
09-02-2026, 03:51 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,824
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (286)
وما جانسهم، وذلك أن رب البيت قد يأذن في مثل ذلك، وتطيب به نفسه، وليس ذلك بأن تفتات المرأة والخادم على رب البيت.
وفرَّق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق ما لم يكن إسرافًا.
وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن فيه دون الزوجة. وجزم ابن التين بأن قوله: «غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، يريد: فعلت ما يلزم الزوج من نفقة عيال، وإعطاء سائل على ما جرت به العادة، أو صلة رحم، أو مواساة مضطر، فهذِه لها أجرها بما صرفت عنه من شح النفس.
وقوله: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» يريد الخادم طيب النفس. وقيل معناه: إذا فعل مثل المرأة كان له مثل أجرها. وبينه حديث أبي موسى الآتي: «طيب به نفسه» (١) ونفذ ما أمره به كاملًا موفرًا، وعليه يدل تبويب البخاري أخذه من قوله: «وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ»؛ لأن الخازن لا يجوز له أن يتصدق إلا بإذن مولاه بخلاف الزوجة على قول من أباح لها ذلك؛ لأن الخازن إنما هو أمين فقط. ثم ظاهر الخبر أن أجر الجميع متساوٍ.
وقال بعضهم: لا يعلم مقدار أجر كل واحد منهم إلا الله غير أن الأظهر أن الكاسب أكثر أجرًا، كما قاله ابن بطال (٢).
وقد أسلفنا من حديث أبي هريرة أن لها نصف أجره. وقال بعضهم: النصف مجاز، وهما سواء في المثوبة، لكل منهما أجر كامل. ويحتمل
--------------
(١) سيأتي هنا برقم (١٤٣٨)، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.
أنها مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين. ثم اعلم أن البخاري ترجم على هذا الحديث تراجم: ترجم عليه ما نحن فيه. وترجم عليه باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، وزاد فيه حديث أبي موسى كما ستعلمه (١)، وترجم عليه إثره باب: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة، وساقه عن عائشة من طرق (٢). وهو من باب المعاونة التي أمر بها الرب ﷻ حيث قَالَ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهي دالة على اشتراك المتعاونين على الخير في الأجر.
وجاء هذا المعنى في هذِه الأحاديث إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حق في ماله كان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال، ولا إسرافًا، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، وتطيب به نفسه. فأخبر أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب. ويؤجر الخادم الممسك كذلك هو والخازن المذكور في الحديث كما سلف إلا أن مقدار أجر كل منهم متفاوت كما سلف.
--------------
(١) يأتي برقم (١٤٣٧) وحديث أبي موسى برقم (١٤٣٨).
(٢) أحاديث (١٤٣٩ - ١٤٤١).
١٨ - باب لَا صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى
وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجون، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ». [٢٣٨٧] إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَة، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. [انظر: ٨٤٤]
وَقَالَ كَعْبٌ بنُ مالك: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَي اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - ﷺ -. قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِى الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٧٥٧]
١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». [مسلم: ١٠٣٤ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
١٤٣٨ - وَعَنْ وُهَيبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هريرَةَ - رضي الله عنه - بهذا. [انظر: ١٤٢٦ - فتح ٣/ ٢٩٤]
١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ح.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالمَسْأَلَةَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [مسلم: ١٠٣٣ - فتح: ٣/ ٢٩٤]
ذكر فيه أحاديث ثلاثة، وسردها ابن بطال حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة (١):
أحدها: حديث أبي هريرة: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».
ثانيها: حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ..» الحديث.
وعن وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ، مرفوعًا مثله.
ثالثها: حديث ابن عمر: «اليَدُ العُلْيَا خير مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، اليد العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ».
الشرح:
هذِه الترجمة بلفظها مروية أخرجها الواحدي بإسناده إلى أبي صالح، عن أبي هريرة، وذكره ابن بطال في حديث عطاء عن أبي هريرة أيضًا (٢). ولأبي داود: «إن خير الصدقة ما ترك غنى أو تصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣).
-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٠.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٦) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله.
وحديث: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ ..» إلى آخره سيأتي مسندًا بعد إن شاء الله (١).
وقوله: (فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ) لعله يريد حديث: «أرأيت لو كان على أُمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟» قالت: بلى. وسيأتي (٢) وهو إجماع.
وقوله: (والعِتق) لعله يريد حديث نعيم النحَّام من عنده أيضًا في بيعه - ﷺ - العبد المعتق عن دُبر الذي لم يكن لسيده مال غيره (٣)، وقيل: إن عليه دينًا.
وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ) إنما يرجع هذا الاستثناء إلى الصدقة لا إلى الدين كما سيأتي (٤).
ومن علم من نفسه الصبر على الضر والإضاقة والإيثار فمباح له أن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج، ويأخذ بالشدة كما فعل الصديق والأنصار بالمهاجرين. وإن عرف أنه لا طاقة له ولا صبر فإمساكه أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ» وقوله: «ابدأ بمن تعول»، وحديث البخاري في
-------------
(١) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها.
(٢) برقم (٧٣١٥) كتاب: الاعتصام، باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما؛ ليفهم السائل.
(٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة، ورواه مسلم (٩٩٧).
(٤) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها.
قصة الضيف الذي آثره صاحب البيت على نفسه وولده (١)، ظاهر فيما نحن فيه.
وعند الواحدي: نزلت في رجل أهديت له رأس شاة فآثر غيره بها فدارت على سبعة أبيات (٢). والخَصَاصَةُ: الإملاق، وأصله الخلل والفرج، يقال: بدا القمر من خصاصة الغيم. وسيكون لنا عودة إليه في التفسير.
وقوله: (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كلِّه) أخرجه أبو داود، وصححه الترمذي والحاكم على شرط مسلم (٣).
وقوله: (وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ) ذكره ابن إسحاق وغيره: أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حَتَّى قَالَ بعضهم لعبد الرحمن بن عوف: أنزل لك عن إحدى امرأتيَّ (٤).
وقوله: (وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) كأنه يشير إلى حديث المغيرة بن شعبة المذكور عنده في الصلاة (٥).
وقوله: (وقال كعب بن مالك ..) إلى آخره. يأتي في موضعه مسندًا (٦).
-------------
(١) يأتي برقم (٣٧٩٨).
(٢) «أسباب النزول» ص ٤٣٩ - ٤٤٠ (٨١٠).
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: في الرخصة في الرجل يخرج من ماله، «سنن الترمذي» (٣٦٧٥) كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث حسن صحيح، «المستدرك» ١/ ٤١٤، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٧٣) إسناده حسن على شرط مسلم.
(٤) الأنصاري هذا هو سعد بن الربيع كما سيأتي برقم (٢٠٤٩)، ورواه مسلم (١٤٢٧).
(٥) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة.
(٦) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله …
وحديث أبي هريرة الأول من أفراده إلا قوله: «وابدأ بمن تعول».
وحديث حكيم أخرجه مسلم أيضًا بدون «ومن يستعفف ..» إلى آخره.
ولفظ مسلم: «أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى» (١) وما زاده البخاري أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد (٢)، وكذا البخاري أيضًا (٣). وحديث أبي هريرة الذي لم يذكر لفظه من أفراده. وقوله فيه: عن وهيب. ثم ساقه، قَالَ أبو مسعود، وخلف، وأبو نعيم أن البخاري رواه عن موسى بن إسماعيل عنه، كما أخرج حديث حكيم، ورواه الإسماعيلي من حديث حبان عنه، ثنا هشام، عن أبي هريرة مثل حديث حكيم وأخرجه الترمذي من حديث بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة: «اليد العُليا» إلى قوله: «تعول» ثم قَالَ: حسن غريب، يستغرب من حديث بيان عن قيس (٤). ولابن أبي شيبة: «وخيرُ الصدقة ما أبقت غنى» (٥).
وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا (٦). قَالَ أبو العباس أحمد بن طاهر الداني: تفسير العليا فيه، والسفلى مدرج في الحديث، وهو مرفوع وإن ظُنَّ لبعض الرواة. والمنفقة: المعطية. وفي رواية: «العليا
--------------
(١)»صحيح مسلم«(١٠٣٤) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٢)»صحيح مسلم«(١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر.
(٣) سيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة.
(٤)»سنن الترمذي«(٦٨٠) تقال: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة.
(٥)»المصنف«٢/ ٤٧٢ (١٠٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: في الاستغناء عن المسألة، من قال: اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٦)»صحيح مسلم" (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.
المتعففة» (١)، أي: المنقبضة عن الأخذ. والأول أصح. وفي «الصحابة» للعسكري، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري قَالَ: معنى الحديث: يد المعطي خير من اليد المانعة. وقال أبو داود: أكثرهم «اليد العليا المتعففة» (٢) أي: لأنها علت يده إذ سفلت يد السائل.
وفي «صحيح ابن خزيمة»، والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العُليا، ويد المعطي التي تليها. ويد السائل السُّفلى. وأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك» (٣) (٤).
إذا تقرر ذلك فقوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهرِ غنى» معناه: أن صاحبها يبقى بعدها مستغنيًا بما بقي معه لمصالحه. وإنما كانت هذِه أفضل ممن تصدق بالجميع، ولم يصبر؛ لأنه قد يندم. وقال الداودي: معناه: أن يستغني من تلزمه نفقته. وقال ابن التين: ما كان عفوًا قد فضل عن الحاجة. والمراد: أن يبقي لعياله قدر الكفاية. ودليله قوله: «وابدأ بمن تعول». وقيل معناه: أن تغني المتصدق عليه. ومعناه: إجزال العطاء. قَالَ: والأول أصح. وفيه دلالة على أن النفقة
-------------
(١) رواها أبو داود من حديث عبد الله بن عمر (١٦٤٨) كتاب: الزكاة، باب: في الاستعفاف، والبيهقي ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ كتاب: الزكاة، باب: بيان اليد العليا واليد السفلى، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) «سنن أبي داود» عقب حديث (١٦٤٨)، وفيه: أكثرهم «المنفقة».
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث عشر، كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٤) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٧ - ٩٨ (٢٤٤٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة عن ظهر غنى يفضل عمن يعول المتصدق، «المستدرك» ١/ ٤٠٨ كتاب: الزكاة.
ورواه أيضًا أبو داود (١٦٤٩) قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٥): إسناده صحيح.
على الأهل أفضل من الصدقة؛ لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل فريضة. وقال ابن بطال: معناه لا صدقة إلا بعد إحراز قوته وقوت أهله؛ لأن الابتداء بالفرض أهم. وليس لأحد إتلاف نفسه وأهله بإحياء غيره. إنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله، إذ حقهما أوجب من حق سائر الناس، ولذلك قَالَ: «وابدأْ بمَنْ تعول» وقال لكعب: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَك» (١).
فإن قلتَ: هذا المعنى يعارض فعل الصديق السالف، حيث تصدق بماله كله وأمضاه الشارع. قلتُ: اختلف العلماء في ذلك أعني من تصدق بماله كله في صحته. فقالت طائفة: ذلك جائز احتجاجًا بذلك. وهو قول مالك، والكوفيين، والجمهور (٢). ونقله ابن بطال (٣)، وابن التين عن الشافعي، والصحيح من مذهبه استحباب ذلك لمن قوي على الضر والإضاقة دون غيره (٤).
وقال آخرون: لا يجوز شيء منه، روي ذلك عن عمر وأنه رد على
غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فرد عمر ذلك كله (٥). وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، وترد الثلثان احتجاجًا بحديث كعب بن مالك السالف في غزوة تبوك، وأنه - ﷺ - رد صدقته إلى الثلث. وهو قول الأوزاعي ومكحول. وقال آخرون: كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف، روي ذلك عن مكحول. قَالَ
----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٨.
(٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٦، «المغني» ٤/ ٣٢٠.
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩.
(٤) انظر: «البيان» ٣/ ٤٤٩.
(٥) رواه أحمد ٢/ ١٤، وابن حبان (٤١٥٦) والحديث روي مطولًا ومختصرًا، انظره مفصلًا في «البدر المنير» ٧/ ٦٠٢ - ٦١١، و«تلخيص الحبير» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، و«الإرواء» (١٨٨٣) وفي الأخير جاء مصححًا.
الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحته جائزة؛ لإجازته صدقة الصديق بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، ويستعمل في ذلك أدب الرب لنبيه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الشارع لكعب بن مالك، وأبي لبابة (١) وأما إجازته للصديق فهو إعلام بالجواز من غير ذم، وما فعل مع كعب وأبي لبابة إعلام بالاستحباب. والدليل على ذلك إجماع الجميع أن لكل مالك مال إنفاق جميعه في حاجاته، فكذا فيما هو قربة وأولى. فإن قلتَ: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وبحديث أبي ذر: «أفضل الصدقة جهد من مقل» (٢). وبحديث الباب. قلتُ: لا معارضة بينهما فإن المعنى في حديث الباب حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية كالأكل، وستر العورة، وشبهها، فهذا ونحوه بما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدق به بل يحرم، فإذا سقطت هذِه الواجبات صح الإيثار، وكان صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة، وشدة المشقة.
وقوله: «واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».
فيه: الندب إلى التعفف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دنيئها. والله تعالى يحب معالي الأمور.
------------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٨، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٢١٧، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٨٠، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٥٩: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف.
وفيه: حض على الصدقة أيضًا؛ لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطي مفضل على المعطى، والمفضل خير من المفضل عليه. ولم يرد - ﷺ - أن المفضل في الدنيا خير اليدين. وإنما أراد في الإفضال والإعطاء. قَالَ الخطابي: توهم كثير من الناس أن العليا من علو الشيء فوق الشيء، وليس ذلك عندي بالوجه، إنما هو على المجد والكرم. يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (١). ورد عليه ابن الجوزي فقال: لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره؛ لأنها إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وقد صحت لفظة: المنفقة، وكان المراد أن هذِه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل.
وزعم قوم: أن العُليا هي الآخذة، والسفلى هي المعطية. وهؤلاء قوم استطابوا السؤال فجنحوا إلى الدناءة. والناس إنما يعلون بالمعروف والعطايا.
وقال ابن العربي: إذا قلنا: إنَّ العليا: المعطي؛ فلأنها نائبة عن الله إذ هو خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه كأنه أخذها من الله تعالى.
وقد قيل: إن العليا: يد السائل (٢)؛ لقوله - ﷺ -: «إنَّ الصدقةَ لتقع في كفِّ الرَّحمن قَبْل أن تقعَ في كفِّ السَّائلِ» (٣) والتحقيق فيه أن الله تعالى عبر بالعليا عن يده المعطية إذ هو بأمره، وعبر عن يد السائل بالسفلى؛ لأنه الذي يقبل الصدقات. وكلتاهما يد الله، وكلتاهما يمين وعليا. فلذلك كان الأقوى أن تكون يد المعطي العليا. ويبقى في السفلى على ظاهره؛ لأنها
----------
(١) انظر: «غريب الحديث» ١/ ٥٩٤ - ٥٩٦.
(٢) انظر: «كتاب القبس» ٢/ ٤٥٣.
(٣) رواه ابن عبد البر في «تمهيده» ٢٣/ ١٧٤.
تتقبلها، فكانت كالذي تؤخذ بالكف، وتقع في يد السائل فيقضي بها حاجته، ويسد فاقته.
قَالَ ابن التين: ويدل على أن المراد بالسفلى السائلة أن عمر قَالَ: يا رسول الله، ألست أخبرتنا أن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا. فقال - ﷺ -: «إنَّما ذلك عن مسألة، فأما ما كان عن غَيْرِ مسألة فإنَّما هو رزق رزقه الله تعالى» (١)، وقال: «لأن يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَه فيحتطب، خيرٌ له مِنْ أنْ يأْتِيَ رجُلًا أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاهُ أو مَنَعَهُ» (٢).
فتحصلنا على أقوال:
أصحها: العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة، كما هو مصرح به في الحديث كما سلف.
ثانيها: أن العليا: المتعففة، وجعله ابن التين الأشبه.
ثالثها: أن العليا: المعطية، والسفلى: المانعة، قاله الحسن.
رابعها: أن العليا: الآخذة، وقد سلف ما فيه.
وفي مراسيل سعيد وعروة أنه - ﷺ - لما قَالَ: «اليد العُليا خيرٌ مِنَ اليد السُّفلى» قَالَ حكيم: ومنك يا رسول الله؟ قَالَ: «ومني» قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا. فلم يقبل عطاءً ولا ديوانًا حَتَّى مات. فلو كانت اليد المعطية لكان حكيم قد توهم أن يدًا خير من
-----------
(١) رواه أبو يعلى ١/ ١٥٦ (١٦٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (٣٥٤٦)، وابن عبد البر في «تمهيده» ٥/ ٨٥، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٠٠، وقال: هو في الصحيح باختصارٍ، ورواه أبو يعلى ورجاله موثقون.
وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨٤٦) قائلًا: صحيح لغيره.
(٢) سيأتي برقم (١٧٤٠) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة من حديث أبي هريرة.
يد رسول الله - ﷺ - لقوله: ومنك؟ يريد أن المتعفف عن مسألتك كهو من مسألة غيرك؟ فقال: «نعم» فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد.
فائدة: في النفقة آداب: فرائض وسنن خمس. فمن الأول: الزكوات، والكفارات، والنذور، والنفقات الواجبات للآباء، والأبناء، والزوجات، والرقيق. ومن الثاني: الأضاحي عند من لم يوجبها، وصدقة الفطر عند من جعلها سنة، وغير ذلك. والتطوع كله آداب. وكل معروف صدقة.
فرع:
ينعطف على ما سبق أول الباب تقدم الدين العتق أو الصدقة رُدَّ لأجله عند المالكية. فإن كانا دينين: أحدهما قبلهما، والآخر بعدهما. رد من الدين بقدر الأول بلا خلاف. فإن فضلت فضلة من الصدقة أو من العبد المعتق. فقال ابن القاسم: يُمضي نفقته للموهوب، ويمضي من العتق بما فيه، ويدخل صاحب الدين الآخر على الأول، فيخاصمه فيما رد، يأخذ كل واحد بقدر دينه، وقال أشهب: إذا أخذ من يد صاحب الدين الأول شيء فرجع واستكمله من بقية الصدقة والمعتق حَتَّى تنفد الصدقة والعتق، أو يستوفيا جميعًا الدينين. وهذِه المسألة يعبرون عنها بمسألة الدور كما قال ابن التين.
فرع:
قد تقدم تفسير السفلى، وأنها السائلة ليست المعطاة بغير مسألة. وقد تأوله حكيم على عمومه. قَالَ مالك: كان ببلدنا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يُعطونها. قيل له: فالحديث: «ما أتاك من غير مسألة» (١)
-----------
(١) سيأتي برقم (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور.
أفيه رخصة؟ قَالَ: نعم. وليس كل سائلة تكون المسئولة خيرًا منها، إنما هو أن يسأل وبه غنى، أو يظهر من الفقر فوق ما به. وقد استطعم موسى والخضر أهل القرية عند الضرورة. وقال - ﷺ - في لحم بريرة: «هو عليها صدقة ولنا هدية» (١).
---------------
(١) سيأتي برقم (١٤٩٣) باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -.
١٩ - باب المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى
لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ. [فتح ٣/ ٢٩٨]
هذِه الآية نزلت -فيما ذكره الواحدي عن الكلبي- في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: جاء عبد الرحمن إلى رسول الله - ﷺ - بأربعة آلاف درهم نصف ماله. وقال عثمان: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذِه الآية (١).
وقال ابن بطال: ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في سبيل الله؛ معونة لهم على جهاد العدو، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفًا إما بلسان أو بفعل. والأذى: أن يقول لهم أن يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وشبه ذلك من القول. ومن أخرج شيئًا لله لم ينبغِ له أن يمن به على أحد؛ لأن ثوابه على الله (٢). وفي مسلم من حديث أبي ذر: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامة: المنَّان: الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّهُ، والمنفق سِلعتَه بالحلفِ، والمسبل إزاره» (٣).
وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار. ولا شك أن الامتنان بالعطاء يحبط
-------------
(١) «أسباب نزول القرآن» ص ٨٩ (١٧٠).
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية …
أجر الصدقة. قَالَ تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ القرطبي: ولا يكون المن غالبًا إلا من البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. فالبخيل يعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها. والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بماله على المعطى، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له، وإن كان في نفسه فاضلًا. وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل. وقيل: المنان في حديث أبي ذر من المن، وهو القطع، كما قَالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع. فيكون معناه البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق كما جاء في حديث آخر: «البخيل المنَّان» (١) فنعته به. والأول أظهر (٢).
-----------------
(١) قطعة من حديث رواه أحمد ٥/ ١٥١، ١٧٦، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٣٤٨ (٣٩٠٨)، والحاكم ٢/ ٨٩، والبيهقي ٩/ ١٦٠ من حديث أبي ذر. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٧٤).
(٢) «المفهم» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
٢٠ - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا
١٤٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ -أَوْ قِيلَ- لَهُ، فَقَالَ: «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ». [انظر: ٨٥١ - فتح: ٣/ ٢٩٩]
ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث: في التِبْرِ.
وقد سلف في الصلاة في باب: من صلى بالناس فذكر حاجة (١).
والتبر جمع تبرة، وهي القطعة من الذهب، أو الفضة غير مصنوعة.
وقيل: قطع الذهب فقط كما سلف هناك.
وفيه: الحض على تعجيل الصدقة، وأفعال البر كلها إذا وجبت، وإنما عجلها؛ لأنه خشي أن يكون محتاجًا من وجب له حق في ذلك التبر. فيحبس عنه حقه، وقد كان بالمؤمنين رحيمًا، فبين لأمته الاقتداء به.
------------
(١) برقم (٨٥١) كتاب: الأذان.
٢١ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا
١٤٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٣/ ٢٩٩]
١٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ». [٦٠٢٧، ٦٠٢٨ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ٣/ ٣٢٩]
١٤٣٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ».
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ». [١٤٣٤، ٢٥٩٠ - مسَلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٢٩٩]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عباس: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ العيد فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .. الحديث. وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ.
ثانيها: حديث أبي موسى: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ».
ثالثها: حديث أسماء: «لَا توكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». وفي لفظ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ».
الشرح:
حديث ابن عباس سلف في باب الخطبة بعد العيد (١) بشرحه واضحًا، وأما حديث أبي موسى فلا شك أن الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر مرغب فيها مندوب إليها. فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودل قوله - ﷺ -: «وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ مَا شَاءَ» أنَّ الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، ولم تنجح طلبته لهذِه الأمة. فإنه قَالَ: من يشفع، ولم يقل: من يُشفَّع. بضم أوله، وتشديد ثالثه، والمراد بـ«وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبيهِ مَا شَاءَ». ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال - ﷺ -: «والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عونِ أخيه» (٢). ولأبي الحسن: «شفعوا» بحذف الألف، وإنما أمرهم بالشفاعة لما فيه من الأجر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] الآية.
ولأنهم إذا شفعوا، واجتمعت عليه المسألة كان أنجح، ولا يتأبى كبير أن يشفع عند صغير. فإن شفع عنده، ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع. فقد شفع الشارع عند بريرة أن ترد زوجها فأبت (٣). وقد احتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس السالف، وأوجبوا الزكاة
-------------
(١) برقم (٩٦٢) كتاب: العيدين.
(٢) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، وأبو داود (٤٩٤٦) كتاب: الأدب، باب: المعونة للمسلم، والترمذي (١٤٢٥) كتاب: الحدود، باب: ما جاء في الستر على المسلم، وابن ماجه (٢٢٥) كتاب: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٥٣٤) كتاب: البر والإحسان، باب: فضل البر والإحسان.
(٣) يشير إلى حديث مغيث وبريرة المشهور الآتي (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣).
في الحلي المتخذ للنساء (١)، وقال مالك: لا زكاة فيه، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣)، ولا حجة في الحديث الأول؛ لأنه - ﷺ - إنما حضهن على صدقة التطوع. فقال: «تصدقوا» ولو كان ذلك واجبًا لما قال: «ولو مِنْ حُليِّكن» (٤)، ومما يرد قوله أنه لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار، فدل أنه تطوع. وأيضًا هو كالأثاث، وليس كالرقة. وهذا إجماع أهل المدينة، وذكر مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها -يتامى كن في حجرها- لهن الحلي ولا تخرج منه الزكاة، وكان يفعله ابن عمر (٥).
وأما حديث أسماء قد أخرجه مسلم أيضًا (٦). فإنما سألته عن الصدقة، وقالت يا رسول الله: ما لي إلا ما أدخل على الزبير. أفأتصدق؟ قَالَ: «تصدقي ولَا تُوكِي فَيُوكِي الله عَلَيْكِ». والمعنى: لا توكي مالكِ عن الصدقة، ولا تتصدقين خشية نفاده، وتدخريه فيوكي الله عليك أي: يمنعكِ. ويقطع مادة الرزق عنكِ، و(توكي) بالتاء لأنه خطاب للمؤنث، فسقطت النون للنهي فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه، ويمنعه من البركة في ماله، والنماء فيه.
--------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٩.
(٢) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٦٢.
(٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٥١٩.
(٤) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٥) «الموطأ» ص ١٧٠ - ١٧١.
(٦) «صحيح مسلم» (١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|