هذا والجاه عرض من أعراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت كالمال، والدنيا مزرعة الآخرة، فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة، وكما أنه لابد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس، فلابد من أدنى جاه لضـرورة المعيشة مع الخلق، والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام أو المال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، ورفيق يعينه، وأستاذ يرشده، وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، كذلك حبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم، كذلك أستاذه لإرشاده وتعليمه والعناية به، كذلك سلطانه لحمايته فليس بمذموم، فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال، فلا فرق بينهما، إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن يكون المال والجاه بأعيانهما محبوبين له، بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون له في داره بيت ماء[26]؛ لأنه مضطر إليه لقضاء حاجته، ويود لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء، فكل ما يُراد للتوصل به للمحبوب، فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه، فحبه لأجل التوصل به إلى مهمات البدن غير مذموم، وحبه لعينه وذاته فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم، ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمل الحب على مباشرة معصية.
واعلم أن من غلب عليه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتًا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءات بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين، فحب الجاه من المهلكات، وعلاجه مركب من علم وعمل.
أما العلم فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الحياة ــ وهو كمال القدرة على قلوب الناس ــ فذلك إن صفا وسلم فآخره الموت، فليس هو من الباقيات الصالحات، بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له، ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له. فهذا لا ينبغي أن يترك له الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها، ومن عرف ذلك صغر الجاه في عينه، وهذا لا يكون إلا لمن ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة، ويكون الموت كالحاصل عنده، كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات»، فانظر كيف من نظره نحو المستقبل، وقدّره كائنًا واقعًا، وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه: «أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل»[27].
فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين، فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا، وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة، لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب، لذلك قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]، وقال عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20، 21].
وأما العلاج من حيث العمل: فبأن يقطع الطمع عن الناس بالقناعة، فمن قنع استغنى عن الناس، وينظر في أحوال السلف في ذلك وإيثارهم للخمول على الجاه ورغبتهم في الله والدار الآخرة.
وههنا أمر مهم، وهو أن كثيرًا من الناس هلكوا بخوف مذمة الناس أو بحب مدحهم، فصارت حركاتهم موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاءً للمدح وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات، وعلاج حب المدح أن تراجع عقلك، وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحني بها هل أنا متصف بها أم لا؟ فإن كنت متصفًا بها، فهي إما صفة تستحق المدح كالعلم والورع، وإما صفة لا تستحق كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية؛ لأن الفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيمًا تذروه الرياح، وهذا من قلة العقل، فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا، وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح لها بل بوجودها.
وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي ألا يفرح بها لأن الخاتمة غير معلومة، وهذا إنما يقتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى، وخط الخاتمة باق، ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا[28]. وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خالٍ منها ففرحك بالمدح غاية الجنون، ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول: ما أكثر العطر الذي في أحشائه، وهذا في غاية الجهل والسفه.
أما كراهية الذم فعلاجه أن تعلم أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون صادقًا، وقصد النصح والشفقة، أو أن يكون صادقًا ولكن قصد الإيذاء، وإما أن يكون كاذبًا.
فإذا كان صادقًا وقصد النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه، بل ينبغي أن تتقلد منّته، فإنه من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى تتقيه، أما اغتمامك بذلك فهذا في غاية الجهل.
أما إن كان قصده الإيذاء فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلاً به، أو ذكّركه إن كنت غافلاً عنه، أو قبّحه في عينك لينبعث حرصك على إزالته، وكل ذلك أسباب سعادتك، وقد استفدت منه، فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيحت لك أسبابها بسبب ما سمعته من المذمّة، وأمّا ما قصد العدوّ من التعنت فهي جناية منه على دين نفسه، وهو نعمة منه عليك، فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو منه؟
أما إذا افترى عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي ألا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور:
أحدها: أنك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه، وما ستر الله من عيوبك أكثر، فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك، ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء منه.
الثاني: أن ذلك كفارة لبقية مساوئك وذنوبك، فكأنه رماك بعيب أنت بريء منه، وطهّرك من ذنوب أنت ملوّث بها، وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته، وكل من مدحك فقد قطع ظهرك. فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله، وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله؟
الثالث: أن تعلم أن المسكين قد جنى على دينه، وأهلك نفسه بافترائه، وتعرّض لعقاب الله الأليم والسقوط من عين الله تعالى، فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله عليه، فتُشْمِت به الشيطان، وتقول: اللهم أهلكه. بل ينبغي أن تقول: اللهم أصلحه، اللهم تب عليه، اللهم ارحمه، كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه بعد أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يوم أحد[29].
وفي طريقة الكشف عن الرياء وتمييزه عن الإخلاص عند رؤية الناس العمل ــ لشدة خفائه ــ فعليك أن تتمثل نفسك وبينك وبين الناس حجاب بحيث لا يعلمون بك، فإن نشطت نفسك للعبادة فهذا إخلاص، وإلا فرياء»[30].
ومن نعم الله على عبده أن يوفقه للعبادة ثم يوفقه لإحسانها، ومن إحسانها تجريدها لوجه الله، وإخفاؤها عن خلقه إلا ما شرع الجهر به. قال شيخ الإسلام: «إن أعظم النعم نعمة الإقبال والتعبد، ولكل نعمة حاسد على قدرها دقّت أو جلّت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد. وقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [يوسف: 5].
وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار! لهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلع عليه أحد.
والقوم أعظم شيئًا كتمانًا لأحوالهم مع الله عز وجل، وما وهب الله من محبته والأنس به وجمعية القلب، ولاسيما فعله للمبتدئ[31] السالك، فإذا تمكن أحدهم وقوي، وثبّت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه، بحيث لا يخشى عليه من العواصف، فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليُقتدى به ويؤتم به؛ لم يبال. وهذا باب عظيم النفع، إنما يعرفه أهله»[32].
هذا وإن من آفات الإخلاص بل من نواقضه الشرك الأكبر، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاحها ورام فلاحها أن يتحرز منه غاية التحرز، وأن يجعل همه الأعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك.
ومن نظر إلى حال المسلمين اليوم فَطَرَ قلبَه الأسى مما يراه من واقع المنتسبة للإسلام الذين جرف الكثير منهم الشيطان إلى غيابات الشرك وأوحال الوثنية[33]، فلا ننفك نرى كل يوم دعاة على أبواب جهنم يزينون للأمة دين أبي جهل وأبي لهب ويزهدونهم في ملة محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، تحت ستار شبه أوهى من بيت العنكبوت[34]، تقاذفتها أمم الجهل والخرافة، وجددها الرجيم في نفوس كثير من العامة والخاصة[35]، مع أن نبينا محمدًا صلوات الله وسلامه عليه قد بيّن البيان التام وبلّغ البلاغ الوافي وسدّ الذرائع الموصلة للشرك، ولكن ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الرعد: 33]، ويكفي في التخويف من الشرك أن المرء لو وافى يوم القيامة بأعمال كأعمال النبيين والمرسلين ثم كان معه شرك أكبر لحبط عمله وصار هباءً منثورًا، وخلد صاحبه في النار أبدًا. عياذًا بوجه الله تعالى، قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: 65، 66]. فالتوحيد هو رأس الشكر.
والنار مثوى المشركين قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]، ومن الشرك الأكبر اتخاذ الوسائط من الموتى أو الجن ونحوهم، ودعاء القبور، والاستعانة بأهلها، ويا لله كم من مشرك قد خرج من ربقة الإسلام والإيمان وهو معدود من المسلمين، وما ثمّ إلا توفيق الله تعالى أو النار. فاللهم سلم سلم؛ قال ابن القيم رحمه الله: «ومن أنواع الشـرك: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجاته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه: كمال التوحيد. فجاء هذا المشـرك بسبب يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.
والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحّم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونستغفر لهم، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وقضاء الحوائج والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فغيروا دين الله وعادوا أهل التوحيد، وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل مكان وما أكثر المستجبيين لهم! ولله در خليله إبراهيم حيث يقول: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 35، 36]»[36].
كذلك فليحذر من بقية نواقض التوحيد وهوادم الإخلاص كالكفر الأكبر ومنه كفر الجحود وكفر التكذيب وكفر الإباء والاستكبار وكفر النفاق وكفر الإعراض، وليحرس ألفاظه وأفعاله بل وخطراته، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، فيندم ولات حين مندم، ويريد الخلاص ولات حين مناص!
ثم عليه مرة أخرى أن يخاف من النفاق ويهرب منه أشد من فرار المرعوب من السبع الضاري، فالمنافق نفاقًا اعتقاديًّا في الدرك الأسفل من النار، قال جل ذكره: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]، قال ابن القيم رحمه الله: «وأما النفاق فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على من تلبّس به؛ فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.
والأكبر منه يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم القرآن، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصـرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة. يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.
فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟! وكم من عَلَمٍ له قد طمسوه؟! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشُّبه في أصول غراسه ليقلعوها؟! فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سريَّة بعد سريّة، ويزعمون بذلك أنهم مصلحون﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]، اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112].
لبسوا ثياب أهل الإيمان، على قلوب الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8]، فكيف إذا جُمعوا ليوم التلاق، وتجلّى الله جل جلاله، وقد كُشف عن ساق ودُعوا إلى السجود فلا يستطيعون ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [القلم: 43].
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقّه وجلّه وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر رضي الله عنه: يا حذيفة نشدتك بالله، هل سمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا، ولا أخبر بعدك أحدًا[37]. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل[38].
وعن الحسن البصري قال: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن.
وذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى البدنُ خاشعًا والقلب ليس بخاشع.
زَرْعُ النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء. ومخرجهما من عينيه: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحصّل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصّلها كانت كالسـراب ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39].
قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية، إذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية، وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.
فهذه والله أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية:
إذا عاهدوا لم يوفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول صدفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 - 77]»[39].
وقال رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 19]: «الصيّب: هو المطر الذي يُصوب من السماء، أي ينزل منها بسرعة، وهو مَثَلُ القرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا خطر لها، فلم يمنعهم منها مما فيه من الرعد والبرق، وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثُلات التي حذّر الله بها من خالف أمره، أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على اللأواء، وكان حظ المنافق من ذلك الصيّب سحابُهُ ورعوده وبروقه فقط، ولم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون.
وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر بها قيلُها وقالُها، فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دويانها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثّرين لسوادهم عددًا، وما أقلّهم عند الله وأوليائه قدرًا.
ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبيّن علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 49] ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 58] ﴿ وَمِنْهُمُ ﴾ [التوبة: 61] ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 75] حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم»[40].
وقال رحمه الله في بيان طبقات المكلفين: «الطبقة الخامسة عشرة: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء هم المنافقون وهم في الدرك الأسفل من النار. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخفّ، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزادت المنافقون عليهم بالكذب والنفاق. وبليّة المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، لهذا قال تعالى: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون: 4]، وفي هذا إثبات أولوية العداوة وأحقيتها لهم.
وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، وهم قد كفروا عن علم ومعرفة لمخالطتهم المسلمين، لهذا قال تعالى فيهم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [المنافقون: 3]، وقال فيهم: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18]، وقال في الكفار ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171]. فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم تجاهل، وأقرّ ثم أنكر، وآمن ثم كفر، ومن كان هكذا فهو أشد كفرًا وأخبث قلبًا، وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل من النار.
وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله ومن تبعه بإحسان.
[1] وقد بوب إمام الدعوة الإصلاحية رحمه الله في كتاب التوحيد بابًا بهذا المسمى بعد باب الرياء.
[2] انظر: طبقات المكلفين لابن القيم رحمه الله تعالى.
[3] كالمعلم للقرآن الكريم والعلوم الشـرعية، والمؤذن والإمام والمصلي التراويح بالناس والمحتسب والقاضي والغازي الذين لو توقف راتبهم وَرَزْقُهم لتركوا ذلك العمل لأنه غايتهم. ولكن إذا كان قصدهم الكفاية بالرِّزق والانشغال والتفرغ لتلك العبادة فلا يدخلون في الوعد إن شاء الله، كذلك من كانت إرادتهم تبعًا للعبادة لا دافعًا ومقيمًا لها، وإن كان الإخلاص أن يعافيه الله من ذلك الاستشراف كله.
[4] ابتغاء وجه الله: أخلصوا في ذلك العمل. والدار الآخرة: أي لم يريدوا عاجل الدنيا.
[5] تيسير العزيز الحميد (536، 537) وتلخيصها كالتالي:
1- من أراد حفظ دنياه بعبادته.
2- المرائي.
3- من أراد التوصل بالعبادة لحظ دنيا، فلو لم تحصل دنياه لترك ذلك العمل.
4- من أراد الله والدار الآخرة لكنه على عمل آخر مخرجه من الإسلام.
[6] القول المفيد، العثيمين (2/ 296، 297).
[7] قلت: وهذه الكلمة «من سره» كافية في إباحة ما ترتب على هذا السرور من ميل القلب نحو هذا الثواب الدنيوي التابع لإرادة الآخرة، وإن كان دون درجة المخلصين المقربين.
[8] البخاري (5986)، ومسلم (2557) واللفظ له.
[9] وبعض أهل العلم لم يدخله في الوعيد بحجة أن الشارع هو من أذن بتلك الإرادة المتمحّضة للدنيا. وهذا القول فيه نظر، فالشارع أذن بميل القلب من جهة المشاركة لا من جهة التمحيض، بدليل أن كل عمل عليه ثواب دنيوي، رتبت عليه أجور أخروية كذلك.
[10] أخرجه البخاري (3142)، ومسلم (1751).
[11] التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ (406ــ 409) بتصرف يسير. وانظر: عدة الصابرين، ابن القيم (270ــ 274)؛ حيث يرى أن هذه الآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد.
[12] عدة الصابرين، ابن القيم (405).
[13] رواه البخاري (2887).
[14] لاحظ شدة ارتباط أعمال القلوب ببعضها، فيقوى مجموعها بقوة أفرادها، كذلك العكس؛ ويضعف بضد ذينك، كما أن منها شعبًا كبارًا بمنزلة الأصول والينابيع لغيرها، فيكون ارتباطها بالصلاح أحتم. والله المستعان.
[15] عن تيسير العزيز الحميد (540، 541) باختصار.
[16] أخرجه مسلم (2622) بلفظ: «أشعث مدفوع بالأبواب».
[17] متفق عليه، البخاري (6657) ومسلم (2853).
[18] لعله قصد ألا يتكلف العبد في تزيين ثيابه.
[19] أي السلف.
[20] وهذا ملحظ نفيس، فقد تكون الشهرة بإظهار الزهادة والورع.
[21] البيهقي في الشعب (9786) وهو صحيح بشواهده عند الطبراني وأبي يعلى وغيرهما.
[22] أي يكون ذا سلطان عليها محبة أو حاجةً أو تعظيمًا.
[23] وهي عبودية وملك بحسبها، أي أجزاء من شعبها، فهي مطلق العبودية والملك لا العبودية المطلقة والملك المطلق، ومبالغة المصنف رحمه الله في التوصيف من أجل أن يصل لقاع الصفة حتى يجتثها بعروقها من القلب حتى ولو مع ندرة بعض الأمثلة والأوصاف. وقد أطلت النقل في آفة الجاه لغفلة كثير من الصالحين عن الحذر منها وتساهلهم في مبادئها.
[24] إلا إذا كان بحق؛ فإنهم شهداء الله في أرضه.
[25] وفيه نظر كبير، ولا أظنه يصح، ويكفي في ذلك الأنبياء فإن بواطنهم طاهرة قطعًا من هذه الرغبة الكامنة وهم غير محتاجين لمجاهدتها وكبتها.
[26] دورة مياه (بيت الخلاء).
[27] فالحسن نقله إلى آخر لحظات الدنيا واستقبال الآخرة، وعمر نقله إلى أولى ساعات الآخرة، وهذا من فقههما رحمهما الله تعالى. وكما كتب أحدهم لأخيه: «أما بعد، فتذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. والسلام» وهذا من أبلغ النصح وأوجزه.
[28] والصحيح أن الأمر ليس بهذه السوداوية، بل لا بأس بشيء من الفرح الدنيوي استعانة به على الطاعة، وقد حُبّبت الطيبات للمؤمنين وسيدهم صلى الله عليه وسلم يقول: «حُبِّب إلي من الدنيا النساء والطيب» رواه النسائي (3939) وصححه الألباني. ومن المستقر أن الفرح يتبع الحب.
والمقصود أن على المؤمن أن يعطي كل دار قدرها وأن يحسن سياسة نفسه بالحكمة والعلم والرفق والحزم مع كون الآخرة هي محور حياة المؤمن وأولوياته واهتماماته، ووضع الدنيا حيث وضعها الله تعالى.
[29] وكان الإمام أحمد يعفو ويصفح ويسامح ويقول: ما ينفعك أن يعذب الله أحدًا بسببك.
[30] إحياء علوم الدين، الغزالي (2/ 1133ــ 1152) باختصار وتصرف.
[31] في الأصل: المهتدي ولعله تصحيف.
[32] الفتاوى (15/18).
[33] انظر: دمعة على التوحيد، حقيقة القبورية وآثارها في واقع الأمة، وهو رصد لحال الناس مع القبور وغلوهم فيها. من إصدار المنتدى الإسلامي.
[34] انظر: كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب، تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد، الصنعاني، إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، ابن القيم، وغيرها.
[35] وقذف في قلوبهم شبه الأولين؛ فتوسلوا بالموتى بزعم أنهم وسائط، وهذا عين دين المشـركين ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3].
[36] المدارج (1/ 604، 605) باختصار.
[37] كنز العمال (13/ 344).
[38] البخاري تعليقًا، الفتح (1/ 35).
[39] مدارج السالكين، ابن القيم (1/ 607ــ 625) باختصار.
[40] الوابل الصيب، ابن القيم (128ــ 130) باختصار.