
10-02-2026, 05:01 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,812
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (11)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (310)
فائدة:
قام الإجماع على مشروعية التلبية، ثم فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها أنها سنة، قاله الشافعي، والحسن بن حي.
ثانيها: أنها واجبة يجب بتركها دم. قاله أصحاب مالك (١)؛ لأنها نسك، ومن ترك نسكًا أراق دمًا. وقال بعضهم: هي كالأول. حكاه ابن التين.
ثالثها: أنها من شروط الإحرام، لا يصح إلا بها، قاله الثوري، وأبو حنيفة. قال أبو حنيفة: لا يكون محرمًا حَتَّى يلبي أو يذكر، ويسوق هديه (٢). قالا: كالتكبير للصلاة (٣)؛ لأن ابن عباس قال:
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: الإهلال (٤). وعن عطاء، وعكرمة، وطاوس: هو التلبية (٥).
وعندنا قول أنه لا ينعقد إلا بها، لكن يقوم مقامها سوق الهدي، والتقليد، والتوجه معه. وحكي في الوجوب دون الاشتراط، فعليه دم إذا ترك. وقيل: لا بد من التلبية مع النية، وظاهره اشتراط المقارنة.
------------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢٠٧.
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ١٨٧ - ١٨٨، و«المدونة» ١/ ٢٩٥، و«النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣، و«الأم» ٢/ ١٣٢ - ١٣٣، و«المغني» ٥/ ١٠٠ - ١٠١.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ٥٥٠، «البناية» ٤/ ٦٦، «المنتقى» ٢/ ٢٠٧، «التفريع» ١/ ٣٢٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٤، «الأم» ٢/ ١٣٢، «المجموع» ٧/ ٢٣٧، «مغني المحتاج» ٣/ ٢٦٩.
(٤) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» لابن المنذر ١/ ٣٩٤.
(٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ (٣٥٥٨، ٣٥٦٤)، وذكره ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٣٤٦ (١٨٢١).
وقول ابن الجلاب: إنها في الحج مسنونة غير مفروضة يريد أنها ليست من أركان الحج. واختلف إذا لبى حين أحرم ثم تركها فالمعروف من مذهب مالك أنه لا شيء عليه، وقيل: عليه دم، قاله ابن التين.
٢٦ - باب التَّلْبِيَةِ
١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». [انظر: ١٥٤٠ - مسلم: ١١٨٤ - فتح: ٣/ ٤٠٨]
١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها. [فتح: ٣/ ٤٠٨]
ذكر فيه حديث مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
وحديث سُفْيَان، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ.
الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه مسلم والأربعة (١)، وحديث عائشة من أفراده، زاد مسلم في الأول: وكان ابن عمر يزيد مع هذا لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل.
وله: وكان ابن عمر يقول: كان عمر يهل بإهلال رسول الله - ﷺ - من
هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك. إلى آخره (٢).
وفي «مسند ابن وهب»: وكان ابن عمر يزيد: لبيك لبيك لبيك، وسعديك (٣)، وكذا ذكرها أبو قرة. زاد الدارمى بعد والعمل: لبيك لبيك (٤).
وأخرجه النسائي من حديث ابن مسعود إلى قوله: إن الحمد والنعمة لك (٥).
وكذا هو عن جابر عند مسلم (٦).
زاد أبو داود بسند مسلم: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي - ﷺ - يسمع فلا يقول لهم شيئًا (٧).
-----------
(١) مسلم (١١٨٤/ ١٩)، أبو داود (١٨١٢)، الترمذي (٨٢٥ - ٨٢٦)، النسائي ٥/ ١٦٠، ابن ماجه (٢٩١٨).
(٢) مسلم (١١٨٤/ ٢١).
(٣) رواه أبو داود (١٨١٢).
(٤) «مسند الدارمي» ٢/ ١١٤٠ - ١١٤١ (١٨٤٩).
(٥) «سنن النسائي» ٥/ ١٦١.
(٦) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.
(٧) «سنن أبي داود» (١٨١٣) وصححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٥٩١).
ولأحمد: أن سعدًا سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - لا نقول ذَلِكَ (١)؛ لأن هذا إخبار عن نفسه. وللحاكم من حديث أبي هريرة: «لبيك إله الحق». ثم صححه على شرط الشيخين (٢).
وأصل التلبية الاقتداء بإبراهيم - ﷺ - حين قال له تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧].
وأصلها إما من ألب بالمكان: إذا أقام به، أو من الإجابة، أو من اللب، وهو الخالص، أو المحبة، أقوال إجابة لإبراهيم لما دعا الناس إلى الحج على أبي قبيس، أو على حجر المقام، أو ثنية كداء.
وقال ابن حزم: لا علة لها إلا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢] و(إن الحمد) بكسر الهمزة على المختار على الاستئناف (٤).
قال ابن التين: وكذا هو في البخاري، والوجهان في «الموطأ»، ويجوز فتحها على معنى: لأن، والمشهور: نصب النعمة، ويجوز رفعها على الابتداء وحذف الخبر، وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. والرغباء: -ممدود مفتوح، ومقصور بفتح الراء وضمها-: اتساع الإرادة.
وقوله: والعمل أي: إليك القصد به؛ لتجازي عليه. ويحتمل: والعمل لك.
-----------
(١) «المسند» ١/ ١٧٢.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقل الزمخشري في آخر تفسير سورة يس أن الشافعية أخطأ والصحيح عن وأن أبا حنيفة كسر وما قاله الشيخ قاله النووي أن الكسر أصح وأشهر.
(٤) «المحلى» ٧/ ١٣٥.
وقوله: والخير بيديك. هو من باب حسن المخاطبة.
وقوله: (إن تلبية رسول الله - ﷺ - كذا). أي: التي كان يواظب عليها.
قال الشافعي وأصحابنا: يستحب أن لا يزاد عليها، بل يكررها ثلاثًا نسقًا، وأن يقف وقفة لطيفة عند قوله: والملك، وقيل: تكره الزيادة، حكاه في «البيان»، وهو غلط فقد صح: لبيك إله الحق. كما تقدم (١).
وعند الحنفية: ينبغي ألا يخل بشيء من هذه الكلمات، وإن زاد فحسن. وعند بعضهم: وإن نقص أجزأه ولا يضره، وهي مرة شرط وما زاد فسنة (٢).
قال أبو عمر: أجمع العلماء على القول بهذِه التلبية، واختلفوا في الزيادة فيها. فقال مالك: أكره الزيادة على تلبية رسول الله - ﷺ -، وهو قول الشافعي، وقد روي عن مالك أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وأبو ثور: لا بأس بالزيادة؛ عملًا بزيادة ابن عمر، وحديث جابر السالف.
وكان عمر يقول بعدها: لبيك ذا النعماء والفضل والثناء الحسن، لبيك مرهوبًا منك، ومرغوبًا إليك (٣).
وكان أنس يقول: لبيك حقًا حقا، تعبدًا ورقا، وروي رفعه (٤).
------------
(١) «الأم» ٢/ ١٣٢، «البيان» ٤/ ١٤٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٤.
(٢) «المبسوط» ٢/ ١٨٧، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٤٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٨ (١٣٤٧٠) كتاب: الحج، باب: في التلبية كيف هي؟.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ٩٠ وحديث أنس المرفوع رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦، وحديثه الموقوف عزاه ابن حجر في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٤٠ إلى البزار [كشف الأستار ٢/ ١٣]، والدارقطني في «علله» [١٢/ ٣].
ويستحب للمحرم، وإن كان جنبًا أو حائضًا؛ لقوله - عليه السلام - لعائشة: «اصنعي كما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» (١).
ونقل ابن القصار عن الشافعي: الاقتصار على تلبية سيدنا رسول الله - ﷺ - إلا أن يزيد عليها ثنتين: لبيك إله الحق؛ لأن أبا هريرة رواه عن رسول الله - ﷺ -.
والثاني: أن يقول إذا رأى شيئًا فأعجبه: إن العيش عيش الآخرة.
كما فعل - عليه السلام - حين رأى الناس يزدحمون في الطواف (٢).
قُلْتُ: لا، بل بعرفة (٣)، لما أعجبه ما رأى، وإذا زاد هذين كان كمن اقتصر على تلبية رسول الله - ﷺ -. واحتج بأثر سعد السالف (٤)، وحكاه ابن التين أيضًا عن الشافعي (٥).
------------
(١) سبق برقم (١٢٩٤) كتاب: الحج، باب: الأمر بالنفساء إذا نفس بلفظ: «فاقضي ما يقضي الحاج».
(٢) رواه البيهقي في «السنن» ٥/ ٤٥ من حديث الأعرج عن مجاهد.
(٣) من قول ابن جريج.
(٤) «مسند أحمد» ١/ ١٧٢.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع بعد العشرين، كتبه مؤلفه.
٢٧ - باب التَّسبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكبِيِر قَبْلَ الِإهْلَالِ عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلُّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ مَعَهُ بِالَمْدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعَا، وَالعَصْرَ بِذِي الحلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّر، ثمَّ أَهَلَّ بِحَجِّ وعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالَحْجِّ، قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالَمْدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤١١]
ذكر فيه حديث أنس مطولًا وقد أسلفناه قريبًا في باب: من بات بذي الحليفة ببيان متابعته أيضًا (١). وغرض البخاري بهذِه الترجمة -والله أعلم- الرد على أبي حنيفة في قوله: أن من سبح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله، فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد منه، إنما كان قبل الإهلال؛ لقوله في الحديث بعد أن سبح وكبر: (ثم أهل بحج وعمرة).
ويمكن أن يكون فعل تحميده وتكبيره عند ركوبه، أخذًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، ويمكن أن يكون يعلمنا منه جواز الذكر والدعاء مع الإهلال وأن الزيادة عليه مستحبة بخلاف ما سلف، نبه عليه ابن بطال (٢).
-------------
(١) برقم (١٥٤٦).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٥.
وقوله: (ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما). قد رد عليه ابن عمر هذا القول، وقال: كان أنس حينئذ يدخل على النساء وهن منكشفات، ينسب إليه الصغر وقلة الضبط، حَتَّى نسب إلى رسول الله
- ﷺ - الإهلال بالقران، وفيه نظر ستعلمه في الباب بعده.
قال ابن بطال: ومما يدل على قلة ضبط أنس للقصة قوله في الحديث: (فلما قدمنا أمر النبي - ﷺ - الناس فحلوا، حَتَّى كان يوم التروية أهلوا بالحج)، وهذا لا معنى له، ولا يفهم إن كان النبي وأصحابه قارنين كما زعم أنس؛ لأن الأمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حَتَّى يفرغ من عمل الحج كله، كان معه الهدي أو لم يكن، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة ثم تمتع (١).
وقال ابن التين: إن صح فمعناه: أباح النبي - ﷺ - أن يهل غيره بحج وعمرة، فتكون الإباحة هنا بمعنى الفعل كما يقال: كتب رسول الله - ﷺ - (٢)، وقتل العرنين (٣)، ونزح عثمان البئر (٤). وعلله البخاري بأنه عن أيوب، عن رجل، عن أنس، فأعله؛ لجهالة الرجل: قُلْتُ: لكنه أبو قلابة فيما يظهر.
------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٦.
(٢) من ذلك ما سلف برقج (٦٥) عن أنس، ومنه أيضًا ما سيأتي برقم (٧١٩٢)، ورواه مسلم (١٦٦٩)، ومنه ما رواه مسلم (١٥٠٧).
ومن المعروف أن النبي - ﷺ - كان لا يقرأ ولا يكتب وإنما كان يكتب له.
(٣) راجع ما سلف برقم (٢٣٣)، ورواه مسلم (٥٢٤).
(٤) انظر ما سيأتي برقم (٥٨٧٩).
وقوله: (ونحر النبي - ﷺ - بيده بدنات قيامًا) هذِه السنة في نحر الإبل قائمة؛ لأنه أمكن لنحرها؛ لأنه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد اليسرى. وحكى ابن التين عن مالك -فيما رواه محمد عنه- أن الشأن أن ينحر البدن قائمة، قد عقل يدها بالحبل، وقاله ابن حبيب وهو تفسير قوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: وروى أيضًا محمد عن مالك: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها (١).
والأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه كما فعل - ﷺ -، قال ابن التين: وفي غير هذا الموضع أنها كانت سبعين بدنة. وفي «الموطأ» عن علي أنه - عليه السلام - نحر بعض هديه، ونحر بعضه غيره (٢).
وروي أن عليًّا نحر باقيها، وفي الجمع بين هذِه الأحاديث الثلاثة تكلف.
قُلْتُ: لا تكلف ولله الحمد، فقد أهدى مائة بدنة فنحر ثلاثًا وستين بيده، كل واحدة عن سنة من عمره، وفيه إشارة إلى قدر عمره، وأعطى عليًّا فنحر الباقي؛ ليبين الجواز فيه.
وقوله: (ذبح بالمدينة كبشين أملحين) جاء في رواية أخرى: ذبح أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضحِّ من أمته، والأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض.
------------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٨.
(٢) «الموطأ» ص ٢٥٦ (١٩٠).
٢٨ - باب مَنْ أَهَلَّ حِيَن اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً
١٥٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٤١٢]
ذكر فيه حديث ابن عمر وقد سلف في باب: الإهلال عند مسجد ذي الحليفة فراجعه (١).
قال الطبري: جعل الله ذا الحليفة ميقاتًا للمدني، وللمار به من سائر الناس فسواء في جواز الإحرام منه من أي مكان من المسجد أو فنائه، بعد ما استقلت به راحلته أو قبل أن تنهض به قائمة بعدما علا على شرف البيداء أو قبل ما لم يجاوز ذا الحليفة، إذ كل ذَلِكَ قد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه فعله، وليس شيء من ذَلِكَ بخلاف لغيره، وقد يمكن أن يفعل ذَلِكَ كله - عليه السلام - في عمرته التي اعتمر؛ إذ ذَلِكَ كله ميقات، ويمكن أن يكون ذَلِكَ على ما قاله ابن عباس كما سلف عنه.
-------------
(١) برقم (١٥٤١) كتاب: الحج.
٢٩ - باب الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ
١٥٥٣ - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ المَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ.
١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُ.
سلف أيضًا حديثه المعلق والمسند هناك (١).
والتعليق الذي علقه عن شيخه أبي معمر - عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد- ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، فذكره.
وصله أبو نعيم في «مستخرجه»: حَدَّثَنَا إسحاق بن حمزة، حدثني أبو القاسم بن عبد الكريم، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو معمر، فذكره.
ووصله أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه»، حَدَّثَنَا عبد الوارث بن عبد الصمد، ثنا أبي عن أبيه، عن أيوب فذكره (٢).
-----------
(١) برقم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواقع.
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٦٩ (٢٦١٤) كتاب: المناسك، باب: استحباب الاستقبال بالراحلة.
ووصله الإسماعيلي أيضًا من طريق ابن خزيمة: حَدَّثَني محمد بن أبي حامد النيسابوري، أنا ابن خزيمة. والبيهقي عن أبي عبد الله، عن أبي أحمد الحاكم، عن أبي بكر بن خزيمة.
وأخرجه مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب (١).
وقوله: (تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل)، أسنده في باب: الاغتسال عند دخول مكة: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، ثنا أيوب، فذكره كما سيأتي (٢).
ولما ذكر الحاكم حديث ابن عباس: اغتسل رسول الله - ﷺ -، ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج، وقال: صحيح الإسناد، قال: وله شاهد على شرطهما عن ابن عمر: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم،
وإذا أراد أن يدخل مكة (٣).
وأما حديثه الثاني المسند فليس فيه استقبال القبلة عند الإهلال، نعم هو في الأول، وإنما استقبلها لاستقبال دعوة إبراهيم بمكة، فلذلك يلبي الداعي أبدًا بعد أن يستقبل بالوجه؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله بالتلبية في موضعه الذي دعا منه، ويلبيه إذا ركب راحلته أراد به إجابة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧].
وقوله: (فرحلت) هو مخفف الحاء، لأنه ثلاثي.
وقوله: (ثم يلبي حَتَّى يبلغ الحرم) معلوم من مذهبه أنه كان لا يلبي
-----------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٥٩) كتاب: الحج، باب: استحباب المبيت بذي طوى.
(٢) برقم (١٥٧٣) كتاب: الحج، باب: الاغتسال عند دخول مكة.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٧ كتاب: المناسك.
في طوافه، وقد كرهها مالك فيه، كذا نقله عن ابن عمر ابن بطال (١)، وفيه نظر يأتي.
قال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وسيأتي من أجازه ومن كرهه في باب: الاغتسال عند دخول مكة (٢)، إن شاء الله. وإنما كان يدهن بغير الطيب؛ ليمنع بذلك القمل والدواب.
وقوله: (كان ابن عمر إذا صلى الغداة -يعني: الصبح- بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي). قال الداودي: يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: يأمر بها ثم يصلي، ثم يركب، وإن كان هذا محفوظًا فلقرب ذَلِكَ من الصلاة وإنما قال ذَلِكَ لما سلف عن بعضهم أنه يستحب الإحرام عقب الصلاة.
وفيه؛ استقبال القبلة عند إلاهلال؛ لأنها أشرف الجهات.
وقوله: (قائمًا) يعني: إذا وقفت به راحلته. ومبيت ابن عمر بذي طوى للاتباع كما سيأتي، وهو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، قال البكري: واد بمكة (٣)، وعند السهيلي في أسفلها (٤).
وذو طواء ممدود موضع بطريق الطائف، وقيل وادٍ. ودخول مكة نهارًا أفضل. وقيل: الليل والنهار سواء، فقد دخلها - عليه السلام - في عمرة
-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
(٢) انظر شرح حديث (١٥٧٣).
(٣) «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٩٦.
(٤) «الروض الأنف» ٢/ ٢٢٧.
الجعرانة ليلا (١)، وهو المذكور في «الهداية» (٢).
وهذا الغسل لدخول مكة سنة، فإن عجز عنه تيمم يستوي فيه الحائض، والنفساء والصبي.
وقد أسلفنا كلام ابن حزم فيه، قال: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذِه تغتسل ولابد، والمرأة تلد قبل أن تهل بعمرة أو بالقران، ففرض
عليها أن تغتسل وتهل (٣).
وقال في الطهارة: الحيض والنفاس شيء واحد، وحكم واحد فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل (٤).
قال صاحب «الاستذكار»: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه -يعني: الغسل للإحرام- إلا الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه، وهو سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ولا يرخصون في تركه إلا من عذر. وعن عبد الملك وهو لازم، إلا أنه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية.
وقال ابن خويز منداد (٥): هو عند مالك آكد من غسل الجمعة. وقال
------------
(١) رواه الترمذي (٩٣٥).
(٢) «الهداية» ١/ ١٥١.
(٣) «المحلى» ٧/ ١٦٨.
(٤) «السابق» ٢/ ٢٦.
(٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: علي، بدل: عبد الله، الفقيه، أبو بكر بن خويز منداد المالكي، صاحب أبي بكر الأبهري، من كبار المالكية العراقيين. صنف كتابًا كبيرًا في الخلاف، وآخر في أصول الفقه، وكتاب «أحكام القرآن».
انظر تمام ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢١٧، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٥٢ (٣٣٧).
أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم، وهذا أول اغتسال الحج بعد الإحرام، وبعده الوقوف بعرفة ومزدلفة غداة النحر وأيام التشريق للرمي، واستحبه الشافعي في القديم في الطواف (١).
وقوله: (حَتَّى يبلغ الحرم، ثم يمسك حَتَّى إذا جاء ذا طوى بات به) أي: يتابع إهلاله في أكثر أوقاته إلى أن يبلغه.
وقوله: (ثم يمسك) قال ابن التين: لعل معناه أنه محرم بعمرة؛ لأن الحاج لا يمسك حينئذ. وروي عن مالك يمسك حينئذ.
وقوله: (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم رفعه إلى رسول الله - ﷺ -) قال ابن التين: يحتمل أن يعيد ذَلِكَ للاستواء على الراحلة أو يكون أراد به تطيبًا، ولم يعن بما لا رائحة له؛ لأن عائشة طيبته للإهلال بأطيب الطيب المسك.
ويحتمل أن يكون - عليه السلام - فعل ذَلِكَ بعد أن تطيب بالمسك، فلم يره ابن عمر حين تطيب به.
فائدة:
في «سنن سعيد بن منصور»: حَدَّثَنَا جرير عن مغيرة قال: ذكر عند إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت. وقال إبراهيم: لا، بل يلبي قبل الطواف، وفي الطواف، وبعد الطوف،
ولا يقطعها حَتَّى يرمي الجمرة (٢).
--------------
(١) «الاستذكار» ١١/ ١٢. وانظر «الهداية» ١/ ١٤٨، «المبسوط» ٤/ ٣، «البيان» ٤/ ١٢٠.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦.
وقال الترمذي في «علله»: سألت محمدًا عن أبي إسحاق قال: قال: سأل أبي عكرمة -وأنا أسمع- عن الإهلال متى يقطع؟ فقال: أهلَّ النبي - ﷺ - حَتَّى رمى الجمرة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان الحديث. فقال: هو حديث محفوظ (١).
وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، إلا أن أبا حنيفة، والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة (٢). وقال ابن حزم: بل مع آخر حصاة منها، وقد قال ابن عباس وأسامة: لم يزل - عليه السلام - يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة. وهو خلاف ما قالاه، ولو كان كما قالاه لقالا: حَتَّى بدأ بجمرة العقبة. ومن حديث عبد الله بن إبراهيم بن حسين، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يهل وهو يرمي جمرة العقبة، فقيل له: ما الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا؟ (٣).
وقال قوم منهم مالك: إن الحاج يقطعها إذا طاف، وبالصفا والمروة، وإذا أتم ذَلِكَ عاودها. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يقطع. وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم. وقال آخرون: لا يقطعها
حَتَّى يرى بيوت مكة. وقالت طائفة: حَتَّى يدخل بيوتها. وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حَتَّى يستلم الحجر، ويعضد ما ذكره المروذي، عن أحمد، عن هشيم، ثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:
--------------
(١) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٧ (١٣٧).
(٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٢٠، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٢ - ١٠٣، «المغني» ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨.
(٣) رواه ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦، والبيهقي ٥/ ١١٣ كتاب: الحج، باب: التلبية يوم عرفة وقبله وبعده …
اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر، كل ذَلِكَ في ذي القعدة، يلبي حَتَّى يستلم الحجر.
وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة يقطع التلبية.
وقال الشافعي: لا يقطع حَتَّى يفسخ الطواف. وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم، فإن أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو المسجد. وروي عن ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حَتَّى يستلم الركن (١)، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة (٢).
وكانت أم سلمة تأمر يوم عرفة بالشمس ترعى لها [رعية] (٣)، فإذا زالت قطعت التلبية، ذكره ابن أبي حاتم في «علله»، عن موسى بن يعقوب، عن عمته، عنها (٤).
قال ابن حزم؛ والذي نقول به هو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها، قال: فإن قالوا: فهل عندكم اعتراض فيما روي عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية، ويرفع الحديث، قُلْتُ:
لا معترض فيه، وهو صحيح؛ إلا أنه لا حجة لكم فيه؛ أول ذَلِكَ أنه ليس فيه ما تذكرون من أن هذا كان في العمرة، فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج، ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضًا، نقول لمن ذهب إلى قول مالك: لا حجة لكم فيه؛ لأنه
-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٩ (١٤٠٠١) كتاب: الحج، باب: في المحرم المعتمر متى يقطع التلبية.
(٢) «المحلى» ٧/ ١٣٥ - ١٣٨ بتصرف.
(٣) ليست في الأصل، والمثبت من «العلل».
(٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٨٩ (٨٦٣).
قد يمكن أن ابن عمر إنما أشار بقوله: أنه - عليه السلام - كان يفعل ذَلِكَ، أي: إلى مبيته بذي طوى، وصلاة الصبح بها فقط، وكذا نقول: أو يكون أشار بذلك إلى قطع التلبية، كما نقول فإن كان هذا فخبر جابر، وأسامة، وابن عباس مرفوعًا، لزم التلبية ولم يقطعها حَتَّى رمي جمرة العقبة،
زائد على خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها (١).
وما أسلفناه عن ابن مسعود أخرجه الحاكم بلفظ: والذي بعث محمدًا بالحق لقد خرجت معه من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حَتَّى رمى الجمرة؛ إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٢).
وفي «علل ابن أبي حاتم»: سُئِلَ أبو زرعة عن حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة (٣) عن غريب، عن ابن عباس قال: بعثني النبي - عليه السلام - مع ميمونة أقود بها بعيرها يوم النحر، ليست من جمرة العقبة بمنى، فما زلت أسمعها تلبي، فلما قذفت الجمرة بأول حصاة أمسكت. فقال أبو زرعة: إنما هو عن كريب قال: بعثني ابن عباس مع ميمونة، ويونس يهم فيه (٤).
فائدة: أقدمها هنا وأحيل عليها فيما بعد: اختلف العلماء في إهلاله - ﷺ -، هل كان مطلقًا أو معينًا؟ وإذا كان معينًا، فهل كان إفرادًا، أو تمتعًا، أو قرانًا؟
------------
(١) «المحلى» ٧/ ١٣٨ بتصرف.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ كتاب: المناسك.
(٣) في الأصل: إبراهيم بن عقبة عن ابن عمر عن كريب، والمثبت من «العلل».
(٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٩٥ (٨٨٤).
فروى الشافعي من حديث طاوس الأول، وأنه كان ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه من كان منهم أهلَّ وليس معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث (١).
ومن حديث جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله - ﷺ - في تلبيته حجًّا ولا عمرة (٢).
وقال في كتاب «مختلف الحديث»: إنه الأشبه أن يكون محفوظًا (٣).
وقال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى. ووجه الاختلاف أنه - عليه السلام - لما عقد الإحرام جعل يلبي تارة بالحج، وتارة بالعمرة، وتارة بهما (٤).
وأما قول المهلب السالف: رد ابن عمر على أنس قوله: أهلَّ بحج وعمرة، وقال: كان أنس حينئذٍ يدخل على النساء وهن متكشفات، ينسبه إلى الصغر وقلة الضبط. زاد الطرطوسي في «كتاب الحج» له: روى ابن عمر أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، وابن عوف أفردوا الحج ولم يقرنوا، ولم يتمتعوا، قال: وهذا يدفع اعتراض من قال: سمع الحج ولم يسمع العمرة.
-------------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٢ (٩٦٠).
(٢) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٠ (٩٥٧)، «الأم» ٢/ ١٣٢.
(٣) «اختلاف الحديث» ص ٢٢٩.
(٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: مما يرجح القرآن أن رواة الإفراد اختلف فيهم بخلاف من رواه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|