
07-02-2026, 06:56 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,729
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 271 الى صـــ 290
الحلقة (284)
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يضاعف أجرها لربها وينميها. ولما كان الربا قد أخبر تعالى أنه يمحقه؛ لأنه حرام، دلت الآية أن الصدقة التي تربو وتتقبل لا تكون إلا من غير جنس الممحوق، وذلك الحلال، وقد بين ذلك الشارع بقوله: «لَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» والحديث دال على مضاعفة الثواب، والمثل في التشبيه بتربية الفلو؛ لأن الولد لا يخلق كبيرًا، ولكن ينمى بتعهد الأم له بالرضاع والقيام بمصالحه، وكذلك صاحب الصدقة إن أتبعها بأمثالها وصانها عن آفاتها نمت، وإن أعرض عنها بقيت وحيدة، فإن منَّ أو آذى بطل الثواب. وفقنا الله للصواب.
٩ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ
١٤١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا». [١٤٢٤، ٧١٢٠ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ١٢٨]
١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي». [٨٥ - مسلم: ١٥٧ - فتح: ٣/ ٢٨١]
١٤١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَي مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». [١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨١]
١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ
أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» [مسلم: ١٠١٢ - فتح: ٣/ ٢٨١]
ذَكَرَ فيه حَدِيثَ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ: «تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان ..» الحديث.
وحَدِيثَ أبي هُريرة: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ ..» الحديث.
وحَدِيثَ عدي مطولًا، وفي آخره: «.. فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
وحديث أبي موسى: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ ..» إلى آخره.
الشرح:
فيه الحث على الصدقة والترغيب ما وجد أهلها المستحقون لها؛ خشية أن يأتي الزمن الذي لا يوجد فيه من يأخذها، وهو زمان كثرة المال وفيضه قرب الساعة.
وفي قوله: («وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ») حض على القليل من الصدقة، وهو بكسر الشين. أي: نصفها.
وقوله: («فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ») حض أيضًا على أن لا يحقر شيئًا من المعروف قولًا وفعلًا وإن قل، فالكلمة الطيبة يتقي بها النار، كما أن الكلمة الخبيثة يستوجبها بها.
وقوله: «وَيُرى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ» أي: يحطن به «مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» فهذا والله أعلم يكون عند ظهور الفتن وكثرة القتل في الناس.
قَالَ الداودي: ليس لَهُنَّ قَيَّمٌ غيره. وهذا يحتمل أن يكن نساءه وجواريه وذوات محارمه وقراباته، وهذا كله من أشراط الساعة، ففيه الإعلام بما يكون بعده، وكثرة المال حَتَّى لا يجد من يقبله، وأن ذلك بعد قتل عيسى - عليه السلام - الدجالَ والكفار، فلم يبق بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون لا يدخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتري الأرض إذ ذاك بركاتها حَتَّى تشبع الرمانة السكن -وهم أهل البيت- وتلقي الأرض أفلاذ كبدها -وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره- ويكثر المال حَتَّى لا يتنافس فيه الناس.
وقوله في حديث عدي: («ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَي اللهِ -عز وجل- لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَان») هو على جهة التمثيل ليفهم الخطاب؛ لأن الله تعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب والضعف عن الإدراك في الدنيا، فإذا كان في الآخرة وكشف تلك الحجب عن أبصارنا وقوَّاها حَتَّى تدرك معاينة ذاته كما يرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح الآتية في موضعها.
وقوله: («حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ (١) المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ») هو بضم الياء وكسر الهاء، هذا هو المشهور، وقيل: بفتح الياء وضم الهاء ورفع «رب المال» وتقديره: يهمه من يقبل صدقته. أي يقصده. وقال صاحب «العين»: أهمني الأمر مثل: غمني، وهمني همًّا: آذاني (٢).
--------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: بنصب (رب) في الرواية الأولى.
(٢) «العين» ٣/ ٣٥٧.
وقوله: («بغير خفير») أي: مجير. الخفير: المجير. والخفارة: الذمة. والخفير: من يصحب القوم؛ لئلا يعرض لهم أحد، واشتقاقه من الخفر، يصحبهم فلا تخفر ذمته.
وقوله: («لا أرب لي فيه»): لا حاجة.
وفيه أنهم كانوا يشكون إلى الشارع من عيلة وقطع طريق وغيره؛ لما يرجون عنده من الفرج. والعيلة: الفقر.
وقوله: («فلا يرى إلا النَّارَ») يقال: أي يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام فتقرب من الناس (١)، فحينئذ يقول الرسل: ربِّ سلِّم سلِّم (٢). فاجتهدوا فيما يقيكم منها، ولا تحقروا شيئًا من المعروف ولو شق تمرة (٣).
-----------
(١) رواه مسلم برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها، والترمذي برقم (٢٥٧٣) كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار، وأبن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٧٧ (٣٤١٥٥) كتاب: ذكر النار، باب: ما ذكر فيما أعد لأهل النار وشدته، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٥٢ (٨٤٧٨) باب: في حسن الخلق.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ ورواه مسلم برقم (١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني عشر، كتبه مؤلفه.
١٠ - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥، ٢٦٦]
١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾. [التوبة: ٧٩] الآيَةَ. [١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٢]
١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٣]
١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [انظر: ١٤١٣ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨٣]
١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [٥٩٩٥ - مسلم: ٢٦٢٩ - فتح: ٣/ ٢٨٣]
ذكر فيه أربعة أحاديث: حديث أبي مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ (آيَةُ) (١) الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هذا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ .. الآية.
وحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ .. الحديث.
وحديث عدي بن حاتم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ».
وحديث عائشة في التمْرَةِ.
الشرح:
معنى ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ [البقرة: ٢٦٥]: تصديقًا ويقينًا. قاله الشعبي (٢). وهو حث أي: على إنفاقها في الطاعة، ووعد الله على ذلك بالإثابة. وقال قتادة: احتسابًا (٣). وكان الحسن إذا أراد أن ينفق تثبت فإن كان لله أمضى وإلا أمسك (٤).
والجنة: البستان. والربوة: الأرض المرتفعة المستوية. كما قاله مجاهد (٥)، أضعفت في ثمرها، وهو مثل ضربه الله لفضل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلفٌ، كما أنه ليس لخير الجنة خلف على أي حال، أصابها مطر شديد أو طل.
-------------
(١) من (م).
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٩ (٦٠٦٣).
(٣) المصدر السابق برقم (٦٠٧٢).
(٤) المصدر السابق برقم (٦٠٧١).
(٥) المصدر السابق ٣/ ٧١ - ٧٢ (٦٠٧٣ - ٦٠٧٤).
وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] هو ضرب مثل للعمل كان طائعًا فعصى فاحترقت أعماله، كما قاله عمر وابن عباس (١)، فتبطل أحوج ما كانوا إليها، كمثل رجل كانت له جنة وكنز، وله أطفال لا ينفعونه، فأصاب الجنة إعصار ريح عاصف كالزوبعة، فيها سَموم شديد فاحترقت.
وحديث أبي مسعود، أخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة، وفيه هنا: بصاع (٢). وأخرجه مسلم من حديث جماعة عن شعبة (٣).
ومعنى (نحامل): نحمل للغير بالأجرة لنتصدق بها، ونحامل وزنه نفاعل، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين غالبا كالمبايعة والمعاملة، ألا ترى أنه حين نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢] شق عليهم العمل بها، فنسخت عنهم بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] وقال علي: لم يعمل بها غيري لا قبلي ولا أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حَتَّى نفذ ثم نسخت. ولما ذكر شيخنا علاء الدين في «شرحه»: (نحامل)، نقل عن ابن سيده أنه قَالَ: تحامل في الأمر وتكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه: كلفه ما لا يطيق؛ وهذا ليس من معنى مادة ما نحن فيه.
وقوله: (فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثِيرٍ) هو عبد الرحمن بن عوف، تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار. ذكره ابن التين، فقالوا:
----------
(١) المصدر السابق ٣/ ٧٥ - ٧٦ (٦٠٩٣ - ٦٠٩٥).
(٢) سيأتي برقم (٤٦٦٨) باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾.
(٣) «صحيح مسلم» برقم (١٠١٨) كتاب: الزكاة، باب: الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل.
مرائى. وسيأتي في التفسير: أربعة آلاف درهم. أو: أربعمائة دينار. وفي «أسباب النزول» للواحدي أنه - ﷺ - حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، شطر ماله يومئذٍ، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن عجلان بمائة وسق تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، فلمزهم المنافقون (١)، فنزلت هذِه الآية (٢).
وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) وفي أخرى سلفت: بنصف صاع. وفي أخرى: بنصف صبرة تمر. هو أبو عقيل كما جاء في البخاري في موضع آخر (٣)، وفي «صحيح مسلم» في قصة كعب بن مالك (٤). وقوله - ﷺ -: «كُنْ أبا خَيْثمة» فإذا هو أبو خيثمة- يعني: عبد الرحمن بن نيحاز الأنصاري الذي تصدق بتمر فلمزه المنافقون (٥). وقال السهيلي في «تعريفه»: أبو عقيل اسمه حثجاث، أحد بني أنيف. وقيل: الملموز رفاعة بن سهل (٦).
------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أبو عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، قال قتادة: اسمه حثجاث.
(٢) «أسباب النزول» ص ٢٦٠ (٥١٩).
(٣) سيأتي برقم (٤٦٦٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: سهل بن رافع بن خديج البلوي، حليف الأنصار، قيل: هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، وقيل: هو الذي بعده. ثم قال سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عبيد، شهد أحدا، وتوفي في خلافة عمر، روت عنه بنته عميرة، ولها صحبة، كذا أخرجه ابن منده، وأما أبو عمرو فنسبه إلى بني النجار، وقال: له أخ يسمى سهيل، وهما التيميان صاحبا المربد. انتهى. ولم أر في «التجريد» من اسمه رفاعة بن سهل في الأسماء، اللهم إلا أن يكون مشهورا بالكنية، فيكون قد ذكره في الكنى، والله أعلم.
وفي «المعاني» للفراء: حث النبي - ﷺ - على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل. الحديث (١).
وفي «تفسير الثعلبي» عن أبي السليل قَالَ: وقف رجل على الحي فقال: حَدَّثَني أبي أو عمي أنه شهد النبي - ﷺ - يقول: «مَنْ يتصدَّق اليوم بصدقة أَشهدُ له بها» فجاء رجل ما بالبقيع أقصر قامة منه، يقول ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها فقال: هي وذو بطنها صدقة يا رسول الله. قَالَ: فلمزه رجل وقال: إنه يتصدق بها وهي خير منه. فقال - ﷺ -: «بل هو خيرٌ منكَ ومنها» يقولها ثلاثًا. فنزلت الآية.
ويلمزون: يعيبون. يقال: لمزه، يَلْمِزُهُ وَيَلْمُزُهُ إذا عابه. وكذلك همزه، يهمزه. والجَهد والجُهد بمعنى واحد عند البصريين. وقال بعض الكوفيين: هو بالفتح: المشقة، وبالضم الطاقة. وقال الشعبي: بالضم في الفتنة يعني: المشقة. وبالفتح في العمل. وذكر القزاز نحوه قَالَ: الجَهْد: ما يجهد المؤمن من مرض وغيره. والجُهْد: شيء قليل يعيش به المقل. والذي ذكره ابن فارس وغيره مثل قول الكوفيين. واحتج ابن فارس بهذِه الآية أي: لا يجدون إلا طاقتهم (٢).
وقال الجوهري: الجَهد والجُهد: الطاقة (٣)، وقرئ بهما الآية.
وقال ابن عيينة في «تفسيره» الجَهد: جهد الإنسان، والجُهد في ذات اليد.
وحكى الزجاج يَلْمزُون بكسر الميم وضمها، وقد تقدم. وكانوا عابوا الصحابة في صدقات أتوا بها رسول الله - ﷺ -.
-----------
(١) «معاني القرآن» ١/ ٤٤٧.
(٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٠٠.
(٣) «الصحاح» ٢/ ٤٦٠.
يروى أن ابن عوف أتى بصُرَّةٍ تملأ الكف، وأن أبا عقيل .. الحديث.
ومحل ﴿لَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: ٧٩] نصب بالذم، أو رفع على الذم، أو جر بدلًا من الضمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] والمطوعين: المتطوعين المتبرعين. وزعم أبو إسحاق أن الرواية عن ثعلب بتخفيف الطاء وتشديد الواو. وقال: وهو غير جيد. والصحيح تشديدهما. وأنكر ذلك ثعلب عليه، وقال: إنما هو بالتشديد. وقال التدميري في «شرحه»: هم الذين يخرجون إلى الغزو بنفقات أنفسهم من غير استعانة منهم برزق وسلطان وغيرهم. قَالَ: ووزنهم المفعلة من الطوع. يقال: طاع له كذا وكذا أي: أتاه طوعًا. ولساني لا يتطوع أي: لا ينقاد. وقد طوعوا يطوعون. وهم المطوعة من ذلك.
وقوله: (إِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) قَالَ شقيق -أحد رواته- فرأيت أنه يعني نفسه. كذا في «صحيح الإسماعيلي». وقوله: مائة ألف. كذا هو في البخاري. وكذا شرحه ابن التين، وذكره ابن بطال أيضًا (١). وأما شيخنا علاء الدين فكتب بخطه في الأصل: وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف. ثم قَالَ: وفي «فضل الصدقة» لابن أبي الدنيا مائة ألف. فأبعد النجعة، وصحف ما في البخاري فاحذره.
ومعنى (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) أنهم كانوا يتصدقون بما يجدون، وهؤلاء يكنزون المال، ولا يتصدقون.
وفيه: ما كان عليه السلف من التواضع، والحرص على الخير، واستعمالهم أنفسهم في المهن والخدمة، رغبة منهم في الوقوف عند حدود الله، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن
-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٦.
إلا للعمل به، وكانوا يحملون على ظهورهم للناس، ويتصدقون بالثمن لعدم المال عندهم ذلك الوقت. وحديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» سلف في الباب قبله (١).
وأخرجه ابن خزيمة من حديث أنس بلفظ: «افتدوا مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تمرَةٍ» (٢) ومن حديث ابن عباس بلفظ: «اتقوا» (٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في «فضل الصدقة» من حديث أبي هريرة أيضًا.
وفيه: حض على الصدقة بالقليل، كما سلف. وإعطاء عائشة التمرة؛ لئلا ترد السائل خائبًا وهي تجد شيئًا. وروي أنها أعطت سائلًا حبة عنب، فجعل يتعجب، فقالت: كم ترى فيها من مثقال ذرة (٤). ومثله قوله - ﷺ - لأبي تميمة الهجيمي: «لا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي» (٥)، وقسم المرأة التمرة بين ابنتيها لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة.
وفيه: أن النفقة على البنات والسعي عليهن من أفضل أعمال البر المجنبة من النار. وكانت عائشة من أجود الناس، أعطت بني أخويها
-----------------
(١) سلف برقم (١٤١٣).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الأمر باتقاء النار -نعوذ بالله منها- بالصدقة وإن قلت.
(٣) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٢٩).
(٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٦١٦ كتاب: الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة- بلاغًا، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٥٤ (٣٤٦٦)، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥١٥): ضعيف موقوف.
(٥) هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا تميمة تابعي، والصواب حديث أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم قال: أتيت رسول الله .. الحديث، كما في «المسند» ٥/ ٦٣ - ٦٤، للاستزادة انظر: «الصحيحة» ٢/ ٣٩٩ (٧٧٠) و٣/ ٣٣٧ (١٣٥٢).
ريعًا، أعطيت به مائة ألف درهم. وأعتقت في كفارة يمين أربعين رقبة (١).
وقيل: فعلت ذلك في نذر مبهم، وكانت ترى أنها لم توف بما يلزمها.
وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم (٢).
وقوله: («مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذِه البَنَاتِ بِشَيْءٍ») سماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن كما أخبر ربنا ﷻ.
---------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٠٥) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش، و(٦٠٧٣) كتاب:
الأدب، باب: الهجرة.
(٢) رواه ابن الجعد في «مسنده» ص ٢٥٣ (١٦٧٣)، وابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢٨، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧ كتاب: معرفة الصحابة.
١١ - باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ وَصَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ
كذا في أصل الدمياطي ومقابله باب فضل صدقة الصحيح الشحيح (١) وعلَّم عليه صح. وهو ما في شروحه ابن بطَّال (٢) وابن التين وغيرهما. ثم قال: لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] إلى خاتمتها.
وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ.
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». [٢٧٤٨ - مسلم: ١٠٣٢ - فتح: ٣/ ٢٨٤]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣).
---------------
(١) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي، لكن فيها تقدم الشحيح على الصحيح.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٧.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٣٢) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح.
وسيأتي في الوصايا بزيادة: «وأنت صحيح حريص» (١) والخلة: الصداقة. وهذا اليوم هو يوم القيامة ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]: فأزكى، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]: أحج، قاله ابن عباس (٢). والشح مثلث الشين: البخل. قاله ابن سيده، قَالَ: والضم أعلى.
وقال صاحب «الجامع»: أرى أن يكون الفتح في المصدر، والضم في الاسم. وفي «المنتهى» لأبي المعالي: وليس في الكلام فُعل بالضم وفِعل إلا هذا الحرف، وأحرف أُخر غيره. وقال الحربي: الشح ثلاثة وجوه:
أحدها: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. قَالَ رجل لابن مسعود: ما أعطي ما أقدر على منعه. قَالَ: ذاك البخل، والشح: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه (٣).
وقَالَ رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال: إن كان شحك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك، فليس بشحك بأس.
ثانيها: ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قَالَ: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام.
ثالثها: ما روي في هذا الحديث.
----------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٤٨) باب: الصدقة عند الموت.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ١١٠ (٣٤١٨١).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٤١ - ٤٢ (٣٣٨٨٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٣٤٦ - ٣٣٤٧ (١٨٨٥٥)، والطبراني ٩/ ٢١٨ (٩٠٦٠)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٩٠ كتاب: التفسير وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (١٠٨٤١).
قَالَ: والذي يبرِّئ من الوجوه الثلاثة ما روي: «برئ من الشح، من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة» (١). وقال في «المغيث»: الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة وقيل: البخل بالمال، والشح بالماء والمعروف. وقيل: الشحيح: البخيل مع التحرص. وفي «مجمع الغرائب»: الشح المطاع: هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه.
فقوله: («وأنت صحيح شحيح») أي؛ لأن أكثر الأصحاء يشحون ببعض ما في أيديهم من الفقر، ويأملون من الغنى.
ففيه: أن أعمال البر كلها إذا صعبت كان أجرها أعظم؛ لأن الشحيح الصحيح إذا خشي الفقر وأمل الغنى صعبت عليه الصدقة، وسول له الشيطان طول العمر وحلول الفقر به.
فمن تصدق في هذِه الحال فهو مؤثر ثواب الرب تعالى على هوى نفسه. وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الفرار بميراثه، والجور في فعله. ولذلك قَالَ ميمون بن مهران حين قيل له: إن رقية امرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها. فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين. يبخلون بها وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها (٢).
--------------
(١) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٦١)، والطبراني (٤٠٩٦)، (٤٠٩٧)، كلاهما من طريق مجمع بن جارية، عن عمه خالد بن زيد مرسلًا.
ووصله البيهقي في «الشعب» (١٠٨٤٢) من طريق مجمع، عن عمه، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وانظر «السلسلة الضعيفة» (١٧٠٩).
(٢) ذكره المزي في «تهذبب الكمال» ٢٩/ ٢٢٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٧٦.
وقوله: («وتأمل الغنى») هو بضم الميم أي: تطمع.
و(«تمهل») يجوز فيه ثلاثة أوجه: الفتح، والضم، والإسكان.
وقوله: («حَتَّى إذا بلغت الحلقوم») أي: قاربت بلوغه. إذ لو بلغت حقيقة لم تصح وصية ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق. وليس للروح ذكر ها هنا، لكن دل عليها الحال لقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣)﴾ يعني الحلق. قَالَ أبو عبيدة -كما نقله في «المخصص»: هو مجرى النفس والسعال من الجوف، ومنه مخرج البصاق والصوت (١). وفي «المحكم»: الحلقوم كالحلق، فعلوم عند الخليل، وفعلول عند غيره (٢). واحتج به من قَالَ: إن النفس جسد. وقد تقدم.
وقوله: («وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»): يريد به الوارث؛ لأنه لو شاء لم تجز الوصية. قاله الخطابي. يريد: (كان) بمعنى (صار). ولعله يريد: إذا جاوزت الثلث، أو كانت لوارث. وقيل: سبق القضاء به للموصى له.
ويحتمل أن يكون المعنى أنه خرج عن تصرفه، وكمال ملكه، واستقلاله بما شاء من تصرفه. وليس له في الوصية كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح. ففي الحديث: «مثل الذي يعتق عند الموت، كالذي يهدي إذا شبع» (٣).
---------------
(١) رواه أبو داود (٣٩٦٨) كتاب: العتق، باب: في فضل العتق في الصحة، والترمذي (٢١٢٣) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، وأحمد ٥/ ١٩٧، وعبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١٥٧ (١٦٧٤٠) كتاب: المدبر، باب: العتق عند الموت. والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢١٣ كتاب: العتق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١٩٠ كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح. و١٠/ ٢٧٣ كتاب: العتق، باب: فضل العتق في الصحة، والحديث ضعفه الألباني كما في «الضعيفة» (١٣٢٢).
(٢) انظر «المحكم» ٤/ ٣٤.
(٣) «المحكم» ٣/ ٣.
- باب
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. [مسلم: ٢٤٥٢ - فتح: ٣/ ٢٨٥]
ذكر فيه حديث مسروق عن عائشة: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ - ﷺ - أو أزواج النبي - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطوَلُكُنَّ يَدًا». فَأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُول يَدِهَا بالصَّدَقَة، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
الشرح:
كذا هو ثابت في كل النسخ باب بغير ترجمة، وكذا هو في الشروح، وهو داخل في الباب الأول. وزعم ابن أبي أحد عشر أنه ذكره في باب فضل زينب وسودة. والمشهور أن أسرعهن لحوقًا به زينب بنت جحش، وكانت كثيرة الصدقة.
قَالَ محمد بن عمر: هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في زينب، وهي كانت أول نسائه لحوقًا به، وتوفيت في خلافة عمر (١)، وبقيت سودة إلى شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة في خلافة معاوية (٢).
---------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة عشرين، وقال خليفة سنة ٢١، قاله النووي وغيره.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «الكاشف»: توفيت في آخر خلافة عمر. قال النووي في «التهذيب»: وهذا قول الأكثرين، قال: وذكر محمد بن سعد عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة ٤٣ هـ خلافة معاوية بالمدينة، قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا.
وهو المثبت عندنا. وقد رواه مسلم على الصواب من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة خالتها (١). وذكرت أنها زينب بنت جحش، وسبب طول يدها؛ أنها كانت تعمل وتتصدق.
وقال ابن بطال: سقط من الحديث ذكر زينب؛ لأنه لا خلاف بين أهل الأثر والسير أن زينب أول من مات من زوجاته (٢).
قَالَ عبد الرحمن بن أبزى: صليت مع عمر على زينب بنت جحش أم المؤمنين (٣).
قلتُ: فهو إذًا غلط من بعض الرواة. والعجب أن البخاري لم ينبه عليه ولا من بعده، حَتَّى أن بعضهم فسَّره بأن لحوق سودة من أعلامِ النبوة. ويجوز أن يكون خطابه لمن كان حاضرًا عنده إذ ذاك من الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثم دون زينب.
وفيه: الإنعام والإفضال، وأن الحكم للمعاني لا للألفاظ، -بخلاف أهل الظاهر- ألا ترى أن أزواجه سبق إليهن أنه أراد طول اليد التي هي الجارحة، فلما لم تتوف سودة التي كانت أطولهن يد الجارحة وتوفيت زينب قبلهن، علمن أنه لم يرد طول العضو وإنما أراد بذلك كثرة
-----------------
(١) «صحيح مسلم» (٢٤٥٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل زينب أم المؤمنين رضي الله عنها.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٨.
(٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ١١٢، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٢٤٩ (٣٥٧٥٣) كتاب: الأوائل، باب: أول ما فعل ومن فعله، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٩، والدارقطني في «العلل» ٢/ ١٧٨، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٣٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع ورأى بعضهم الزيادة منسوخة، وقال الألباني: في «أحكام الجنائز» ص ١٨٧: سنده صحيح.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|