عرض مشاركة واحدة
  #293  
قديم 09-02-2026, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,886
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (293)






قال الطحاوي والطبري: والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير التي قد أجمع الجميع أن لا صدقة فيها، ورد المختلف في ذَلِكَ إلى المتفق عليه إذا اتفق في المعنى أولى (١).
فرع:
في الحديث جواز قول: غلام فلان. وجواز قول: عبد فلان. وفي البخاري: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقول الرجل عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي (٢) (٣).

--------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٧ من ٨ من تجزئة المصنف.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٥٢) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق.



٤٧ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧].
ذكر فيه حديث أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّه - عليه السلام - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ ..
وذكر الحديث: «وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِم مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّه مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأكلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر بلفظ: «أخوفُ ما أخافُ عليكم ما يخرج الله لكم من زهرةِ الدنيا» قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول


الله؟ قال: «بركاتُ الأرض» وفي آخره: «فمَنْ أخَذَهُ بحقِهِ ودفعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه ..» الحديث (١). وفي لفظ: «أين السائل آنفًا؟ أو خير هو -ثلاثًا- إن الخير لا يأتي إلا بالخير» (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجهين:
أولهما: في ألفاظه: «زَهْرَةِ الدُّنْيَا»: يقال لحسن الدنيا وبهجتها
الزهرة والزهراء مأخوذ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من نوارها، قاله في «الموعب»، والنور: قال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها.
وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء. وفي «مجمع الغرائب»: هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين، والثياب، والزرع، وغيرها بما يغتر الخلق بحسنها مع قلة بقائها.
وفي «المحكم»: زَهْرَة الدنيا وزَهَرَتُها (٣).
و(الرُّحَضَاءَ): العرق الشديد، قال ابن بطال: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته (٤). ورحض الرجل إذا أصابه ذَلِكَ فهو رحيض ومرحوض. وعبارة الخطابي: الرحضاء: عرق يرحض الجلد لكثرته (٥).
وقوله: («أَوَيَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟») هو بهمزة الاستفهام، وواو العطف -الواقعة بعدها- المفتوحة على الرواية الصحيحة، مُنكرًا على

------------
(١) هذا اللفظ عند مسلم (١٠٥٢) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا -أما لفظ البخاري: «إن أكثر ما أخاف عليكم ..» الحديث سيأتي برقم (٦٤٢٧) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافي فيها.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل النفقة في سبيل الله.
(٣) «المحكم» ٤/ ١٦٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٨.
(٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.



من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلًا لا بالذات ولا بالعرض، نعم قد يعرض له ما يجعله شرًا إذا أسرف فيه ومنع من حقه.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ») قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف؛ لأن قوله: فرأينا يُنْزَل عليه، يريد: الوحي.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ») حذف (ما) قبل يقتل وحذف حبطا، والحديث: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» فحذف حبطا، وحذف (ما). قال القزاز: وقد رويناه بها.
قال ابن دريد في «وشاحه»: هذا من الكلام الفرد الموجز الذي لم يسبق إليه، وهو أكثر من سبعين لفظة، ذكرها مفصلة، وروايته فيه (لما) بلام وما.
وقوله: («إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَ») يعني: التي تخرج مما جمعت منه ورعت، وما ينفعها إخراجه مما لو أمسكه؛ لضره إثمه كما يضر التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه. ويبين هذا المعنى قوله - عليه السلام - في المال: «فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل» وفي هذا تفضيل المال.
وقال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتنهكه أكلًا، ولكنه من الجنْبَة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما اخضر من الكلأ الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه شيئًا فشيئًا فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. وقد ذكره طرفة وبين أنه نبت في الصيف فقال:


إذا أنبتا الصيف عساليج الخضر.
والخضر من كلأ الصيف وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوكله ولا تحبط بطونها عليه (١).
وقال أبو عبد الملك: يريد لو استوفت نبت الربيع ربما قتلها، وهو خير، وكذلك المال إذا منع منه فإنه يهلكه وهو خير أيضًا. وقال غيره: أراد بآكلة الخضر المقتصد على قدر الكفاية من الدنيا، فضربه - عليه السلام - مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: «أكلت حتَّى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس؛ فثلطت وبالت» أراد أنها شبعت منه بركت مستقبلة الشمس؛ تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط، فإذا ثلطته فقد زال عنها الحبط وهو انتفاخ البطن من داءٍ يصيب الآكل، وإنما يحبط الماشية؛ لأنها لا تثلط، ولا تبول، ومنه قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] أي: بطلت.
ووقع في رواية العذري: «إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَة» على الإفراد، وعند الطبري: «الخُضْرة» «وثلطت» بفتح اللام، وبه صرح الجوهري وغيره (٢)، قال ابن التين: وهو ما سمعناه. وضبطه بعضهم بكسرها.
قال الجوهري: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقًا وكذا قال ابن فارس (٣) وصاحب «المحكم» حيث قال: ثلط الثور والبعير والصبي يثلط ثلطًا سلح سلحًا (٤) رقيقًا. وفي «مجمع الغرائب» خرج رجيعها -يعني: آكلة الخضر- عفوًا من غير مشقة؛ لاسترخاءِ ذات بطنها فيبقى

------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١١١٨.
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ١٦٢.
(٤) «المحكم» ٩/ ١٢٠.



نفعها وتخرج فضولها ولا تتأذى. وفي «المغيث»: وأكثر ما يقال للبعير والفيل (١).
و«الربيع»: جزء من أجزاء السنة، فمن العرب من يجعله الفصل الذي يدرك فيه الثمار، وهو الخريف، ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.
قال أبو حنيفة في كتاب «الأنواء»: يسمى قسما الشتاء ربيعين: الأول منهما: ربيع الماء والأمطار، والثاني: ربيع النبات؛ لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. قال: والشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع: أربعة ورباع، وربما سمي الكلأ والعشب ربيعًا، والربيع أيضًا: المطر الذي يكون بعد الوسمي، والربيع: ما تعتلفه الدواب من الخضر، والجمع من كل ذَلِكَ: أربعة.
وقوله: («أو يلم») أي: يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشيء: قرب. «ورتعت» رعت، أرتع إبله: رعاها في الربيع، أرتع وارتبع الفرس وتربع: أكل الربيع. وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي، وليس كذلك. ورتعت عند أهل اللغة: اتسعت في المرعى، وإنما استقبلت عين الشمس؛ لأنه الحين الذي تشتهى فيه الشمس، فإذا ألقته مجتمعًا ليس ببعر اشتهت المرعى فرتعت، فجعل هذا مثلًا لمن يأخذ البعر، ووجه المثل من الحديث أن يقول: نبات الربيع خير،

-----------
(١) «المجموع المغيث» ١/ ٢٧١.


ولكن ربما قتل بهذا الداء -يعني: الحبط- أو قارب القتل. قال الأزهري: هذا الحديث فيه مثلان:
أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، فهي آكلة الربيع؛ لأنه ينبت أحرار البقول، والعشب فتستكثر منه الماشية؛ فيشق أمعاءها.
والثاني: ضربه مثلًا للمقتصد، وهو قوله: «إلا آكلة الخضر». وقد سلف.
وقوله: («وإن هذا المال خضرة حلوة») يريد أن صورة الدنيا ومتاعها حسنة مؤنقة، والعرب تسمي الشيء الحسن المشرق الناضر خضرًا؛ تشبيهًا له بالنبات الأخضر الغض. ويقال: سمي الخضر خضرًا لحسن وجهه وإشراقه، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩] ومنه قولهم: اختضر الرجل إذا مات شابًا؛ لأنه يؤخذ في وقت الحسن والإشراق. يقول: إن المال يعجب الناظرين إليه، ويحلو في أعينهم فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه، فماذا فعلوا ذَلِكَ تضرروا به كالماشية إذا استكثرت من المرعى ثلطت أي: سلحت سلحًا رقيقًا.
وقال ابن الأنباري: قوله: «خضرة»: حلوة لم يأت على الصفة، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه كأنه قال: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة، ويقول: إن هذا السجود حسنة، والسجود مذكر، فكأنه قال: السجود فعلة حسنة.
وقوله: («نعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل») يقول: إن من أُعطي مالًا وسلط على هلكته في الحق، فأعطى


من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه.
وقوله: «وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع» يعني: إنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقل ما في يده، ونظر إلى من فوقه فنافسه.
وقوله: «ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة» يجوز أن يكون على ظاهره، وأنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت بما فعل فيه، أو يمثل له بمثال حيوان كما سلف، أو يشهد عليه الموكلون بكتب السبب والإنفاق.
الوجه الثاني: في فوائده:
الأولى: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله.
الثانية: خوف المنافسة؛ لقوله: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا».
الثالثة: استفهامهم بضرب المثل، وقول الرجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يريد المال، وقد سمى الله تعالى المال خيرًا في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وضربه - ﷺ - مثلًا.
الرابعة: سكوت العالم عند السؤال وتأخر جوابه طلبًا لليقين، فقد سكت - عليه السلام - عند ذَلِكَ.
الخامسة: اللوم عند خوف كراهة المسألة والاعتراض، إذا لم يكن موضعه بينًا ينكر على المعترض به، ألا تراهم أنكروا على السائل. وقالوا: إن من سأل العالم وبَاحَثَه عما ينتفع به ويفيد، حكمه أنه
محمود مَنْ فَعَله.


السادسة: معرفتهم حالة نزول الوحي عليه - عليه السلام -؛ لقوله: (فرأينا أنه ينزل عليه).
السابعة: مسح الرحضاء؛ لشدة الوحي عليه، وهو شدة العرق الذي أدركه عند نزوله عليه.
الثامنة: دعاء السائل؛ لقوله: «أين السائل؟» سأل عنه؛ ليجيبه.
التاسعة: ظهور البشرى؛ لقوله: (وكأنه حمده) أي: لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنه كان إذا سرَّ برقت أسارير وجهه.
العاشرة: احتج به قوم على تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه؛ لأنه - عليه السلام - لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاقه في حقه إذا كسبوه من غير وجهه.
الحادية عشرة: ضرب الأمثال بالأشياء التافهة.
الثانية عشرة: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة؛ ليبينها.
الثالثة عشرة: الحض على إعطاء هذِه الأصناف: المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وقد ورد في الحديث أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب، وسيأتي في الأدب -إن شاء الله تعالى- في فضل من يعول يتيمًا (١).
الرابعة عشرة: أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك فيه؛ لقوله «كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة، وأبقى في قلوب آكليه ومكتسبيه الفاقة، وقلة القناعة، ويشهد لهذا
(١) سيأتي برقم (٦٠٠٥).


قول الله ﷻ: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فالمحق أبدًا في المال: المكتسب من غير وجهه.
الخامسة عشرة: أن للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال وغيره، وتنبيههم على مواضع الخوف من الافتتان به كما قال - ﷺ -: «إن مما أخاف عليكم» فوصف لهم ما يخاف عليهم، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة وهي إطعام هؤلاء الثلاثة.


٤٨ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٠٤]

١٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا». قَالَ: زَيْنَبُ قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: «نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ». [مسلم: ١٠٠٠ - فتح: ٣/ ٣٢٨]

١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ [أُمِّ سَلَمَةَ]، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». [٥٣٦٩ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٣/ ٣٢٨].
قاله أبو سعيد عن النبي - ﷺ -.
ثم ذكر فيه حديث الأَعْمَشُ عن شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ
امْرَأَةِ عَبْدِ. قَالَ: فَذَكَرْتهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ (١)، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَال: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» .. الحديث.

--------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: في السند تابعي عن تابعي، الصحابي، عن صحابية.


ثم ذكر حديث أُمِّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ».
الشرح:
تعليق أبي سعيد سلف قريبًا في الزكاة على الأقارب (١).
وحديث زينب أخرجه مسلم (٢)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وحديث زينب أخرجه النسائي بإدخال ابن أخي زينب امرأة عبد الله (٤)، وهو وهم كما نبه عليه الترمذي ونقله في «علله» (٥) عن البخاري، وأباهُ ابنُ القطان (٦).
وذكر الإسماعيلي أن رواية إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن زينب تصحح رواية من لم يدخل بين عمرو وزينب ابن أخيها، والمرأة التي وجدتها تسأل عن مثل ذَلِكَ اسمها زينب، وهي امرأة أبي مسعود الأنصاري. أخرجه النسائي (٧)، وطَرَّقَهُ الدارقطني، وقد سلف فقهه قريبًا في باب: الزكاة على الأقارب، فراجعه (٨).
وقولها: (فرأيت النبي - ﷺ -) كذا هنا، وفي مسلم: فرآني النبي - ﷺ -.
وهو صحيح أيضًا (٩)، وبخط الدمياطي أنه الوجه.

-------------
(١) سلف برقم (١٤٦٢).
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدَين ولو كانوا مشركَين.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٠١).
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٩٢ - ٩٣ كتاب: الزكاة، الصدقة على الأقارب.
(٥) «علل الترمذي»
(٦) «بيان الوهم والإيهام»
(٧) النسائي ٥/ ٩٢ - ٩٣.
(٨) راجع حديث (١٤٦٢).
(٩) «صحيح مسلم» (١٠٠٠/ ٤٦).



٤٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَيُعْطِي فِي الحَجِّ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ.

١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. [مسلم: ٩٨٣ - فتح: ٣/ ٣٣١]
ويذكر عن ابن عباس: يعتق من زكاة ماله، ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز، ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية في أيها أعطيت أجزأت.
وقال النبي - عليه السلام -: «إن خالدًا احتبس أدراعه في سبيل الله».


ويذكر عن أبي لاسٍ الخزاعي: حَمَلَنا النبيُّ - ﷺ - على إبل الصدقة للحج.
ثم ذكر حديث أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - عليه السلام - بِالصَّدقةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابن جَمِيلٍ، «مَا يَنْقِمُ ابن جَمِيلٍ ..» الحديث.
تَابَعَهُ ابن أبي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: حُدَّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ مِثْلَهُ.
الشرح:
أثر ابن عباس المعلق أسنده ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر، عن
الأعمش، عن حسان، عن مجاهد، عنه أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق النسمة منها (١).
وفي «علل عبد الله بن أحمد»، عن أبيه، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، ثنا الأعمش، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال ابن عباس: أعتق من زكاتك. وقال الميموني: قيل لأبي عبد الله: يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب، فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذَلِكَ ولا أعلم شيئًا يدفعه، وهو ظاهر الكتاب.
قال الخلال في «علله»: هذا قوله الأول، والعمل على ما بيّن عنه الجماعة في ضعف الحديث إلى أحمد بن هاشم الأنطاكي. قال: قال أحمد: كنت أرى أن يعتق من الزكاة ثم كففت عن ذَلِكَ؛ لأني لم أرَ إسنادًا يصح. قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب.

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٤) كتاب: الزكاة، من رخص أن يعتق من الزكاة.


وأثر الحسن روى ابن أبي شيبة بعضه، عن حفص، عن أشعث بن سوار قال: سُئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه. قال: اشترى خير الرقاب (١).
وتعليق حديث خالد قد أسنده في نفس الباب.
وحديث أبي لاسٍ المعلق أخرجه الطبراني عن عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحَدَّثَنَا أبو خليفة، ثنا ابن المديني، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاسٍ قال: حملنا رسول الله - ﷺ - على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج؛ فقلنا: يا رسول الله، ما نَرى أن تحملنا هذِه. فقال: «ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله عليكم كما أمركم الله ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله» (٢).
وعزاه ابن المنذر إلى رواية ابن إسحاق كما سقناه وتوقف في ثبوته كما سيأتي.
فائدة: أبو لاس هذا خزاعي، ويقال: حارثي، عبد الله بن غنمة، وقيل محمد بن الأسود (٣) قاله أبو القاسم وقيل: زياد مدني له صحبة، وحدثت له حديثان وليس لهم أبو لاس غيره، فهو فرد، وهو بالمهملة (٤).

------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٣).
(٢) «المعجم الكبير» ٢٢/ ٣٣٤ (٨٣٧).
(٣) في هامش الأصل تعليق نصه: قاله الذهبي في «التجريد» ٢/ ٥٤ محمد بن أسود بن خلف بن أسعد الخزاعي، قال شباب روى على ذروة كل بعير شيطان …) والتعليق طويل غير مقروء.
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٣٠٣ (٣١٧٨)، و«أسد الغابة» ٦/ ٢٦٥ (٦١٩٦)، و«الإصابة» ٤/ ١٦٨ (٩٨٠).



وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١). ومتابعة ابن أبي الزناد، وابن إسحاق خرجهما الدارقطني (٢).
وقوله: «وأعبده» بالباء، والصحيح ما قاله عبد الحق بالمثناة فوق، ولمسلم «أعتاده» (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فاختلف العلماء في المراد بالرقاب في الآية أي: ملاكها على قولين:
أحدهما: أن يشتري رقبة سليمة فيعتق، قاله ابن القاسم، وأصبغ (٤).
والثاني: المكاتبون، قاله الشافعي، وابن وهب، وروى مطرف عن مالك: لا بأس أن يعطى زكاة للمكاتب ما يتم به عتقه. وعنه كراهة ذَلِكَ؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم فربما عجز فصار عبدًا (٥).
وعلى الأول الولاء للمسلمين، ويشترط فيها الإسلام على المشهور. وفي إجزاء المعيبة قولان. وفي المكاتب والمدبر قولان، والمعتق بعضه.
ثالثها: إن كمل عتقه أجزأ وإلا فلا. والمشهور لا يعطي الأسير لعدم الولاء، ولو اشترى بها وأعتق عن ثفسه لم يجزِئْه على المشهور، وعلى الآخر الولاء للمسلمين.
وما قاله الشافعي مروي عن علي، والنخعي، وسعيد بن جبير،

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٨٣) كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٣ باب: تعجيل الصدقة قبل الحلول.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.



والزهري، والثوري، وأبي حنيفة، والليث، ورواية ابن نافع وابن القاسم عن مالك (١)، قال ابن قدامة: وإليه ذهب أحمد، وقد أسلفنا الاختلاف عنه. والأول سلف عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، والحسن، ورواية عن أحمد سلفت (٢).
احتج الثاني بأن كل صنف أعطاهم الله الصدقة بلام التمليك، فكذا الرقاب يجب أن يكون المراد به من يملكها، والعبد لا يملكها، ولأن الله تعالى ذكر الأصناف الثمانية، وجمع بين كل صنفين متقاربين في المعنى، فجمع بين الفقراء والمساكين، وجمع بين العاملين والمؤلفة قلوبهم، لأنهما يستعان بهما إما في جباية الصدقة، وإما في معاونة المسلمين.
وجمع بين ابن السبيل وسبيل الله لتقاربهما في المعنى، وهو قطع المسافة، وجمع بين الرقاب، والغارمين، وأخذ المكاتب لغرم كتابته كأخذ الغارمين للديون.
وفي الدارقطني من حديث البراء قال رجل: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: «أعتق النسمة، وفك الرقبة» قال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا قال: «لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعين في ثمنها» (٣) وفي الترمذي عن أبي هريرة

-------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٤.
(٢) «المغني» ٤/ ٣٢٠.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٥.
ورواه أحمد ٤/ ٢٩٩. وصححه ابن حبان ٢/ ٩١ - ٩٢ (٣٧٤)، والحاكم ٢/ ٢١٧، والحافظ في «الفتح» ٥/ ١٤٦.
وقال الهيثمي ٤/ ٢٤٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩٧٦).



مرفوعًا: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح المتعفف» (١) احتج لمالك بعموم ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وإطلاقها يقتضي عتق الرقاب في كل موضع أطلق ذكرها مثل كفارة الظهار قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادله: ٣] وكذلك في اليمين، ولو أراد المكاتبين لاكتفي بذكر الغارمين لأنه غارم.
قالوا: وشراء العبد ابتداء أولى من المكاتب؛ لأن المكاتب حصل له سبب العتق بمكاتبة سيده له، والعبد لم يحصل له سبب عتق.
قالوا: ولو أعطينا المكاتب، فإن تم عتقه كان الولاء لسيده فيحصل، له المال والولاء. وإذا اشترينا عبدًا فأعتقناه كان ولاؤه للمسلمين، فكان أولى لظاهر الآية. ولا نسلم لهم ما ذكروه. وقول الحسن: (إن اشترى أباه من الزكاة جاز).
قال ابن التين: لم يقل به مالك. وقال ابن بطال: ينبغي أن يجوز على أصل مالك؛ لأنه يجيز عتق الرقاب من الزكاة، إلا أنه يكرهه، لما فيه من انتفاعه بالثناء عليه بأنه ابن حر، ولا يجوز عند أبي حنيفة، والشافعي (٢).
وقوله قبل ذَلِكَ عن ابن عباس: (ويعطى) قال به ابن عمر أيضًا، وأحمد، وقال: معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠]

--------------
(١) «سنن الترمذي» (١٦٥٥) ورواه النسائي ٦/ ١٥ - ١٦ و٦١ وابن ماجه (٢٥١٨).
وصححه ابن حبان ٩/ ٣٦٩ (٣٢١٨)، والحاكم ٢/ ١٦٠ و٢١٧.
وقال الداقطني في «العلل» ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١: اختلف في رفعه ووقفه، ورفعه صحيح.
وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٠٤١)، وفي «غاية المرام» (٢١٠).
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧.



الحج (١). وقال مالك، والشافعي، وجمهور الفقهاء: هو الغزو والجهاد (٢). دليلهم أن هذا اللفظ إذا أطلق كان ظاهره الغزو ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ولا خلاف أن المراد به الغزو والجهاد وقال: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وقال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] وقيل: المراد به المجاهدون والحجاج. وقال أبو يوسف: هم منقطعو الغزاة. وقال محمد بن الحسن: فقراء الحاج، كذا في «المبسوط» وغيره (٣).
وعند ابن المنذر قولهما، وقول أبي حنيفة أنه المغازي، وحكى أبو ثور، عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج (٤).
وزعم ابن بطال أيضًا أن هذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: إلا أن أبا حنيفة، وأصحابه قالوا: لا يعطي الغازي إلا أن يكون محتاجًا. وقال مالك، والشافعي: يعطى وإن كان غنيًا (٥).

----------
(١) قال ابن قدامة رحمه الله: ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله لأن سبيل الله عند الإطلاق وهو الغزو وللإمام أحمد في دفع الزكاة في الحج روايتان:
الأولى: أنه يعطى من الصدقة، والثانية: لا يصرف منها في الحج؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد؛ ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، وهو ما رجحه ابن قدامة لقوله: وهو أصح.
«المغني» ٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٥، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.
(٣) «المبسوط» ٣/ ١٠.
(٤) انظر: «البناية» ٣/ ٥٣٤.
(٥) انظر: «المعونة» ١/ ٢٧٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.



وقال محمد بن الحسن: من أوصى بثلث ماله في سبيل الله، فللوصي أن يجعله في الحاج المنقطع به.
واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج وتركبها، فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: «اركبيها فإن الحج من سبيل الله» فدل أن سبيل الله كلها داخلة في عموم اللفظ، رواه شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: أرسل مروان إلى (أم معقل) (١) يسألها عن هذا الحديث (٢). وإلى هذا ذهب البخاري، وكذلك ذكر حديث أبي لاس أن النبي - ﷺ - حملهم على إبل الصدقة للحج. وتأول قوله: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله» أنه يجوز أن يدخل فيه كل سبيل الله الحج والجهاد وغيره (٣).
وذكر قول الحسن السالف. وأغرب ما رأيت أنهم طلبة العلم حكاه شارح «الهداية» من الحنفية. وقال أبو عبيد: لا أعلم أحدًا أفتى أن تصرف الزكاة إلى الحج.
وقال ابن المنذر: لا يعطى منها في الحج؛ لأن الله تعالى قد بين من يعطاها إلا أن يثبت حديث أبي لاس، فإن ثبت وجب القول به في مثل ما جاء الحديث خاصة. وأما قول أبي حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجًا (٤).

------------
(١) في الأصل: أم الفضل، والصواب ما أثبتناه كما سيأتي في تخريج الحديث.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٣٦٠ (٣٠٧٥) كتاب: الزكاة، باب: الرخصة في العمرة على الدواب المحبسة في سبيل الله، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٨٢ كتاب: المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٧.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٢١، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٧٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.95 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.38%)]