وقال ابن حزم: حديث سعد ليس مسندًا.
وقال ابن القطان: أشك في اتصال هذا الحديث، فإنه من رواية مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، ولا أعلم له سماعًا منه، وإنما أعلمه يروي عن عامر بن سعد، عن أبيه، وكان موت سعد سنة ثمان وخمسين، ومجاهد إذ ذاك من نحو ثمان وثلاثين سنة، فهو لا يبعد سماعه منه، ولكن لا أعلمه. اهـ. «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.
وقال ابن التركماني ٥/ ١٤٩: قال الطحاوي في «أحكام القرآن»: حديث منقطع، لا يثبت أهل الإسناد مثله.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٤ بلفظه، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٥ (١٣٤٤٠) وفيه: يتصدق بشيء.
(٣) «الأم» ٢/ ١٨١.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن ترك أقل من نصف جميع (الجمرات) (١) (الثلاث فعليه في كل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فيطعم ما شاء، ويجزئه (٢).
وإن كان ترك أكثر من نصف جميع الجمرات الثلاث) (٣) فعليه دم (٤)، وعليه إجماع الجميع على أن على تارك رمي الجمرات الثلاث في أيام الرمي حَتَّى تنقضي دمًا (٥)، فلما كان ذَلِكَ إجماعًا كان الواجب أن يكون لترك رمي ما دون جميع الجمرات الثلاث بقسطه، وأن يكون ذَلِكَ مردود إلى القيمة إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم فجعلوا ذَلِكَ طعامًا، وجعلوا ما يعطى كل مسكين من ذَلِكَ قوت يومه، وجعلوا تارك ما زاد على نصف جميع الجمرات الثلاث بمنزلة تارك الجمرات كلها، إذ كان الحكم عندهم للأغلب، مع أن ذَلِكَ إجماع من الجميع.
وقال الحكم وحماد: من نسي جمرة أو جمرتين أو حصاتين يهريق دمًا، وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار فذكر ليلًا أو نهارًا يلتزم ما نسى ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم (٦)، وهو قول الأوزاعي (٧)، وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حَتَّى ذهبت أيام
--------
(١) في (ج): التكبيرات.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) جاء في هامش الأصل: وكذا إذا ترك رمي يوم غير يوم النحر، أو ترك رمي يوم النحر أو أكثره، كما لو ترك الرمي كله، والله أعلم.
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٢٣، «التمهيد» ١٧/ ٢٥٥.
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٩٤ (١٣٤٣٧) كتاب الحج، باب: في الرحل ينسى أن يرمي جمرة أو جمرتين.
(٧) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٧٠، «المغني» ٥/ ٣٨٠.
الرمي ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة (١).
قال الطبري: والصواب عندنا: أن رمي الجمرة بسبع، ورمي أيام التشريق كل جمرة بسبع من مناسك الحج الذي لا يجوز تضييعها لنقل الأمة جميعًا وراثة عن رسول الله - ﷺ - أن رميهن كذلك مما علم أمته، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسوله، فعلم بذلك أنه من الفروض التي لا يجوز تضييعها، وعلم أن من ترك شيئًا مما علمهم حَتَّى فات وقته فعليه الفدية، كما نص عليه في الحلق وجزاء الصيد، فمن ضيع الجمرات حَتَّى انقضت أيام التشريق فعليه شاة، وكذا بعضها كما في
تارك بعض طواف الإفاضة، فإن حكمه كتارك كله.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في مرة واحدة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًا، وقال عطاء: يجزئه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحد سوطًا سوطًا أو مجتمعة، إذا علم وصول الكل إلى بَدَنِهِ (٢)، حجة الأول: أن الشارع رمى بحصاة حصاة وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣).
وأما فقه الباب الثاني: فإذا جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فهو مستقبل للجمرة بوجهه، وذلك السنة، وأما جمرة العقبة فيرميها من بطن
الوادي.
--------
(١) «المدونة» ١/ ٣٢٤.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٠، «المدونة» ١/ ٣٢٥، «الأم» ٢/ ١٨١، «المجموع» ٨/ ١٧٦، «المغني» ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٧) وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي ٥/ ٢٧٠ بلفظ: «لتأخذوا مناسككم». ورواه بهذا اللفظ الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٥٤، أبو نعيم في «مستخرجه على مسلم» ٣/ ٣٧٨، البيهقي في «الكبرى» ٥/ ١٢٥.
فرع:
الأصح عندنا أنه لا يرميها على هيئة الحذف خلافًا لما في الرافعي، نعم السنة أن تكون قدر حصى الحذف للاتباع قولًا وفعلًا، وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء.
فرع:
قد أسلفنا أنه يأخذ حصى جمرة العقبة من المزدلفة، وأما حصى أيام التشريق فمن منى، لكن يكره من الحش؛ لنجاسته، ومن المسجد؛ لأنه فرشه، ومما رمي به؛ لأنه غير مقبول.
١٣٨ - باب يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
١٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
وعن الأَعْمَشُ (١): سَمِعْتُ الَحجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الِمنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنة كَانَ مَعَ ابن مَسْعُودٍ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةِ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ها هنا -وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ- قَامَ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
حديث ابن عمر يأتي مسندًا بعد (٢)، وحديث ابن مسعود تكرر (٣)، وفي مسلم: «ألفوا القرآن كما ألفه جبريل السورة التي يذكر فيها» الحديث (٤)، ومراده النظم لا توالي السور. فإن جماعة من المحققين خالفوا فيه وقالوا: هو اجتهاد من الأئمة وليس بتوقيف.
-----------
(١) فوقها في الأصل: (مسند متصل).
(٢) برقمي (١٧٥١ - ١٧٥٢).
(٣) سلف برقم (١٧٤٧) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٤) مسلم (١٢٩٦) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.
وفقهه: سنة التكبير مع كل حصاة اقتداء بالشارع، وعمل به الأئمة بعده، روي ذَلِكَ عن ابن مسعود، وابن عمر (١)، وهو قول مالك، والشافعي (٢)، وكان علي يقول كلما رمى حصاة: اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واجعل الآخرة خيرًا لي من الأولى (٣).
وكان ابن مسعود، وابن عمر يقولان عند ذَلِكَ: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكور (٤).
وأجمعوا أنه إن لم يكبر فلا شيء عليه، فإن سبح قال ابن القاسم: لا شيء عليه (٥).
ومعنى: (استبطن الوادي): وقف في وسطه، وهو الموضع المنحدر من العقبة، والموضع المرتفع الذي يقابلها.
ومعنى (اعترضها): أتاها من عرضها، نبه عليه الداودي.
----------
(١) سيأتيا برقمي (١٧٥١، ١٧٥٢).
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٣٢٤، «البيان» ٤/ ٣٣٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١٨ - ٣١٩ (١٤٧٠١) كتاب: المناسك، من كان يأمر بتعليم المناسك، مطولًا، لكنه عن ابن عمر.
(٤) رواه عن ابن مسعود: أحمد ١/ ٤٢٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٣)، ٦/ ٨٤ - ٨٥ (٢٩٦٤١) كتاب: الدعاء، ما يدعو به إذ رمى الجمرة، وأبو يعلى ٩/ ١١٥ (٥١٨٥)، والبيهقي ٥/ ١٢٩ كتاب: الحج، باب: رمي الجمرة من بطن الوادي وكيفية الوقوف للرمي. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
والحديث أصله سلف (١٧٤٧ - ١٧٥٠)، ورواه مسلم (١٢٩٦) دون ذكر الدعاء.
ورواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٤)، ٦/ ٨٥ (٢٩٦٤٢)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١٢٠٩ (٨٨١)، والبيهقي ٥/ ١٢٩. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢١٣. وانظر: قول ابن القاسم في «المنتقى» ٣/ ٤٦.
١٣٩ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَلَمْ يَقِفْ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
هذا الحديث يأتي بعد مسندًا (١)، وهذِه الجمرة هي الثالثة التي تلي مسجد الخيف والوسطى، فإنه يقف عندها، كما سيأتي على الأثر.
-----------
(١) في الباب التالي برقم (١٧٥١).
١٤٠ - باب إِذَا رَمَى الجَمْرَتَيْنِ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَيُسْهِلُ
١٧٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. [١٧٥٢، ١٧٥٣ - فتح: ٣/ ٥٨٢]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الَجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يقعد ثم يُسْهِلَ فَيَقومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث من أفراده وقد ذكره هنا، وفي البابين بعده (١)، وطلحة (٢) هذا وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد وغيره: مقارب الحديث (٣)،
-----------
(١) (١٧٥٢ - ١٧٥٣).
(٢) في هامش الأصل: وهو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الزرقي.
(٣) هو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الأنصاري المدني.
قال أبو داود: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شيخ ضعيف جدًّا، ومنهم من لا يكتب حديثه لضعفه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال الحافظ في «التقريب» (٣٠٣٧): صدوق يهم. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٢٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٠ (٣١٠٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٤٤ (٢٩٨٥).
وليس لطلحة في كتابه غيره كما قاله ابن طاهر، وقد اختلف فيه على يونس، كما ذكره البخاري بعد، واعتمد على رواية طلحة بن يحيى، ولأجل هذا الاختلاف لم يخرجه مسلم، وقد أخرج لطلحة هذا في «صحيحه» حديثين عن يونس بن يزيد (١).
وقد أسلفنا أنه يرمي أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث: الأولى التي تلي مسجد الخيف وهي الدنيا، والوسطى عند العقبة الأولى بقرب مسجد منى أيضًا، يقف عندها طويلًا، وجمرة العقبة، ولا يقف عندها كما سلف.
وروى الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر يشبر ظله ثلاثة أشبار ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف (٢). وقال عطاء: كان ابن عمر يقف عندها بمقدار ما يقرأ سورة البقرة (٣).
قال ابن المنذر: ولعله قد وقف مرتين كما قال أبو مجلز، وكما قال عطاء، ولا يكون اختلافًا، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المائتين (٤) ولا توقيف في ذَلِكَ عند العلماء إلا الثوري؛ فإنه استحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا.
---------
(١) الحديث الأول رواه مسلم برقم (٢٠٩٤/ ٦٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في خاتم الورق فصه حبشي. والثاني رواه برقم (٢٣٤٩/ ١١٥) كتاب: الفضائل.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٢٦٧٥) من طريق سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، به.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٢ (١٤٣٤٠ - ١٤٣٤١)، والأزرقي ٢/ ١٧٩، والفاكهي ٤/ ٣٠٢ (٢٦٧٦).
(٤) رواه الفاكهي ٤/ ٣٠٠ (٢٦٧٠).
وقوله: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ) هو بضم الياء، يُقال: أسهل: إذا نزل من السهل من بطن الوادي بعد أن يكون في الجبل.
وقوله: (فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو) اختلف في مقدار ما يقف عند الجمرة الأولى، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر: كان يقف قدر سورة البقرة عند الجمرتين (١)، كما أسلفناه عنه، قال ابن القاسم وسالم: إذا قرأها الرجل السريع، وهو مفسر لما في البخاري من الطول.
وقوله: (وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ) سيأتي في بابه.
-----------
(١) تقدم قريبًا.
١٤١ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيَا وَالوُسْطَى
١٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ الوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذَاتَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله بطوله (١)، وأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله: حَدَّثَني أخي، عن سليمان، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر: كان يرمي الجمرة الدنيا، إلى آخره.
فيه: أن السنة أن يرفع يديه في الدعاء عند الجمرتين؛ لأنها من مواضع الدعاء، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا أنكر ذَلِكَ عن مالك، قال ابن القاسم: حكي عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هنالك (٢)، قال ابن المنذر: واتباع السنة أفضل، وقيل: يرفع، حكاه ابن التين، وابن الحاجب (٣).
-----------
(١) سلف برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمي الجمرتين.
(٢) «المدونة» ١/ ٧١.
(٣) «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٦.
١٤٢ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ
١٧٥٣ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعو، وَكَانَ يُطِيل الوُقوفَ، ثُمَّ يَأتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّث بمِثْلِ هذا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابن عُمَرَ (يَفْعَلُهُ) (١).
------------
(١) ورد بهامش الأصل: في هذا الحديث فائدة:
وهي ما إذا قدم الراوي الحديث على السند أيقدم بعض الإسناد مع المتن على بقية السند، كما وقع هنا؟ هذا إسناد متصل لا يمنع الحكم باتصاله، ولا يمنع ذلك من روى كذلك أعني […] من شيخه كذلك أن يبتدئ بالإسناد جميعه أولًا ثم يذكر المتن، كما جوزه بعض المتقدمين، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون فيه خلاف، نحو الخلاف في تقدم بعض المتن على بعض، وقد حكى الخطيب النفي من جرى على القول بأن الرواية بالمعنى لا تجوز، والجواز على القول بأن =
هذا الحديث سلف قريبًا بفقهه (١)، وقد أسلفنا الخلاف عن مالك في رفع اليدين، وضعفه مالك في جميع المشاعر والاستسقاء، وقد رُئي رافعًا يديه في الاستسقاء وقد جعل بطونهما إلى الأرض وقال:
إن كان الرفع فهكذا (٢)، والدعاء عند الجمرتين من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وهي خمسة عشر موضعًا يستجاب فيها الدعاء، ذكرها الحسن البصري في رسالته.
ومحمد شيخ البخاري اختلف فيه، فقال ابن السكن: ابن بشار وروى البخاري في الأطعمة، عن محمد بن مثنى، عن عثمان بن عمر.
وذكر أبو نصر أن البخاري حدث في «جامعه» عن محمد بن مثنى، وابن بشار، عن عثمان، وروى أيضًا عن محمد بن عبد الله هو الذهلي (٣)، عن عثمان (٤). ورواه الإسماعيلي عن محمد بن مثنى،
والبيهقي عن محمد بن إسحاق الصغاني، ثَنَا عثمان (٥).
-----------
= الرواية على المعنى تجوز، ولا فرق بينهما في ذلك، ففيما فعله البخاري دليل على الجواز.
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمى الجمرتين.
(٢) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ٧١، وقد وردت هيئة الرفع هذِه في حديث رواه مسلم (٨٩٦) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - استسقى؛ فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نسبه لجده، وهو: محمد بن يحيى بن عبد الله.
(٤) سيأتي برقم (٦٧٢٢) وانظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٣٢ - ١٠٣٣.
(٥) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٨ (٩٦٦٢) كتاب: الحج، باب: الرجوع إلى منى أيام التشريق.
١٤٣ - باب الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ وَالحَلْقِ قَبْلَ الإِفَاضَةِ
١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ. وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا. [انظر: ١٥٣٩ - مسلم: ١١٨٩ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، -وكان أفضل أهل زمانه- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُول: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ، وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا.
هذا الحديث سلف في باب: الطيب عند الإحرام (١)، والقاسم هذا هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أحد الفقهاء السبعة، قال عمر بن عبد العزيز: لو لم يجعل سليمان الأمر إلى يزيد بعدي لندبتها في عنق القاسم بن محمد (٢)، يعني: الخلافة.
وقوله: (وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ) في كل منهما، وفي الأطراف أن كلًّا من علي بن المديني وعبد الرحمن بن القاسم يقول ذَلِكَ.
وقولها: (ولحله حين أحل) حمله مالك على ما بعد رمي جمرة العقبة، ورآه من خواصه؛ لأنه كان يخاطب الملك، وحمله غيره على طيب لا رائحة له، ومنهم من ادعى نسخه، وكله بعيد، وقد أسلفنا
------
(١) سلف برقم (١٥٣٩).
(٢) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٤٧.
خلاف العلماء فيه هناك، وبوب عليه البخاري: والحلق قبل الإفاضة؛ وذلك لقولها: (ولحله حين أحل) والحل هو الحلق.
قال ابن المنذر: اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فروي عن ابن عباس، وابن الزبير، وعائشة أنه يحل له كل شيء إلا النساء (١)، وهو قول سالم، وطاوس، والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجوا بحديث عائشة في إباحة الطيب لمن رمى جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة، قالوا: سنة رسول الله - ﷺ - حجة على من خالفها.
قال ابن المنذر: وقولها: (وَلِحِلِّهِ) يدل على أنه حلال من كل شيء إلا النساء الذي دل على المنع منه الخبر والإجماع.
وروى عمر وابنه أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب (٢). وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، وفي «المدونة»: أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حَتَّى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه، فعلى هذا القول الصحيح من مذهب مالك أنه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، واحتج لمالك في تحريم الصيد على من لم يفض بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس له إذا أُحِلَّ
--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠٢، ١٣٨٠٤ - ١٣٨٠٥، ١٣٨١٣) كتاب: الحج، في الرجل إذا رمى الجمرة ما يحل له، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ (٢٦٥٠) كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٢) رواه عن عمر: البيهقي ٥/ ١٣٥.
ورواه عن ابنه: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠ - ١٣٨٩)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٦).
له الحلق أن يخرج عن كونه محرمًا؛ لأن الحلق والطيب واللباس قد أبيح على وجه، ولم يخرج بذلك عن كونه محرمًا؛ لذلك يحل له بعد الرمي أشياء، ويبقى عليه تحريم أشياء وهو محرم، وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] يقتضي الحال التام، وأن لا يبقى شيء من الإحرام بعد الإحلال المطلق، ومن بقيت عليه الإفاضة فلم يحل الإحلال التام، ومثله قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فلو وضعت واحدًا وبقي آخر لم يكن قد وضعت الوضع التام؛ لأن الرجهة قبل وضعها الثاني تصح.
واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة مرفوعًا: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» (١) فيه الحجاج بن أرطأة (٢)، وبحديث الحسن العرني، عن ابن عباس -ولم
--------
(١) رواه أحمد ٦/ ١٤٣، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٢/ ٤٣١ (٩٩٥)، والحارث بن أبي اسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٣٧٧)، وابن خزيمة ٤/ ٣٠٢ (٢٩٣٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨، والدارقطني ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٥/ ١٣٦ من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعًا به.
(٢) ورواه إسحاق ٢/ ٤٣٢ (٩٩٧)، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ من طريق الحجاج، عن أبي بكر بن عبد الله بن ابي الجهم عن عمرة عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «إذا رمى وحلق وذبح فقد حل له كل شيء إلا النساء». قال البيهقي: ورواه محمد بن أبي بكر عن يزيد بن هارون فزاد فيه: «وذبحتم فقد حل لكم ..» الحديث.
وهذا من تخليطات الحجاج وإنما الحديث الحديث عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا كما رواه سائر الناس عن عائشة رضي الله عنهما، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٦٠: مداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس. اهـ.
وقال الألباني في «الإرواء» (١٠٤٦): ضعيف بزيادة: «وحلقتم»، وانظر: «الضعيفة» (١٠١٣). =
يسمع منه (١) قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال له رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضمح رأسه بالمسك، أفطيب هو (٢)؟!
وروى أفلح بن حميد، عن أبي بكر بن حزم قال: دعانا سليمان بن عبد الملك يوم النحر، أرسل إلى عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب
---------
= والحديث رواه أيضًا أبو داود (١٩٧٨) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار. من طريق الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعًا: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء».
قال أبو داود: هذا حديث ضعيف؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه اهـ، وقال المنذري: الحجاج هذا قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه، وذكر عباد بن العوام وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: أن الحجاج لم يسمع من الزهري شيئًا، وذكر عن الحجاج نفسه أنه لم يسمع شيئًا. اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤١٨.
(١) في هامش الأصل: كذا قاله أحد بن حنبل، نقله عنه العلائي في «المراسيل».
(٢) رواه النسائي ٥/ ٢٧٧، وابن ماجه (٣٠٤١) كتاب: المناسك، باب: ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، وأحمد ١/ ٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩، والطحاوي ٢/ ٢٢٩، والطبراني ١٢/ ١٤٠ (١٢٧٠٥)، من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس به.
والحديث منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس كما ذكر المصنف.
وقال في «البدر المنير» ٦/ ٢٦٥: إسناده حسن كما قاله المنذر وغيره، إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، نعم في «مسند أحمد» قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع .. وذكر الحديث بطوله، وظاهر هذا سماعه من اهـ بتصرف.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٩).
انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ كتاب: المناسك الحج، باب: اللباس والطيب.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|