عرض مشاركة واحدة
  #331  
قديم يوم أمس, 02:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,897
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 571 الى صـــ 590
الحلقة (331)






الهروي (١). وقال ابن فارس: هو سير سهل سريع يقال: إنها لحسنة الوضع (٢).
قَالَ الخطابي: الإيضاع: سير حثيث (٣). زاد الهروي: ويقال هو سير مثل الخبب (٤). وإنما نهاهم عن الإيضاع والجري إبقاء عليهم، ولئلا يجحفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بعد المسافة؛ لأنها كانت تبهرهم فيفشلوا وتذهب ريحهم، وقد نهينا عن البلوغ إلى مثل هذِه الحال، فكان في معنى قوله قبله: («عليكم بالسكينة») إلا في بطن وادي مُحِسَر فقد كان ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير يوضعون في وادي محسر (٥)، وتبعهم عَلَى ذَلِكَ كثير من العلماء.
وقال النخعي: لما رأى عمر سرعة الناس في الإفاضة من عرفة وبجمع قَالَ: والله لأعلم إنّي أن البر ليس برفعها أذرعها، ولكن البر شيء تصبر عليه القلوب. وقال عكرمة: سأل رجل ابن عباس عن الإيجاف فقال: إن (حَلْ حَلْ) (٦) تشغل عن ذكر الله وتوطئ وتؤذي.
قَالَ ابن المنذر: وحديث أسامة يدل عَلَى أن أمره بالسكينة إنما كان في الوقت الذي لم يجد فجوة، وأنه حين وجدها سار سيرًا فوق ذَلِكَ،
(١) «غريب الحديث» ١/ ٤٦٠.
(٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٩٢٨.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٩.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٤٦٠.
(٥) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٤١١ - ٤١٢ (١٥٦٣٦ - ١٥٦٣٨ - ١٥٦٤٠) كتاب: الحج، في الإيضاع في وادى محسر.
(٦) هي كلمة تقال للناقة، قال ابن سيده في «المحكم» ٢/ ٣٧٢: حلحل بالإبل: قال: حل حل. وقال الجوهري في «الصحاح» ٤/ ١٦٧٥: حَلْحَلْتُ بالناقة، إذا قلت لها: حَبْ بالتسكين، وهو زجر للناقة، وانظر: «لسان العرب» ٢/ ٩٧٩.



وإنما أراد بها في وقت الزحام، وقد أسلفنا ذَلِكَ فيما مضى.
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته في يوم عرفة: إنكم شخصتم من القريب والبعيد وتكلفتم من المؤنة ما شاء الله، وليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له (١).

-------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥١ (١٤٠٢٨).


٩٥ - باب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥٢٣]
ذكر فيه حديث أسامة: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ .. الحديث، وسلف قريبًا، وهنا أتم.
وقوله: (دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) يريد: بعد الغروب، كما جاء مبينًا في حديث آخر.
قَالَ ابن حبيب: إذا دفع الإمام من عرفة، فارفع يديك بالدعاء، وادفع بالسكينة، فإن كنت راجلًا فامشِ الهوينا (١)، وإن كنت راكبًا فافعل السنة كما سلف، ويستحب أن يأخذ في طريق المازمين، فإن خالف فلا شيء عليه؛ لأنه ليس فيه إخلال بنسك يجبر.
وقوله: (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) يريد أنه بدأ بها ولم يؤخرها؛ لأنه وصل موضعه، وقد سئل مالك فيمن أتاها: أيبدأ بالصلاة أو بحط رحله؟ فقال: إن كان خفيفًا فلا بأس به، دون المحامل والزوامل فلا أراه قبلها، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط. وقال أشهب: له حط رحله قبلها، وحطه بعد المغرب أحبُّ ما لم يضطر

---------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٤.


إلى دابته لما بدابته من الثقل أو لغيره من العدو (١).
وقوله: (فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أقِيمتِ الصَّلَاةُ). يريد تعجيل المغرب أولًا، فلما صلاها اتسع الوقت للعشاء فأناخ، وقد صلى ابن مسعود بعدها ركعتين ثم تعشى ثم أذن،
كما سيأتي قريبًا.
وقوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) يريد: لم يتنفل، وهو خلاف ما فعله ابن مسعود. وقال أشهب: لا يتعشَّى قبل أن يصلي المغرب، وإن خفف، وليصل المغرب ثم يتعشَّى قبل أن يُصلي، فإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن كان فيه طولٌ أخَّره حَتَّى يُصلي العشاء فيما أحب (٢)، ويحتمل هذا أن يكون الجمع هنا ليس مقصودًا في نفسه، وإنما المقصود تأخير المغرب إلى مغيب الشفق، ويحتمل أن يكون هذا العمل اليسير
ليس بفاصل، ولا مانع من حكم الجمع وتقدم التنفل.
قَالَ ابن الجلاب: وعندنا: لا يضر الفصل في جمع التأخير وإن طال.
وفيه: أن السنة من أيام الحاج الجمع بمزدلفة وهو إجماع، وقد أسلفنا في باب: النزول بين عرفة وجمع، اختلاف العلماء فيما إذا صلى قبل أن يأتي المؤدلفة، وفيها قول ثالث: أنه يجزئ إمامًا كان أو غيره، روي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس وابن الزبير وعطاء وعروة والقاسم، وبه قَالَ الأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).

----------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٨.
(٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٨.
(٣) «البيان» ٤/ ٣٢٣، «المغني» ٥/ ٢٨١.



وحجة من أجاز ذَلِكَ أنه - ﷺ - جعل وقت هاتين الصلاتين من حين تغيب الشمس إلى آخر وقت العشاء، وجعل له أن يجمع تقديمًا وتأخيرًا، وأوقات الصلاة إنما هي محدودة بالساعات والزمان، فمن صلاها بعد الغروب بعرفة أو دون المزدلفة فقد أصاب الوقت، وإن ترك الاختيار لنفسه في الموضع، والصلاة لا تبطل بالخطأ في الموضع إذا لم يكن نجسًا، ألا ترى أن من صلاها بعد خروج وقتها بالمزدلفة، فمن لم يصل إلى المزدلفة إلا بعد طلوع الفجر أنه قد فاته وقتها، فلا اعتبار بالمكان.
ويشبه هذا المعنى قوله - ﷺ -: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» (١). فأدرك وقت الصلاة القوم في بعض الطريق، فمنهم من صلى، ومنهم من أخَّر إلى بني قريظة، فلم يعنف أحدًا منهم.
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: لا يختلفون في الصلاتين اللتين تصليان بعرفة أنهما لو صليتا دونهما كل واحدة منهما في وقتها في سائر الأيام كانتا مجزئتين. فالصلاة بمزدلفة أحرى أن تكونا كذلك؛ لأن أمر عرفة لما كان آكد من أمر مزدلفة كان ما يفعل في عرفة آكد مما يفعل في مزدلفة، فثبت ما قَالَ أبو يوسف وانتفي ما قاله الآخرون (٢).
فائدة:
سميت المزدلفة لاقترابهم إلى منى، والازدلاف: التقرب، ومنه ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠] أو لاجتماع الناس بها،

----------
(١) سلف برقم (٩٤٦) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب، راكبًا وإيماءً.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٤.



والاجتماع: الازدلاف، ومنه ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم أو قربناهم من الهلاك (١)، قولان.
وقال ثعلب: لأنها منزلة وقربة من الله تعالى، ومنه: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ زُلفَةً﴾ [الملك: ٢٧] أي: رأوا العذاب قربة.
وقال الطبري: لازدلاف آدم إلى حواء (٢)، وكان كل واحد منهما لما أهبط إلى الأرض أهبط إلى مكان غير مكان صاحبه، فازدلف كل منهما إلى الآخر فتلاقيا بالمزدلفة.
وقيل: للنزول بها في زلفة من الليل. وقال الكلبي: لدفع الناس منها زلفة جميعًا يزدلفون منها إلى موضع آخر.
وقال الخطابي: اللام بعد الدال مكسورة، قَالَ: وآخرها مُحسر،
وأول منى بطن محسر الذي يستحب الإسراع فيه؛ لأنه كان موقف النصارى.

--------
(١) انظر: «مجمل اللغة» ٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠، «لسان العرب» ٣/ ١٨٥٣ - ١٨٥٤، «معجم البلدان» ٥/ ١٢٠ - ١٢١.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ٧/ ١٢٦.



٩٦ - باب مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٣/ ٥٢٣]

١٦٧٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ. [٤٤١٤ - مسلم: ١٢٨٧ - فتح: ٣/ ٥٢٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر: جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وحديث أبي أيوب الأنصاري: أَنَّ النبي - ﷺ - جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ.
وأخرجهما مسلم (١)، زاد البخاري في المغازي في الثاني: جميعًا (٢)، وقد سلف حكمه فيما مضى.

----------
(١) مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وسيأتي فيه كذلك بعد حديث (١٢٨٧) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جمعًا بالمزدلفة في هذِه الليلة، أما الحديث الثاني حديث أبي أيوب الأنصاري، فرواه مسلم برقم (١٢٨٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٤١٤) باب: حجة الوداع.



٩٧ - باب مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
١٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللهِ - رضي الله عنه -، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى- فَأَذَّنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، فِي هَذَا المَكَانِ، مِنْ هَذَا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. [١٦٨٢، ١٦٨٣ - مسلم: ١٢٨٩ - فتح: ٣/ ٥٢٤]
ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن يزيد: حَجَّ عَبْدُ اللهِ، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرى- فَأَذنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يُصَلَّي هذِه السَّاعَةَ إِلَّا هذِه الصَّلاةَ، فِي هذا المَكَانِ مِنْ هذا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: ورَأَيْتُ النَبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
الشرح:
روى مالك عن ابن شهاب حديث ابن عمر أول الباب قبله، ولم يذكر فيه أنه أقام لكل صلاة، وزاد الإقامة فيه عن ابن شهاب ابن أبي ذئب هنا والليث وهما ثقتان حافظان، وزيادة الثقة مقبولة.


وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن خالد شيخ البخاري، وكذا ذكره البيهقي، وإنما لم يتطوع بينهما لأجل التخفيف.
وقال ابن بطال: إنما لم يتطوع -والله أعلم-؛ لأنه لم يكن بينهما أذان، ففرغ من المغرب ثم قام إلى العشاء، ولم يكن بينهما مهلة في الوقت يمكن فيها التنفل.
وأما من روى أنه يؤذن لكل صلاة؛ لأنه لا يمنع التنفل لمن أراد، وقد فعل ذَلِكَ ابن مسعود كما سلف، وإن كان قد رُوِي عن مالك أنه لا يتنفل بينهما، وكل ذَلِكَ واسع لا حرج فيه.
قَالَ الطبري: ولأنهما صلاتان تصليان لأوقاتهما، ولم يفت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر، ففيه حجة للشافعي أن صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة إقامة وكذلك في حديث أسامة السالف، (١) كما سلف.
وقد اختلف العلماء في الأذان والإقامة لهما، فروى ابن القاسم، عن مالك: أنه يؤذن ويقيم لكل منهما (٢) عَلَى ظاهر حديث ابن مسعود. وقد روى مالك عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ذَلِكَ (٣).
وذهب أحمد وأبو ثور وابن الماجشون إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد (وإقامة واحدة، خلاف قولهم في الجمع بعرفة) (٤). وذهبت طائفة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها. واحتج الطحاوي بحديث حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن النبي - ﷺ - جمع بينهما بأذان واحد (وإقامتين) (٥).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٥٤.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٢.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٥٥.
(٤) انظر: «المغني» ٥/ ٢٧٨ - ٢٨٠.
(٥) من (ج).



قَالَ: وأجمعوا أن الأولى من الصلاتين بعرفة يؤذن لها ويقام، فالنظر عَلَى ذَلِكَ أن تكون المزدلفة كذلك. وأخذ الطحاوي بحديث أهل المدينة (١). واحتج لأبي حنيفة بما رواه شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه - ﷺ - أذن للمغرب بجمع وأقام، ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى (٢).
وحجتنا حديث ابن شهاب السالف، ولم يذكره مالك في حديثه كما سلف، وهذِه الرواية أصح عن ابن عمر مما خالفها.
وحديث ابن عباس عن أسامة أنه - ﷺ - عدل إلى الشعب فتوضأ، وفي آخره: أقام لكل واحدة منهما.
واحتج الثوري بما رواه عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه - ﷺ - جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة (٣).
وكان أحمد بن حنبل يحجب من مالك إذ أخذ بحديث ابن مسعود ولم يروه، وهو من رواية أهل الكوفة وترك ما روى أهل المدينة في ذَلِكَ من غير ما طريق، وكذلك أخذ أهل الكوفة بما رواه أهل المدينة في ذَلِكَ وتركوا روايتهم عن ابن مسعود.
وقال ابن حزم: حديث ابن عمر وأبي أيوب ليس فيهما ذكر أذان ولا إقامة (٤).

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٢.
(٣) رواه مسلم (١٢٨٨) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، والنسائي ١/ ٢٣٩ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المغرب.
(٤) انظر: «حجة الوداع» ص ٢٨٥، ٢٩٣ - ٢٩٤.



قلتُ: (بلى) (١) في حديث ابن عمر الإقامة كما سلف. قَالَ: وكذا رواية طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر من فعله (٢).
وفي حديث الزهري عن سالم عنه أنه - ﷺ - بجمع بإقامة واحدة (٣)، وكذا رواه ابن عباس مرفوعًا من عند مسلم (٤).
قَالَ: وإلى هذا ذهب محمد بن داود وسفيان وأحمد.
وفيه أيضًا من حديث أسامة: إقامة للمغرب وإقامة للعشاء، وفعله عمر، وذهب الشافعي في رواية أهل مصر، وقال به أحمد وسفيان. وعند مسلم من حديث ابن عمر: أذَّن وأقام وصلَّى المغرب، ثم التفت إلينا، فصلى بنا العشاء ركعتين (٥). ورويناه عن عمر، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
فهذِه الأحاديث التي رويت مسندة، وأشد الاضطراب في ذَلِكَ عن ابن عمر، فإنه رُوِي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا: بإقامة واحدة. وروي عنه: بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا: الجمع بإقامتين وبأذان واحد وإقامة واحدة. قَالَ: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن رسول الله - ﷺ -، وهو ما رويناه عن ابن مسعود. -أي: وهو ما في البخاري كما سلف-: كل واحدة منهما بأذان وإقامة.

------
(١) في (ج): (بل).
(٢) «حجة الوداع» ص ٢٨٥ - ٢٨٦ (٢٨٤ - ٢٨٦).
(٣) سبق برقم (١٠٩١) أبواب تقصير الصلاة، باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، ررواه مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(٤) مسلم (١٢٨٦) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة.
(٥) مسلم (١٢٨٨) الموضع السابق.



قَالَ أبو الحسن: فذكرتُ ذَلِكَ لمحمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قَالَ: وروي أيضًا عن عمر من فعله، وروي عن علي مرسلًا (١)، وبه يأخذ مالك، والعجب منه كيف أخذ بهذا وهو من رواية الكوفيين وترك ما روى أهل المدينة الذي اعتمده الكوفيون؟!
وقال ابن التين: ذكر في حديث ابن عمر الجمع بإقامتين، وهو قول ابن الجلاب، والذي في «المدونة» أنه يؤذن ويقيم لكل صلاة مثل فعل ابن مسعود (٢). وقيل: بأذان للأولى وإقامة للثانية فقط. وفي فعل ابن مسعود من الفقه جواز التنفل بين هاتين الصلاتين كما سلف، وإنما تعشَّى بينهما عَلَى سبيل السعة فيه، لا عَلَى أن يدخل بين المغرب والعشاء عملًا أو شغلًا. وقد قَالَ أصبغ: إذا صلى أهل المسجد المغرب فوقع مطر شديد وهم يتنفلون فأرادوا أن يعجلوا العشاء فلا بأس بذلك.
وقوله: (هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا) أي: عن الوقت المستحب المعتاد إلى ما قبل الوقت، إلا أن تحويلهما قبل دخول وقتهما المحدود في كتاب الله تعالى، وقاله الداودي أيضًا.
وقوله: (يَبْزُغُ) -هو بياء مثناة تحت ثم باء موحدة، ثم زاي، ثم غين معجمة- أي: يطلع.

-----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٣ (١٤٠٤٦) كتاب: الحج، من كان يجمع بين الصلاتين بجمع، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٢٩٠ (٢٩٧) قال: حدثنا حمام، حدثنا الباجي، حدثنا أحمد بن خالد عن الكشوري عن الحذافي، حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا بعض أصحابنا حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر .. الحديث، وسنده ضعيف؛ لأن شيخ عبد الرزاق مبهم.
(٢) «المدونة» ١/ ٣٢٠.



٩٨ - باب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ، فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ إِذَا غَابَ القَمَرُ
١٦٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [مسلم: ١٢٩٥ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ جَمعٍ بِلَيْلٍ. [١٦٧٨، ١٨٥٦ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. [انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ -مَوْلَى أَسْمَاءَ- عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا يَا: هَنْتَاهْ، مَا أُرَانَا إِلاَّ قَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: يَا بُنَىَّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ. [مسلم: ١٢٩١ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابْنُ القَاسِمِ-، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَيْلَةَ جَمْعٍ -وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً- فَأَذِنَ لَهَا. [١٦٨١ - مسلم: ١٢٩٠ - فتح: ٣/ ٥٢٦]


١٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، -وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً-، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ. [انظر: ١٦٨٠ - مسلم: ١٢٩٠ - فتح: ٣/ ٥٢٧]
ذكر فيه خمسة أحاديث:
أحدها: عن ابن عمر أنه كان يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
ثانيها: حديث ابن عباس (١) قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وفي رواية: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رسول الله - ﷺ - ليْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
ثالثها: حديث أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ، مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ.

------------
(١) في هامش الأصل: حديث ابن عباس أي في باب الضعفان.


رابعها: حديث عائشة: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَيْلَةَ جَمْعٍ -وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبِطَةً- فَأَذِنَ لَهَا.
الخامس: حديثها أيضًا: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ -وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً- فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، فَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث كلها أخرجها مسلم بزيادة أم حبيبة (١). وحديث أسماء أخرجه البخاري من حديث ابن جريج: حَدَّثَني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء.
وأخرجه أبو داود، عن محمد بن خلاد، عن يحيى، عن ابن جريج،
أخبرني عطاء، أخْبرَنِي مخبر، عن أسماء أنها رمتْ الجمرة، قلتُ: إنا رمينا الجمرة بليل، فقالتْ: إنا كنا نصنع هذا عَلَى عهد رسول الله - ﷺ - (٢).
وأخرجه النسائي من حديث مالك، عن يحيى، عن عطاء أن مولى لأسماء بنت أبي بكر أخبره، فذكره (٣).

-----------
(١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم (١٢٩٥) كتاب: الحج، باب: استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء ..
وحديثا ابن عباس رواهما مسلم (١٢٩٣ - ١٢٩٤).
وحديث أسماء رواه مسلم (١٢٩١).
وحديثا عائشة رواهما مسلم (١٢٩٠).
وحديث أم حبيبة رواه مسلم (١٢٩٢).
(٢) أبو داود (١٩٤٣) كتاب: المناسك، باب: التعجيل.
(٣) النسائي ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧ كتاب: المناسك، باب: الرخصة للضعفة أن يصلوا يوم النحر الصبح بمنى.



وجعل الطرقي هذا وحديث البخاري واحدًا.
وقال الداني في «أطراف الموطأ»: قَالَ يحيى بن يحيى في سنده: عن مولاة بهاءٍ، عَلَى التأنيث، وعند ابن بكير وغيره: مولى، وهو الصحيح (١).
و(المشعر) بفتح الميم، وفي لغة كسرها، ونقل ابن التين، عن الكسائي أن عليها أكثر العرب، وادَّعى القتبي أنه لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أنها قراءة.
وقال صاحب «المطالع»: بكسر الميم لغة لا رواية، وحكى ابن التياني في «الموعب» عن قطرب لغة ثالثة بفتح الميم وكسر العين.
و(الحرام) (٢) معناه: المحرم لا من الحل، وقيل: ذو الحرمة، وسُمي مشعرًا لما فيه من الشعار، وهي معالم الدين، وحده ما بين مأزمي عرفة، وقرن محسر يمينًا وشمالًا. و(ثَبِطة) -بفتح الثاء المثلثة ثم باء موحدة مكسورة- بطيئة، قَالَ صاحب «المطالع»: كذا ضبطناه، وضبطه الجياني، عن ابن سراج بالكسر والإسكان. وقال الخطابي أيضًا: الثبطة: البطيئة، وقد تثبط الرجل عن أمره، ومنه قوله تعالى:
﴿فَثَبَّطَهُم﴾ (٣) [التوبة: ٤٦].
والظُّعن -بضم الظاء المعجمة ثم عين مهملة- جمع ظعينة، وهن النساء، وفي «المحكم»: هو جمع ظاعن، والظاعن اسم للجمع، والظعون من الإبل: الذي تركبه المرأة خاصة. والظعينة أيضًا: الجمل يظعن عليه. والظعينة: الهودج تكون فيه المرأة، وقيل: هو الهودج،

-----------
(١) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ» ٤/ ٢٤٢.
(٢) في الأصل: (الحرم) والمثبت من (ج).
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٩٠.



كانت فيه امرأة أو لم تكن. والظعينة: المرأة في الهودج سميت به عَلَى حد تسمية الشيء باسم ما يجاوره، وقيل: لأنها تظعن مع زوجها، ولا تسمى ظعينة إلا وهي في هودج، وقيل الظعن: الجماعة من النساء والرجال (١).
أما فقه الباب: فيسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويبقى غيرهم حَتَّى يصلوا الصبح مغلِّسين اقتداء به.
والمعنى فيه: اتساع الوقت للدعاء، والتغليس هنا أشد استحبابًا من باقي الأيام. ولهذا قَالَ ابن مسعود فيما مضى: أنها حولت عن وقتها، أي: المعتاد، وينبغي أن يحرص عَلَى صلاة الصبح هناك. فقد صح فيه حديث عروة بن مضرس السالف (٢).
وقال ابن حزم: فرض عَلَى الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحج بمزدلفة، قَالَ: فمن لم يفعل ذَلِكَ فلا حج له (٣).
وانفرد أبو حنيفة حيث قَالَ: لا يجوز لغير الضعفة النفر قبل الفجر، قَالَ: فإن نفر لزمه دم، وسيأتي إيضاحه. والوقت المستحب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع شمس يوم النحر اقتداءً بالشارع.
واختلف العلماء هل يجوز رميها قبل ذَلِكَ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز رميها بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وإن رماها قبل الفجر أعاد، ونُقِل عن أكثر العلماء (٤).

--------
(١) «المحكم» ٢/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) «المحلى» ٧/ ١١٨، «حجة الوداع» ص ٤٤٧.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٥٤، «عيون المجالس» ٢/ ٨٤٧ - ٨٤٨، «المغني» ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥.



ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر، رُوِي ذَلِكَ عن عطاء وطاوس والشعبي، وبه قَالَ الشافعي: بعد نصف الليل (١). وحكي عنه مثل الأول، حكاه عنه ابن التين.
وقال النخعي ومجاهد: لا يرميهما حَتَّى تطلع الشمس، وبه قَالَ الثوري وأبو ثور وإسحاق، وهو خلاف قول الأكثرين، منهم الأربعة.
فهذِه مذاهب ثلاثة: حجة الأول: حديث ابن عمر السالف أول الباب، وحجة الثاني: حديث أسماء في الباب لكن لم يذكر البخاري فيه الرمي قبل الفجر، ورواه غيره. و(غلَّس) محتملة للتأويل لا يقطع بها؛ لأنه يجوز أن يُسمى ما بعد الفجر غلسًا. واعترض ابن القصار فقال: لو صح: رمينا قبل الفجر لكان ظنًّا منه؛ لأنه لما رآها صلت الصبح في دارها ظن أن الرمي كان قبل الفجر (والرمي كان بعد الفجر) (٢)، فأخرت صلاة الصبح إلى دارها.
وقولها فيه: (هكذا كنا نفعل مع رسول الله - ﷺ -) إشارة إلى فعلها، وفعلها يجوز أن يكون بعد الفجر؛ لأنها لم تقل هي: رمينا قبله، ولا قالت: كنا نرمي معه قبله؛ لأنه لم يقل أحد عن رسول الله - ﷺ - أنه رمى قبله، وفيه ما لا يخفي.
واحتج الشافعي أيضًا بحديث أم سلمة: أن النبي - ﷺ - أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر (٣). وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى

------------
(١) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٤ - ١٤٥٨٥) كتاب: الحج، من رخص أن يرميها قبل طلوع الشمس، «البيان» ٤/ ٣٣١.
(٢) من الأصل.
(٣) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٣٥٧ (٩٢٤) كتاب: الحج، باب: من أجاز رميها بعد نصف الليل، وأورد هذا الحديث ابن القيم في «زاد معاد» ٢/ ٢٥٨ وقال: فيه =



ليلًا قبل الفجر؛ لأنه غير جائز أن يوافي أحد صلاة الصبح بمكة وقد رمى جمرة العقبة إلا وقد رماها ليلًا؛ لأن من أصبح بمنى وكان بها بعد طلوع الفجر فإنه لا يمكنه إدراك الصبح بمكة.
وقد ضعف أحمد حديث أم سلمة ودفعه، وقال: لا يصح، رواه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، ولم
يسنده غيره، وهو خطأ.
قَالَ وكيع: عن هشام، عن أبيه -مرسل- أنه - ﷺ - أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة. قَالَ أحمد: هذا أيضًا عجب، وما يصنع النبي - ﷺ - يوم النحر بمكة ينكر ذَلِكَ، قَالَ: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته، فقال: عن هشام، عن أبيه: أمرها أن توافي، وليس أن توافيه، قَالَ: وبين هذين. فرق، يوم النحر صلاة الصبح بالأبطح، وقال لي يحيى بن سعيد: سل عبد الرحمن بن مهدي، فسألته فقال: هكذا قَالَ سفيان- عن هشام، عن أبيه: توافي.
قَالَ أحمد: رحم الله يحيى ما أضبطه وأشد تفقده (١). واحتج الثوري بحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قدَّم أغيلمة بني عبد المطلب وضعفتهم، وقال: «يا بني لا ترموا الجمرة حَتَّى تطلع الشمس». رواه شعبة، عن

-----------
= سلمان بن أبي داود، قال أبو زرعة، عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف، ومما يدل على بطلانه ما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد، عن عائشة وذكر حديث سودة، وكذا ضعفه الحافظ فقال في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٥٨: قال البيهقي: هكذا رواه جماعة عن أبي معاوية وهو في آخر حديث الشافعي المرسل، وقد أنكره أحمد.
(١) انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٣٦٨، و«شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢١.



الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، به (١)، ورواه سفيان ومسعر، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن أبيه، عن ابن عباس: قدمنا من المزدلفة بليل، فقال - ﷺ -: «أبينية عبد المطلب لا ترجموا جمرة العقبة حَتَّى تطلع الشمس» (٢). وهذا إسناده وإن كان ظاهره الحسن، فإن حديث ابن عمر وأسماء يعارضانه، فلذلك لم يخرجه البخاري مع أنه قد روى مولى ابن عباس، عن ابن عباس قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ - مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر (٣). فخالف حديث مقسم عنه. وصوَّب الطبري القول الأول؛ لأن حينئذٍ يحل الحاج، وذلك أن بطلوع الفجر من تلك الليلة انقضى وقت الحج، وفي انقضائه انقضاء وقت التلبية ودخول الرمي، غير أنه لا ينبغي لمن كان محرمًا أن
--------------
(١) رواه من هذا الطريق الترمذي (٨٩٣) كتاب: الحج، باب: ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٧ كتاب: مناسك الحج، باب: وقت رمي جمرة العقبة، والطبراني ١١/ ٣٨٥ (١٢٠٧٣).
(٢) رواه أبو داود (١٩٤٠) كتاب: المناسك، باب: التعجيل من جمع، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٢٧٠ - ٢٧١، كتاب: مناسك الحج، النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣٧ (٤٠٧٠)، وأحمد ١/ ٢٣٤، وابن حبان ٩/ ١٨١ (٣٨٦٩) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة، والبيهقي ٥/ ١٣١ - ١٣٢ كتاب: الحج، باب: الوقت المختار لرمي جمرة العقبة، عن سفيان ومسعر عن سلمة … به، قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٢٨: هذِه الطرق يقوي بعضها بعضًا. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦٩٦).
(٣) رواه أحمد ١/ ٣٢٠، ٣٥٢، والطيالسي في «مسنده» ٤/ ٤٤٨ (٢٨٥٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٥ كتاب: مناسك الحج، باب: وقت رمي جمرة العقبة للضعفاء الذين يرخص لهم في ترك الوقوف بالمزدلفة، والطبراني ١١/ ٤٣٠ (١٢٢٢٠)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٨، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠، قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٥٨: فيه: شعبة مولى ابن عباس وثقه أحمد وغيره، وفيه كلام.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.43 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]