
09-02-2026, 04:29 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 431 الى صـــ 450
الحلقة (292)
وقيل: معناه قريب يروح خيره ليس بغارب، وذلك أنفس الأموال.
وقيل: يروح بالأجر ويغدو به، واكتفي بالرواح عن الغدو لعلم السامع.
وقال صاحب «المطالع»: «رابح» بباء موحدة أي: ذو ربح أو رابح به، وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح عليه بالأجر على الدوام ما بقيت أصوله.
وقال القاضي: هي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، والأولى رواية أبي مصعب وغيره. وقال صاحب «المطالع»: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم (١).
قُلْتُ: يحيى الذي أشار إليه هو: الليثي المغربي، ويحيى في البخاري هو: النيسابوري، قال الداني في «أطرافه»: في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، وتابعه روح بن عبادة وغيره وقال يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسماعيل، وابن وهب وغيرهم: «رائح» بالهمز من الرواح. وشك القعنبي كما سلف، وقال الإسماعيلي: من قاله بالباء فقد صحف.
خامسها: في فوائده:
الأولى: حب الرجل الصالح المال، وقال أبو بكر لعائشة: ما أحد أحب إليّ غنى منك ولا أعز علي فقرًا منك (٢). وإيثار حب بعضه.
الثانية: دخول الشارع حوائط أصحابه ويشرب من مائها، والأكل من ثمارها بغير إذنهم، إذا علم أن نفس أصحابها تطيب بذلك، وكان بما لا يتشاح فيه.
------
(١) مسلم (٩٩٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١١١ (١٦٥٠٧)، وابن سعد ٣/ ١٩٥.
الثالثة: تفويض الصدقة إلى الشارع.
الرابعة: إشارة الشارع لما هو أفضل.
الخامسة: فضل الكفاف على ما سواه؛ لأنه أمسك بعض ماله.
السادسة: اعتبارهم بالقرآن واتباعهم لما فيه.
السابعة: صحة الوقف وإن لم يذكر سبيله، ومصارف دخله، وهو ما بوب عليه البخاري في الوصايا (١)، وسيأتي الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى.
الثامنة: إعطاء الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم؛ لأن هذا الحائط مشهور أمره أنَّ دخله يزيد عليه زيادة كثيرة، وقد جعله أبو طلحة بين نفسين كما سلف، وسواء صدقة الفرض ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه، قاله الخطابي (٢)، يريد: إذا نذرت صدقة، وألا يبدأ الصدقة بها على أقاربه، لما كان حكمها حكم المفروضة.
التاسعة: ﴿البِرَّ﴾ في الآية الجنة، قاله ابن مسعود (٣)، والتقدير على هذا ثواب البر، وقيل: العمل الصالح، والمراد بـ ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ حتَّى تتصدقوا، وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري جارية حين فتحت مدائن كسرى، فاشتراها ووجه بها إليه، فلما رآها أعجب بها وأعتقها وقرأ الآية. قال مجاهد: وهو مثل قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (٤) وذكر عن ابن عمر أنه كان ينفذ إلى
----------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٧٥٢).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٨٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٠٣ (٣٨٠٨).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٤٦ (٧٣٩٠ - ٧٣٩١).
مصر فيأتيه السكر فيتصدق به، ويقول: إني أحبه ويتلو هذِه الآية (١).
العاشرة: معنى (أرجو برها)، أي: ثو اب برها. (وذخرها) أي: أقدمه فأدخره؛ لأجده هناك.
الحادية عشرة: أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها بها وغبط؛ لقوله - عليه السلام -: «بخ ذَلِكَ مال رابح» فسلاه بما يناله من ربح الآخرة، وما عوضه الله فيها عما عجله في الدنيا الفانية.
الثانية عشرة: أن ما فوته الرجل من صميم ماله، وعبيط عقاره عن ورثته بالصدقة، يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة؛ لئلا يفقد أهله نفع ما خوله الرب ﷻ، وفي القرآن ما يؤيده قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فثبت بهذا المعنى أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس، إذا كانت صدقة تطوع، ودل على ذَلِكَ حديث زينب امرأة ابن مسعود.
وقوله - ﷺ -: «لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (٢). وقال لميمونة عن أعتقت جارية لها: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظمْ لأجرك» ذكره البخاري في الهبة كما سيأتي (٣).
واستعمل الفقهاء الصدقة في غير الأقارب؛ لئلا يصرفوها فيما يجري بين الأهلين في الحقوق والصلات والمرافق؛ لأنه إذا جعل الصدقة الفريضة في هذا المعتاد بين الأهلين، فكأنهم لم يخرجوها
-------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩١، وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) قطعة من حديث سيأتي قريبًا برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: على الزوج والأيتام في الحَجْر.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٩٢) باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها.
من أموالهم؛ لانتفاعهم بها وتوفير تلك الصلات بها، فإذا زال هذا المعنى جازت الزكاة للأقارب الذين لا يلزمه نفقتهم، وقد تقدم اختلاف العلماء في الزكاة على الأقارب في باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر. فراجعه.
ولم يختلف العلماء -كما قال ابن بطال- أن قوله: في أقاربه وبني عمه، أنهم أقارب أبي طلحة لا أقاربه - عليه السلام -، وقد روى ذَلِكَ الثقات (١)، ثم ساق بإسناده ذَلِكَ إلى أنس، وهو في البخاري كما أسلفناه.
الثالثة عشرة: فيه استعمال عموم اللفظ، ألا ترى إلى فهم الصحابة لذلك؟ وأنهم يتوقفون حتَّى يتبين لهم بآية أخرى أو بسنة مبينة لمراد الله تعالى في الشيء الذي يجب أن ينفقه عباده؛ لأنهم يحبون أشياء كثيرة فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله إليه، فتصدق أبو طلحة بحائطه، وكذلك فعل زيد بن حارثة.
وروي عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر قال: لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذِه، وكان له فرس فجاء به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: «اقبضها منه» فكأن زيدًا وجه في نفسه من ذَلِكَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قد قبلها منك» (٢).
وفعل مثل ذَلِكَ ابن عمر، روي أنه كان له جارية جميلة وكان يحبها، فأعتقها لهذِه الآية، ثم أتبعتها نفسه، فأراد تزويجها فمنعه بنوه، فكان
-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٢.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
بعد ذَلِكَ يقرب بنيها من غيره لمكانها في نفسه (١). وروى الثوري أن أم ولد الربيع قالت: كان إذا جاءنا السائل يقول: يا فلانة أعطي السائل سكرًا فإن الربيع يحبه، قال سفيان: يتأول ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) (٣).
الرابعة عشرة: فيه من معاني الصدقات والهبات كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الخامسة عشرة: في حديث أبي سعيد: «يكثرن اللعن» يعني: أكثر من الرجال، «ويكفرن العشير» أي: الزوج، وقد سلف تفسيره. ونقصان عقولهن، أنهن لا يذكرن عند الغضب ما أسدي إليهن من الخير، ودينهن مضى. واللب: العقل، يعني: أنهن إذا أردن شيئًا غالبن عليه والتوين حتَّى يفعله الرجال صوابًا كان أو خطأً.
السادسة عشرة: زينب هذِه زعم الطحاوي أنها رائطة، قال: ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمنه - عليه السلام -. وقال الكلاباذي: رائطة هي المعروفة بزينب (٤). وقال ابن طاهر وغيره: امرأة ابن مسعود زينب، ويقال: اسمها رائطة (٥). وكذا رواه أبو يوسف القاضي في كتاب «الزكاة» مصرحًا به.
-----------
(١) رواه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤) بدون قوله: فمنعوه بثوه. وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٢٩٥، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى ابن حميد والبزار في «المصنف».
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٦٠ (٣٤٨٥٢) كتاب: الزهد، كرم ربيع بن خيثم، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٢٠٤.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس عشر، كتبه مؤلفه.
(٤) «رجال صحيح البخاري» للكلاباذي ٢/ ٨٥٠ (١٤٣٢).
(٥) «إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي (٢٠٣).
وأما ابن سعد (١)، والعسكري، والطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وابن عبد البر (٤)، وأبو نعيم (٥)، وابن منده، وأبو حاتم بن حبان (٦) فجعلوهما ثنتين، والله أعلم.
السابعة عشرة: قوله: فقال النبي - ﷺ -: «زوجك وولدك» إلى آخره ظاهره سماعها من رسول الله - ﷺ -، وقد ورد مصرحًا في البزار فقال لها النبي - ﷺ - لما دخلت عليه: «صدق ابن مسعود» الحديث. قال ابن القطان عقبها: تبين أن زينب سمعته من رسول الله - ﷺ -، ولكن لا ندري ممن تلقى ذَلِكَ أبو سعيد. وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: «تصدقي عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع» (٧).
الثامنة عشرة: استئذان النساء على الرجل وهو مع أهله وسؤاله قبل الإذن عمن يستأذن، وأنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن، سأل أن ينسب، والزيانب: جمع زينب.
التاسعة عشرة: فيه اتخاذ العلي، وفي الترمذي من حديث ابن
---------
(١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٩٠.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٦٣ حيث قال: رائطة بنت عبد الله؟؟؟ امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها خمسة أحاديث، ثم ترجم في ٢٤/ ٢٨٣، فقال: زينت بنت أبي معاوية امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها ستة عشر حديثًا.
(٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٨٥٠٣، ٨٥٠٥).
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٤٠٥ (٣٣٨٧) و٤/ ٤١١ (٣٣٩٦).
(٥) انظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٣٣٠ (٣٨٧٣) و٦/ ٣٣٣٨ (٣٨٨٥).
(٦) انظر: «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٩٠ (٢٢١٢) و٥/ ٥٩٣ (٢٢١٥) و١٠/ ٥٦ - ٥٩ (٤٢٤٦ - ٤٢٤٨).
(٧) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٢٤٦١) كتاب: الزكاة، باب: استحباب إتيان المرأة زوجها وولدها بصدقة التطوع ....
لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - أنه رأى في الحلي زكاة (١). وفي إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - ﷺ - (٢)، وقال بعض الصحابة، ابن عمر وجابر وعائشة وأنس:
------------
(١) «سنن الترمذي» (٦٣٧).
ولفظه: إن امرأتين أتتا رسول الله - ﷺ - وفي أيديهما سواران من ذهب فقال لهما: «أتؤديان زكاته»، قالتا: لا، قال: فقال لهما رسول الله - ﷺ -: «أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟» قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته».
ورواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي ٥/ ٣٨ من طريق حسين المعلم، عن عمرو به بلفظ: أن امرأة [زاد النسائي من أهل اليمن] أتت رسول الله - ﷺ - ومعها ابنة لها وفي يد ابنها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» فقالت: لا، قال: «أيسرك ان يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - ﷺ -: وقالت: هما لله -عز وجل- ولرسوله.
(٢) هذا قول الترمذي. قال ابن القطان: الترمذي إنما ضعف هذا الحديث؛ لأنه وقع له من وراية ابن لهيعة عن عمرو، لا بعمرو بن شعيب. وصحح إسناد أبي داود والنسائي: «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (٢٥٣٩).
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦: إسناد حسن، ورواه الترمذي من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف.
والحديث من طريق أبي داود والنسائي صححه أيضًا المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦.
وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٦٤١): رواه الثلاثة وإسناده قوي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٦): إسناده حسن. وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٩٦: إسناده إلى أبي داود والنسائي جيد.
والحديث رواه النسائي ٥/ ٣٨ عن عمرو بن شعيب، مرسل. وقال كما في «تحفة الأشراف» ٦/ ٣٠٩. وكما في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٨، وفي «الدراية» ١/ ٢٥٩: المرسل أولى بالصواب.
قال الحافظ: علة غير قادحة.
والحديث قد أعله بعض أهل العلم في مجمله تبعًا للترمذي، انظر ذلك مبينًا في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٦ - ٥٦٨.
ليس في الحلي زكاة (١)، وبه يقول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (٢).
قُلْتُ: وأسماء وعبد الله بن يزيد كما ذكره أحمد (٣)، وحديث أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فسألت رسول الله - ﷺ -: أكنز هو؟ قال: «لا إذا أديت زكاته فليس بكنز» حديث حسن، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٤)، وعن عائشة مثله وقال: صحيح على شرطهما (٥)، وقد سلفت المسألة.
------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٨٣ كتاب: الزكاة، من قال: ليس في الحلي زكاة، و«مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨١ - ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: البر والحلي.
(٢) انتهى كلام الترمذي ٣/ ٢٠ - ٢١، وانظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٦، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٦٠، «المبدع» ٢/ ٣٦٩.
(٣) هذِه العبارة فيها نظر؛ فليس لعبد الله بن يزيد في هذا الباب عند أحمد شيئًا، وإنما الحديث لأسماء بنت يزيد، رواه أحمد ٦/ ٤٦١ من طريق شهر بن حوشب عنها، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي - ﷺ - عليها أسورة من ذهب، فقال لنا: «أتعطيان زكاته؟» قالت: فقلنا: لا، قال: «أما تخافا أن يسوركما الله أسورة من نار، أديا زكاته».
قال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: في إسناده مقال.
(٤) «المستدرك» ١/ ٣٩٠.
ورواه أبو داود (٥٦٤). قال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦ - ٥١٧: إسناده حسن.
وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قواه ابن دقيق العيد.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» وانظر: «الصحيحة» (٥٥٩).
(٥) «المستدرك» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
ورواه أبو داود (١٥٦٥).
قال الحافظ: إسناده على شرط الصحيح. وقال في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قال ابن دقيق العيد: على شرط مسلم.
وأعله بعض أهل العلم. انظر: «البدر المنير» ٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٩٨)، وفي «الإرواء» ٣/ ٢٩٧: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
العشرون: فتوى العالم مع وجود أعلم منه، وأرادت التثبت مع قول ابن مسعود ممن هو أعلم منه.
الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ - لها: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» قال ابن التين: لم يخص فرضًا من تطوع. قال ابن أبي ذئب وسفيان وأهل المشرق: تعطي المرأة زوجها الفقير من زكاتها (١).
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يجزئها. وقال أشهب: إن صرف ذَلِكَ في منافعها لم يجزئها، وإلا أجزأها، وبه قال ابن حبيب (٢).
الثانية بعد العشرين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث في قولها: (فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم) أُراهم أولاد ابن مسعود من غيرها؛ لأنهم أجمعوا أن المرأة لا تعطي صدقتها بنيها، والذي زعم أنه إجماع ليس كذلك كما قال ابن التين؛ لأن مالكًا ومن اقتدى به يقولون: من لا تلزم نفقته إن أُعطِي من الصدقة أجزأ (٣).
والأم لا يلزمها نفقة الولد، ويرد عليه أيضًا قوله - عليه السلام -: «زوجك وولدك» إلى آخره، وخاطبها بذلك فدل على أنهم ولدها وكذلك في الحديث الآتي بعده: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟
وقال الإسماعيلي: حديث أبي سعيد هذا فيه نظر، فإن في حديث زينب: وأيتام في حجرها؟ وفي بعض الحديث: وولد ابن مسعود. كأنهم
----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٦.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤.
من غيرها، وفي الجملة: لا يجوز صرف الزكاة من سهم الفقراء من الرجل إلى ولده وهو يعلم، فإن كان معنى الخبر على ما روي: «ما أنفقه المسلم فهو له صدقة حتَّى اللقمة ترفعها إلى فيك» (١)
فهذا محتمل ويحتمل أن تكون النفقة على أبي الصغار دون أنفسهم، فإذا كان الأب لا مال له ينفق عليهم، كان للأم أن تتصدق عليه وعليهم، أو تعطيه لينفق هو على نفسه وعليهم، يدل على ذَلِكَ حديث أم سلمة من عند البخاري: أُنفق على بني أبي سلمة إنما هم بني (٢)؟
وفي «معجم الطبراني»: أيجزئ أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام؟ الحديث (٣)، وفي رواية: يا رسول الله، هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري. وإسنادهما جيد (٤)، وللبيهقي: كنت أعول عبد الله ويتامى في حجري (٥).
وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله: أتعطي المرأة زوجها من الزكاة؟ قال: لا أحب أن تعطيه، قيل له: فامرأة ابن مسعود أليس أمرها النبي - ﷺ - أن تعطيه؟! قال: ذاك صدقة ليس من الزكاة، ثم حسبته إن شاء
----------
(١) قال ابن رجب الحنبلي: هذا اللفظ غير معروف، إنما المعروف قول النبي - ﷺ -: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرْت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك». اهـ. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٦٥ بتصرف.
قلت: حديث سعد هذا سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث- مطولًا.
(٢) سيأتي برقم (١٤٦٧) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٣) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٥ (٧٢٥).
(٤) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٦ (٧٢٨).
(٥) «السنن الكبرى» ٤/ ١٧٨ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في الصدقة.
الله، قال: لم يروه إلا إبراهيم النخعي من الزكاة، وفي موضع آخر قال: وقد قال بعض الناس: فيه من الزكاة وما هو عندي بمحفوظ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لأحد دفع الزكاة إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل، ومن سواهم يجوز دفعها إليهم (١)، وهو أفضل، وأجمعوا أنه لا يعطي زوجته من الزكاة (٢)، ولا تدفع المرأة لزوجها عند أبي حنيفة ومالك (٣)، وقد أسلفنا قول أحمد.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأشهب وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وابن حزم: يجوز (٤)، محتجين بحديث زينب، وبما رواه الجوزجاني عن عطاء قال: أتت رسول الله - ﷺ - امرأة فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرًا أن أتصدق بعشرين درهمًا، وإن لي زوجًا فقيرًا أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: «نعم لك كفلان من الأجر»، وحديث زينب في التطوع لقولها: وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به. ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة، إنما يجب جزء منه، وقال - ﷺ -: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعًا. انتهى كلامه.
وقد أسلفنا كلام ابن التين عن مالك وأن الأم لا يلزمها نفقة الولد، أي: لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]
----------
(١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٧.
(٢) المصدر السابق ص ٥٨.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «الهداية» ١/ ١٢٢، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٥.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٠، «المنتقى» ٢/ ١٥٦، «البيان» ٣/ ٤٤٤، «المحلى» ٦/ ١٥٢.
وقد جاء أنهم أولاده من غيرها فنسبتهم إليها مجازًا؛ لأنهم في مؤنتها، واحتج من جوز ذَلِكَ بأنه داخل في جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، ولأن كل من لا يلزم الإنسان نفقته جائز أن يضع فيه الزكاة، والمرأة لا تلزمها النفقة على زوجها ولا على بنيه.
الثالثة بعد العشرين: فيه اتخاذ البساتين والعقار، قال ابن عبد البر: وفيه رد؛ لما يروى عن ابن مسعود أنه قال: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال: ولا خلاف أن كسب العقار مباح إذا كان حلالًا، ولم يكن بسبب ذل ولا صغار، فإن ابن عمر كره كسب أرض الخراج ولم ير شراءها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارًا (١).
الرابعة بعد العشرين: إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض؛ لقوله: ويشرب من ماء فيها طيب.
الخامسة بعد العشرين: فيه دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله ﷻ يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير إذ قال: لا يقال: الله تعالى يقول، إنما يقال: قال، أو: الله -عز وجل- قال، كأنه ينحو إلى استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وكأنه ذهل عن قوله: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤].
السادسة بعد العشرين: قوله: (ضعها حيث أراك الله). فيه: مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب.
---------------
(١) «التمهيد» ١/ ٢٠١.
(٢) انظر: «المجموع» ٢/ ١٩٧.
السابعة بعد العشرين: قوله: «وقد سمعت ما قُلْت» بوب عليه البخاري في الوكالة باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت (١)، قال المهلب: دل على قبوله - ﷺ - ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه في من يضعها.
وفيه: أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول، وقد ذكر إسماعيل القاضي في «مبسوطه» عن القعنبي بسنده سواء.
وفيه: أنه - ﷺ - قسمها في أقاربه وبني عمه، يعني: أقارب أبي طلحة لا خلاف في ذَلِكَ.
قال أبو عمر: وهو المحفوظ عند العلماء، وأضاف القسم في ذَلِكَ إلى الشارع؛ لأنه الآمر به (٢).
الثامنة بعد العشرين: قوله: (أفعل يا رسول الله) ضبطه ابن التين. في غير هذا الباب بضم اللام، قال: وهو فعل مستقبل مرفوع، ويحتمل كما قال النووي أن يكون: أفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قُلْت فجعله أمرًا. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل لآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، قال مالك في «المدونة»: لا يأخذ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا. وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز له أن يأخذه كله إذا كان فقيرًا.
-------------
(١) سيأتي برقم (٢٣١٨).
(٢) «التمهيد» ١/ ١٩٩.
٤٥ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ». [١٤٦٤ - مسلم: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث عراك بن مالك، عن أبي هريرة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلا غُلَامِهِ صَدَقَة».
٤٦ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ». [انظر: ١٤٦٣ - مسلم: ١٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧]
ذكر فيه الحديث المذكور (١) من طريقين بلفظ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَة فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ».
هذا الحديث أخرجه من حديث خثيم بن عراك عن أبيه، عن أبي هريرة به، وليس له عنده سواه -أعني خثيم-، عن أبيه عنه، وأخرجه مسلم والأربعة بلفظ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٢).
وفي لفظ له -وهو من أفراده-: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (٣) ولأبي داود: «إلَّا زكاة الفطر في الرقيق» (٤).
ولابن وهب: «لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه» (٥).
ولابن أبي شيبة: «ولا وليدته» (٦).
------------
(١) بعدها في الأصل: (الشافعي مرفوعًا) وكتب فوقها: لا … إلى.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٥٩٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق.
(٥) «موطأ ابن وهب» ص ٧٢ (١٨٩).
(٦) «المصنف» ٢/ ٣٨٠ (١٠١٣٩) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.
وهو مُقتضٍ لنفي كل صدقة من هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا زكاة في الخيل (١). ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وهو قول النخعي، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشعبي -فيما ذكره ابن أبي شيبة- (٢) وعطاء، والحسن البصري، والحكم، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور (٣). وخالف الجماعةَ أبو حنيفة، وزفر فقالا: في كل فرس دينار إذا كانت ذكورًا وإناثًا سائمة، وإن شاء قوَّمها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم (٤).
دليل الجماعة هذا الحديث، وقد أخرجه مالك في «الموطأ»، والستة كما تقدم (٥).
وكذا خالف في العبد كما قال الداودي: خالف الكوفي سائر العلماء في الفرس والعبد وقال: فيهما الصدقة، وغيره قال: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد زكاة.
------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ٢٤٤، «الأم» ٢/ ٢٢، «المغني» ٤/ ٦٦.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٨١ (١٠١٤٥ - ١٠١٤٨، ١٠١٥٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢١، «المجموع» ٥/ ٣١١.
(٤) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، «البناية» ٣/ ٣٩٦.
(٥) «الموطأ» ١/ ٢٨٧ (٧٣٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق والعسل والخيل، وسلف برقم (١٤٦٣)، ورواه مسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والترمذي (٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الخيل والرقيق صدقة، والنسائي ٥/ ٣٦ كتاب الزكاة، باب: زكاة الرقيق، وابن ماجة (١٨١٢) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق.
قال أبو عبد الملك: هذا الحديث أصل في المقتنيات كلها أنه لا صدقة فيها.
وأصل الحلي إذا اقتني لا زكاة فيه، واحتج به داود على أن العروض لا زكاة فيها وإن أريد بها التجارة، وكذلك استثنى في رواية زكاة الفطر؛ لما كانت واجبة، وفي «الأسرار» للدبوسي: لما سمع زيد ابن ثابت حديث أبي هريرة هذا قال: صدق رسول الله - ﷺ -، ولكنه أراد فرس الغازي، وأما ما طلب نسْلها ورِسْلها، ففيها الزكاة في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم. قال أبو زيد: ومثل هذا لا نعرفه قياسًا، فثبت أنه مرفوع. قُلْتُ حتَّى يثبت الأصل.
وقال ابن عبد البر في حديث أبي هريرة: رواه حبيب كاتب مالك، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فأخطأ، وكان كثير الخطأ، وأخطأ فيه أيضًا يحيى بن يحيى -يعني: الأندلسي- فأسقط سليمان بين ابن دينار وعراك.
وأما حديث مالك (١) عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن عمر وأبا عبيدة أبيا عن ذَلِكَ، ففيه دلالة واضحة على المنع، وهذا يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل، قال: ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أوجبها في الخيل إلا أبا حنيفة.
وحجته ما رواه عبد الرزاق عن عمر (٢)، وحديث مالك يرده ويعارضه فتسقط الحجة (٣).
قُلْتُ: وفي «مستدرك الحاكم» ما أخرجه أحمد أن عمر جاءه ناس
------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: منقطع.
(٢) «المصنف» ٤/ ٣٥ - ٣٦ (٦٨٨٧ - ٦٨٨٩) كتاب: الزكاة، باب: الخيل.
(٣) «الاستذكار» ٩/ ٢٨٠ - ٢٨١.
من أهل الشام فقالوا: إنا أصبنا أموالًا وخيلًا ورقيقًا نحب أن يكون لنا فيها زكاة، فاستشار أصحاب محمد - ﷺ - فقالوا: حسن وفيهم علي. فقال: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها فعدل. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن حارثة بن مضرب -يعني: أحد رواته- وإنما ذكرته في هذا الموضع للمحدثات الراتبة التي فرضت في زماننا على المسلمين (١).
وأما ما رواه البغوي في «معجمه» عن مرثد بن ربيعة (اليزني) (٢) قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الخيل فيها شيء؟ قال: «لا، إلا ما كان منها للتجارة» (٣) فآفته الشاذكوني (٤). وأما حديث أبي يوسف، عن غورك ابن الحصرم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» (٥) قال الدارقطني: تفرد به غُورك،
--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٠٠ - ٤٠١ كتاب: الزكاة، «المسند» ١/ ١٤.
(٢) كذا بالأصل، وفي مصادر الترجمة: العبدي.
(٣) «معجم الصحابة» ٥/ ٤٣٤.
(٤) وقال البغوي: وما بلغني هذا الحديث إلا من هذا الوجه الذي رواه سليمان بن داود الشاذكوني، وقد رماه الأئمة بالكذب.
(٥) روه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٣٨ (٧٦٦٥)، الدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢٥ - ١٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١١٩ كتاب: الزكاة، باب: من رأى في الخيل صدقة، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٩٥ (٨١١٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥ (٨١٩) وقال: هذا حديث لا يصح، وغورك ليس بشيء، وقال الدارقطني: هو ضعيف جدًا.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٦٩ وعزاه للطبراني وقال: فيه: الليث بن حماد وغورك، وكلاهما ضعيف، وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» إسناده ضعيف جدًا، وانظر: «الضعيفة» ٩/ ١٨ (٤٠١٤).
وهو ضعيف جدًّا (١).
قال البيهقي: ولو كان صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه (٢). وقد قال بقول أبي حنيفة زفر، وقبلهما حماد بن أبي سليمان، وفي «الروضة»، وإبراهيم النخعي.
وحديث علي مرفوعًا: «عفوت عن صدقة الخيل والرقيق» صححه البخاري من طريقيه فيما سأله الترمذي (٣). وحديث عمرو بن حزم (٤)، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء» (٥) دالَّان للجماعة.
واحتج لأبي حنيفة أيضًا بحديث أبي هريرة: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له ستر يتخذها تكرمًا وتجملًا، ولم ينس حق الله في ظهورها وبطونها وعسرها ويسرها» (٦).
وقد أنصف الطحاوي فقال: كل ما سلف أن ما أخذ عمر منهم لم يكن زكاة، ألم تر أن اللذين كانا قبل -يعني: رسول الله والصديق- لم يأخذا منها صدقة ولم ينكر على عمر ما قال من ذَلِكَ أحدٌ من الصحابة،
----------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٦.
(٢) «سنن البيهقي» ٤/ ١١٩.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٢٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: صوابه: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٥) رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٩ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة، و٤/ ١١٨ كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٣).
(٦) سيأتي برقم (٢٨٦٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل لثلاثة، ورواه مسلم (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.
وذكر قول عمر السالف أنه إنما أخذ ذَلِكَ بسؤالهم إياه، وأن لهم منع ذَلِكَ متى أحبوا، ثم سلك عمر بالعبيد في ذَلِكَ مسلك الخيل، ولم يدل ذَلِكَ أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم الصدقة، وإنما كان ذَلِكَ على التبرع من مواليهم لإعطاء ذَلِكَ (١).
والأمة مجمعة على أنه لا زكاة في العبيد غير زكاة الفطر إذا كانوا للقنية، فإن كانوا للتجارة فالزكاة في أثمانهم، ويلزم تقويمهم كالعروض.
وأما حديث أبي هريرة: «ولم ينس حق الله» (٢) فإنه يجوز أن يكون ذَلِكَ الحق حقًّا سوى الزكاة، فإنه روي ذَلِكَ عن رسول الله - ﷺ -: «في المال حق سوى الزكاة» (٣) لكنه ضعيف كما تقدم، وأيضًا الحديث في الخيل المرتبطة لا السائمة.
وأيضًا حديث جابر مرفوعًا: «إن حق الإبل إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحة سمينها» (٤) فيحتمل أن يكون كذلك في الخيل، ومن جهة النظر أن من أوجبها لا يوجبونها حتَّى تكون ذكورًا وإناثًا، ويلتمس صاحبها نسلها، ولا يجب في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة.
وكانت الزكاوات المتفق عليها في المواشي تجب في الإبل، والبقر، والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا، فلما استوى حكم الذكور خاصة في ذَلِكَ، وحكم الإناث خاصة، وحكم المجموع، وكانت الذكور من الخيل خاصة، والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة.
------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) رواه مسلم (٩٨٨) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|