عرض مشاركة واحدة
  #313  
قديم 12-02-2026, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,934
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 211 الى صـــ 230
الحلقة (313)






أما الآية الأولى فقال الفراء في «معانيه»: معناها: وقت الحج هذِه الأشهر، فهي وإن كانت (في) تصلح فيها، فلا يقال إلا بالرفع، وكذلك كلام العرب، يقولون: البرد شهران، والحر شهران، لا ينصبون؛ لأنه
مقدار الحج.
ولو كانت الأشهر والشهر معرفة على هذا المعنى لصلح فيه النصب، ووجه الكلام الرفع، والمعلومات: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وإنما جاز أن يقال: أشهر، وإنما هما شهران وعشر من ثالث؛ لأن العرب إذا كان الوقت لشيء يكون فيه الحج وشبهه جعلوه في التسمية للثلاثة أو الاثنين، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يتعجل في يوم ونصف، وكذلك هو في اليوم الثالث من أيام التشريق ليس (معها) (١) شيء تام، وكذلك تقول العرب له اليوم يومان منذ لم أره، وإنما هو يوم وبعض آخر، وهذا ليس بجائز في غير المواقيت (٢).

------------
(١) كذا في الأصل، وفي «معاني القرآن»: منها.
(٢) انتهى بتصرف من «معاني القرآن» للفراء ١/ ١١٩.



قُلْتُ: ومثله ثلاثة قروء، وقد يطلقها في آخر الطهر فيكون قرءان، والطعن في الثالث من الحيض.
وقال ابن المنذر: كان الفراء يقول: معناه: وقت الحج أشهر معلومات. وقال غيره: تأويله أن الحج في أشهر معلومات.
وقال الزجاج في «معانيه»: قال أكثر الناس: إن أشهر الحج شوال
وذو القعدة وعشر من ذي الحجة. وقال بعضهم: لو كانت المشهور التي هي أشهر الحج شوالًا، وذا القعدة لما جاز للذي منزله بينه وبين مكة مسافة أكثر من هذِه المشهور أن يفرض على نفسه الحج، وهذا حقيقته عندنا، أنه لا ينبغي للإنسان أن يبتدئ بعمل من أعمال الحج قبل هذا الوقت، نحو الإحرام؛ لأنه إذا ابتدأ قبل هذا الوقت أضر بنفسه، فأمر الله تعالى أن يكون أقصى الأوقات الذي ينبغي للمرء أن لا يتقدمها في عقد فرض الحج على نفسه شوالًا.
وقال بعض أهل العلم: معنى الحج إنما هو في السنة في وقت بعينه، وإنما هو في الأيام التي يأخذ الإنسان فيها في عمل الحج؛ لأن العمرة في طول السنة، فينبغي له في ذَلِكَ الوقت أن لا يرفث ولا يفسق.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال ابن عباس: التلبية (١)، وقد سلف بالخُلف فيه في بابها. وقال الضحاك: هو الإحرام. وقال عطاء: من أهل فيهن بالحج قال: والفرض: التلبية؛ وكذا قال الزهري وإبراهيم وطاوس وابن مسعود وابن الزبير كما سلف، ونقل ابن التين عن ابن مسعود وابن عمر معنى ﴿فَرَضَ﴾: لبّى.

----------
(١) «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٣٨٢.


وعن ابن عباس: أحرم (١)، وحقيقته أوجب فيهن.
والرفث: الجماع، والفسوق: المعاصي. والجدال: المراء حَتَّى يغضب صاحبه، قاله ابن عباس وابن عمر وعطاء.
وقال مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾: لا شك فيه أنه في ذي الحجة (٢)، بخلاف ما يعتقده من النسئ، وأن الحج في غير ذي الحجة، ويقف بعضهم -وهم قريش- بالمزدلفة، وبعضهم بعرفة، ويتمارون في ذَلِكَ، فقال - عليه السلام -: «إن الزمان قد استدار كيوم خلق الله السموات والأرض، وإن الحج في ذي الحجة» (٣).
وقال أبو عمر: وأراد: فلا يكون رفث ولا فسوق أي: حَتَّى يخرج من الحج. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾، وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] قال الواحدي (٤)، عن معاذ: يا رسول الله، إن اليهود تغشانا، ويكثرون مسألتنا، فأنزل الله الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا نبي الله: لم خلقت هذِه الأهلة؟ فنزلت (٥).
وقال الكلبي: نزلت في معاذ وثعلبة بن عنمة الأنصاريين. قال: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم يزيد حَتَّى ينقص؛ فنزلت (٦).

----------------
(١) روى هذِه الآثار الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٣، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٤٦.
(٢) رواها الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧٣ - ٢٨٦، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٤٦ - ٣٤٩.
(٣) سيأتي برقم (٤٦٦٢) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ﴾.
(٤) «أسباب النزول» ص ٥٥.
(٥) المصدر السابق ص ٥٥.
(٦) «أسباب النزول» ص ٥٥ - ٥٦.



وقال الزجاج: أخبرني من أثق به من رواة البصريين والكوفيين أن الهلال سمي هلالًا؛ لرفع الصوت بالإخبار عنه. وقال بعضهم: يسمى بذلك لليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالًا إلى أن يعود في الشهر الثاني، وهو الأكثر. وقال بعضهم: يسمى هلالًا ثلاث ليال، ثم قمرًا. وقال بعضهم: يسمى هلالًا إلى أن يستدير. وقيل: إلى أن يبهر ضوؤه سواد الليل، ثم قمر، وهذا لا يكون إلا في الليلة السابعة. وجمعه أهلة لأدنى العدد وأكثره، ولا يقال: هلَّ. وحكي أيضًا (١)، وقيل: هلَّ: طلع.
وأما أثر ابن عمر، فأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عنه (٢).
وأخرجه البيهقي من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه. قال البيهقي: وروي ذَلِكَ أيضًا عن ابن عمر عن أبيه (٣). وهو قول ابن مسعود وابن الزبير.
وقال ابن المنذر: اختلف عن ابن عمر وابن عباس في ذَلِكَ، فروي عنهما كما قال ابن مسعود، وروي عنهما أنها ثلاثة كاملة. قُلْتُ: وهو ما ذكره البخاري عن ابن عباس في باب قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] كما سيأتي (٤)، وفي ليلة النحر عندنا وجه،

-----------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال ابن دريد في «الجمهرة»: وقال أبو زيد: هلّ الهلال.
(٢) «المصنف» ٣/ ٢١٤ كتاب: الحج، باب: قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ما هذِه الأشهر.
(٣) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٤٢ كتاب: الحج، باب: بيان أشهر الحج.
(٤) انظر ما سيأتي برقم (١٥٧٢).



وفي قول أن ذا الحجة كله وقت للإحرام، وهو شاذ (١)، وحُكي عن مالك وعمر. وحكى ابن حبيب عنه كالأول، وحكى القرطبى عنه: آخر أيام التشريق (٢).
قال ابن القصار: والأول هو المشهور عنه (٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في جماعة من الصحابة والتابعين بالأول (٤). فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة على الصحيح، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور (٥)، ونقله الماوردي، عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس. وقيل: لا ينعقد عمرة بل يتحلل بعملها (٦)، ونقله ابن المنذر عن الأوزاعي وأحمد وإسحاق. وقال داود: لا ينعقد أصلًا (٧).
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والنخعي وأهل المدينة والثوري: يجوز قبله بكراهة (٨).

-------------
(١) قال النووي رحمه الله: أما الميقات الزماني، فوقت الإحرام بالحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة. آخرها آخر ليلة النحر، وفي وجه: لا يجوز الإحرام في ليلة النحر، وهو شاذ مردود، وحكى المحاملى قولًا عن «الإملاء»: أنه يصح الإحرام به في جميع ذي الحجة، وهو أشذ وأبعد. «روضة الطالبين» ٣/ ٣٧.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٠، «تفسير القرطبي» ٢/ ٣٨٢.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٣٦.
(٤) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٤٩، «أحكام القرآن» للشافعي ١/ ١١٤ - ١١٥، «مختصر المزني» ٢/ ٤٦، «الإقناع» للحجاوي ١/ ٥٥٥.
(٥) انظر: «البيان» ٤/ ٦١ - ٦٢، «المجموع» ٧/ ١٣١، ١٣٣.
(٦) وهو القول القديم للشافعي، انظر: «البيان» ٤/ ٦٢.
(٧) انظر: «المجموع» ٧/ ١٣٣.
(٨) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٩، «المدونة» ١/ ٢٩٦، «المغني» ٥/ ٧٤.



وفائدة الخلاف تعلق الدم عن آخر طواف الإفاضة على الزمن الذي هو عنده آخر الأشهر. احتج من منع بقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فلو انعقد الإحرام بالحج في غيرها لم يكن لتخصيصها فائدة، وبحديث الباب. واحتج من ألزم بأن ذكر الله في هذِه الأشهر إنما معناه عندهم على التوسعة والرفق بالناس، والإعلام بالوقت الذي فيه يتأدى الحج، فأخبرهم تعالى بما يقرب منه، وبين
ذَلِكَ نبيه بقوله: «الحج عرفة» (١) وبنحره يوم النحو، ورميه الجمار في ذَلِكَ اليوم، فمن ضيق على نفسه وأحرم به قبل أشهره فهو في معنى من أحرم من بلده قبل الميقات، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يخص محرمًا من محرم، ولا يمتنع أن يجعل الله الأشهر كلها وقتًا لجواز الإحرام فيها، ويجعل شهور الحج وقتًا للاختيار، وأثر ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الحجاج، عن الحكم، عن أبي القاسم -يعني: مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل- عن ابن عباس به (٢).
وأخرجه الحاكم في «مستدركه» بلفظ: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج ثم قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقد جرت فيه مناظرة بيني وبين

------------
(١) ذكره المصنف -رحمه الله- من حديث عبد الرحمن بن يعمر في شرح الحديث الآتي برقم (١٦٦٥) باب: الوقوف بعرفة، وهناك يأتي تخريجه باستفاضة، فانظره غير مأمور.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٤٣ كتاب: الحج، باب: لا يعمل بالحج في غير أشهر الحج.



شيخنا أبي محمد السبيعي قال: فقال: إنما رواه الناس عن أبي خالد عن ابن أرطاة، عن الحكم فمن أين جاء به شيخكم علي بن حماد، ثَنَا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو كريب، ثنا أبو خالد، عن
شعبة، عن الحكم؟! فقلت له: تأمل ما تقول، فإن شيخنا أتى بالإسنادين جميعًا، فكأنما ألقمته حجرًا (١).
قُلْتُ: وهو قول جابر بن عبد الله كما سلف.
وقوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان). روى ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن يونس، عن الحسن أن ابن عباس: أحرم من خراسان، فعاب عليه عثمان وغيره، وكرهوه (٢)، وبالكراهة قال مالك أيضًا، خلافًا للشافعي (٣).
وعن مالك: يكره لمن قرب؛ لأنه يتعمد مخالفة التوقيت، بخلاف من بَعُدَ لغرض استدامة الإحرام (٤)، وهذا كتقدم رمضان بيوم أو يومين، بخلاف من صام شعبان كله.
وقولها: (في أشهر الحج، وليالي الحج، وحرم الحج). ذكرته تفخيمًا وتعظيمًا، ولذلك أتت بالظاهر مكان المضمر.
وقولها: (وحرم الحج)، قال صاحب «المطالع»: هو بضمها كذا لهم، وضبطه الأصيلي بفتح الراء كأنه الأوقات والمواضع والأشياء والحالات، وضم الراء جمع حرمة، أي ممنوعات الشرع ومحرماته، وفي هذا الموضع بينت أن الأمر بالفسخ كان بسرف، وأنها أرادت

--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٤٨ كتاب: المناسك.
(٢) «المصنف» ٣/ ١٢٣ (١٢٦٩١) كتاب: الحج.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٥، «البيان» ٤/ ١١١.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٦، «المنتقى» ٢/ ٢٠٥.



فسخ الحج فمنعت. قال عياض: والذي تدل عليه نصوص الأحاديث في الصحيحين وغيرهما إنما قال لهم - عليه السلام - بعد إحرامه بالحج، ويحتمل أنه كرر الأمر بذلك في موضعين، وأن العزيمة كانت آخرًا حين أمرهم بالفسخ إلى العمرة (١).
وقال المهلب: إنما ذكرت عائشة المآل؛ لأن سرف أول حدود مكة، وكانوا أحرموا بالحج أولًا، فإنه قال: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة» ولو كانت قرانًا لقال: فليجعلهما، وإنما أمر بالفسخ من أفرد لا من قرن، ولا من أهل بعمرة؛ لأنه أمرهم كلهم أن يجعلوها عمرة ليتمتعوا بالعمرة إلى الحج.
وقولها: (حَتَّى قدمنا منى فطهرت) تريد: ثاني يوم النحو؛ لأن أيام منى ثلاثة بعد النحو.
وقوله: («يا هنتاه») أي: يا هذِه، قال صاحب «العين»: إذا أدخلوا التاء في هن، فتحوا النون فقالوا: يا هنة، وإن زادوا التاء سكنوا النون فقالوا: يا هنتاه، ويا هنتوه. وقال أبو حاتم: يقال للمرأة: ياهنت أقبلي استخفافًا، فإذا ألحقت الزوائد قُلْتَ: يا هناه، للرجل، ويا هنتاه، للمرأة. وقال أبو زيد: تلقى الهاء في الدرج، فيقال: يا هناه (٢). وقال ابن التين: ضبط في زوائد أبي ذر بإسكان النون، وفي رواية أبي الحسن بفتحها، وهكذا هو في «الصحاح» (٣).
وقال: هو اسم يلزمه النداء مثل قوله: يا هذِه، من غير أن يراد به

----------
(١) انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٢٣٧.
(٢) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٨٠٢.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٥٣٦.



مدح ولا ذم، وقال ابن الأثير: تضم الهاء الأخيرة، وتسكن، وفي التثنية هنتان، وفي الجمع هنات، وفي المذكر هن وهنان وهنون، ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة، فتقول: يا هذه، وأن تشبع الحركة فتصير ألفًا، فتقول: يا هناه، ولك ضم الهاء فتقول: يا هُناه أقبل (١). وقال أبو نصر: هذِه اللفظة مختصة بالنداء، وقيل: معنى يا هنتاه: يا بلهاء. كأنها نُسبت إلى قلة المعرفة بمكائد الناس وشرورهم.
وقوله: («من أحب أن يجعلها عمرة فعل») ظاهره التخيير، ولذلك كان منهم الآخذ والتارك، لكن لما ظهر منه - عليه السلام - العزم حين عصته، قالوا: تحللنا وسمعنا وأطعنا، وكان ترددهم لأنهم ما كانوا يرون العمرة في أشهر الحج جائزة، فبين لهم جواز ذَلِكَ.
وقولها: (فمنعت العمرة): كذا هنا وفي بعض روايات مسلم (٢)، وفي بعضها: سمعت كلامك مع أصحابك فتمتعت بالعمرة. قال عياض: والأول هو الصواب (٣).
ومعنى: («لا يضيرك»): لا يضرك، وفي بعض نسخ البخاري: «لا ضير» من ضار يضير ضيرًا، ويقال: ضار يضور ضورًا، وضر يضر ضرًّا.
وقولها: (حَتَّى نزل المُحَصب) هو بضم الميم وفتح الحاء، وفيه لغة أخرى: الحِصَاب بكسر الحاء. قال أبو عبيد: هو من حدود خيف بني كنانة، وحده من الحجون ذاهبًا إلى منى، وهو بطحاء مكة، وقال في

---------
(١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١٢١١) - ١٢٣ كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام.
(٣) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ٢٤٧.



موضع آخر: هو الخيف، وهو إلى منى أقرب، وهو الأبطح وبطحاء مكة (١)، وقال غيره: هو اسم لما بين الجبلين إلى المقبرة. وقال ياقوت: هو غير المحصب، موضع رمي الجمار بمنى (٢)، قالت عائشة: إنما نزله رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان أسمح لخروجه. وسيأتي (٣).
زاد مسلم: وليس بسنة (٤)، وفيه عن أبي رافع -وهو من أفراده-: لم يأمرني رسول الله - ﷺ - أن أنزله حين خرج من منى، ولكن ضربت قبة فجاء فنزل، وكان علي ثقل النبي - ﷺ - (٥). وزعم ابن حبيب أن مالكًا كان يأمر بالتحصيب، ويستحبه (٦). وقال أبو حنيفة: سنة (٧)، وبه قال النخعي وطاوس وابن جبير (٨). وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يراه سنة، وقال نافع: حصب النبي - ﷺ - والخلفاء بعده، أخرجه مسلم (٩) [و] (١٠) كما قال مالك قال الشافعي (١١).

------------
(١) انظر: «غريب الحديث» ٢/ ١٠٨ بتصرف.
(٢) «معجم البلدان» ٥/ ٦٢.
(٣) برقم (١٧٦٥) كتاب: الحج، باب: المحَصَّب.
(٤) «صحيح مسلم» (١٣١١) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر، والصلاة به.
(٥) «صحيح مسلم» (١٣١٣).
(٦) انظر: «المنتقى» ٣/ ٤٤.
(٧) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٦٠، «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٦.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٩ - ١٣٣٤١) كتاب: الحج، باب: في التحصيب، من كان يحصب.
(٩) «صحيح مسلم» ١٣١٠/ ٣٣٨.
(١٠) زيادة يقتضيها السياق.
(١١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٤٤.



وقال عياض: هو مستحب عند جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين، وأجمعوا أنه ليس بواجب (١)، وعند الميموني: ثنا خالد عن ابن خداش، ثنا ابن وهب، أنا عمرو، عن قتادة عن أنس أن رسول الله - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ورقد رقدة، ثم نفذ إلى البيت وطاف به (٢)، قال: فقلت لأحمد: لم كتبت هذا؟ قال: إسناد غريب.
---------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٩٣.
(٢) سيأتي برقم (١٧٥٦) كتاب: الحج، باب: طواف الوداع.



٣٤ - باب التَّمَتُّعِ وَالإِقْرَانِ وَالإِفْرَادِ بِالحَجِّ، وَفَسْخِ الحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ
١٥٦١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا نُرَى إِلاَّ أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَحِضْتُ فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ. قَالَ: «وَمَا طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟». قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا». قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَهُمْ. قَالَ: «عَقْرَى حَلْقَى، أَوَمَا طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: «لَا بَأْسَ، انْفِرِي». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَلَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهْوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٢١]

١٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٤٢١]

١٥٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا رضي الله عنهما، وَعُثْمَانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ، وَأَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ، أَهَلَّ بِهِمَا: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأَدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - لِقَوْلِ أَحَدٍ. [١٥٦٩ - فتح: ٣/ ٤٢١]

١٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ


أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا، وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الحِلِّ؟ قَالَ: «حِلٌّ كُلُّهُ». [انظر: ١٠٨٥ - مسلم: ١٢٤٠ - فتح: ٣/ ٤٢٢]

١٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَأَمَرَهُ بِالحِلِّ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٤٢٢]

١٥٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ - رضي الله عنهم - زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». [١٦٧٩، ١٧٢٥، ٤٣٩٨، ٥٩١٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٤٢٢]

١٥٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَمْرَةَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ: تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: سُنَّةَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي. قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فَقَالَ: لِلرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ. [١٦٨٨ - مسلم: ١٢٤٢ - فتح: ٣/ ٤٢٢]

١٥٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا


مُتْعَةً». فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فَقَالَ: «افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ». فَفَعَلُوا. [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٤٢٢]

١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ رضي الله عنهما وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي المُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا [انظر: ١٥٦٣ - مسلم: ١٢٢٣ - فتح: ٣/ ٤٢٣]
ذكر فيه تسعة أحاديث:
أحدها:
حديث الأسود، عَنْ عَائِشَةَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - وَلَا نُرى إِلَّا الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ .. الحديث.
وقوله في الترجمة: (والإقران) كذا في الأصول، وفي بعض النسخ: (والقران). قال ابن التين: والإقران غير ظاهر؛ لأن فعله ثلاثي، وصوابه: القرآن، وهو مصدر من قرن بين الحج والعمرة، إذا جمع بينهما بنية واحدة وتلبية واحدة، وهو قارن، ومضارعه بكسر الراء، وسيأتي في البيوع نهي النبي - ﷺ - عن الإقران في التمر (١). وفي «المحكم» و«الصحاح» في المضارع ضم الراء (٢)، وفي «المشارق»: لا يقال: أقرن، وكذا في قرآن التمر (٣). والتمتع هو أن يحرم الآفاقي

------------
(١) برقم (٢٤٨٩) كتاب: الشركة، باب: القرآن في التمر بين الشركاء.
(٢) «المحكم» ٦/ ٢٢١، «الصحاح» ٦/ ٢١٨١.
(٣) «مشارق الأنوار» ٢/ ١٧٩.



بالعمرة، ويفرغ من أعمالها ثم ينشئ حجًّا من مكة. قال ابن سيده: المتعة -بضم الميم وكسرها-: العمرة إلى الحج، وقد تمتع واستمتع (١).
وقال القزاز: المتعة، وفسرها كما ذكرناه أولًا، وهو معنى الآية، قال: والتمتع أيضًا: أن يضم الرجل عمرة إلى حجة، ومعنى (إلى) هنا بمعنى: (مع). وقال عياض: هي جمع غير المكي بينهما في أشهر الحج في سفر واحد (٢). وقال ابن الأثير: هي الترفق بأداء النسكين على وجه الصحة في سفرة واحدة من غير أن يلم بأهله إلمامًا صحيحًا، سمي بذلك لسقوط أحد السفرين عنه؛ ولهذا لم يتحقق من المكي إذ ليس من سائر الإحرام من الميقات ولا السفر. وقيل: سمي تمتعًا؛ لأنهم يتمتعون بالنساء والطيب بين الحج والعمرة، قاله عطاء وآخرون (٣)، وهو جائز إلا ما روي عن عمر وعثمان أنهما كانا ينهيان عن التمتع (٤)، وقيل: كان نهي تنزيه، وقيل: إنما نهيا عن فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن ذَلِكَ كان خاصًّا بالصحابة، وكذا كان معتقد الصحابة أنه خاص بهم في تلك السنة، وذهب أحمد إلى جواز فسخ الحج إلى العمرة (٥).
وقال ابن حزم: كل من أحرم مفردًا أو قارنًا ولم يسق الهدي حل بعمرة شاء أو أبي (٦).

----------
(١) «المحكم» ٢/ ٤٧.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٦٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣١ (١٥٨٣٥) كتاب: الحج، باب: في المتعة؛ لأي شيء سميت المتعة.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٥٥ (١٣٠٣٣) كتاب: الحج، باب: العمرة في أشهر الحج.
(٥) انظر: «المغني» ٥/ ٢٥١ - ٢٥٥.
(٦) «المحلى» ٧/ ٩٩.



والإفراد: أن يحرم بالحج وحده ثم يفرغ من أعماله، ثم يحرم بالعمرة، ثم يفرغ منها. وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي أن يدخل العمرة على الحج كما ستعلمه.
وقولها: (لا نرى إلا الحج): ضبط بفتح النون، وضمها حكاه ابن التين. وقال القرطبي: أي نظن، وكان هذا قبل أن يعلمن بأحكام الإحرام وأنواعه (١)، وقيل: يحتمل أن ذَلِكَ كان اعتقادها من قبل أن تهل، ثم أهلت بعمرة، ويحتمل أن تريد بقولها: (لا نرى) حكاية عن فعل غيرها من الصحابة، وهم كانوا لا يعرفون إلا الحج، ولم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج، فخرجوا محرمين بالذي لا يعرفون غيره. وزعم عياض أنها كانت أحرمت بالحج ثم بالعمرة ثم بالحج (٢)، ويدل على أن المراد بقولها: (لا نرى إلا الحج)، عن فعل غيرها.
وقولها: (فلما قدمنا تطوفنا بالبيت): تعني بذلك رسول الله - ﷺ -، والناس غيرها؛ لأنها لم تطف بالبيت ذَلِكَ الوقت؛ لأجل حيضها.
قال أبو عبد الملك: قولها: (فلما قدمنا تطوفنا بالبيت، فأمر النبي من لم يكن ساق الهدي). معناه: أمر النبي - ﷺ - بسرف من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فتطوفنا. وظاهر الحديث خلافه فإن العطف بالفاء يقتضي التعقيب فثبت أن الأمر كان بعد الطواف، وقيل: معناه: أمر المعتمر أن يحل من عمرته، ومن معه هدي أحرم بحج، فكذلك لم يحل من حجه. وسيأتي في رواية: (فأما من أهل بعمرة فقد حل).

--------
(١) «المفهم» ٣/ ٣١٦.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٣١.



وقيل: يحتمل أن يريد من ظن أنه سيؤمر أن يردف الحج على العمرة، ولا يحل حَتَّى يحل منهما جميعًا، أمر من لم يكن معه هدي من هذا الصنف من الناس أن يحل من عمرته ثم يحرم بالحج، فيكون متمتعًا، وخص بمن لا هدي معه؛ لأن من معه هدي مقلد لينحر بمنى في حجة لا يحل حَتَّى ينحر للآية، فمن معه هدي بقي على إحرامه، وأردف الحج عليها؛ لئلا يحل قبل بلوغ الهدي محله. وقيل: يحتمل أنه لما أمر بالقران من معه هدي أمر نساءه أن يهللن بعمرة، وأن يحللن منها وأخبر أنه لو لم يسق الهدي لحل؛ فدل هذا أنه أراد التيسير على أمته. وفي قولها: (لا نرى إلا الحج) تضعيف قول من قال: إنه أحرم إحرامًا مطلقًا ينتظر ما يؤمر به.
وقولها: (وقالت صفية: ما أراني إلا حابستكم). أي: حَتَّى أطهر من حيضتي وأطوف طواف الوداع؛ لأنها قد كانت طافت طواف الإفاضة المفترض وهي طاهر، قال مالك: والمرأة إذا حاضت بعد الإفاضة فلتنصرف إلى بلدها، فإنه قد بلغنا في ذَلِكَ رخصة من رسول الله - ﷺ - للحائض (١)، يعني حديث صفية. وسيأتي مذاهب العلماء فيمن ترك طواف الوداع في باب: إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت.
وقوله: («عَقْرى حلقى»): معناه: عقرها الله وأصابها في حلقها الوجع، وهذا مما جرى على ألسنتهم من غير قصد له. وقال الأصمعي: يقال ذَلِكَ للأمر يعجب منه. وقيل: معناه: مشؤمة مؤذية (٢). وقيل: دعاء عليها. أي: تصير عاقرًا. ويقال: امرأة حالق إذا

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٦٣.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٣ مادة (عقر).



حلقت قومها بشؤمها. وقال الأصمعي: العرب تقول في الدعاء على الإنسان: أصبحت أمه حالقًا. أي: ثاكلًا. وقال الداودي: يريد: أنت طويلة اللسان لمَّا كلمته بما يكره، وهو مأخوذ من الحلق الذي يخرج منه الكلام.
وعقرى من العقر: وهو الصوت، ومنه رفع عقيرته، وُيروى على وزن فعل، وقياسه عقرى حلقى، كما يقال: تعسا نكسا، وروي بالتنوين فيهما كما قاله القزاز جعلوهما مصدرين أي: عقرك الله عقرًا، وحلقك حلقًا كما يحلق الشعر، وقال ابن ولاد: هو دعاء على الرجل بحلق الرأس، يعني: حلقًا (١)، قال: ولا ننونه؛ لأن ألفه للتأنيث. وقد بوب لها البخاري بابًا في الأدب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٢).
وقوله: («أوما طفت يوم النحر؟» قالت: قُلْتُ: بلى، قال: «لا بأس انفري») فيه: دلالة على أنها تقيم لطواف الإفاضة، ويحبس لها الولي والكريُّ.
وفيه: دلالة على وجوبه، وأن طواف الوداع ليس بركن لأن المكث لا يلزم لأجله، وسيأتي عن ابن عمر، وزِيْدَ بعد هذا: تمكث. ورجع ابن عمر عن ذَلِكَ.
وقولها: (فلقيني النبي - ﷺ - وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها)، إنما حكت الأمر على وجهه، وشك المحدث أي الكلمتين قالت، وإنما لقيها وهو يريد المحصب، وهي

---------
(١) «المقصور والممدود» ص ٧٤.
(٢) سيأتي برقم (٦١٥٧) باب: قول النبي - ﷺ -: تربت يمينك وعقرى وحلقى.



تهبط إلى مكة، والمصعد في اللغة: المبتدئ في السير، والصاعد الراقي إلى الأعلى من أسفل (١).
وقد أسلفنا الخلاف في كيفية إحرامه - عليه السلام - في باب الإهلال مستقبل القبلة، واختلاف العلماء في الأفضل، ومذهب الإمام أحمد اختيار التمتع، قال ابن قدامة: وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعائشة والحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة، وهو أحد قولي الشافعي، واستدل لهم بما رواه ابن عباس وجابر وأبو موسى وعائشة في الصحيح أن النبي - ﷺ - أمر أصحابه لما طافوا أن يحلوا ويجعلوها عمرة فنقلهم من الإفراد والقران إلى التمتع، قال: ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل (٢).
قُلْتُ: في «صحيح ابن حبان»: «من شاء أن يجعلها عمرة» (٣) على وجه التخيير، ثم قال: ولم يختلف أنه - عليه السلام - قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» وذلك دليل فضل التمتع، وهو منصوص في الكتاب العزيز بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، دون سائر الإنساك (٤).
قُلْتُ: ما ذكره عن الحسن وعطاء وطاوس ومجاهد وابن عباس حكاه ابن حزم عنهم في الوجوب لا الاختيار، ثم قال: وقال عبيد الله بن الحسن وأحمد بن حنبل: بإباحة فسخ الحج لا بإيجابه،

--------------
(١) في هامش الأصل: في «المطالع» وصعد في الجبل: علا وصعد فيه وأصعد بمعنىً واحد.
(٢) «المغني» ٥/ ٨٢ - ٨٤.
(٣) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٠٤ (٣٧٩٤) كتاب: الحج، باب: الإحرام.
(٤) المصدر السابق ٥/ ٨٤ - ٨٥.



ومنع منه أبو حنيفة ومالك والشافعي (١).
وقال أبو عمر: ما أعرف من الصحابة من يجيز الفسخ ويأمر به، إلا ابن عباس. وتابعه أحمد وداود، وأما سائر الفقهاء فعلى أن فسخ الحج إلى العمرة خُص به أصحاب رسول الله - ﷺ - (٢).
وقوله: ولأن التمتع منصوص في القرآن بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ﴾ ليس هو التمتع الذي ذكره، والذي فسره به ابن عمر فيما رواه مالك، عن عبد الله بن دينار عنه هو من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي القعدة أو ذي الحجة قبل الحج، ثم أقام بمكة حَتَّى أدركه الحج (٣)، فهو متمتع إن حج وعليه ما استيسر من الهدي ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية.
قال أبو عمر: ما ذكره مالك عن ابن عمر لا خلاف بين العلماء أنه التمتع المراد بالآية (٤)، ثم قال ابن قدامة: ولأن المتمتع يجتمع له الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالهما وكمال أفعالهما على وجه السهولة مع زيادة نسك (٥).
قُلْتُ: الإفراد مثله مع زيادة أن لا دم عليه بخلافه، ثم قال: وأما القرآن فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وحده، وإن اعتمر بعده من التنعيم فقد اختلف في إجزائها عن عمرة الإسلام، وكذلك اختلف في إجزاء عمرة القرآن، ولا خلاف في إجزاء التمتع عن الحج والعمرة جميعًا، فكان أولى (٦).

--------------
(١) «المحلى» ٧/ ١٠١، ١٠٣.
(٢) «التمهيد» ٨/ ١٧٨.
(٣) «الموطأ» ص ٢٢٧.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ٢٠٩.
(٥) «المغني» ٥/ ٨٥.
(٦) المصدر السابق ٥/ ٨٥.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]