
07-02-2026, 06:40 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 231 الى صـــ 250
الحلقة (282)
وقال سيف في «الردة» عن فيروز الديلمي: أول ردة كانت باليمن على عهد رسول الله - ﷺ - على يدي ذي الخمار عبد الله بن كعب وهو الأسود العنسي. وعن عروة: لم يبقَ حي من العرب إلا ارتد ما خلا أهل مكة، والطائف، والقبائل التي أجابت النبي - ﷺ - عام الحديبية ممن حول مكة، والقبائل التي عاتت الله يوم الحديبية. ورابَ عبد القيس وحضرموت بعض الريب، وحسن بلاؤهم واستقاموا. وقال قتادة فيما رواه الحاكم في الردة قَالَ: لما توفي رسول الله - ﷺ - ارتدت العرب كلها إلا ثلاثة مساجد: مكة، والمدينة، والبحرين.
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فلا شك أن الخطاب على أنحاء:
عام: كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وخاص: كقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، و﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
ومواجهة له - ﷺ -، وهو والأمة فيه سواء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التو بة: ١٠٣].
والفائدة في مواجهته في هذا الخطاب أنه هو الداعي إلى الله، والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك
الأمة في الشرائع على حسب ما بينه لهم. وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالنبوة، ثم خاطب أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له والمراد غيره.
وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فباقٍ غير منقطع، يستحب للإمام والعامل الدعاء للمتصدق بالنماء والبركة في ماله.
وقوله: (من فرق) هو بتخفيف الراء وتشديدها.
وفيه: من الفقه -غير ما تقدم-: أخذ الصغائر من الصغائر، وهذا قد سلف، ونحا إليه ابن عبد الحكم، وقال: لولا خلاف قول مالك وأصحابنا لكان بينًا أن يأخذ واحدًا من أوساطها (١). وقال مالك: فيها ثنية (٢)، وكذا ذكره الداودي والخطابي عنه. قَالَ ابن التين: والمعروف عن مالك أن جذع المعز يجزئ (خلاف) (٣) الضحايا. وإنما منع من ذلك ابن حبيب. وأجاب القاضي عبد الوهاب عن هذا الإلزام بأن قَالَ: المراد به عناقًا جذعة.
وفيه: دليل على أن حول النتاج حول الأمهات، ولو كان يفرد لها بحول لما يوجد السبيل إلى أخذ العناق، وإيجاب الزكاة فيها مطلقًا. وعند أبي حنيفة والشافعي بشرط أن تكون الأمهات نصابًا.
وفيه: أن الردة لا تسقط عن المرتد الزكاة إذا وجبت في ماله.
وقوله: «وحسابُهُ على الله» أي فيما يسره دون الظاهر من أمره.
---------------
(١) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢.
(٢) انظر: «التفريع» ١/ ٢٨٣، «عيون المجالس» ٢/ ٤٨٠.
(٣) في الأصل: خلافًا. وفوقها كلمة: كذا.
وفيه: قبول توبة المرتد، وهو قول أكثر العلماء. وذكر عن مالك: لا تقبل توبة المستتر بكفره. وذكر عن أحمد نحوه (١).
وقوله: (فعرفت أنه الحق). دال على أن عمر لم يرجع إلى أبي بكر تقليدًا.
------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٤/ ٥١٨ - ٥١٩، «المعونة» ٢/ ٢٩٦، «المغني» ١٢/ ٢٦٩.
٢ - باب البَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ٥]
١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٨ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٣/ ٢٦٧]
وذكر فيه عن جَرِير بْن عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَاِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هذا الحديث أخرجه البخاري قبيل كتاب العلم (١) كما سلف واضحًا، وهذا الباب في معنى الباب الذي قبله.
وقد أخبر الله تعالى في هذِه الآية أن الأخوة في الدين إنما تستحق بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. ودل ذلك أنه من لم يقمها فليس بأخ في الدين.
وفيها حجة للصديق في قتاله لأهل الردة حين منعوا الزكاة. وقد قام الإجماع في الرجل يقضي عليه القاضي بحقٍ لغيره فيمتنع من أدائه: أن واجبًا على القاضي أن يأخذه من ماله، فإن نصب الحرب دونه وامتنع قاتَلَهُ حَتَّى يأخذه منه، وإن أتى القتال على نفسه فشر قتيل. فحق الله الذي أوجبه للمساكين أولى بذلك.
وذكر النصح لكل مسلم في البيعة مع الصلاة والزكاة يدل (على) (٢) حاجة جرير وقومه إلى ذلك. وكان جرير رئيس قومه. وقيل: كان جرير
-------------
(١) سلف برقم (٥٧) كتاب: الإيمان، باب: قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة».
(٢) من (م).
إذا بايع أحدًا يقول له: الذي أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك. ويخبره الحديث (١) (٢).
-------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الحادي عشر كتبه مؤلفه غفر الله له.
٣ - باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]
١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا». وَقَالَ: «وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ». قَالَ: «وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ. وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَقُول: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُ». [٢٣٧١، ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٦٩٥٨ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٢٦٧]
١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ -يَعْنِي: شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] الآيَةَ. [٢٣٧١، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٣/ ٣٦٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة قال النبي - ﷺ -: «تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا ..».
وعنه أيضًا: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ ماله يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ ..».
الشرح:
جعل أبو العباس الطرقي هذين الحديثين حديثًا واحدًا. ورواه مالك في «موطئه» موقوفًا على أبي هريرة (١). قَالَ أبو عمر: ورواه عبد العزيز ابن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا -وهذا في النسائي- قَالَ: وهو عندي خطأ، والمحفوظ حديث أبي هريرة، وحديث عبد العزيز خطأ بيّن في الإسناد، ورواية مالك وعبد الرحمن التي في البخاري هي الصحيحة، وهو مرفوع صحيح (٢).
أما الآية فقال أبو زكريا يحيى بن زياد النحوي في «معانيه»: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾: إن شئت وجهت الذهب والفضة إلى الكنوز. وقيل المراد بالإنفاق: الزكاة، ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال، ويجوز أن نعيده على الفضة، وحذف الذهب؛ لأنه داخل فيها.
وهذِه الآية قَالَ الأكثرون: إنها في أهل الكتاب. وقيل: عامة.
وقيل: خاصة في من لم يؤد زكاته من المسلمين، وعامة في المشركين، وهو تأويل البخاري بعد هذا. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾؛ لأن جمع المال كان محرمًا في أول الإسلام، فلما فرضت الزكاة جاز جمعه. وقد وقع في «الصحيح» عن ابن عمر -وقد سُئل عن هذِه الآية- قَالَ: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة (٣).
-------------
(١) «الموطأ» ص ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الكنز.
(٢) «الاستذكار» ٩/ ١٣١.
(٣) سيأتي برقم (١٤٠٤) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، وبرقم (٤٦٦١) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.
وفي أبي داود -بإسناد جيد- عن ابن عباس: لما نزلت هذِه الآية كبر ذلك على المسلمين، فسأل عمر رسول الله - ﷺ - فقال. «إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم» (١).
واستدل بهذِه الآية البخاري على إثم مانعي الزكاة. ومن أداها ليس بداخل فيها. واستدل بها أيضًا على إيجاب الزكاة في سائر الذهب والفضة المطبوع وغيره؛ لعموم اللفظ، وعلى ضم الذهب إلى الفضة، وهو قول الحنفية، فيضم بالقيمة كالعروض. وعند صاحبيه بالأجزاء (٢).
والكنز أصله الضم والجمع، ولا يختص ذلك بالنقدين ألا ترى إلى قوله - ﷺ -: «ألا أخبركم بخيرِ ما يكنزه المرءُ: المرأة الصالِحة» (٣) أي: يضمه لنفسه ويجمعه.
وقال صاحب «المحكم»: هو اسم للمال ولما يحرز فيه، وجمعه: كنوز (٤). وقال في «المغيث»: هو اسم للمال المدفون. وقيل: هو الذي لا يدرى مَن كنزه. وسيأتي في الباب بعده زيادة على ذلك؛ وعن علي:
-------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣).
(٢) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣.
(٣) رواه أبو داود (١٦٦٤) كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٣٧٨ (٢٤٩٩)، والحاكم ٢/ ٣٣٣ كتاب: التفسير وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ١٩٤ (٣٣٠٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٦٨ مختصرًا، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٢٨ - ١٢٩ (٢٩٣).
(٤) «المحكم» ٦/ ٤٦٠.
أربعة آلاف فما دونها نفقة، فإن زادت فهي كنز أديت زكاة أو لم تؤدِ.
وظاهره منع آدخار كثير المال؛ وعن أبي أمامة: من خلف بيضاء أو صفراء، كوي بها مغفورًا له أو غير مغفور (١). حكاه ابن التين.
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] أي: اجعل لهم موضع البشارة، عذابًا أليمًا، أي: مؤلمًا.
وقوله: («على خير ما كانت») يعني في القوة والسمن، يكون أشد لثقلها وأنكى.
وقوله: («تطَؤُهُ بِأخْفَافِها») سقطت الواو من «تطَؤُة» عند بعض النحويين؛ لشذوذ هذا القول من بين نظائره في التعدي، وكذلك وسِّع؛ لأن الفعل إذا كان فاؤه واوًا وكان على فَعِل بكسر العين، كان غير متعد غير هذين الحرفين، فلما شذَّا دون نظائرهما أعطيا هذا الحكم. وقيل: إن أصله يوطئ بكسر الطاء فسقطت لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت الطاء لأجل الهمزة.
وقوله: («وتَنْطحُه») هو بكسر الطاء. وحكى المطرز في «شرح الفصيح» فتحها (٢)، وماضيه مخفف. وقد شُدد. ولا يختص بالكبش كما ادعاه ابن صاف، بل يستعمل في الثور، وغيره.
وقوله: («وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ») وجهه نيل المنتاب إلى الماء من الفقراء حسوة من لبنها، وكذلك ابن السبيل والمارة. وقد عاب الله قومًا أخفوا جدادهم (٣) في قوله: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أرادوا
--------------
(١) «تفسير القرطبي» ٨/ ١٣١.
(٢) ورد بهامش الأصل: الفتح والكسر في «الصحاح».
(٣) ضبطها الناسخ بكسر الجيم وفتحها ثم كتب فوقها معًا.
أن لا يصيب المساكين منها شيئًا. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نحو من هذا. وقيل: كان هذا قبل فرض الزكاة. ويحتمل أن يكون باقيًا معها وأنه مثلها، قاله الشعبي، والحسن، وعطاء، وطاوس.
وقال أبو هريرة: حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، ويفقر الظهر، ويطرق الفحل، ويسقى اللبن (١). وتأول قائله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩] فقالوا: مثل فك العاني، وإطعام الجائع الذي يخاف ذهاب نفسه، والمواساة في المسغبة والعسرة.
وتأول مسروق في قوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] قَالَ: هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته صلته فيجعل حية يطوقها (٢).
ومذهب أكثر العلماء أن هذا على الندب، أي: أن هذا حق الكرم والمواساة وشريف الأخلاق. وقد بين الشارع أن قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ في مانع الزكاة، وقد انتزعها ابن مسعود في مانعها أيضًا (٣).
وقال إسماعيل القاضي: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحد ولا يُحد لها وقت فيجب فيها المواساة للضرورة التي تنزل من ضيف مضطر، أو جائع، أو عارٍ، أو ميت ليس له من
----------------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣١ (٦٨٦٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجب في الإبل والبقر والغنم.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤٢٨ (١٠٧٠٢) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٥٣٣ (٨٢٨٩).
يواريه، فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التي تزول بها هذِه الضرورات.
قلتُ: وكان من عادة العرب التصدق باللبن علي الماء، وكان الضعفاء يرصدون ذلك منهم. وفي كتاب الشرب من البخاري من روى: تجلب، بالجيم، أراد تجلب لموضع سقيها، فيأتيها المصدق.
ولو كان كما قَالَ لقال: أن تجلب إلى الماء دون (على الماء). ولعل البخاري يرى رأي الكوفيين أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض.
وقوله: («يُعار») هو بياء مثناة تحت مضمومة ثم عين مهملة، كذا هنا. وروي بالمثلثة. وروي: (ثُعار أو يعار) على الشك. وروي بالغين المعجمة. وفي باب الغلول: «شاة لها ثغاء أو يعار» (١) والثغاء للضأن، واليعار للمعز. وقال ابن سيده: اليعار: صوت الغنم، أو قيل: المعز. وقيل: هو الشديد من أصوات الشاء.
وقال الفراء: الثغار ليس بشيء، إنما هو الثغاء وهو صوت الشاة فيجوز أن يكون كتب الحرف بالهمزة أمام الألف، فظنت راء.
وقال صاحب «الأفعال»: الثغور: الشاة التي تبول على حالها وتتغير فيفسد اللبن.
وقوله: («ببعيرٍ له رُغَاءٌ») هو صوت البعير.
وقوله: («مثل له ماله») أي جعل مثله. يريد أنه يجعل له ماله الذي كان لم يؤدِّ زكاته، أو الزكاة لم يؤدها. والأول أشبه بلفظ الحديث كما قاله ابن الأثير في «شرح المسند». قَالَ: ومثلت يتعدى إلى مفعولين، تقول: مثلت الشمع فرسًا. فإذا بُني لما لم يسم فاعله تعدى إلى
------------
(١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد والسير.
مفعول واحد، فلهذا قَالَ: «مُثَّل له ماله شجاعًا أقرع» (١). وفي رواية الشافعي: شجاع بالرفع (٢)؛ لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول لمثِّل لأنه أخلاه من الضمير، وجعل له مفعولًا واحدًا. ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤدَّ زكاته. وإنما هو حقيقة حية تخلق له، تفعل به ذلك. يعضد ذلك أنه لم يذكر في رواية الشافعي ماله بخلاف رواية البخاري.
وقوله: «يطوقه» وفي رواية: «وحتى يطوقه» (٣) فالواو مفتوحة أي: حَتَّى يطوقه الله في عنقه، أي: يجعل له طوقًا. والهاء فيها كالأول، وهي المفعول الثاني لطوق، والمفعول الأول مضمر فيه، وهو كناية عن الشجاع، أي: يصير له طوقًا. فالهاء عائدة على الطوق؛ لأن الطوق الحية. والأقرع إنما يتمعط شعر رأسه لجمعه السم فيه.
وقال أبو سعيد النيسابوري: هو الذي ذهب لحم رأسه ولصق جلدته. وإنما يكون أقرع إذا كان مرة أشعر فقرع بعد. وقال الأزهري: الشجاع: الحية الذكر، وسمي أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حَتَّى تتمعط منه فروة رأسه. وقال القزاز في «جامعه»: ليس على رءوس الحيات شعر، ولكن لعله يذهب جلد رأسه. وحكى اللحياني فتح الشين وضمها. قَالَ ابن دريد: الكسر (٤) أكثر في
----------------
(١) «الشافي شرح مسند الشافعي» ٣/ ٦١. ط.
(٢) «الأم» ٢/ ٥٧ باب: غلول الصدقة.
(٣) رواها البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٨١ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في الوعيد فيمن كنز مال الزكاة ولم يؤد زكاته.
(٤) بهامش الأصل: الذي قاله ابن دريد في «الجمهرة» وإنما هو في الجمع، لكن في «المطالع» الكسر في المفرد، ولفظه وقد تكسر السين، وحكي الضم والكسر في الجمع أيضًا، وفي «الصحاح» الضم والكسر في المفرد والجمع والله أعلم.
الجمع (١). وقال شمِرُ في كتابه «الحيات»: هو ضرب من الحيات لطيف رقيق، وهو -زعموا- أجرؤها (٢).
وقال في «الاستذكار»: قيل: إنه الثعبان. وقيل: الحية. وقيل: هو الذي يواثب الفارس والراجل، ويقوم على ذنبه. وربما (بلغ) (٣) وجه الفارس. ويكون في الصحاري. قَالَ: والأقرع الذي برأسه بياض. وقيل: كلما كثر سمه أبيض رأسه (٤).
قَالَ ابن خالويه: وليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلا ما كتبته في هذا الباب، فذكر أربعة وثمانين اسمًا. وجزم ابن بطال (٥)، وابن التين بأنه الحية الذي يقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس.
وجزم ابن التين بأن الأقرع الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمه ينحسر عنه الشعر، وهو أشد أذى.
والزبيبتان: نقطتان منتفختان في شدقيه كالرغوة، يقال: إنهما يبرزان حين يهيج ويغضب. وقيل: إنهما نقطتان سوداوان على عينيه، وهي علامة الذكر المؤذي (٦). وسئل مالك عنهما -فيما حكاه ابن العربي- فقال: أراهما شيئين يكونان على رأسه مثل الفرس. وقال الداودي: هما نابان يخرجان من فيها. وأنكره بعضهم وقال: إنه لا يوجد. وقيل: يخرجان على شدقيه من الرغوة كالزبيبتين.
------------
(١) «جمهرة اللغة» لابن دريد ١/ ٤٧٧.
(٢) انظر: «تاج العروس» ١١/ ٢٣٤.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
(٤) انظر «الاستذكار» ٩/ ١٣٤، ١٣٥.
(٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٠٢.
(٦) انظر: «الاستذكار» ٩/ ١٣٥، وقال: نقطتان مُسلحتان بدلا من منتفختان.
وقوله: «بلهزمتيه» يعني: شِدقيه، هي بكسر اللام، وقريب من هذا التفسير أن اللهزمة، اللحي، وما يتصل به من الحنك. وحكى ابن سيده فيه خلافًا. وهو راجع إلى هذا، وعبارة ابن العربي: هما الماصعتان اللتان بين الأذن والفم. قَالَ ابن دريد: لهزمه إذا ضرب لهزمته (١).
وتلاوته - ﷺ - الآية تدل على أنها نزلت في مانعي الزكاة. وقيل: إن المراد بها اليهود؛ لأنهم بخلوا بصفة النبي - ﷺ -. فالمعنى: سيطوقون الإثم. وتأول مسروق أنها نزلت في من له مال فيمنع قرابته صلته، فيطوق حية كما سلف. وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة كما سلف. وادعى المهلب أن في الآية السالفة فرض زكاة الذهب، قال: ولم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر، كما نقل عنه زكاة الفضة.
قلتُ: بلى، صح من حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولًا، وفيه: «وفي كل أربعين دينارًا دينار» رواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، ثم قَالَ: ونص الحديث في الفضة؛ وفي الرقة ربع العشر (٢).
قلتُ: قد قيل: إنها (٣) تشمل الذهب أيضًا. قَالَ: إلا أن قوله: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته» يدخل في عمومه الذهب والفضة. قَالَ: وإنما لم يروا زكاة الذهب من طريق النص عن رسول الله - ﷺ - والله أعلم؛
--------------
(١) «الجمهرة» ٢/ ٨٢٧.
(٢) «صحيح ابن حبان» ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩) كتاب: التاريخ، باب: كتب النبي - ﷺ -، «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الضمير في (إنها) يعود على الرقة وهي أقرب مذكور.
لكثرة الدراهم بأيديهم، وبها كان تجرهم؛ ولقلة الذهب عندهم. وكان صرف الدنانير حينئذٍ عشرة دراهم، فعدل المسلمون بخمس أواقٍ من الفضة عشرين مثقالًا وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به، وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كان عشرين مثقالًا وقيمتها مائتا درهم فيها نصف دينار، إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة، وهو شاذ لا يعرج عليه.
وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمته مائتي درهم ففيه زكاة، وإن كان أقل من عشرين مثقالًا، وهو قول عطاء، وطاوس، والزهري، فجعلوا الفضة أصلًا في الزكاة.
٤ - باب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ».
١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْنِي قَوْلَ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَوَيْلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. [٤٦٦١ - فتح: ٣/ ٢٧١]
١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الحَسَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» [١٤٤٧، ١٤٥٩، ١٤٨٤ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٢٧١]
١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي الذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الكِتَابِ. فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكَتَبَ إِلَي عُثْمَانَ - رضي الله عنه - يَشْكُونِي، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ المَدِينَةَ. فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا. فَذَاكَ الذِي أَنْزَلَنِي هَذَا المَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. [٤٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٧١]
١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي العَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ
قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو العَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ، أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَةِ، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْىِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يَتَزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَنَا لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى القَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ. قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. [مسلم: ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧١]
١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِى -قَالَ: قُلْتُ: مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟». قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَي الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ». وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا. لَا والله لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللهَ. [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤، ٩٩٢ - فتح: ٣/ ٢٧٢]
وقال أحمد بن شبيب بن سعيد .. فذكره بإسناده إلى ابن عمر قال: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تُنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال.
ثم ذكر حديث أبي سعيد: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ».
ثم ذكر اختلاف أبي ذرٍّ وَمُعَاوِيَة هل نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ الآية. فِي أَهْلِ الكِتَابِ. وقال أبو ذرٍّ: فِينَا وَفِيهِمْ.
ثم ذكر عن الأَحْنَفَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى ملأٍ مِنْ قُرَيْشٍ، .. الحديث بطوله.
الشرح:
هذِه الترجمة كذا رواها أبو ذر، ولأبي الحسن: (مَنْ) بدل (ما)، أي: فليس بذي كنز، وهذِه الترجمة طبق حديث أخرجه الحاكم على شرط البخاري عن أم سلمة مرفوعًا: «ما بَلَغَ أنْ تُؤدى زَكَاتُهُ فزكي فَلَيْسَ بكَنْزٍ» (١) ورجحه ابن القطان، وعاب على من ضعفه (٢). وفي «مسند أَحمد» بإسناد ضعيف من حديث جابر مرفوعًا: «أيما مال أديت زكاته فليس بكنز» لكنه ليس على شرطه، فلذا لم يخرجه. نعم للحاكم أيضًا، وقال: على شرطهما، من حديث أبي ذر مرفوعًا: «من رفع دنانير أو دراهم أو تبرًا أو فضة، لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله، فهو كنز» (٣).
وقال الإسماعيلي: إن كانت الترجمة صحيحة لما ذكره فالمعنى من هذا الوجه ليس بصحيح، وأحسبه: وقال النبي كذا، أو يقول كذا.
قلتُ: بل المعنى صحيح؛ لأنه يريد أن ما دون خمس أواق ليس بكنز؛ لأنه لا صدقة فيه. فإذا زاد شيئًا عليها ولم تؤد زكاته فهو كنز.
وهذا التعليق ذكره بعدُ مسندًا.
وأثر ابن عمر أخرجه البيهقي، عن الحاكم، عن دعلج، عن أبي عبد الله محمد بن علي الصايغ، عن أحمد بن شبيب، به. وفي آخره
--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٣٩٠ ورواه أبو داود (١٥٦٤) بنحوه.
(٢) ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣ (٢٥٣٥) والذي عاب عليه ابن القطان في تضعيفه، هو عبد الحق في «الأحكام الوسطي» ٢/ ١٦٩.
والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي دواد» (١٣٩٧) بشاهد له ذكره في «صحيحته» (٥٥٩) فلينظر غير مأمور.
(٣) «المستدرك» ١/ ٣٨٨.
قَالَ خالد بن شبيب: ثم التفت إلي فقال: ما أبالي لو كان مثل أحد ذهبًا أعلم عدده أزكيه وأعمل بطاعة الله (١). ورواه النسائي من حديث عقيل، عن ابن شهاب، عن خالد.
قَالَ الحميدي: وليس لخالد في «الصحيح» غيره (٢).
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم، والأربعة (٣)، ويأتي في زكاة الورق وغيره (٤).
وقوله: (وحَدَّثَني علي، سمع هشيمًا) اختلف فيه على أقوال: فقيل: هو ابن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ البغدادي. قَالَ الجياني: نسبه أبو ذر عن المستملي (٥). ولم يذكر الكلاباذي أن البخاري روى عنه هنا. قَالَ: وروى عنه في النكاح. وقيل: هو أبو الحسن علي بن مسلم ابن سعيد الطوسي نزيل بغداد. قاله الكلاباذي وابن طاهر. وقيل: هو ابن المديني (٦). ذكره الطرقي.
وأثر الأحنف زاد فيه مسلم قَالَ: قلتُ: مالكَ ولإخوانك من قريش لا تعتريهم، وتصيب منهم؟ قَالَ: لا وربك.
أما حكم الباب: فالكنز في كلام العرب كما قَالَ الطبري: كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. وكذلك
--------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ٨٢ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الكنز الذي ورد الوعيد فيه.
(٢) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٩٤.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩) كتاب: الزكاة.
(٤) سيأتي برقم (١٤٤٧)، و(١٤٥٩) باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، و(١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
(٥) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٠٠.
(٦) ورد بهامش الأصل: وكل منهم روى عنه البخاري في «الصحيح».
تقول العرب للشيء المجتمع مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض (١).
واختلف السلف في معنى الكنز فقال بعضهم: هو كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤد زكاته. وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾ لا يؤدون زكاتها. وهذا قول الفاروق (٢)، وابنه (٣)، وابن عباس (٤)، وعبيد بن عمير (٥)، وجماعة.
وقال آخرون: الكنز: ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، وإن أديت زكاته. وسلف عن علي (٦). وقال آخرون: الكنز ما فضل عن حاجة صاحبه إليه. وهذا مذهب أبي ذر. روي أن نَصْل سيف أبي هريرة كان من فضة فنهاه عنه أبو ذر وقال: إن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوي بِها» (٧).
واتفق أئمة الفقهاء على قول الفاروق ومن تبعه، واحتج له بنحو ما شرع له البخاري فقال: الدليل أن كل ما أديت زكاته فليس بكنز إيجاب الله على لسان رسوله - ﷺ - في كل خمس أواقٍ ربع عشرها.
----------------
(١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٦١.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٨ (٧١٤٦) كتاب: الزكاة، باب: إذا أديت زكاته فليس بكنز، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٦) كتاب: الزكاة، ما قالوا في المال الذي تؤدى زكاته فليس بكنز.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٧١٤٠ - ٧١٤٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥١٩)، الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٧، ٣٥٨ (١٦٦٦٤ - ١٦٦٦٨).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ (١٠٥٢٠).
(٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٠٧ (٧١٤٣).
(٦) رواه الطبري في «تفسييره» ٦/ ٣٥٨ (١٦٦٧٤)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٧٨٨ (١٠٠٨٢).
(٧) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|