عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 12-02-2026, 11:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,593
الدولة : Egypt
افتراضي رد: وقفات ودروس من سورة آل عمران

وقفات ودروس من سورة آل عمران (10)




ميسون عبدالرحمن النحلاوي


وقفات في قلب السورة -7-

تتمة غزوة أحد


بسم الله الرحمن الرحيم
غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص.
تعزية الله سبحانه وتعالى لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم.
معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد.
تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين.
لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟

غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص:
كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحق به المنافقين ممن كان يُظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر، يوم تعرض فيه المسلمون لاختبار عميق الدلالة واضح البيان: المفاضلة بين زينة الحياة الدنيا وطاعة رسول الله، فكان درسًا يعقله المسلمون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

كانت الغنائم هي سبب هزيمة المسلمين في المعركة، والتي بسببها عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم، فالتف عليهم المشركون لتصبح كفة المعركة في صالح المشركين بعد أن كانت نصرًا للمسلمين، وتتالت الأحداث واشتد المشركون على المسلمين يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقال: ((من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟))، فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيدالله قتالًا مشهورًا حتى شلت يده بسهم أصابها، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله السهام ويقول: ((ارمِ فداك أبي وأمي))، وكان سعد من مشاهير الرماة، ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راميًا، فكان النبي يشرف على القتال فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يصبِك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، وكان إذا مر الرجل معه جعبة السهام يقول الرسول: ((انثرها لأبي طلحة))، وقد عبر الرسول عن إعجابه بقتاله فقال: ((لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة)).

ما كان في الغزوة من مصاب للنبي صلى الله عليه وسلم:
وكان مع المشركين يومئذٍ مائة فرس عليها خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس، وفيها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكُسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته بأفضل ما جزى به نبيًّا من أنبيائه على صبره، وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص، وقد قيل: إن عبدالله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته؛ قال الواقدي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يُصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك، وأكبَّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، ونشبت حلقتان من درع المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيته فسقطتا؛ فكان أهتمَ يزينه هتمه رضي الله عنه.

مقتل حمزة رضي الله عنه:
وفي هذه الغزاة قُتل حمزة رضي الله عنه، قتله وحشي، وكان وحشي مملوكًا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدًا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب، جعلنا لك مائة ناقة كلها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر، فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد، وأما عليٌّ فما برز إليه أحد إلا قتله، وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله، وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرت به قالت: إيهًا أبا دسمة اشفِ واستشفِ، فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته ومر بوحشي زرقه بالمزراق فأصابه فسقط ميتًا رحمه الله ورضي عنه؛ [تفسير القرطبي].

تعزية الله سبحانه وتسليته لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم:
مصير الكافرين الهلاك، ولو كانت لهم دولة من زمن، وهذه سنة الله في عباده:
ومع تلك الأحداث المؤلمة التي كان لها الوقع الصادم في نفوس المسلمين، أنزل الرحمن الرحيم آيات شافيات يعزيهم ويسليهم بها عن مصابهم؛ في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 137، 138].

في هذه الآية يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين الذين أُصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون فيقول لهم: إن ما حدث لكم قد جرى نحوه على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، ولهذا قال: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137].

يقول الطبري في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]: مضت وسلفت فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط، وغيرهم من أسلاف الأمم قبلكم، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، يقول: فسيروا - أيها الظانون، أن إدالتي مَن أدلتُ من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري – سيروا في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غب خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم؛ من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي.

ثم يتابع السياق في إشارة إلى تلك السنن فيقول تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138].

وقوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم؛ لأن قوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى حاضر: إما مرئي وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة؛ فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكموه، بيان للناس؛ [انتهى؛ تفسير الطبري].

وقال الشوكاني: المعنى: سيروا فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا، ثم انقرضوا فلم يبقَ من دنياهم التي آثروها أثر، هذا قول أكثر المفسرين، والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود، ﴿ بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: تبيين لهم، وتعريف الناس للعهد، وهم: المكذبون وغيرهم، وفيه حث على النظر في سوء عاقبة المكذبين وما انتهى إليه أمرهم، قوله: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: هذا النظر مع كونه بيانًا فيه هدى وموعظة للمتقين من المؤمنين؛ [انتهى].

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139]:
ثم تأتي التسلية والتعزية الإلهية في أسلوب يستنشط الهمم من جديد، في نهي عن الاستسلام لشعور العجز والفشل؛ يقول تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 139، 140].

في هذه الآيات يعزي رب العزة أصحاب أحد بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، ويحثهم على قتال عدوهم وينهاهم عن العجز والفشل فيقول لهم: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139] على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة، ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر إن كنتم مؤمنين بي حق الإيمان وبصدق وعدي.

﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]:
قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر، فأنزل الله هذه الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرًا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت، وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأنه قال لموسى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾ [طه: 68]، وقال لهذه الأمة: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]، وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ [تفسير القرطبي].

والأيام دول ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]:
﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]:
فإن يمسسكم يوم أحد قرح؛ أي جرح، فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140] قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون، وقيل: نداولها بين الناس من فرح وغمٍّ، وصحة وسقم، وغنى وفقر، والدولة الكرة.

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 140] معناه: وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، كما قال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 166، 167]، وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبًا قبل أن كلفهم؛ [تفسير القرطبي].

﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]:
﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]؛ أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم، وقيل: لهذا قيل شهيد، وقيل: سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة، وقيل: سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [التوبة: 111]؛ الآية، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 10، 11] إلى قوله: ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف: 12]، وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة))، وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)).

وما حدث نوع من التمحيص للمؤمنين وهلكة للكافرين:
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]:
﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 141]، وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان، من المنافق.

﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]؛ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، ومحقهم وفنائهم.

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي هل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد؛ كما قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، ولهذا قال ها هنا: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء.

معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد:
وبعد التسلية يأتي العتب: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143].

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ أي الشهادة من قبل أن تلقوه؛ أي من قبل القتل، وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتمنون يومًا يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيهًا إنها ريح الجنة إني لأجدها، ومضى حتى استشهد، قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعًا وثمانين جراحة، وفيه وفي أمثاله نزل: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23]، فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة؛ [تفسير القرطبي].

قال أبو جعفر: وإنما قيل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، لأن قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيبلوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد فرَّ بعضهم، وصبر بعضهم حتى أوفى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]؛ الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم.

وقال قتادة: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولوا.

وعن الحسن قال: بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق الله، فأنـزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ [تفسير الطبري].

والرسول بشر، أفئن مات تركتم الجهاد وانهزمتم؟
﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].

قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقُتل من قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال؛ ففي ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه؛ قال ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ [رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة].

وروى عكرمة، عن ابن عباس أن عليًّا كان يقول في حياة رسول الله: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه، فمن أحق به مني؟

وقد ثبت في الصحاح والمساند والسنن، أن الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يحدث الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]، إلى قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]، قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعُقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض؛ [تفسير ابن كثير].

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله.

والإقدام والإحجام في ساحة الجهاد لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه:
﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145].

والكتاب المؤجل هو الأجل المكتوب.

هذه الآية تثبت قاعدة الأجل المكتوب: لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، فكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له، ومعنى مؤجلًا، أي إلى أجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 11].

يقول القرطبي: "وأجَل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يُقتل لعاش... والمعتزلي يقول: يتقدم الأجل ويتأخر، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذُبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية، وقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها"؛ [انتهى].

وفي هذه الآية حض على الجهاد، وإعلام أن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه.

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 145]:
نزلت في الذين تركوا المركز طلبًا للغنيمة، وقيل: هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة، والمعنى نؤته منها ما قسم له، وفي التنزيل: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ [الإسراء: 18].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.41 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]