
10-02-2026, 04:35 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,889
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (11)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (305)
١١ - باب مُهَلِّ مَنْ كَانَ دُونَ المَوَاقِيتِ
١٥٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الُحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلَمِنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٣/ ٣٨٨]
فذكر فيه حديث ابن عباس السالف وفيه: وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن وقال: فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا.
ثم قال:
١٢ - باب مُهَلِّ أَهْلِ اليَمَنِ
١٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الَمنَازِلِ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لأهلِهِنَّ وَلكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِم مِمَّنْ أَرَادَ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٣/ ٣٨٨]
وذكر فيه حديث ابن عباس المذكور: (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ)
الشرح:
حديث ابن عباس وابن عمر أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وعليهما مدار المواقيت، وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المهل فقال: سمعت -أحسبه- رفع إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم» (٢) وهو من أفراده، وانفرد البخاري بحديث ابن عمر، عن عمر، وترجم عليه:
----------
(١) حديث ابن عباس أخرجه مسلم برقم (١١٨١) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة، حديث ابن عمر أخرجه برقم (١١٨٢).
(٢) مسلم (١١٨٣).
١٣ - باب ذَاتُ عِرْقٍ لأَهْلِ العِرَاقِ
١٥٣١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. [فتح: ٣/ ٣٨٩]
ولفظه عن ابن عمر: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
إذا عرفت؛ ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
في بيان الأماكن الواقعة فيه غير ما سلف، اليمن: إقليم معروف.
ويلملم ويقال: ألملم، بالهمز بدلًا من الياء، يصرف ولا يصرف: جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، ويقال: يرمرم، بالراء (١).
وذات عرق على مرحلتين من مكة وهي الحد بين نجد وتهامة (٢).
و(مَهْيَعَة) -بفتح الميم والياء، وبعضهم كسر الياء، حكاه القرطبي (٣) وصححه ابن التين، والأول ما في «الصحاح» (٤).
------------
(١) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٤٤١.
(٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) «المفهم» ٣/ ٢٦٢.
(٤) «الصحاح» ٣/ ١٣٠٩ وانظر تفصيل هذِه الأقوال في «معجم البلدان» ٥/ ٢٣٥.
قال ابن الصباغ والروياني: وأبعد المواقيت ذو الحليفة فإنها على عشرة مراحل من مكة، ويليه في البعد الجحفة أي: فإنها على ثلاث مراحل من مكة، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان.
والمُهل -بضم الميم، وإنما يفتحها من لا يعرف، كما نبه عليه ابن الجوزي- والإهلال: رفع الصوت بالتلبية.
وقولهم لعمر: (وهو جور عن طريقنا)، يعنون وهو: منحرف ومنعدل عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أي: غير قاصد، ومنه: جار السلطان إذا عدل في حكمه عن الحق إلى الباطل.
والمصران: البصرة والكوفة، وإنما فتح البلد الذي هما به ولم تكونا مُصِّرَتا بعد، إنما مَصَّرهما عمر بعد ذَلِكَ.
الثاني:
في النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات العرق (١). وفي إسناده أحمد بن حميد المدني، احتج به الشيخان، ووثقه يحيى بن معين وغيره، وعن أحمد إنكار روايته له هذا الحديث، وأما ابن حزم فصححه (٢).
وروى الشافعي في «الأم» عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المغرب الجحفة الحديث (٣)، وهذا
-----------
(١) «سنن النسائي» ٥/ ١٢٣ كتاب: مناسك الحج، باب: المواقيت، ميقات أهل مصر، وصححه الألباني في «صحيح النسائي».
(٢) «المحلى» ٧/ ٧١.
(٣) «الأم» ٢/ ١٣٧ كتاب: الحج، باب: الخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتين.
مرسل يعتضد بقيام الإجماع على مقتضاه، وأيضًا فرواه الشافعي متصلًا من حديث جابر، لكن مع الشك في رفعه، ففي ذَلِكَ زيادة مصر والمغرب (١)، وحديث جابر السالف من عند مسلم (٢) أخرجه ابن ماجه من غير شك قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال الحديث، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزي ضُعِّف (٣).
ورواه ابن وهب في «مسنده» عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول، فذكره. وقال البيهقي: الصحيح رواية ابن جريج، قال: وكقول ابن لهيعة قيل: عن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، قال: ويحتمل أن يكون جابر سمع ذَلِكَ من عمر بن الخطاب (٤).
ولأحمد من حديث جابر وعبد الله بن عمرو قالا: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف -وهي: نجد- قرن، ولأهل العراق ذات عرق (٥).
وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» بدونه من طريق جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن (عمر) (٦) وقال: لم يروه عن ميمون إلا ابن برقان (٧).
-----------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٩٠ (٧٥٦) كتاب: الحج، باب: في مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية.
(٢) مسلم (١١٨٣/ ١٨) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والمعمرة.
(٣) «سنن ابن ماجه» (٢٩١٥) كتاب: المناسك، باب: مواقيت أهل الآفاق.
(٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٤٠ كتاب: الحج، باب: ميقات أهل العراق.
(٥) حديث جابر أخرجه أحمد ٢/ ١٨١، وحديث ابن عمر أخرجه ٢/ ١١.
(٦) في الأصل: عمرو، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج.
(٧) «الأوسط» ٥/ ١٦٥ (٤٩٥٨).
وله من حديث جعفر، ثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس يرفعه: «ولأهل الطائف قرنًا» وقال: لم يروه عن جعفر إلا أبو نعيم (١).
وللترمذي محسنًا من حديث ابن عباس: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق العقيق (٢). وقال البيهقي: تفرد به يزيد بن أبي زياد (٣).
ولأحمد من طريقه: ولأهل العراق ذات عرق. ولابن أبي أسامة ذكر الطائف والعراق. ولأبي داود من حديث الحارث بن عمرو السهمي: وقت رسول الله - ﷺ - ذات عرق لأهل العراق. الحديث (٤).
قال البيهقي: فيه من هو غير معروف (٥).
وللشافعي أخبرنا مسلم (و) (٦) سعيد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء أن النبي - ﷺ - وقت لأهل المشرق ذات عرق، قال: فراجعت عطاء فقلت: زعموا أن النبي - ﷺ - لم يوقت ذات عرق، ولم يكن أهل مشرق حينئذ قال: كذلك سمعناه أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق، ولم يكن يومئذ عراق، ولم يعزه لأحد دون رسول الله - ﷺ -، ولكنه يأبى إلا أن النبي - ﷺ - وقته (٧).
------------
(١) «الأوسط» ٥/ ١٦٥ (٤٩٦٠).
(٢) «سنن الترمذي» (٨٣٢) كتاب: الحج، باب: ما جاء في مواقيت الإحرام لأهل الآفاق.
(٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨.
(٤) «سنن أبي داود» (١٧٤٢) كتاب: المناسك، باب: في المواقيت، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٤٢٢ (١٥٢٩).
(٥) «معرفة السنن» ٧/ ٩٦.
(٦) في الأصل: بن. والمثبت من «مسند الشافعي».
(٧) «مسند الشافعي» ١/ ٢٩١ (٧٥٨).
وحكى ابن عبد البر في «تمهيده» عن صدقة بن يسار قال: قيل لابن عمر: والعراق قال: لا عراق يومئذ (١).
ولأبي داود من حديث أم سلمة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة» (٢) وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وصححه ابن حبان (٣)، وخالف ابن حزم فأعله (٤) بما بينت غلطه في تخريجي لأحاديث الرافعي (٥).
وفي «مراسيل أبي داود» عن ابن سيرين قال: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل مكة التنعيم قال: وقال سفيان هذا الحديث لا يكاد يعرف (٦).
الثالث: شيخ البخاري أحمد المذكور في باب مهل أهل نجد، قال أبو نعيم: هو ابن عيسى التستري، قال الجياني: وكذا نسبه أبو ذر في هذا الموضع.
وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد محمد بن إسحاق الحافظ أحمد عن ابن وهب في «جامع البخاري» هو ابن أخي ابن وهب، وغلطه الحاكم أبو عبد الله، قال الكلاباذي: قال لي ابن مسنده أبو عبد الله: كل ما قال البخاري في «الجامع»: حَدَّثَنَا أحمد عن ابن وهب فهو:
----------
(١) «التمهيد» ٨/ ٦٩.
(٢) رواه أبو داود (١٧٤١) كتاب: المناسك، باب: في المواقيت، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٤٤ (٣٠٧).
(٣) «سنن ابن ماجه» (٣٠٠١) كتاب: المناسك، باب: من أهل بعمرة من بيت المقدس، وصححه ابن حبان في «صحيحه» ٩/ ١٤ (٧٠١)، وضعفه الألباني.
(٤) «المحلى» ٧/ ٧٦.
(٥) «البدر المنير» ٦/ ٩٢ - ٩٧٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٠٧).
(٦) «مراسيل أبي داود» ص ١٤٥ (١٣٥ - ١٣٦).
ابن صالح ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب شيئًا في «الصحيح»، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى نسبه، فتحصلنا على ثلاثة أقوال (١).
الرابع:
معنى توقيته - ﷺ - هذِه المواقيت لكل بلد لا يجوز تأخير الإحرام لمريد النسك عنها، ثم كلها ثابتة بالنص ومجمع عليها، نعم اختلف في ذات عرق هل هي ميقات بالنص أو باجتهاد عمر، واضطرب الترجيح عندنا فيه، والمنصوص عليه في «الأم» الثاني (٢)، كما هو مبين في حديث الباب، وقد أسلفناه مرفوعًا أيضًا، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعطاء، وقال جابر بالأول (٣).
واعتل من قال به؛ لأن العراق فتحت في زمانه، ولم تكن العراق على عهده - عليه السلام -، وجوابه: أنه قد وقت لأهل الشام الجحفة، وهي يومئذ ذات كفر، وكذا مصر؛ لأنه علم أنها ستفتح على أمته، يؤيده: «منعت العراق دينارها ودرهمها، ومنعت الشام مديها» (٤) يعني: ستفتح، وحديث: «سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» (٥).
قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر الحديث (٦). يعني: حديث ابن عمر وابن عباس، واختلفوا فيما يفعل
--------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٤٤ - ٩٥٦.
وورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني بعد العشرين، كتبه مؤلفه.
(٢) «الأم» ٢/ ١١٧ - ١١٨.
(٣) سبق تخريجها.
(٤) رواه مسلم (٢٨٩٦) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب.
(٥) رواه مسلم (٢٨٨٩) كتاب: الفتن، باب: هلاك هذِه الأمة.
(٦) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦١.
من مرّ بذات عرق، فثبت أن عمر وقته لأهل العراق، ولا يثبت فيه عن النبي - ﷺ - سنده.
وقال ابن حزم: الخبر بيَّنا ضعفه وإنما حد عمر ما حده لهم رسول الله - ﷺ -، ورواية من سمع وعلم أتم من رواية من لم يسمع، وكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذَلِكَ الشافعي والثوري (١).
وهو: وادٍ وراء ذات عرق بما يلي المشرق يقرب منها (٢)؛ لأن من أحرم منه كان محرمًا منها ولا عكس، وكان مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق (٣).
قال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق يجزئ، وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذَلِكَ عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن، ولولا سنة عمر لكان هو أشبه بالنظر؛ لأن المعنى عندهم في ذات عرق أنه بإزاء قرن والربذة بإزاء ذي الحليفة قال أبو بكر: وقول عمر بن الخطاب أولى أن يهلوا من المواقيت التي ذكرناها، وأحرم الشارع من الميقات الذي سنه لأهل المدينة، وترك أن يحرم من سواه، وتبعه عليه أصحابه وعوام أهل العلم.
قال الطحاوي: وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس وذهبوا إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر أهل البلدان،
-------------
(١) «الأم» ٢/ ١١٨.
(٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٣٩ - ١٤٠.
(٣) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٩٤، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٤٨، «الأم» ٢/ ١١٨، «المغني» ٥/ ٥٦ - ٥٧.
وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذِه المواقيت (١).
وأجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه يحرم (٢).
واختلفت الأخبار عن الأوائل في هذا الباب، فثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء -يعني: بيت المقدس- كما سيأتي (٣)، وكان عبد الرحمن والأسود وعلقمة وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم (٤)، ورخص فيه الشافعي (٥).
وقد روينا عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (٦)، وكره الحسن وعطاء ومالك الإحرام من المكان البعيد (٧)، وكان الشافعي يقول: إذا مر بذي الحليفة وهو يريد الحج والعمرة فلم يحرم فعليه دم، وبه قال الليث والثوري (٨).
واختلف فيه أصحاب مالك: فمنهم من أوجبه، ومنهم من لم يوجبه (٩). وكره أحمد وإسحاق مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة (١٠).
-----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١٧ - ١١٨.
(٢) انظر: «الإجماع لابن المنذر» ص ٤٨.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٢١ كتاب: الحج، باب: تعجيل الإحرام من رخص أن يحرم من الموضع البعيد.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٢٢ عن الأسود.
(٥) «الأم» ٢/ ١١٩.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٧) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٦، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٤٨.
(٨) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٤، «الأم» ٢/ ١١٩.
(٩) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٣.
(١٠) انظر: «المغني» ٥/ ٦٤.
وقال ابن المسيب وغيره: يهل من مهل رسول الله - ﷺ -، وكان أبو ثور يرخص أن يجاوز من مر بذي الحليفة إلى الجحفة، وبه قال أصحاب الرأي، غير أن الوقت أحب إليهم (١)، وبهذا نقول، وكانت عائشة إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة، ووقع في «شرح ابن التين» أن الأفضل في حق أهل الشام ومصر والمغرب أن يهلوا من ذي الحليفة، وهو عجيب.
واختلفوا فيمن جاوز الميقات غير محرم، فقال الثوري والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد: يرجع إلى الميقات، فإن لم يفعل إهراق دمًا (٢).
وكان جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير يرون أن يرجع إلى الميقات إذا تركه، وفي قول الشافعي والثوري وأبي ثور ومحمد ويعقوب: إن جاوزه فأحرم ثم رجع فلا شيء عليه وإلا قدم (٣). كما أسلفناه في بادٍ فرض مواقيت الحج والعمرة. وقال مالك كقول هؤلاء: إذا لم يرجع عليه دم، وإن جاوزه فأحرم ثم رجع إليه لم ينفعه الرجوع والدم عليه (٤).
وقال ابن المبارك: لا يسعه الرجوع والدم عليه. وقال النعمان: إن جاوزه وأحرم فان رجع ملبيًّا سقط وإلا فلا، وقد سلف أيضًا.
وفي المسألة أقاويل غير هذا:
أحدها: أنه لا شيء على من ترك الميقات، هذا أحد قولي عطاء،
------------
(١) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٧.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٦٥، «البيان» ٤/ ١١٣ - ١١٤.
(٣) انظر: المصادر السابقة.
(٤) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٤، «بداية المجتهد» ٢/ ٦٣٢.
وروينا ذَلِكَ عن الحسن وإبراهيم.
ثانيها: روينا عن ابن الزبير أنه يقضي حجه، ثم يرجع إلى الميقات فيهل بعمرة.
ثالثها: أنه لا حج له، كذا قاله سعيد بن جبير.
واختلفوا فيمن مرّ به لا يريد نسكًا، ثم بدا له إرادته فكان مالك والثوري والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد بن الحسن يقولون: يحرم من مكانه الذي بدا له أن يحرم فيه ولا شيء عليه، روي ذَلِكَ عن عطاء (١).
وقال أحمد في الرجل يخرج لحاجته وهو لا يريد الحج فجاز ذا الحليفة، ثم أراد الحج قال: يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم وبنحوه قال إسحاق (٢).
قال ابن المنذر: فظاهر الحديث أولى، وقد أحرم ابن عمر من الفرع، وهو بعد الميقات، وهو راوي حديث المواقيت، وحمله الشافعي على ذَلِكَ إذ جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها، ثم بدا له في الإحرام (٣).
واختلفوا في من أراد الإحرام، وموضعه دون المواقيت إلى مكة، فكان طاوس ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يحرم من موضعه وهو ميقاته (٤). ونقله ابن بطال عن جمهور الفقهاء (٥).
--------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٣٠١، «الاستذكار» ١١/ ٨٦، «الأم» ٢/ ١٢٠.
(٢) انظر: «المغني» ٥/ ٧٠.
(٣) «الأم» ٢/ ١٢٠.
(٤) انظر: «المعونة» ١/ ٣٢٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٠، «المغني» ٥/ ٧٣.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨.
وقال أصحاب الرأي: يحرم من موضعه فإن لم يفعل لم يدخل الحرم إلا حرامًا، فإن دخله غير حرام فليخرج من الحرم فليهل من حيث شاء (١).
وقد روينا عن مجاهد أنه قال: إذا كان الرجل أهله بين مكة وبين الميقات، أهل من مكة، قال أبو بكر: وبقول الشافعي ومالك أقول.
قُلْتُ: لقوله: «ومن كان دون ذَلِكَ فمن حيث أنشأ» فإن ترك الميقات فأحرم بعد أن جاوزه ثَمَّ أَفْسَد حجه.
قال الثوري وأصحاب الرأي: يمضي في حجه وعليه حج قابل، وليس عليه دم لتركه الميقات؛ لأن عليه القضاء. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور عليه دم؛ لترك الميقات وما يلزم المفسد، قال: وبقول الشافعي أقول.
فرع:
قال ابن المنذر وقال الشافعي بمصر -يعني: في الجديد-: إذا بلغ صبي، أو عتق عبد، أو أسلم كافر بعرفة أو بمزدلفة فأحرم أيُّ هؤلاء صار إلى هذِه الحال بالحج، ثم وافوا عرفة قبل طلوع فجر ليلة العيد فقد أدرك الحج وعليه دم لترك الميقات ولو أحرم الكافر من ميقاته، ثم أسلم بعرفة لم يكن بدّ من دم يهريقه، وليس ذَلِكَ على العبد والغلام، يحرمان من الميقات، ثم يبلغ الغلام ويعتق العبد قبل وقوفه بعرفة، وكان أبو ثور يقول في النصراني يسلم بمكة والصبي يبلغ والعبد يعتق بها: يحرمون منها ولا شيء عليهم، وكذلك قال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق في النصراني يسلم بمكة، وقال مالك في
-----------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «تبيين الحقائق» ٢/ ٧٣، «البناية» ٤/ ٣٦٩.
النصراني يسلم عشية عرفة والعبد يعتق: يحرمان، والغلام يدخل مكة ثم يحتلم: يحرمان وليس عليهما شيء، وفي العبد يدخل مكة بغير إحرام ثم أذن له مولاه فأحرم بالحج عليه دم إذا عتق لترك الوقت.
الخامس:
قوله: «هن لهن» أي: هذِه المواقيت جعلت لهذِه البلاد، والمراد: أهلها والأصل أن يقال: هن لهم؛ لأن المراد الأهل، وقد سلف رواية البخاري: «هن لأهلهن» وقال القرطبي: «هن» ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذَلِكَ في العشرة فما دونها، فإذا جاوزوها قالوه بهاءِ المؤنث كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي: من الاثنى عشر، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) أي: في هذِه الأربعة، وقد قيل في الجميع وهو شاذ.
قال ابن المنذر: العلماء متفقون على أن يهل أهل مكة للحج من مكة؛ عملًا بالحديث المذكور فلا يخرج أهلها عن بيوتها إلا بالإحرام، وسنتهم أن لا طواف قدوم عليهم، وإنما هو سنة الغرباء.
واختلف العلماء هل الأفضل أن يحرم من دويرة أهله أم من الميقات؟ على قولين:
أحدهما: من دويرة أهله، وهو قول أبي حنيفة والثوري في آخرين (٢).
------------
(١) «المفهم» ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٧، «الاختيار» ١/ ١٨٣.
وثانيهما: من الميقات، وهو قول مالك، وأحمد وإسحاق (١)، ونقله ابن التين عن أبي حنيفة أيضًا وللشافعي قولان، واضطرب أصحابه في الترجيح، والموافق للأحاديث الصحيحة الثاني (٢).
-------------
(١) قال أبو الوليد الباجي في «المنتقى» ٢/ ٢٠٦: وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهية فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق اهـ.
انظر: «المغني» ٥/ ٦٥ - ٦٦، «المبدع» ٣/ ١١٢، ١١٣.
(٢) قال النووي رحمه الله في «المجموع» ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦: وللشافعي قولان:
أحدهما: الإحرام من الميقات أفضل والثاني: مما فوقه أفضل. وهذان القولان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان، وفي المسألة طريق آخر: وهو أن الإحرام أفضل من دويرة أهله قولًا واحدًا، وهي قول القفال، وهي مشهورة في كتب الخراسانيين، وهي ضعيفة غريبة، والصحيح المشهور أن المسألة على القولين، ثم إن هذين القولين منصوصان في الجديد نقلهما الأصحاب عن الجديد أحدهما: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله نص عليه في «الإملاء».
والثاني: الأفضل الإحرام من الميقات نص عليه البويطي، و«الجامع الكبير» للمزني، وأما: الغزالي فقال في «الوسيط»: لو أحرم قبل الميقات فهو أفضل، قطع به في القديم، وقال في الجديد: هو مكروه، وهو متأول، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب من غير إحرام، وكذا نقل الفوراني في «الإبانة» أنه كره في الجديد الإحرام قبل الميقات، وكأن الغزالي تابع الفوراني في هذا النقل، وهو نقل ضعيف غريب لا يعرف لغيرهما، ونسبه صاحب «البحر» إلى بعض أصحابنا بخراسان، والظاهر أنه أراد الفوراني، ثم قال صاحب «البحر»: هذا النقل غلط ظاهر، وهذا الذي قاله صاحب «البحر» من التغليط هو الصواب، فإن الذي كرهه الشافعي في الجديد أنه هو التجرد عن المخيط لا الإحرام قبل الميقات، بل نص في الجديد على الإنكار على من كره الإحرام قبل الميقات.
واختلف أصحابنا في الأصح من هذين القولين فصححت طائفة الإحرام من دويرة أهله، ممن صرح بتصحيحه القاضي أبو الطيب في كتابه «المجرد» والروياني في «البحر» والغزالي والرافعي في كتابيه وصحح الأكثرون والمحققون تفضيل الإحرام من الميقات ممن صححه المصنف في «التنبيه» وآخرون، وقطع به كثيرون من أصحاب المختصرات، منهم أبو الفتح سليم الرازي في «الكفاية»، والماوردي في =
وفي «مسند أبي يعلى» من حديث أبي أيوب مرفوعًا: «ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» (١)
وعمل بذلك أصحابه وعوام أهل العلم. وغير جائز أن يكون فعل أعلى من فعله أو عمل أفضل من عمله. وسئل مالك عن ذَلِكَ فتلا قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] (٢).
والأولون اعتمدوا فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبلها: ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم، وهم أعرف بالسنة، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع على خلافه.
--------------
= «الإقناع»، والمحاملي في «المقنع»، وأبو الفتح نصر المقدسي في «الكافي»، وغيرهم، وهو الصحيح المختار، وقال الرافعي: في المسألة ثلاث طرق (أصحها) على قولين والثاني: القطع باستحبابه من دويرة أهله والثالث: إن من خشي على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام فدويرة أهله أفضل، وإلا فالميقات.
والأصح: على الجملة أن الإحرام من الميقات أفضل.
(١) رواه البيهقي ٥/ ٣٠ - ٣١ كتاب: الحج، باب: من استحب الإحرام من دويرة أهله ومن استحب التأخير إلى الميقات خوفًا من أن لا ينضبط، وقال: هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب: منكر الحديث، قاله البخاري وغيره. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢١٢).
(٢) قال الحطاب في «مواهب الجليل» ٤/ ٥٤: قال ابن مسدي في خطبة منسكه: وعن سفيان بن عيينة قال: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: أحرم من حيث أحرم - ﷺ -. فأعاد عليه مرارًا وقال: فإن زدت على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وما في هذِه من الفتنة إنما هي أميال أزيدها. فقال مالك: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلًا قصر عنه رسول الله - ﷺ -، أو ترى أن اختيارك لنفسك في هذا خيرًا من اختيار الله لك واختيار رسول الله - ﷺ - ا. هـ.
قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام له ولا حج ولا عمرة إلا أن ينوي إذا صار في الميقات تجديد إحرام، فذلك جائز وإحرامه حينئذ تام (١).
وكره مالك كما حكاه أبو عُمر أن يحرم أحد قبله (٢)، وقد سلف، وروي عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (٣). وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات (٤).
وفي تعليقات البخاري كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان (٥)، وكره الحسن وعطاء الإحرام من الموضع البعيد.
قال إسماعيل القاضي: وإنما كرهوا ذَلِكَ والله أعلم؛ لئلا يضيق المرء على نفسه ما وسع الله تعالى عليه، وأن يتعرض لما لا يأمن أن يحدث في إحرامه وكلهم ألزمه الإحرام؛ لأنه زاد ولم ينقص. والدليل على ذَلِكَ قوله: أن ابن عمر روى المواقيت ثم أجاز الإحرام من قبلها من موضع بعيد، والذين أحرموا قبله كثير من التابعين أيضًا كما سلف عن الصحابة.
قال الطحاوي: وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس وذهبوا إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر البلدان، وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذِه المواقيت المذكورة (٦).
-----------
(١) «المحلى» ٧/ ٧٠.
(٢) «التمهيد» ٨/ ٧٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣.
(٥) رواه معلقا قبل الرواية (١٥٦٠) باب: قول الله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
(٦) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١٧ - ١١٨.
وحاصل الخلاف ثلاثة أقوال كما جمعها ابن بزيزة: منهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب؛ لأنه إذا أحرم من غير الميقات مع قربه ليس فيه إلا مخالفة السنة لغير فائدة بخلاف البعيد، ثم نقل عن أبي حنيفة والشافعي أن ما قبل الميقات أفضل لمن قوي على ذَلِكَ، وقد صح أن عليًّا وعمران بن حصين وابن عباس أحرموا من المواضع البعيدة، وكذا من أسلفناه من الصحابة. وقال ابن عباس: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (١).
وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن أبي العاصي أحرم من المَنْجَشانِيَّة، وهي قريبة من البصرة. وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار من الدارات. وإسنادهما جيد، وأحرم (ابن مسعود من السَيْلحين) (٢) (٣)، وفي إسناده مجهول.
وقال إبراهيم: كانوا يحبون للرجل أول ما يحج أن يهل من بيته، وكان الأسود يحرم من بيته، وكان علقمة يحرم من النجف، وعن هلال بن خباب قال: خرجت مع سعيد بن جبير محرمًا من الكوفة.
وعن الحارث بن قيس قال: خرجت في نفر من أصحاب ابن مسعود نريد مكة فلما خرجنا من البيوت أهلوا، فأهللت معهم. وعن الحكم بن عطية أخبرني من رأى قيس بن عُباد أحرم من مريد البصرة.
وعن إبراهيم: كان المسور يحرم من القادسية، وأحرم الحارث بن
--------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٤٨.
(٢) في «المصنف» أبا مسعود من التلحين.
(٣) «المصنف» ٣/ ١٢١ - ١٢٢.
سويد وعمرو بن ميمون من الكوفة (١).
وقد أسلفنا حديث أم سلمة في فضل الإحرام من بيت المقدس. وتضعيف ابن قدامة بابن إسحاق، وإضرابه عن أم حكيم الراوية، عن أم سلمة ليس بجيد، قال: ويحتمل تخصيصه ببيت المقدس دون غيره؛ ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه لا من غيره إلا من الميقات (٢). وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق، ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر، ولأبي داود عن الصُّبَي بن معبد قال: أهللت بالحج والعمرة، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فعابا ذَلِكَ. وفيه: فقال لي عمر: هديت لسنة نبيك (٣).
وحمله بعض العلماء على القران، وأما ما روي عن عمر وعلي: إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وحكاه ابن بطال عن ابن مسعود وعلي (٤)، فمعناه أنه ينشئ لهما سفرًا تقصد له من بلدك، كما فسره سفيان. وقال ابن قدامة: وكانا لا يحرمان إلا من الميقات (٥).
وقد أسلفنا خلافه، قال: ولا يصح أن يفسر الإتمام بنفس الإحرام؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه [ما] (٦) أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمر الله
------------
(١) «المصنف» ٣/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٢) «المغني» ٥/ ٦٨.
(٣) «سنن أبي داود» (١٧٩٨) كتاب: المناسك، باب: في الإقران.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨.
(٥) «المغني» ٥/ ٦٨.
(٦) زيادة من «المغني».
بإتمام العمرة فلو حمل قولهم على ذَلِكَ لكان قولًا غير جيد (١).
قال ابن بطال: وأجاز الإحرام قبل الميقات علقمة والأسود، وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي (٢).
السادس:
قوله: «ولمن أتى عليهن» يعني: قاصدًا دخول مكة قصد الحج والعمرة أو لم يقصد عند أبي حنيفة (٣)، وعندنا أن من قصد مكة لا لنسك استحب له أن يحرم بحج أو عمرة، وفي قول: يجب إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد (٤)، وعند المالكية الخلاف أيضًا، قالوا: وإن لم يلزمه فهو مستحب، ثم إذا لم يفعله هل يلزمه دم أم لا؟ فيه خلاف عندهم (٥)، وظاهر الحديث اللزوم على المقاصد لأداء النسك خاصة، وهو مذهب الزهري وأبي مصعب في آخرين (٦).
وقال ابن قدامة الحنبلي: من لا يريد النسك قسمان: يريد حاجة فيما سواها فلا يلزمه الإحرام قطعًا؛ لأن الشارع أتى بدرًا مرتين، (ولم) (٧) يحرم ولا أحد من أصحابه، فإن بدا له أحرم من موضعه
-----------
(١) المصدر السابق.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨.
(٣) انظر: «الهداية» ١/ ١٤٧، «تبيين الحقائق» ٢/ ٧.
(٤) انظر: «البيان» ٤/ ١٤ - ١٦، «المجموع» ٧/ ١٥.
(٥) ذهب المالكية إلى أن لا يجوز دخول مكة بغير إحرام، فمن دخلها بغير إحرام فقد عصى ولا دم عليه.
انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٥، «التاج والإكليل» ٤/ ٥٧ - ٥٨، «مواهب الجليل» ٤/ ٥٧ - ٥٨، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ٣٠٥.
(٦) انظر: «الذخيرة» ٣/ ٢١٠.
(٧) في الأصل: ولا، وما أثبتناه من «المغني» هو ما يستقيم به السياق.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|