
09-02-2026, 05:40 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (294)
فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فإذا غزا الغني فأعطي كان ذَلِكَ في سبيل الله.
وأما السنة: فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني، أو غارم» (١).
وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ورواه أبو داود مرة مرسلًا (٣). ولأنه يأخذ ذَلِكَ لحاجتنا إليه، فجاز له أخذها مع الغنى كالعامل.
وقوله: في أيها أُعطيت أجزأت. كذا بخط الدمياطي، والألف ملحقة، وذكره ابن التين بلفظ: أجزت وقال: معناه: قضت عنه.
والمشهور في هذا جزأ فعل ثلاثي، فإذا كان رباعيًا همز لغة بني تميم، وقيل جزأ وأجزأ بمعنًى، أي: قضى، مثل وفي وأوفي. وقد سلف ذَلِكَ ويتعلق بهذا مالك، وأبو حنيفة في الاقتصار على صنف واحد من الأصناف الثمانية (٤)، خلافًا للشافعي فإنه لا يجزئ مع
-----------
(١) «المصنف» ٤/ ١٠٩ (٧١٥١) باب: كم الكنز؟ ولمن الزكاة؟.
(٢) «سنن أبي داود» (١٦٣٦) باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، «سنن ابن ماجه» (١٨٤١) باب: من تحل له الصدقة، «المستدرك» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب: الزكاة، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لإرسال مالك بن أنس إياه عن زيد بن أسلم.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٣٥) انظر «صحيح أبي داود» (١٤٤٥).
(٤) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٢٩٩، «الكافي» ص ١١٥.
وجود الأصناف الدفع إلى بعضهم (١).
وأما حديث أبي هريرة: فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
المراد بالصدقة: الفرض، وأبعد من قال: التطوع. وفي مسلم: بعث عمر على الصدقة (٢). وهو دال للأول. وكذا قوله منع. وهو قول الجمهور إذ البعث إنما يكون على الفرض، وادعى ابن القصار أن الأليق أن يكون في التطوع؛ لأنا لا نظن بأحد منهم منع الواجب. فعذر خالد أنه لما أخرج أكثر ماله حبسًا في سبيل الله، لم يحتمل التطوع، فعذر لذلك، أو حسب له ذَلِكَ عوضًا عن الواجب وخاصة بها، وابن جميل شح في التطوع فعتب عليه الشارع. وأخبر عن العباس أنه سمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه مما لا يمتنع بما حضه عليه رسول الله - ﷺ -، بل يعده كاللازم، وهو عجيب منه، ففي البيهقي من حديث أبي البختري (٣) عن علي أن النبي - ﷺ - قال: «إنا كنا احتجنا فاستلفنا للعباس صدقة عامين» وفيه: إرسال بين أبي البختري وعلي (٤).
قُلْتُ: وروي من حديث موسى بن طلحة، عن طلحة أيضًا، ومن حديث سليمان الأحول عن أبي رافع، أخرجهما الدارقطني (٥).
---------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢٩.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٣).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو البختري اسمه سعيد بن فيروز الطائي يروي عن علي وابن مسعود مرسلًا.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ باب: تعجيل الصدقة.
(٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ باب: تعجيل الصدقة قبل الحول وقال الدارقطني عن حديث طلحة: اختلفوا عن الحكم في إسناده، والصحيح عن الحسن بن مسلم، مرسل.
ثانيها:
ابن جميل. قال ابن منده وغيره: لا يعرف اسمه. وقال ابن بزيزة: اسمه حميد، ووقع في «تعليق» القاضي الحسيني، و«بحر الروياني» في متن الحديث عبد الله بن جميل. ووقع في «غريب أبي عبيد»: منع أبو جهم، ولم يذكر أباه (١).
قال المهلب: وكان منافقًا فمنع الزكاة تربصًا، فاستتابه الله في كتابه فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فقال: استتابني ربي. فتاب وصلحت حاله.
وذكر غيره أنها نزلت في ثعلبة. و(ينقم) فيه (٢) بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز فتحه أيضًا، ومعناه: ينكر، أو يكره، أو يعيب، أي: لا عذر له في المنع إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله. وذلك ليس بموجب له، فلا موجب ألبتة.
ثالثها:
نص رواية البخاري أنه تركها له ومثلها معها، وذلك لأن العباس كان استدان في مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل، وكان من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة، وإليه يرد قوله: «فهي له ومثلها معها» وذكره ابن بطال أيضًا (٣).
وقال أبو عبيد في رواية ابن إسحاق: «هي عليه ومثلها معها». نرى -والله أعلم- أنه أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، وأنه
---------------
(١) «غريب الحديث»:
(٢) فوقها في الأصل علق بقوله: (أي في الحديث).
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٩.
يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر ثم يأخذها منه بعد، كما أخر عمر صدقته عام الرمادة، فلما حيي الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين (١).
وأما الحديث الذي يروى «إنا قد تعجلنا منه صدقة عامين» (٢) فهو عندي من هذا أيضًا، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه وضمنها إياه، ولم يقبضها منه، فكانت دينًا على العباس ألا ترى قوله: «هي عليه، ومثلها معها». وحديث حجيّة، عن علي: أن العباس سأل رسول الله - ﷺ - أن يعجل صدقته للمساكين قبل أن تحل، فأذن له أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (٣). وخالف الدارقطني وغيره فقال: إرساله أصح (٤). فيكون معنى قوله: («فهي عليه صدقة، ومثلها معها») أي: فهي عليه واجبة فأداها قبل محلها.
و«مثلها معها» أي: قد أداها أيضًا لعام آخر كما سلف، وهذا أيضًا معنى رواية مَنْ روى: «فهي عليه» ولم يذكر: صدقة (٥). وفي رواية لعبد الرزاق، عن ابن جريج، عن (يزيد أبي خالد) (٦)، أن عمر قال للعباس:
------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٢٣.
(٢) هذا الحديث رواه ابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٢٦، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٧٢ (٩٩٨٥)، وفي «الأوسط» ١/ ٢٩٩ (١٠٠٠) وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٤٩.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٢٤) كتاب: الزكاة، باب: في تعجيل الزكاة، «سنن الترمذي» (٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في تعجيل الزكاة، «سنن ابن ماجه» (١٧٩٥) كتاب: الزكاة، باب: تعجيل الزكاة قبل محلها، «المستدرك» ٣/ ٣٣٢ والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٦)، وفي «الإرواء» (٨٥٧).
(٤) «علل الدارقطني» ٣/ ١٨٧ - ١٨٩.
(٥) رواه مسلم (٩٨٣).
(٦) في الأصل: زيد بن خالد، والمثبت من «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨٦.
(لإِبَّان) (١) الزكاة: أد زكاة مالك. فقال: قد أديتها قبل ذَلِكَ، فذكر ذَلِكَ عمر لرسول الله - ﷺ - فقال: «صدق قد أداها قبل» (٢).
وروى ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي» (٣). فالمعنى أنه أراد أن يؤديها عنه برأيه، لقوله: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» (٤). ومن حمله على التطوع. قال: المعنى: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» أي أنه سيتصدق بمثلها؛ لأنه لا يمتنع من شيء ألزمه إياه من التطوع، بل يعده كاللازم (٥).
وطعن جماعات في هذِه اللفظة أعني قوله: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» قال البيهقي: رواية شعيب هذِه، عن أبي الزناد يبعد أن تكون محفوظة؛ لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل - عليه السلام - ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه؟ (٦) وأجاب المنذري بأنه لعل ذَلِكَ قبل تحريم الصدقة على الآل فرأى إسقاط الزكاة عنه لوجه رآه.
وقال الخطابي: هذِه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة. وليس
ذَلِكَ بجيد، ففي البخاري متابعة أبي الزناد عليها، لكن بحذف لفظة «صدقة» وتابعه موسى بن عقبة أيضًا عن أبي الزناد في النسائي (٧).
-------------
(١) كذا في الأصل والمصنف.
(٢) «المصنف» ٤/ ٨٦ - ٨٧ (٧٠٦٧) كتاب: الزكاة، باب: وقت الصدقة.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) رواه مسلم (٩٨٣) كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٥) وقع هنا في الأصل ثلاثة أسطر مكانها يأتي بعد، وعلم عليها (زائد في. إلى).
(٦) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٧) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧.
وقال ابن الجوزي: قال لنا ابن ناصر: يجوز أن يكون قد قال: «هي علية» بتشديد الياء ولم يبين الراوي، وأما رواية من روى «فهي له، ومثلها معها» فهي رواية موسى بن عقبة والمراد: عليه، وهما بمعنى قال تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وقال: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ١٦] ويحتمل أن يكون «فهي له» أي عليّ. ويحتمل أنها كانت له عليه إذ كان قد قدمها كما سلف، وبه احتج من رأى تقديمها، وسيأتي.
وأما رواية من روى «فهي عليَّ ومثلها معها» فقيل فيه أنه - عليه السلام - كان تعجلها كما سلف. فالمعنى على النبي - ﷺ - ويحتمل أن يكون عليّ أن أؤديها عنه؛ لما له علي من الحق خصوصًا له؛ ولهذا قال: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» أي: أصله وأصل أبيه واحد. وأصل ذَلِكَ أن طلع النخلات من عرقٍ واحدٍ.
قال البيهقي: وهذِه الرواية أولى بالصحة لموافقتها الروايات الصحيحة بالاستسلاف والتعجيل (١).
وقال الداودي: المحفوظ: «هي له» أي: إنه قد تصدق بصدقته ومثلها معها، وهي أولى؛ لأنه رجل في صلب بني هاشم لا تحل له الصدقة، وقد رواه ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي ومثلها معها» كأنه قال: كان يسلف منه صدقة عامين: ذَلِكَ العام وعام قبله كذا قال.
ورواية «فهي له» هي رواية موسى بن عقبة يمكن حملها على هذا أيضًا، وقد يحمل على التأويل الأول؛ لأن «له» بمعنى عليه كما سلف. قال ابن التين: والصحيح أن معنى هذِه الرواية أنه قدم صدقة عامين كما سلف.
------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١١٢.
رابعها:
اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأي طائفة منهم أنها لا تعجل، وبه قالت عائشة، وسفيان، والحسن، وابن سيرين.
وقال أكثر أهل العلم: تجوز، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، والحكم، وابن سيرين، والنخعي، والأوزاعي، والزهري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (١). وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان، وحد القليل بشهر، ونصف شهر، وخمسة أيام، وثلاثة (٢).
وقال ابن المنذر: كره مالك والليث إخراجها قبل وقتها، قال: ولا يجزئه أن يعجل. قالوا: وهو كالذي يصلي ويصوم قبل الوقت.
قال الطبري: والذي شبه الزكاة بالصلاة والصيام فليس بمشبه، وذلك أنه لا خلاف بين السلف والخلف في أن الصدقة لو وجبت في ماشيته، فهرب بها من المتصدق، فظهر عليه المصدق فأخذ زكاتها وربها كاره أنها تجزئ عنه، ولا خلاف بينهم أنه لو امتنع من أداء صلاة مكتوبة فأخذ بأدائها كرهًا، فصلاها وهو غير مريد قضاءها، أنها غير مجزئة عنه، فاختلفا.
والعجب ممن زعم عدم الإجزاء لأنه تطوع به، ولا يقع عن الفرض، وليس كما ظن؛ لأن الذي تعجله، لا يعطيه بمعنى الزكاة، وإنما يعطيه من يعطيه دينًا له عليه، على أن يحتبسه عند محله زكاة
------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، و«البناية» ٣/ ٤٢٦، و«روضة الطالبين» ٢/ ٢١٢، و«المغني» ٤/ ٧٩، و«نيل الأوطار» ٣/ ٥٥.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٣/ ١٣٧.
من ماله. وعلى هذا الوجه كان استسلاف الشارع من العباس صدقته قبل وجوبها في ماله، ومن قاس ذَلِكَ على الصلاة والصوم فقد أفحش الخطأ؛ لأنهما عبادة بدنية بخلافها، وبدليل أخذها من مال المجنون واليتيم.
فإن قلت: فحديث أبي هريرة في التطوع. قُلْتُ: صح في التعجيل كما سلف.
فرع:
رجح الرافعي أنه لا يجوز تعجيل صدقة عامين (١)، والأصح خلافه كما قررته في الفروع، وتؤيده الرواية السالفة.
خامِسهُا: قد أسلفنا أن قوله: (وأَعْتُدَه) بالتاء المثناة فوق على الصحيح، وأَعْبُد: جمع عبد. وأعتده: بالتاء جمع: عند وهو الفرس.
وقد أسلفنا أن عند مسلم «أعتاده» (٢) وهو رواية أبي داود (٣)، وهو شاهد لصحة رواية: «أعتده»، جمعه. والمعروف من عادة الناس في كل زمان تحبيس الخيل والسلاح في سبيل الله. وقال صاحب «العين»: فرس عتد وعتيد أي: معد للركوب، وبذلك سُميت عتيدة الطيب (٤). وقال غيره: الذكر والأنثى فيه سواء. ومما يدل على أنه عند بفتح التاء مجيئه للذكر والأنثى بلفظ واحد هذا حكم المصادر.
سادسها:
اعتذر عن خالد بقوله: «احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» أي:
-------------
(١) «العزيز» ٣/ ١٦.
(٢) مسلم (٩٨٣).
(٣) أبو داود (١٦٢٤).
(٤) «العين» ٢/ ٢٩ - ٣٠.
تبررًا وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز أن يمنع واجبًا، وقيل: إنه طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والأعتد على معنى أنها كانت للتجارة، فأخبر أنه لا زكاة عليه فيها إذ قد جعلها حبسًا في سبيل الله.
وفي ذَلِكَ إثبات زكاة التجارة. وبه قال جميع الفقهاء إلا داود، وبعض المتأخرين (١).
وقيل: إنه احتبسها أي جعلها في سبيل الله ليحاسب بها، ولو كان حبسها ولم ينو الزكاة للزمته الزكاة. وإنما أجزأه ذَلِكَ؛ لأن أحد الأصناف المستحقين للزكاة: في سبيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها في الحال إليهم كصرفها في المآل فعلى هذا يكون دليلًا على إخراج القيم في الزكاة، وعلى جواز إخراج الزكاة. قبل محلها، وقد سلف. وعلى وضع الزكاة في جنس واحد من الثمانية، خلافًا للشافعي في غير الإمام وقد سلف أيضًا.
وفيه: تحبيس آلات الحرب، والثياب، وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه، والخيل والإبل كالأعبد. وفي تحبيس غير العقار ثلاثة أقوال للمالكية: المنع المطلق، ومقاتلة الخيل فقط. وقيل: يكره في الرقيق خاصة؛ وجه المنع أن الوقف ورد في العقار دون غيره، فلم يجز تعديه. ووجه الجواز حديث خالد هذا (٢).
وروي أن أبا معقل وقف بعيرًا له، فقيل لرسول الله - ﷺ -، فلم ينكره (٣). وقال أبو حنيفة: لا يلزم الوقف في شيء إلا أن يحكم به
-------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٧، «المغني» ٤/ ٢٤٨، «الإجماع لابن المنذر» ص ٥٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٦/ ٣١٣.
(٣) سبق تخريجه.
حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا، أو سقاية، أو وصية من الثلث (١).
سابعها: فيه: بعث الإمام العمال بجباية الزكاوات، وأن يكونوا فقهاء أمناء ثقات عارفين، حيث بعث عليها عمر، وتعريف الإمام بمانعيها ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها، وتعريف الفقير نعمة الله عليه في الغني؛ ليقوم بحق الله فيه. وعتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبًا في غيبته وحضوره، وصحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة، وبعض الكوفيين (٢)، وأنه لا زكاة في الوقف، ووجوب زكاة التجارة على ما سلف، والتصريح باسم القريب، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه تجدْ نفائسَ (٣).
------------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ١٥ - ١٦.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٦/ ٢٢٠.
(٣) في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في السادس عشر كتبه مؤلفه.
وانظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٧١ - ٩٤.
٥٠ - باب الاِسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [٦٤٧٠ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». [١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤ - مسلم ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». [٢٠٥٧ - ٢٣٧٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ
المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تُوُفِّيَ. [٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١ - مسلم: ١٠٣٥ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَألُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ .. الحديث. وفيه: «وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ الله».
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». الحديث.
وحديث الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّام مرفوعًا مثله. وحديث حَكِيم بنِ حِزَامٍ «يا حكيم إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَة ..» الحديث.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها مسلم خلا حديث (ابن الزبير) (١) فهو من أفراد البخاري (٢)، واستغرب الترمذي حديث أبي هريرة (٣).
وحديث حكيم خرجه البخاري أيضًا في الوصايا (٤)، وسلف «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليها من وجوه:
----------
(١) في الأصل علق تحتها بقوله: يعني: عروة.
(٢) حديث أبي سعيد الأول رواه مسلم (١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر، حديث أبي هريرة الثاني رواه مسلم (١٠٤٢) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس، حديث حكيم الرابع رواه مسلم (١٠٣٥) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٨٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة.
(٤) سيأتي برقم (٢٧٥٠) باب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
(٥) انظر ما سلف برقم (١٤٢٦).
أحدها:
«نفِد» في الحديث الأول بكسر الفاء ثم دال مهملة أي: فرغ وفني. ذكره الجوهري (١).
ثانيها:
قوله فيه: «(فلن أدخره عنكم» قال الترمذي: روي عن مالك: «فلن»، ويروى عنه: «فلم» أي: لن أحبسه عنكم، وقوله: قبله: (فقال: «ما يكون عندي من خير») بخط الدمياطي صوابه: «يكن» أي: من حيث الرواية.
ثالثها:
قوله: «لأن يأخذ» كذا هنا، وفي «الموطأ» «ليأخذ» (٢) وعند الإسماعيلي من رواية قتيبة ومعن والتنيسي «ليأخذ» ثم قال معن والتنيسي: «لأن يأخذ».
واعلم أن مدار هذِه الأحاديث على كراهية المسألة، ولا شك أنها على ثلاثة أوجه: حرام، ومكروه، ومباح. فمن سأل وهو غني من زكاة، وأظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا لا يحل له. ومن سأل من تطوع ولم يظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا مكروه. والاحتطاب خير منه. والمباح: أن يسأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا أو ليكافيء. أما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس، وأدخله الداودي في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به.
-------------
(١) «الصحاح» ٢/ ٥٤٤.
(٢) «الموطأ»
رابعها:
قوله: «إن هذا المال خضرة حلوة» سلف معناه في باب: الصدقة على اليتامى. ومعنى «فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه»: أي: بغير شدة ولا إلحاح ولا بمسكنة، وفي رواية «بطيب نفس» (١).
قال القاضي: فيه احتمالان:
أحدهما: أنه عائد على الآخذ، يعني: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس بورك فيه.
والثاني: أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: فمن أخذه ممن يدفعه منشرحًا يدفعه إليه طيب النفس من غير سؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس الدافع.
خامسها:
قوله: «ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأنه يأكل من سقم وآفة، فكلما أكل ازداد سقما ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام، ويزعم أهل الطب أن ذَلِكَ من علة السوداء، ويقال: إنها صفة دائه وأهل الطب يسمونها الشهوة الكلبة والكلبية لمن يأكل ولا يشبع قيل: إنه لا يبقي شيئًا ولا يسد لها مسدًّا. وقيل: معنى بإشراف نفس أن المسئول يعطيه عن تكرر. وقيل: يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة. ومعنى: «لم يبارك له فيه» أي إذا أتبع نفسه المسألة، ولم يصن وجهه فلم يبارك له فيما أخذ وأنفق.
سادسها:
معنى «لا أرزأ أحدًا بعدك» أي: لا آخذ من أحد شيئًا؛ لأنه إذا أخذ
--------------
(١) ستأتي برقم (٦٤٤١) في الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «هذا المال خضرة حلوة».
من مال أحد فقد نقص ذَلِكَ من ماله وصارت كلمة فاشية. ولما ولي عمر ابن عبد العزيز، قدم عليه وفد العراق، فأمر لهم بعطاء، فقالوا: لا نرزؤك، وترك حكيم أخذ العطاء، وهو حق له؛ لأنه خشي أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله - ﷺ -، واتقى أن يكون بما يعطى، فترك ما يريبه لما لا يريبه.
وفي بعض حديثه: ولا منك يا رسول الله؟ قال: «ولا مني» وإنما قال له ذَلِكَ لما كان وقع منه من الحرص والإشراف في المسألة ورأى أن قطع ذَلِكَ كله عن نفسه خير له؛ لئلا تشرف نفسه إلى شيء فيتجاوز به القصد.
سابعها:
فيه تشبيه الرغبة في المال، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك فاجتماعهما أشد.
وفيه: أيضًا إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء.
ثامنها:
في حديث أبي سعيد من الفقه: إعطاء السائل مرتين من مال واحد من الصدقة. قال ابن بطال (١): ومثله عندهم الوصايا، يجيزون لمن أوصي له بشيء إذا قبضه أن يعطى مع المساكين، وإن كان ذَلِكَ الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة، وأبى ذَلِكَ ابن القاسم وطائفة من الكوفيين.
وفيه: أيضًا ما كان - عليه السلام - من الكرم والسخاء والإيثار على نفسه.
---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.
وفيه: الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه.
وفيه: الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر، والتوكل على الله، وانتظار رزق الله، وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن، وكذلك الجزاء عليه غير مقدور، ولا محدود. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
تاسعها:
في حديث أبي هريرة الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، وأن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وإن ركب المشقة في ذَلِكَ، ولا يكون عيالًا على الناس، ولا كَلاًّ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل في سؤاله وفي الرد إذا رد خائبًا، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن هو أعطى لكل سائل، ولهذا المعنى قال رسول الله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
وكان مالك يرى ترك ما أعطى الرجل على جهة الصدقة أحب إليه من أخذه وإن لم يسأله.
عاشرها:
في حديث حكيم من الفقه أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار، وأن السائل إذا ألحف لا بأس برده، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص على (أخذه) (١)؛ كما فعل الشارع بحكيم فأنجح الله موعظته ومحا بها حرصه، فلم يرزأ أحدًا بعده، والقناعة وطلب الكفاية والإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وأن من طلبه بالشرَهِ والحرص فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع،
--------------
(١) في الأصل: (أحد)، ولعل المثبت هو الصحيح.
وفضل المال والغنى إذا أنفق في الطاعة عملًا بقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» وأن الإنسان لا يسأل شيئًا إلا عند الحاجة؛ لأنه إذا كان يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذَلِكَ عند غيرها. وأن من كان له عند أحد حق من معاملة وغيرها، فإنه يجبره على أخذه إذا أبي. وإن كان بما لا يستحقه إلا ببسط اليد إليه فلا يجبر على أخذه. وإنما أشهد عمر على إباء حكيم من أخذ ماله في بيت المال؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وأما قبل ذَلِكَ فليس مستحق له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، وعلى ذَلِكَ يدل قوله تعالى حين ذكر قسم الصدقات وفي أي الأصناف تقسم ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ آية [الحشر: ٧] فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشددًا على غير المرَضِيِّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين والتسبب إليها بالباطل. ويدل على ذَلِكَ فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال أنه يقطع (١)، ومن زنى بجارية من الفيء أنه يحد، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذَلِكَ لكانت شبهة يُدرأ عنه الحد بها. وجمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال، والفيء يقسمه الإمام على اجتهاده، وسيأتي ذَلِكَ في الجهاد إن شاء الله ذَلِكَ وقدره (٢).
------------
(١) انظر: «المدونة» ٤/ ٤٢٧.
(٢) انتهى كلام ابن بطال بتصرف.
٥١ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». [٧١٦٣، ٧١٦٤ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ٣/ ٣٣٧]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ شَيٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تتبِعْهُ نَفْسَكَ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن سالم، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يعطي عمر بزيادة. قال سالم: فمن أجل ذَلِكَ كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه، وأخرجه عن عمر أيضًا (١).
ومعنى غير مشرف: غير متعرض، ولا حريص عليه بشره وطمع، وأصله من قولهم: أشرف فلان على كذا، إذا تطاول له ورماه ببصره. ومنه قيل للمكان المرتفع: شرف، وللشريف من الرجال: شريف؛ لارتفاعه عمن دونه بمكارم الأخلاق. ومعنى («فلا تتبعه نفسك»): ما لم يأتك من غير مسألة فلا تحرص عليه.
--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٤٥) كتاب: الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف.
قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة (الفقر) (١)، ولكن من حقوقهم فيها، فكره الشارع لعمر حين أعطاه قوله: أعطه من هو أفقر إليه مني. لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له: «خذه فتموله» (٢) هكذا رواه شعيب عن الزهري، فدل أن ذَلِكَ ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالًا كان عن غير مسألة أو عن مسألة. ثم قال: «إذا جاءك من هذا المال الذي هذا حكمه فخذه» (٣).
قال الطبري: واختلف العلماء في قوله: «فخذه» بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقال بعضهم: هو ندب لكل من أعطي عطية أبي قبولها كائنًا من كان معطيها إمامًا أو غيره، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته. روي عن أبي هريرة أنه قال: ما أحد يهدي إليَّ هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلا. وعن أبي الدرداء مثله. وقبلت عائشة من معاوية.
وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر، وابن عباس فيقبلانها. وقال عثمان بن عفان: جوائز السلطان لحم ظبي ذكي.
وبعث سعيد بن العاصي إلى علي بهدايا فقبلها وقال: خذ ما أعطوك.
وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف. وسئل أبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن هدايا السلطان فقال: إن علمت أنه من غصب أو
-----------
(١) في الأصل: (الفقراء) بالمد ولعل المثبت أصح.
(٢) سيأتي في رواية (٧١٦٣) كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢.
سحت فلا تقبله، وإن لم تعرف ذَلِكَ فاقبله، ثم ذكر قصة بريرة. وقول الشارع: «هو لنا هدية»، وقال: ما كان من مأثم فهو عليهم وما كان من مهنأ فهو لك، وقبلها علقمة، والأسود، والنخعي، والحسن، والشعبي.
وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب منه أُمَّتَه إلى قبول عطية غير ذي سلطان، فأما السلطان، فإن بعضهم كان يقول: حرام قبول عطيته، وبعضهم كرهها، روي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها، فقيل له: لو أخذتها فوصلت بها رحمك. فقال: أرأيت لو أن لصًّا نقب بيتا، ما أبالي أخذتها أو أخذت ذَلِكَ. ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن رزين ولا ابن محيريز من السلطان. وقال هشام بن عروة: بعث إليَّ عبد الله بن الزبير وإلى أخي بخمسمائة دينار. قال أخي: رُدَّها، فما أكلها أحد وهو غني عنها إلا أحوجه الله إليها.
وقال ابن المنذر: كره جوائز السلطان محمد بن واسع، والثوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره. وروي عن عكرمة: إنا لا نقبل إلا من الأمراء.
قال الطبري: والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معطٍ جائزة عطيته، سلطانًا كان أو غيره، لحديث عمر، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوى ما استثناه، وذلك ما جاء من وجه حرام عليه وعلم به، ووجه من رد أنه كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه تركه، ولا يدخل في ذَلِكَ ما إذا علم حرمته، ووجه من
قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال، ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام: ما علم يقينًا فلا يستحب رده. وعكسه: فيحرم قبوله.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|