
09-02-2026, 05:00 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,759
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (287)
والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به (١).
قَالَ ابن فارس: وهو البخل (٢).
وهذا محمول على ما إذا أعطاه صاحب البيت نصيبًا لها. وقيل: إنَّ صاحب البيت إذا دخل بالشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضًا إلى ربة المنزل، فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت. فكأنه قال: إذا كان الشيء مفوضًا إليكِ فاقتصري على قدر الحاجة للنفقة، وتصدقي بالباقي منه.
وقوله: «ولا تُحصي» الإحصاء للشيء معرفة قدره، أو وزنه، أو عدده، وهذا مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، أي: يمنعكِ كما منعتِ. كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل: معناه لا تحصي ما تعطين فتستكثريه. فيكون سببًا لانقطاعه، ويحتمل أن يراد بالإحصاء ونحوه عدده، خوف أن تزول البركة منه. كما قالت عائشة: حَتَّى كِلناه ففني.
ورجحه بعضهم، وقيل عددت ما أنفقته، فنهاها عن ذلك، وجاء أيضًا النفح وهو العطاء ويجوز أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته، إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة. أو من نفحت الريح إذا هبت باردة.
---------
(١) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٩١١.
(٢) «المجمل» ٢/ ٩٣٥.
٢٢ - باب الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ
١٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَي النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا تُوعِي فَيُوعِىَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث أسماء السالف في الباب قبلَه، وفيه: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ».
ومعنى «تُوعِي»: تُمْسكي، والوعاء: الظرف يخبأ فيه، يقال منه: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه، قَالَ:
والشرُّ أخبثُ ما أوعيتَ في زادٍ
وقوله («ارْضَخِي») يقال: رضَخ -بفتح الضاد- يرضخُ رضخًا، وهو العطاء اليسير وقيل: هو أن يعطي يسيرًا من كثير.
٢٣ - باب الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ
١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ المُنْكَرِ». قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ التِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ. قَالَ: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ.
فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ - رضي الله عنه -. قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث حذيفة، وقد سلف بطوله في باب الصلاة كفارة (١)، ويأتي في الصوم أيضًا (٢)، ونذكر نبذة من الكلام عليه لطول العهد به فـ (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ) يريد: ما يفتن به من صغار الذنوب التي تكفرها الصلاة والصدقة، وما جانسها. وفي ضرب الأمثال في العلم.
وفيه: حجة لسد الذرائع، ويعبر عنه بغلق الباب وفتحه كما عبد عنه حذيفة وعمر، وأن ذلك من المتعارف في الكلام.
وفيه: أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند المعلم المبرز.
----------
(١) برقم (٥٢٥) كتاب: مواقيت الصلاة.
(٢) برقم (١٨٩٥) باب: الصوم كفارة.
وفيه: أن العالم قد يرمز رمزًا ليفهم المرموز له دون غيره؛ لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس متفهم له، ولا عالم بمعناه.
وفيه: أن الكلام في الحدثان مباح إذا كان في ذلك أثر عن النبوة، وما سوى ذلك ممنوع؛ لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر، وذلك الجزء إنما هو على غلبة الظن لقوله - ﷺ -: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا الجِنَّيّ، فيضيفُ إليها أكْثَرَ مِنْ مِائَة كذْبَةٍ» (١).
وقوله في آخره (حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) الأغلوطة: ما يغلط به عن الشارع، ونَهَى الشارع عن الأغلوطات، وهذا منه.
------------
(١) سيأتي برقم (٥٧٦٢) كتاب: الطب، باب: الكهانة.
٢٤ - باب مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ
١٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». [٢٢٢٠، ٢٥٣٨، مسلم: ٥٩٩٢ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠١]
ذكر فيه حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أوَ صِلَةٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ».
الشرح:
قالَ «صاحب المطالع»: رواه المروزي (١) أَتَحَنَّتُ بتاء مثناة، وهو غلط من جهة المعنى دون الرواية، والوهم قبل شيوخ البخاري (٢) بدليل قوله في باب: من وصل رحمه: ويقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنث أو أتحنت على الشك، والصحيح الذي رواه الكافةُ بثاء مثلثة. وعن عياض: بالتاء المثناة غلط من جهة المعنى، ويحتمل أن يكون معناه الحانوت؛ لأن العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت، يعني: كنت أتجنب حوانيتهم.
وقال ابن التين: أتَحَنَّث. أي: أتقربُ: إلى الله، وأصلُه إطراح الحنث عن النفس كما تقول: يتأثم. أي: يلقي الإثم عن نفسه،
--------------
(١) في هامش الأصل بخط سِبط: الذي رواه المروزي بالمثناة ليس في هذا الباب، إنما رواه في باب: مَن وَصَل رحمَه، وهذا فرع عبارة «المطالع» لا في كل باب فاعلمه.
(٢) في هامش الأصل بخط سِبط: عبارة «المطالع»: والوهم فيه من شيوخ البخاري.
وكذلك يتحرج. وقوله: (عتاقة) وذلك أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وفي رواية قَالَ: يا رسول الله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله (١). ففعل ذلك.
وقوله: («أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلف مِنْ خَيْرٍ») قَالَ المازري: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مُثابًا على طاعاته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، لكنه لا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه، وهو في حين كفره لم يحصل له العلم بالله بعد.
فإذا (قرب) (٢) هذا علم أن الحديث متأول، وهو محتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون المعنى: أنك اكتسبت طباعًا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون العادة تمهيدًا لك، ومعونة على فعل الخير والطاعات.
ثانيها: معناه: اكتسبت بذلك (شيئًا) (٣) جميلًا، فهو باقٍ في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم لك من الأفعال الجميلة. وقد تأولوا في الكافر أنه إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، ولا يبعد أن يزاد هذا في الأجور (٤).
وقال عياض: ببركة ما سبق لك من خير هداك الله إلى الإسلام، فإن
------------
(١) رواه مسلم (١٢٣/ ١٩٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده.
(٢) في (م): قررت، وعند المازري: تقرَّر.
(٣) كذا بالأصل: وعند المازري: ثناءً.
(٤) «المعلم بفواند مسلم» ١/ ٧٦.
من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه، وحسن عاقبته (١).
وزعم ابن بطال وغيره أنه على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على إسلامه يثاب على ما فعله من الخير في حالة الكفر، وقال عن بعض أهل العلم: معنى الحديث أن كل مشرك أسلم أنه يكتب له خير عمله مثل إسلامه ولا يكتب عليه شيء من سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك، وإنما كتب له الخير؛ لأنه أراد به وجه الله؛ لأنهم كانوا مقرين بالله تعالى إلا أنهم كان عملهم مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات، ومحا عنهم السيئات كما قَالَ - ﷺ -: «ثلاثة يُؤْتَونَ أجرَهم مَرَّتين» (٢) أحدهم: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بنبينا (٣). ومما يدل على ذلك أن حديث أبي سعيد الخدري السالف في باب: حسن إسلام المرء من كتاب الإيمان معلقًا عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه (٤). ورواه عبدٍ الله بن وهب عن مالك به (٥).
وذكره الدارقطني في غريب حديث مالك من تسع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه كتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، ولعل حكيمًا لو مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار كما جاء في أبي طالب، وأبي لهب بعتاقته ثويبة.
----------------
(١) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٦.
(٢) سيأتي برقم (٩٧) من حديث أبي موسى كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
(٤) برقم (٤١).
(٥) رواه ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ٤٥.
قلتُ: لا يقاس.
وقيل: إنه - ﷺ - وروَّى عن جوابه، فإنه سأله: هل لي فيها أجر؟ يريد ثواب الآخرة، ومعلوم نفيه عنه، فقال له ذلك. والعتق فعل خير، فأراد إنك فعلت خيرًا، والخير يمدح فاعله، وقد يجازى عليه في الدنيا. حكاه ابن الجوزي. وفي مسلم من حديث أنس: «أما الكافِرُ فيُطْعَم بحسناتِهِ في الدنيا، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة» (١)، وروي أن حسنات الكافر إذا أسلم محسوبة له مقبولة، فإن مات على كفره كانت هدرًا. ذكره الخطابي. قَالَ ابن الجوزي: فإن صح هذا كان المعنى: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير.
قلتُ: ومراد الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها المراد في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة وإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم يجب عليه إعادته، وسيأتي إن شاء الله في كتاب العتق اختلاف أهل العلم في عتق المشرك.
واختلف أصحابنا في من أجنب ثم اغتسل ثم أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعضهم فقال يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم. فإذا أسلم صلى بها، وقال القرطبي: الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر. وقال الحربي:
----------
(١) «صحيح مسلم» (٢٨٠٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا.
معنى الحديث: ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم على أن أحوزها لنفسي. قَالَ القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي: هو أشبهها وأولاها (١).
فرع:
طلق امرأته أو أعتق عبده ولم يبن عن مدة، فلا يلزمه ذلك في المشهور من مذهب مالك، وقال المغيرة: يلزمه، فإن حلف بذلك وهو نصراني ثم أسلم فحنث. قال مالك: لا يلزمه، وقال أشهب: نعم. ورُدَّ هذا بقوله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
------------
(١) «المفهم» ١/ ٣٣٢.
٢٥ - باب أَجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٢]
١٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِذُ -وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَي الذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». [٢٢٦٠، ٢٣١٩ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠٢]
سلف بما فيه وكذا الباب بعدَهُ.
٢٦ - باب أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ
١٤٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - تَعْنِي: «إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣]
١٤٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا أَطْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣]
١٤٤١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣]
٢٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالًا خَلَفًا».
١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». [مسلم: ١٠١٠ - فتح: ٣/ ٣٠٤]
ذكر فيه حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، واسمُهُ عبد الرَّحمن: صدوق، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».
أما الآية فقَالَ ابن عباس -فيما حكاه الطبري-: أعطى مما عنده، واتقى ربه، وصدق بالخلف من الله تعالى (١). وقال قتادة: أعطى حق الله، واتقى محارمه التي نهى عنها. وقال الضحاك: زكى واتقى الله (٢).
وقيل: الحسنى: لا إله إلا الله، قاله أبو عبد الرحمن وعطاء والضحاك، وابن عباس في رواية (٣).
وقال مجاهد: بالجنة (٤).
-------------
(١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦١١ - ٦١٢ (٣٧٤٣٢)، (٣٧٤٣٣)، (٣٧٤٣٦ - ٣٧٤٣٩).
(٢) السابق ١٢/ ٦١١ (٣٧٤٣٤ - ٣٧٤٣٥).
(٣) السابق ١٢/ ٦١٢ - ٦١٣ (٢٧٤٥١ - ٣٧٤٥٣).
(٤) السابق ١٢/ ٦١٣ (٢٧٤٥١ - ٣٧٤٥٣).
وقال قتادة: صدّق بموعود الله على نفسه فعمل بذلك الموعود الذي وعده (١). قَالَ الطبري وغيره: والأشبه والأولى قول ابن عباس السالف. قَالَ: وإنما قلتُ ذلك؛ لأنه سياق الآية، وذكر أن هذِه الآية نزلت في الصديق كان اشترى نسمًا كانوا في أيدي المشركين فنزلت إلى آخر السورة، ورُوي أنها نزلت في رجل ابتاع نخلة كانت على حائط أيتام، فكان يمنعهم أكل ما سقط منها فابتاعها رجل منه، وتصدق بها عليهم، وأما الحديث فهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٢) [سبأ: ٣٩] ولقوله: «ابن آدم أنفق أنُفِقْ عليك» (٣)، وهذا يعم الواجب والمندوب، والممسك يريد به: عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء، اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها وإن قلَّتْ في أنفسها كالحبة واللقمة، وما شابههما فقد يتناوله؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذموم عليه وقلما يكون ذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات. إذ لا تطيب نفسه بها.
وفيه: الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض على ما أسلفناه. ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب بدليل قوله - ﷺ -: «مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبهِ» (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٧] أي للحالة اليسَرى، وسمى العمل بما يرضاه الله تعالى منه في الدنيا ليوجب به الجنة في الآخرة.
--------------
(١) السابق ١٢/ ٦١٣ (٣٧٤٥٤ - ٣٧٤٥٥).
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٦١٣ بتصرف.
(٣) سيأتي برقم (٤٦٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾.
(٤) سبق برقم (٧٨٠) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين.
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾: فيروى يعني أنه أبو سفيان.
وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى (٩)﴾ أي: كذب بالخلف، عن ابن عباس (١).
وروي عنه أيضًا: بلا إله إلا الله. كما سلف. وقال قتادة: كذب بموعود الله تعالى أن ييسره (٢).
﴿لِلْعُسْرَى﴾. أي: للعمل بالمعاصي. ودلت هذِه الآية أن الرب تعالى هو الموفق للأعمال الحسنة والسيئة كما قَالَ - ﷺ -: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فييسرون لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فييسرون لِعَمَلِ الشَّقَاء» (٣). ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية.
وقال الضحاك: العُسْرى: النار. فإن قلت: التيسير إنما يكون لليسرى، فكيف جاء للعسرى؟ فالجواب أنه مثل قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢١] أي أن ذلك لهم يقوم مقام البشارة.
وقال الفراء (٤): إذا اجتمع خير وشر فوقع للخير تيسير جاز أن يقع للشر مثله. (٥)
-------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٦١٤ (٣٧٤٦٢ - ٣٧٤٦٥).
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٦١٤ - ٦١٥ (٣٧٤٦٤ - ٣٧٤٦٥).
(٣) سيأتي برقم (٤٩٤٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾.
(٤) «معاني القرآن» ٣/ ٢٧١.
(٥) بهامش الأصل: (آخر ٦ من ٥ من تجزئة المصنف).
٢٨ - باب مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ
١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ». وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَي تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ -أَوْ وَفَرَتْ- عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ». تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتَيْنِ. [١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: «جُنَّتَانِ». وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «جُنَّتَانِ». [انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥]
ذكر في حديث أبي هريرة من طريق ابن طاوُس، عن أبيه، عنه، ومن طريق أبي الزناد: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ (أَبَا هُرَيْرَةَ) (١) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ..» الحديث. تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتيْنِ.
وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسِ: «جُنَتَانِ». بالنون، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابن هُرْمُزٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «جُنَّتَانِ».
الشرح:
أما متابعة الحسن فقد أسندها في اللباس عن عبد الله بن محمد، عن
---------------
(١) في الأصل مضبب فوق هذِه الكلمة.
أبي عامر، عن نافع، عنه (١). وأخرجها العدني في «مسنده» عن ابن جريج عن الحسن عن طاوس عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ - «يُوَسِّعُهَا فلَا تتَوَسَّع» مرتين. ومتابعة حنظلة، وهو ابن أبي سفيان. ذكرها أيضًا في اللباس معلقة (٢).
وقوله: (وقال الليث: حَدَّثَني جعفر) كذا ذكرها معلقة. وكذا ذكر أبو مسعود وخلف أنه علقه أيضًا في الصلاة. وروى العدني محمد بن أبي عمر في «مسنده» عن سفيان عن أبي الزناد به. وأخرجه مسلم بألفاظ (٣)، ومن حديث عمرو الناقد عن ابن عيينة: «مثل المنفق والمصدق كمثل رجل ..» الحديث، وفيه: «فإذا أراد المنفق أن يتصدق سبغت عليه أو مرت، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت» (٤).
قَالَ عياض (٥): إنه وهم، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: «مثلُ البخيلِ والمتصدق» والتقسيم آخر الحديث بين ذلك. وقد يحتمل أن تكون على وجهها، وفيها محذوف مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما، -وهو البخيل- حذف لدلالة المنفق والمتصدق عليه كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أي: والبرد. فحذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. ووقع في بعض الروايات: «والمصدق». وفي أخرى: «والمتصدق» (٦)، وفي أخرى: حذف التاء وتشديد الصاد. وكلاهما صحيح.
--------------
(١) سيأتي برقم (٥٧٩٧) باب: حبيب القميص من عند الصدر وغيره.
(٢) سيأتي عقب حديث (٥٧٩٧).
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٢١) كتاب: الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل.
(٤) انظر: التخريج السابق.
(٥) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٤٥.
(٦) «صحيح مسلم» (١٠٢١/ ٧٦).
وقوله: «كمثل رجلين» وفي رواية مسلم: «كمثل رجل» (١) بالإفراد.
وكأنه تغيير من بعض الرواة.
وقوله: «جُبّتَانِ» روي كما سلف بالباء والنون. وفي رواية: «جبتان أو جنتان» (٢) وكلا الوصفين يصح أن يمثل به. والأفصح بالنون: وهو ما يتستر به الإنسان فيجنه، وكذا قَالَ صاحب «المطالع» وغيره أن النون أصوب، وهو الدرع. يدل عليه قوله في الحديث «لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ».
وفي لفظ: «وأخذتْ كُلُّ حَلْقَةٍ موضِعَها» (٣). وكذا قوله: «من حديد».
وقوله: «من ثُدِيِّهِمَا» قَالَ ابن التين: كذا في رواية أبي الحسن.
وضبطه بعضهم بضم الثاء، ويصح أن يكون بنصبها. وعند أبي ذر «ثَدْيَيْهما» ولا يكون إلا بنصب الثاء. قَالَ ابن فارس: والثَّدي -بالفتح- للمرأة، والجمع الثدى، يذكر ويؤنث. وثُندؤة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فُتح لم يهمز. ويقال: هو طرف الثدي (٤). فانظر على هذا كيف قَالَ: «ثديهما»، وهو قد قَالَ: «كمثل رجلين؟» وقال الجوهري: الثدي للمرأة والرجل، والجمع أثدٍ وثدى على فعول، وثِدى بكسر الثاء (٥).
وقوله: «إِلَي تَرَاقِيهِمَا» الترقوة، قَالَ الخليل: هي فعلوة وهو عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. والتراقي جمع ترقوة. وهذا يشهد لرواية أبي الحسن أن ثديهما بالضم لتجانس اللفظ. وقد يكون قد
-------------
(١) المرجع السابق.
(٢) رواها مسلم (١٢٠١/ ٧٥).
(٣) سيأتي برقم (٥٢٩٩) كتاب: الطلاق، باب: الإشارة في الطلاق.
(٤) «مجمل اللغة» ١/ ١٥٧.
(٥) «الصحاح» ٦/ ٢٢٩١.
جمع الثدي والترقوة. ولأنهن جمع؛ لأن في كل واحد منها ثديين، كالعينين، لا تقول في الرجلين: عيناهما حسنتان. إنما تقول: عيونهما. بخلاف أن يكون في كل واحد منهما شيء واحد. فهذا إذا ثنيت جاز لك ثلاثة أوجه: الإفراد، والجمع، والتثنية. ونعني بذلك الأصل الذي هما عليه.
وقوله: «سبغت» أو «وفرت» كذا بخط الدمياطي: «وفرت» وكذا هو في شرح ابن التين، وابن بطال (١)، وفي بعضها «مرت» (٢) بالميم.
قَالَ النووي (٣): وصوابه في مسلم: «مُدَّتْ» بالدال بمعنى سبغت كما في الحديث الآخر: «انبسطت» (٤) لكنه قد يصح «مرت» على هذا المعنى. والسابغ: الكامل. وفي بعض نسخ البخاري: «مادت» بدال مخففة من ماد: إذا مال. ورواه بعضهم «مارت» أي: سالت عليه وانقلبت.
وقال الأزهري (٥): معناه ترددت، وذهبت، وجاءت بكمالها. وسبغت أي امتدت وطالت. وعند ابن طريف: هو شيء طال من فوق إلى أسفل سبوغًا، ألا ترى: سبع الثوب، يسبغ: اتسع. غيره: سبغت النعمة: سترت. وضبطه الأصيلي بضم الباء، وهو شيء لا يعُرف.
ولما ذكره ابن التين كما سلف شك -يعني الراوي- أيهما قال، ومعناهما واحد، فهو إذ أنفق طال ذلك اللباس. وحقيقة المعنى أن
-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤١.
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٢١).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٧/ ١٠٨.
(٤) سيأتي برقم (٥٧٩٧).
(٥) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٣٢٥.
الجواد تطاوعه يده في (النفقة) (١) إذا أعطى، وينمى ماله، ويستر بها من قرنه إلى قدمه. والبخيل تنقبض يده فدرعه عليه ثقل ووبال بالوقاية. وإليه أشير في قوله: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله: «حَتَّى تُخفِي بنانه» ورواه الخطابي: «حَتَّى تجن بنانه» أي: تسترها. جن، وأجن بمعنى، وروي «تحز» -بحاء وزاي- وهو وهم. قَالَ النووي: والصواب: «تجن» -بجيم ونون- أي تستره. ومنه رواية بعضهم «ثيابه» بثاء مثلثة، وهو وهم، والصواب «بنانه» بالنون، وهي رواية الجمهور كما في الحديث الآخر «أنامله» (٢).
وقوله: «ويعفو أثره» أي كما يعفي الثوب الذي يجر الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه، كذلك تُذهب الصدقة خطاياه فتمحوها.
وقوله -في البخيل-: «لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا» ويروى: لزمت أي: ضُيقت عليه. ولزمت بجلده فهي تؤذيه بمعنى أنها تحمى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. ولزق مثل لصق.
وقال النووي: معنى «تعفو أثره»: تمحو أثر مشيه، تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، ويعود ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له.
وقيل: معنى «تمحو أثره» أي: تذهب بخطاياه وتمحوها. وهذا مثل ضربه الشارع للبخيل والجواد. وذلك أن الدرع أول ما تلبس تقع على
---------------
(١) في (م): الصدقة.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٩٧).
الصدور والثديين إلى أن يدخل اللابس يديه في كميه، فجعل مثل المنفق مثل من يلبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حَتَّى سبغت جميع بدنه، وهو معنى قوله: «حَتَّى تعفو أثره» أي: تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كرجل غلت يداه إلى عنقه، فلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه. وهو معنى «قلصت» أي: تضامت واجتمعت. والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، والبخيل إذا حدث نفسه بها ضاق صدره، وانقبضت يده.
وقال المهلب: معناه أن الله تعالى ينمي مال المتصدق ويستره ببركته من قرنه إلى قدمه، وجميع عوراته في الدنيا، والأجر في الآخرة.
والبخيل ماله لا يمتد عليه، فلا يستر من عوراته شيئًا حَتَّى يبدو للناس منكشفًا مفتضحًا في الدنيا والآخرة، كمن يلبس جبة تبلغ إلى ثدييه لا تجاوز قلبه الذي يأمره بالامتثال (١).
-------------
(١) انظر «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤١.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|