عرض مشاركة واحدة
  #320  
قديم 12-02-2026, 05:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,920
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 351 الى صـــ 370
الحلقة (320)






٥٠ - باب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ
١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [١٦٠٥، ١٦١٠ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٦٢]
ذكر فيه حديث عابس بن ربيعة، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - يُقبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله ابن سرجس عن عمر (١)، والنسائي من حديث ابن عباس عنه، وعنده: قبله ثلاثًا (٢)، وعند الحاكم: وسجد عليه، ثم صحح إسناده (٣)، وعند الترمذي عنه: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» ثم قال: حسن صحيح (٤)، وعنده عنه: «إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق» وقال: حسن (٥).

---------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٧٠) كتاب: الحج، باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.
(٢) «سنن النسائي» ٥/ ٢٢٧.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٥.
(٤) «سنن الترمذي» (٨٧٧). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٥٦)، وانظر: «الصحيحة» ٦/ ٢٣٠ (٢٦١٨).
(٥) «سنن الترمذي (٩٦١). بلفظ:»والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق«. وصححه الألباني في»صحيح =



والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١)، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «يأتي الركن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده» (٢).
قال: وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرطهما، فذكره من حديث أبي سعيد الخدري (٣). وذكر على شرط مسلم من حديث جابر: بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبَّله ووضع يده عليه، ومسح بها وجهه (٤).
وفي «فضائل مكة» للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.
ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك بيعة رسول الله - ﷺ - ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله.
وللطبراني من حديث إبراهيم بن يزيد المكي زيادة: ما حادى به عبد مسلم يسال الله خيرا إلا أعطاه إياه.

-----------
= الجامع«(٧٠٩٨)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٨ (١١٤٤).
(١)»المستدرك«١/ ٤٥٧، باللفظ الذي ذكره المصنف، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٢١٨٤).
(٢)»المستدرك«١/ ٤٥٧ وقال الألباني في»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ (١١٤٥): حسن لغيره.
(٣)»المستدرك«١/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٤)»المستدرك«١/ ٤٥٤ - ٤٥٥، وقال الألباني في»ضعيف الترغيب والترهيب" ١/ ٣٦٣ (٧٣١): منكر.



ومن حديث معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أُحد، فيناديان بأعلى صوتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء.
وعن أنس رفعه: «الركن والصفا يقوتتان من ياقوت الجنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد (١).
وعن ابن عمرو مرفوعًا: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب» ذكره شاهدًا (٢)، وأخرجه البيهقي بإسناد جيد بزيادة «ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، وما مسهما من ذي عاهة إلا شفي، وما على الأرض من الجنة غيره» (٣).
قال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه على عبد الله بن عمرو، ورجاء بن صبيح الذي رفعه ليس بقوي (٤).
وعن عبد الله بن السائب: سمعت النبي - ﷺ - فيما بين ركن بني جُمح والركن الأسود يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٥).
وعن ابن عباس يرفعه كان يدعو بين الركن: «رب قنعني بما رزقتني،

-----------
(١)»المستدرك«١/ ٤٥٦، بلفظ: (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة) وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٣٥٥٩).
(٢)»المستدرك«١/ ٤٥٦، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(١٦٣٣)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ - ٣٠ (١١٤٧).
(٣)»السنن الكبرى«٥/ ٧٥.
(٤)»علل الحديث«١/ ٢٩٩ (٨٩٩).
(٥)»المستدرك" ١/ ٤٥٥.



وبارك لي فيه، واختلف علي كل غائبة لي بخير» وقال: صحيح الإسناد (١).
وعن أبي هريرة يرفعه: «وُكِّلَ بالحجر الأسود ملكًا فمن قال: اللهم
إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين» رواه ابن ماجه بإسناد فيه: إسماعيل بن عياش، بلفظ «من فاوضه -يعني الركن الأسود- فإنما يفاوض يد الرحمن» (٢).
وعن ابن عباس مرفوعًا «ما مزرت على الركن إلَّا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولو ا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة» الحديث.
ذكره ابن مردويه في «تفسيره» (٣)، وعن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال: استلم الحجر والركن في كل طواف. صحيح الإسناد (٤).
وعند الجندي عن سعيد بن المسيب: الركن والمقام حجران من حجارة الجنة.

---------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٥٥، وقال الألباني: إسناده ضعيف، وقد استغربه الحافظ؛ لأن عطاء بن السائب كان اختلط، وسعيد بن زيد سمع منه آخرًا، على ضعف في حفظه، ورواه غيره عنه موقوفًا ا. هـ. «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٢١٧ (٢٧٢٨).
(٢) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٧)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٥٩ (٧٢١).
(٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤١٨، وعزاه لابن مردويه.
(٤) رواه ابن خزيمة ٤/ ٢١٦ (٢٧٢٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٥٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٧٥١)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ١٠٨ (٢٠٧٨). والحديث رواه أبو داود (١٨٧٦) بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله. وكذا رواه النسائي ٥/ ٢٣١، أحمد ٢/ ١٨.



وعن ابن عمر أنه - عليه السلام - أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه عليه وبكى بكاءً طويلًا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال: «يا أبا حفص ها هنا تسكب العبرات»، قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد (١).
وعنده -أعني: الجندي- عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن منها لغني.
وعن ابن عباس رفعه: «لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأوساخها وأيدي الظلمة والأثمة؛ لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه اليوم كهيئة يوم خلقه الله تعالى وإنما غيَّره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وإنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة والأرض يومئذ طاهرة، لم يعمل فيها بشيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفًا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم، محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم» (٢).
وللطبراني عن عائشة مرفوعًا «استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة».

------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٥٤، وقال الألباني في «الضعيفة» ٣/ ٩١ (١٠٢٢): ضعيف جدًا.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٨١ - ٨٢، والطبراني ١١/ ٥٥ - ٥٦ (١١٠٢٨)، وفي «الأوسط» ٦/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٦٢٦٣) مختصرًا، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: جماعة لم أجد من ترجمهم ثم أتبعه بالحديث الذي في «الكبير» وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: من لم أعرفه ولا له ذكر. وضعفه الألباني في «الضعيفة» ١/ ٦١٥ (٤٢٦).



ولأحمد عن عمر أنه عليه - ﷺ - قال»: «إنك رسول قوى فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبل وكبر وهلل» (١).
وللدارقطني عن عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبَّلوا أيديهم (٢).
ولمسلم عن ابن عباس يرفعه «يستلم الركن بمحجن، ويقبل المحجن» (٣).
وللطبراني: أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله، والله أكبر (٤).
وعنده من حديث الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسُنة نبيك - ﷺ - (٥).
إذا تقرر ذلك: فإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام.

-----------
(١) «المسند» ١/ ٢٨.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٠.
(٣) حديث ابن عباس هذا رواه مسلم (١٢٧٢) لكن بدون ذكر: (ويقبل المحجن)، كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب. واللفظ الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٢٧٥) من حديث أبي الطفيل.
(٤) «الدعاء» ٢/ ١٢٠١ (٨٦٢).
(٥) «المعجم الأوسط» ١/ ١٥٧ (٤٩٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٠ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: الحارث، وهو ضعيف وقد وثق، وضعفه الألباني في «الضعيفة» ٣/ ١٥٦ (١٠٤٩).



٥٤ - باب مَن كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ
١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. [انظر: ٣٩٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح: ٣/ ٤٦٨]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ، وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. هذا الحديث من أفراد البخاري.
وفي رواية: حتى أمر بها فمحيت، خرجهُ في الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وخرج فيه أيضًا عن ابن عباس: دَخَل النبي - ﷺ - البيت فَوجَد صورة إبراهيم وصورة مريم فقال «أما هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تَدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مُصور، فما له يستقسم؟» (١).
وأخرجه أيضًا من طريق وهيب: حَدَّثَنَا أيوب، عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٢). وسَلف في الصَّلاة عن إسحاق بن نصر، ثَنَا

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٣٥١).
(٢) ستأتي عقب حديث رقم (٤٢٨٨).



عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء: سَمعْتُ ابن عباس لما دَخل النبي - ﷺ - البيت. الحديث (١).
قَالَ الإسماعيلي: هذا أحسبه وقع غلطًا لا من الكتَّاب، فإني نقلتهُ من كتاب مسموع مُصحح ممن سمع منهُ، ووجدتهُ كذلك في غير نسخة، والحديث إنما هو عن ابن عباس، عن أسامة، وكان هذا في فتح مكة سنة ثمان.
وفي أبي داود، عن عبد الرحمن بن صفوان: لمَّا فتح رسول الله - ﷺ - مكة، انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة، وكان قد دخلها بالسيف، فأخرجت الآلهة وهي الأنصاب التي كانت قُريش تعبد، ثم دخل البيت بعد ذَلِكَ، وكبَّر في نواحيه، وكان دَخل مكة حلالًا، ثم اعتمر في ذَلِكَ العام بعد رجوعه من الطائف (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الأزلام: جمع زُلم وزَلم، وهي: الأقداح أيضًا، واحدها قِدْح، وسُميت بذلك؛ لأنها تُقلم أي: تُبرى، ذكرهُ ابن قُتيبة في كتاب «القداح»، كانت الجاهلية يتخذونها، ويكتبون على بعضها: نهاني ربِّي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نعم، وعلى بعضها: لا، فإذا أراد أحدهم سفرًا، أو غيره دفعوها إلى بعضهم حَتَّى يقبضها، فإن خرج القدح الذي عليه: أمرني ربي مضى، أو نهاني كف.

-----------
(١) برقم (٣٩٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
(٢) «سنن أبي داود» (١٨٩٨) كتاب: المناسك، باب: الملتزم. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٢٩).



والاستقسام: ما قسم له من أَمر يزعمه، وقيل: كان إذا أراد أحدهم أمرًا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأزلام، فأخرج منها زلمًا وعمل بما عليه (١)، وقيل: الأزلام: حصى أبيض كما نوا يضربون بها (٢)، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحدهم بالأزلام عَلَى ما قَسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان، فأبطل الرب تعالى ذَلِكَ من فعلهم، وأخبر أنه فسق؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التي يعبدونها، ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق في ذَلِكَ، ثم يعملون بِمَا خرج فيه، فكان ذَلِكَ كُفرًا بالله تعالى؛ لإضافتهم ما يكون من ذَلِكَ من صَواب، أو خطأ إلى أنهُ قسم آلهتهم (٣).
فأخبر الشارع عن إبراهيم، وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام، وإِنَّما كانا يفوضان أمورهما إلى الله الذي لا يخفَى عليه علم ما كان وما هو كائن؛ لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولذلك قَالَ - ﷺ -: «لقدْ علموا أنهما لم يستقسما بها قط»؛ لأنهم قد علموا أنَّ آباءهم أحدثوها، وكان فيهم بقية من دين إبراهيم، منهُ: الخِتان، وتحريم ذوات المحارم، إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين.
وقال ابن التين: الأزلام: قداح، وهي أعواد نحتوها، وكتبوا في
إحديهما: افعل، وفي الأخرى: لا تفعل، ولا شيء في الآخر. فإن خرجا فقد سلف، وإِنْ خرج الثالث أعاد الضرب حَتَّى يخرج له افعل، أو لا تفعل.

-----------
(١) انظر: «الصحاح» ٥/ ٢٠١٢. و«النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣.
(٢) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٩٤٣. «لسان العرب» ٦/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨.
(٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣. و«لسان العرب» ٦/ ٣٦٢٩.



قَالَ: وكانت سبعة عَلَى صيغة واحدة مكتوب عليها: لا، نعم، منهم، من غيرهم، ملصق، العقل، فضل العقل. وكانت بيد قيم الأصنام، وهو السادن، وكانوا إذا أرادوا خروجًا، أو تزويجًا، أو حاجة أتى المُريد بمائة درهم فدفعها إلى السادن، فيسأل الصنم أن يوضح لهم ما يعمل عليه مِنْ مَقام أو خروج، فيضرب له بذينك السهمين الذين عليهما: نعم، ولا، فإِن خرج نعم ذَهب لحاجته، وإِنْ خرج لا كفَّ عنها، وإِنْ شكُّوا في نسب رجل أتوا به دار الأصنام، فضرب عليها بتلك الثلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، ملصق. فما خرج فحكمه عَلَى السهم، فإِنْ خرج: منهم. كان من أوسطهم نسبًا،
وإن خرج: من غيرهم. كان حليفًا، وإن خرج: مُلصق. لَمْ يكن له نسب، ولا حلف.
وكانوا، إذا جنى أحدهم جناية فاختلفوا عَلَى من العقل، ضربوا عليه. فإن خرج العقل عَلَى مَنْ ضرب عليه، عَقَل وبرئ الآخرون.
وكانوا إذا عَقلوا العقل، وفضل الشيء منهُ واختلفوا فيه، فأتوا السادن فضرب، فعلى مَنْ وَجب أداه، فهذا هو الاستقسام.
وفي «الجامع»: أتى المُريد لحاجته بمائة درهم يدفعها إلى السادن إلى آخر ما سَلف.
قَالَ: فأما ما تفعله العرب من رمي السِّهام عَلَى الشيء الذي يتشاح عليه، فليس من هذا، وهو مُباح.
قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] لأنهم تشاحوا عليها، فألقوا عَلَى ذَلِكَ سهامًا، فخرج سهم زكريا، فهذا وأمثاله مُباح، والمحظور ما كانوا يرون من فعل الصَّنم.


الثاني: في الحديث من الفقه، أنَّهُ يجب عَلَى العالم، والرجل الفاضل اجتناب مواضع الباطل، وأن لا يشهد مجالس الزور، وُينزه نفسه عن ذَلِكَ.
الثَّالث: فيه أيضًا من الفقه: الإبانة عن كراهة النبي - ﷺ - دخوله بيتًا فيه صورة، وذلك أَنَّ الآلهة التي كانت في البيت. يومئذٍ إنَّما كانت تماثيل وصورًا، وقد تظاهرت الأخبار عنه - ﷺ - أنه كان يَكره دخول بيت [فيه] (١) صورة، مع أنَّه يُكره دخول البيت الذي فيه ذَلِكَ، ولا يُحرم، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب اللباس، والزينة مبسوطًا في باب. من كره القعود عَلَى الصورة (٢)، وفي باب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة (٣)، إن شاء الله تعالى.
الرَّابع: فيه التكبير في نواحي البيت، كما ترجم له.
فائدة:
سيأتي في الفتح أنَّه كان حول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون، وسببه أنهم كانوا يعظمون كل يوم صنمًا، ويخصون أعظمها بيومين (٤).

----------
(١) زيادة ليست في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها.
(٢) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٥٧ - ٥٩٥٨).
(٣) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٦٠).
(٤) برقم (٤٢٨٧) كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح.



٥٥ - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ
١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [٤٢٥٦، ١٦٤٩، ٤٢٥٧ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٤٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس: قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وهنتهم حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا بزيادة: فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (١)، وفي لفظ لهما: إنَّما سعى (٢).
ورمل بالبيت، ليُري المشركين قوته.
وللبخاري في عمرة القضاء: والمشركون من قبل قعيقعان (٣).
ولمسلم: وكانوا يحسدونه (٤). وفي لفظ: وكان أهل مكة قومًا حسدًا (٥).

---------------
(١) «مسلم» (١٢٦٦/ ٢٤٠) في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة.
(٢) سيأتي برقم (١٦٤٩) باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. ورواه مسلم برقم (١٢٦٦/ ٢٤١)
(٣) سيأتي برقم (٤٢٥٦) كتاب: المغازي.
(٤) «صحيح مسلم» (١٢٦٤/ ٢٣٧).
(٥) انظر: المصدر السابق.



وللإسماعيلي: يقدم عليكم قوم عُراة، فأطلع الله نبيه عَلَى ما قالوا، فأمرهم أنْ يرملوا وأَنْ يمشوا. ولابن ماجه: قَالَ - ﷺ - لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحُديبية: «إن قومكم غدًا سيرونكم، فليروكم جلدًا»، فلمَّا دخلوا المسجد استلموا الركن، ورملوا وهو معهم (١).
وللطبراني عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: من شاء فليرمل، ومنْ شاء فلا رمل، إنما أمر رسول الله - ﷺ - بالرمل؛ ليري المشركين قوته (٢).
وللطبري في «تهذيبه»: لمَّا اعتمر رسول الله - ﷺ - بلغه أن أهل مكة يقولون: إن بأصحابه هزلًا. فقال لهم حين قَدِموا: «شدوا مآزركم وأعضادكم، وأرملوا حَتَّى يرى قومكم أن بكم قوة».
قَالَ: ثم حج رسول الله - ﷺ - فلم يرملْ، قالوا: وإِنَّما رَمل في عمرة القضية. في إسناده: حجاج بن أرطاة، ولأبي داود أنه - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من جعرانة -يعني في عمرة القضاء- فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوه عَلَى عواتقهم اليسرى (٣)، وفي لفظ: كانوا إذا بلغوا الركن اليماني، وتغيبوا من قريش مَشوا، ثم اطلعوا عليهم يرملون، تقول قُريش: كأنهم الغُزلان.
قَالَ ابن عباس: كانت سُنَّة (٤).

-----------
(١) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: الرَّمَلِ حول البيت.
(٢) «المعجم الأوسط» ٥/ ١٩١ - ١٩٢ (٥٠٤٨).
(٣) «سنن أبي داود» (١٨٨٤) كتاب: المناسك، باب: الاضطباع في الطواف. من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٤٦).
(٤) «سنن أبي داود» (١٨٨٩) باب: في الرمل.



وفي لفظ: أنه لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه (١)، صححه الحاكم عَلَى شرط الشيخين (٢)، مِنْ حديث أبي سعيد، وله عَلَى شرطهما أيضًا من حديث أبي سعيد، وابن عباس: رمل رسول الله - ﷺ - في حجته، وفي عمره كلها، وأبو بكر، وعمر، والخُلفاء.
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالرمل هو: الإسراع، وحقيقتهُ إسراع المشي مع تقارب الخطى.
قَالَ صاحب «الأفعال»: رمل رملًا: أسرع في الرمل (٣)، وقال صاحب «العين»: الرمل ضرب من المشي (٤)، وقال ابن سيده: يرمل رملًا، ورملانًا: إذا مشى دون العدو (٥)، وقال القزاز: هو العدو الشديد، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة (٦)، وقال الجوهري: هو الهرولة (٧). وقال في «المغيث»: هو الخبب (٨). وقيل: هو أن يهز منكبيه، ولا يسرع العدو.
وقَالَ ابن العربي في «مسالكه»: هو مأخوذ من التحريك، وهو أن يُحرك الماشي منكبيه؛ لشدة الحركة في مشيه.
والشوط جري مرة إلى الغاية، والجمع أشواط (٩)، قاله صاحب

------------
(١) «سنن أبي داود» (٢٠٠١) باب: الإفاضة في الحج.
وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٧٤٦).
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٧٥ كتاب المناسك.
(٣) «الأفعال» ص ٩٩.
(٤) «العين» ٨/ ٢٦٧.
(٥) «المحكم» ١١/ ٢٢٧.
(٦) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٠١.
(٧) «الصحاح» ٤/ ١٧١٣.
(٨) «المغيث» لأبي موسى المديني ١/ ٨٠٥.
(٩) «العين» ٦/ ٢٧٥.



«العين» مأخوذ من قولهم: جرى الفرس شوطًا، إذا بلغ مجراه ثم عَاد، فكل مَنْ أتى موضعًا ثم انصرف عنهُ فهو شوط. وقال الطبري: يُقال: شاط يشوط شوطًا إذا عدا غلوة بعيدة.
و(وهنتهم) بتخفيف الهاء المفتوحة أي: أضعفتهم، وحكى التياني وهن بالكسر. وقال صاحب «العين»: الوهن لغة في الوهن.
وقوله: (إلا الإبقاء). هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة ممدود أي: للرفق بهم. قَالَ القرطبي: رويناه بالرفع عَلَى أنَّه فاعل يمنعهم، ويجوز النصب عَلَى أن يكون مفعولًا من أجله، قَالَ: ويكون في (منعهم) ضمير عائد عَلَى رسول الله - ﷺ -، وهو فاعله (١) وقالوه استهزاءً بهم.
ويثرب: المدينة شرفها الله تعالى.
قوله: وأَنْ يمشوا ما بين الركنين. يُريد اليماني، والحجر الأسود.
وقوله: وقد هو بالفاء.
قَالَ صاحب «المطالع»: عند ابن السكن بالقاف وللكافة بالفاء وهو الصواب، واختلف في الرمل هل هو سنة من سنن الحج، أم لا؛ لأنه كان لعلة ذهبت وزالت فمن شاء فعله اختيارًا.
فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر الأول، وهو قول الأربعة والثوري وإسحاق (٢)، وقال آخرون: ليس بسنة فمن شاء فعل ومن شاء تركه.

--------
(١) «المفهم» ٣/ ٣٧٦.
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١، «الهداية» ١/ ١٥٢، «التفريع» ١/ ٣٣٧، «المعونة» ١/ ٣٦٩، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٦، «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦، «العزيز» ٣/ ٤٠٢، «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢١٧.



روي ذَلِكَ عن ابن عباس وجماعة من التابعين: طاوس وعطاء (١) والحسن والقاسم وسالم، والأول هو ما عليه الجمهور فإن تركه كره. نص عليه الشافعي، ثم الجمهور عَلَى أنه يستوعب البيت بالرمل (٢).
وفي قول: لا يرمل بين الركنين اليمانيين بل بين الشاميين؛ لأن فيه كانوا ينكشفون للكفار فيرون جلدهم، إذ سبب الرمل، والاضطباع إظهار القوة للكفار لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب كما سلف.
لكنه في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث جابر الطويل في مسلم (٣)، وكذا حديث ابن عمر فيه: كانا في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل بهما أولى؛ لتأخرهما، وابن عباس لم يكن عام القضية، بخلاف جابر فإنه شاهد، والحكمة فيه مع زوال المعنى الذي شرع لأجله قد قالها الفاروق وهو الاتباع كما سيأتي، وأيضًا الفاعل له يستحضر مسببه، وهو ظهور أمر الكفار خصوصًا في ذَلِكَ المكان الشريف، فيتذكر نعمة الله عَلَى إعزاز الإسلام وأهله.
فرع:
لا فرق في استحباب الرمل بين الراكب والمحمول وغيرهما عَلَى الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة (٤). وعند المالكية أن طواف الإفاضة ونحوه، وطواف المحرم من التنعيم، وشبهه في

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٥ (١٤١٦٠، ١٤١٦٢) كتاب: الحج، باب: من رخص في ترك الرمل.
(٢) انظر «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦.
(٣) «صحيح مسلم» (١٢١٨/ ١٤٧) كتاب: الحج، باب: حجة النبي.
(٤) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٣، «المجموع» ٨/ ٥٩.



مشروعية الرمل ثلاثة أقوال فيها، ثالثها المشهور مشروع دونه (١). وفي الرمل بالمريض والصبي قولان (٢). وعند الحنفية أنه إذا طاف للركن رمل إن لم يسع ولم يرمل في طواف سالف فيه (٣).
فرع:
لو ترك الرمل في الطوفات الثلاثة لم يقضه في الأربع الأخيرة؛ لأن هيئتها السكينة فلا تتغير، ولو تذكر عن قرب ففي الإعادة قولان عن مالك، والمشهور عندهم أنه لا دم عليه (٤). وعند أحمد: من نسي
الرمل لا إعادة عليه (٥).
فرع:
يختص الرمل بطواف يعقبه سعي (٦)، وفي قول: يختص بطواف القدوم، وبه قَالَ أحمد (٧).

---------
(١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٨٦، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥، ٢٤٦.
(٢) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «المجموع» ٨/ ٥٨.
(٣) انظر «الأصل» ٢/ ٣٩٣، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٧، «الهداية» ١/ ١٥٢.
(٤) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٣٨، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥.
(٥) انظر «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢٢٢، «المبدع» ٣/ ٢١٦.
(٦) قال الكاساني: «وهو قول عامة الصحابة» «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١.
وقال النووي في «المجموع»: وقد اضطربت طريق الأصحاب فيه، ولخصها الرافعي متفقة فقال: لا خلاف أن الرمل لا يُسن في كل طواف؛ بل إنما يسن في طواف واحد، وفي ذلك الطواف قولان مشهوران أصحهما عند الأكثرين أنه يُسن في طواف يستعقب السعي والثاني: يُسن في طواف القدوم مطلقًا، فعلى القولين لا رمل في طواف الوداع بلا خلاف، «المجموع» ٨/ ٥٨.
(٧) قال ابن قدامة في «المغني»: "ولا يُسن الرمل والضطباع في طواف سوى ما ذكرناه -طواف القدوم أو طواف العمرة- لأن النبي - ﷺ - وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا =



فائدة: المختار أنه لا يكره تسمية الطواف شوطًا كما نطق به ابن عباس، كما سلف، ولأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم تثبت، وأمَّا الشافعي والأصحاب فقالوا بالكراهة، وسببها كما قَالَ القاضي: أن الشوط هو الهلاك. قَالَ الشافعي في «الأم»: لا يقال: شوط ولا دور، وكره مجاهد ذَلِكَ، قَالَ: وأنا أكره ما كره مجاهد. وعن مجاهد: لا تقولوا شوطًا ولا شوطين، ولكن قولوا: دورًا أو دورين (١).
فائدة أخرى:
قَالَ المهلب: فيه من الفقه أن إظهار القوة للعدو في الأجسام والعدة والسلاح. ومفارقة الهدوء والوقار في ذَلِكَ من السنة، كما أمر الشارع بالرمل في الثلاثة الأول. قَالَ: ومثله إباحته اللعب للحبشة في المسجد بالحراب لهذا المعنى، والمسجد ليس بموضع لعب بل هو موضع وقار وخشوع لله؛ لما كان من باب القوة والعدة والرهبة عَلَى المنافقين وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه في المسجد؛ لأنه أمر من أمر جماعة المسلمين، والمسجد لجماعتهم.
فرع:
المرأة لا ترمل بالإجماع؛ لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد، ولا هرولة أيضًا في السعي (٢)، ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وعطاء.

---------
= في ذلك«.»المغني«٥/ ٢٢١، وانظر»كشاف القناع«٢/ ٤٨٠.
(١)»الأم«٢/ ١٥٠.
(٢)»الاستذكار«١٢/ ١٣٩،»الإجماع«لابن المنذر (٥٢)»المجموع" ٨/ ٦٢.



٥٦ - باب اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِيَن يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا
١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. [١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٠]
ذكر فيه حديث سالم عن أبيه: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ.
وقد أخرجه مسلم أيضًا (١).
ولا شك أن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر الأسود فيقبله إن قدر، فإن عجز أشار، ثم يمضي عَلَى يمينه إلى أن يأتي إليه، فهذِه واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك بالرمل، والأربعة الأخيرة لا رمل فيها، ثم الخب وهو الرمل إنما يشرع في طواف يعقبه سعي كما سلف، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرطه أن يكون طاف للإفاضة، فإن طاف للقدوم وعزمه السعي بعده رمل وإلا فلا،
بل يرمل في طواف الإفاضة. وثم قول آخر أنه يرمل في طواف القدوم وإن لم يرد السعي بعده، وقد سلف.
وقد أسلفنا أنه - ﷺ - لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. وقال عطاء: لا رمل فيه.

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٦١) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل.


فرع:
لو خالف وجعل البيت عَلَى يمينه لم يصح عندنا، وبه قَالَ مالك وأبو ثور؛ لأنه خالف الاتباع (١).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعيد الطواف ما كان بمكة فإذا بلغ الكوفة وأبعد كان عليه دم ويجزئه، واحتجوا بأن الله تعالى لم يفرق بين طواف منكوس أو غيره، فوجب أن يجزئه (٢).
فائدة:
الخب: ضرب من العدو، يقال: خبت الدابة تخب خبًا إذا أسرعت المشي وراوحت بين قدميها، وكذا الخيل، أما إذا رفعت يديها معًا ووضعتهما معًا فذلك التقريب لا الخب، وقيل: خب الفرس إذا نقل أيامنه وأياسره جميعًا (٣).
فائدة ثانية:
الاستلام افتعال من السلام وهو: التحية كما قَالَ الأزهري، أو من السِّلام -بكسر السين- وهي: الحجارة، كما قَالَ ابن قتيبة، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته. كما تقول؛ اكتحلت من الكحل، وحكى في «الجامع» أنه استفعل من اللأمة وهي الدرع والسلاح؛ لأنه إذا لمس الحجر تحصن من العذاب كما يتحصن باللأمة من الأعداء.

-----------
(١) انظر «التفريع» ١/ ٣٣٧، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٢، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٥، «البيان» ٤/ ٢٨٣، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٩، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٦.
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٤، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥١٤.
(٣) انظر: «الصحاح» ١/ ١١٧، و«لسان العرب» ٢/ ١٠٨٥.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]