عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 07-02-2026, 03:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 111 الى صـــ 130
الحلقة (276)






٨٠ - باب إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ (١)
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١ - مسلم: ٢٤ - فتح: ٣/ ٢٢٢]
ذكر فيه حديث ابن شِهَابٍ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ فِي وفاةِ أبي طالب .. إلى قولهِ: فَأنْزَلً اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.
وفيه: «قُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». وفي لفظ: «أحاج» بدل: «أشهد» (٢). وأخرجه مسلم من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة مختصرًا (٣)، وفيه فنزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.
(٢) سيأتي الحديث بهذا اللفظ برقم (٣٨٨٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قصة أبي
طالب، وبرقم (٤٦٧٥) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وبرقم (٤٧٧٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وبرقم (٦٦٨١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم.
(٣) مسلم برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ..



[القصص: ٥٦]. وأخرجه الحاكم من حديث سعيد، عن أبي هريرة، ثم قَالَ: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فإن يونس وعقيلًا أرسلاه، عن الزهري، عن سعيد، وطريق الزهري، عن سعيد، عن أبيه: مشهور (١).
ونقل الواحدي بإسناده عن الزجاج إجماع المفسرين أنها نزلت (٢) في أبي طالب (٣)، واستبعده الحسن بن الفضل؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام بمكة.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أن حديث الباب من أفراد الصحيح؛ لأن المسيب لم يرو عنه غير ابنه سعيد، ثم هو من مراسيل الصحابة؛ لأنه على قول مصعب هو وأبوه من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكري بايع تحت الشجرة (٤)، وأيما كان فلم يشهد أمر أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام ثلاثة، حَتَّى كان النبي - ﷺ - يسمي ذلك العام: عام الحزن، وكان ذلك وقد أتى لرسول الله - ﷺ - تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا. وقيل: مات في شوال، في نصفه من السنة العاشرة من النبوة. وقال ابن الجزار: قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، وقيل: بعد الإسراء، ومن الغريب: ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين.

---------
(١) «المستدرك» ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ كتاب: التفسير.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: (ما كان للنبي ..).
(٣) «أسباب النزول» ص ٣٤٨.
(٤) انظر: ترجمته في «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٠٩٩)، و«معرفة الصحابة» ٥/ ٢٥٩٨ - ٢٥٩٩ (٢٧٧٦)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٥٧ (٢٤٣٦)، و«أسد الغابة» ٥/ ١٧٧ (٤٩٢١)، و«الإصابة» ٣/ ٤٢٠ (٧٩٩٦).



ثانيها:
إن قلت قد استغفر الشارع يوم أُحد لهم، فقال: «اللهمَّ اغفر لقومِي فإنَّهم لا يعلَمُون» (١) قلتُ: استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك، كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة، وقد جاء في رواية: «اللهمَّ اهدِ قومي».
وقيل: أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ وشبهه.
وقيل: تكون الآية تأخر نزولها فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار للمشركين فيكون سبب نزولها متقدمًا ونزولها متأخرًا لا سيما وبراءة من آخر ما نزل فتكون على هذا ناسخة للاستغفار، لا يقال: لا يصح أن تكون الآية التي نزلت في غيره ناسخة لاستغفاره يوم أحد؛ لأن عمه توفي قبل ذلك لما قررناه.
ثالثها:
اسم أبي طالب: عبد مناف، قاله غير واحد. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته قَالَ: ووجد بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب علي بن أبي طالب (٢). وقال أبو القاسم المعري (٣) الوزير: اسمه عمران.
رابعها:
أبو جهل كنيته: أبو الحكم (٤)، كذا كناه رسول الله - ﷺ -، وقال ابن

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٤٧٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، وبرقم (٦٩٢٩) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -، ورواه مسلم برقم (١٧٩٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
(٢) «المستدرك» ٣/ ١٠٨ كتاب: معرفة الصحابة.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله المغربي.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: مقتضى كلام ابن القيم في «الهدي» بل صريحه في (…) أن النبي - ﷺ - نهى عن تكنية أبي جهل بأبي الحكم.



الحذاء: أبو الوليد واسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، ويقال له: ابن الحنظلية، واسمها: أسماء بنت سلامة بن مخرمة، وكان أحول مأبونا، وكان رأسه أول رأس جز في الإسلام، فيما ذكره ابن دريد في «وشاحه».
وعبد الله بن أبي أمية، أمه: عاتكة عمة رسول الله - ﷺ -، توفي شهيدًا بالطائف أخو أم سلمة، وكان شديدًا على المسلمين معاديًا لرسول الله - ﷺ - قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولهم عبد الله بن أبي أمية بن وهب حليف بني أسد وابن أختهم استشهد بخيبر ولهم عبد الله بن أمية اثنان: أحدهما بدري.
خامسها:
إنما تنفع كلمة التوحيد من قالها قبل المعاينة للملائكة التي تقبض الأرواح، فحينئذ تنفعه قَالَ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ الآية [النساء: ١٨]، والمراد بحضور الموت: حضور ملك الموت، وهي المعاينة لقبض روحه، ولا يرأهم أحد إلا عند الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، فلم يحكم بما انتقل إليه حين أدركه الغرق بقوله: ﴿ءَامَنتُ﴾ الآية [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] قالها حين عاين ملك الموت ومن معه من الملائكة وأيقن، فحثا جبريل في فمه الحمأة؛ ليمنعه استكمال التوحيد حنقًا عليه، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآيت [الأنعام: ١٥٨] أي: لما رأى الآية التي جعلها الله علامة لانقطاع التوبة وقبولها لم ينفعه ما كان قبل ذلك، كما لم ينفع الإيمان بعد رؤية الملك.
والمحاجة السابقة تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون الشارع ظن أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله


أنه لا ينفعه إيمانه إذا لم يقارنه عمل سواه، فأعلمه أنه من قال هذِه الكلمة، أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى عن عمل سواها.
ثانيها: أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت، وصار في حالة لا ينتفع بالإيمان لو آمن، وهو الوقت الذي قَالَ فيه: أنا على ملة عبد المطلب عند خروج نفسه فرجا له - ﷺ - أن من قالها وأقر بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًّا لأبي طالب وحده، لمكانه من الحماية والمدافعة عن رسول الله - ﷺ -، وفيه نزلت ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] على قول ابن عباس (١)، وقال مجاهد: يعني به قريشًا (٢)، وأكثر المفسرين أنه للكفار ينهون عن اتباعه ويبعدون عنه، وهو أشبه؛ لأنه متصل بأخبار الكفار، وقد روي مثل هذا المعنى عن ابن عباس (٣)، ألا ترى أنه قد نفعه وإن

-----------
(١) رواه عن ابن عباس عبد الرزاق في «التفسير» ١/ ١٩٩ (٧٨٥) وسعيد بن منصور في «سننه» ٥/ ١٠ - ١١ (٨٧٤)، والطبري في «تفسيره» ٥/ ١٧٢ (١٣٧٣، ١٣٧٤، ١٣٧٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١٢٧٨ (٧٢٠٦)، والطبراني في «الكبير» ١٢/ ١٣٣ (١٢٦٨٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣١٥ كتاب: التفسير، والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، والواحدي في «أسباب النزول» (٤٢٦)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ١٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه وابن أبي شيبة.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. «مجمع الزوائد» ٧/ ٢٠.
(٢) رواه عنه الطبري في «تفسيره» ٥/ ١٧١ (١٣١٦٩، ١٣١٧٠).
(٣) رواه عن ابن عباس ابن جرير في «تفسيره» ٥/ ١٧١ (١٣١٦٣)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٨ (٧٢٠٧)، وعزاه السيوطي في «الدر» ٣/ ١٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.



كان قد مات على غير دين الإسلام؛ لأن يكون أخف أهل النار عذابًا فهو في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، ولولا الشارع لكان في الدرك الأسفل، فنفعه له لو شهد بشهادة التوحيد، وإن كان ذلك عند المعاينة أحرى بأن يكون.
ثالثها: أن أبا طالب كان ممن عاين البراهين، وصدق معجزاته ولم يشك في صحة نبوته، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية الجاهلية على تكذيبه، وكان سائر المشركين ينظرون إلى رؤسائهم ويتبعون ما يقولون، فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم، إن باءوا بإثمهم على تكذيبه، فرجا له المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله حَتَّى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته، وإثم من اقتدى به في ذلك، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله، لكنه آنسه بقوله: «أحاج لك بها عند الله» لئلا يتردد في الإيمان ولا يتوقف عنه لتماديه على خلاف ما تبين حقيقته وتورطه في أنه كان مضلاًّ لغيره.
وقيل: إن قوله: «أحاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» كقوله «أشهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»؛ لأن الشهادة للمرء حجة له في طلب حقه، ولذلك ذكر البخاري هنا الشهادة؛ لأنه أقرب للتاويل وذكر «أحاج» في قصة أبي طالب في كتاب المبعث (١)، لاحتمالها التأويل، ووقع لابن إسحاق أن العباس قَالَ لرسول الله - ﷺ -: يا ابن أخي، إن الكلمة التي عرضتها على عمك سمعته يقولها. فقال - ﷺ -: «لم أسمع» (٢).
قَالَ السهيلي: لأن العباس قَالَ ذلك في حال كونه على غير

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٨٨٤).
(٢) رواه ابن إسحاق في «السيرة» ص ٢٢٢ - ٢٢٣ (٣٢٨).



الإسلام، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما قبل من جبير بن مطعم حديثه الذي سمعه في حال كفره وأداه في الإسلام (١).
وفي مسلم: فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه أي: بفتح الياء وكسر الراء، ويعود له بتلك المقالة، يعني: أبا طالب. وفي رواية: ويعيدانه (٢) على التثنية يعني أبا جهل وعبد الله. ووقع في مسلم: لولا تعيرني قريش تقول: إنما حمله على ذلك الجزع (٣) -وهو بالجيم والزاي- وهو الخوف (٤)، وذهب الهروي والخطابي فيما رواه عن ثعلب في آخرين أنه بخاء معجمة وراء مهملة مفتوحتين (٥). قَالَ عياض: ونبهنا غير واحد، أنه الصواب، ومعناه: الضعف والخور (٦).
وقوله في الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] هو نهي ومثله ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب:٥٣] وإن كانت (ما) تأتي أيضًا للنفي ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وتأول بعضهم الاستغفار هنا: بمعنى الصلاة.

-------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ١٧٠.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع.
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٢٥/ ٤٢).
(٤) «لسان العرب» ١/ ٦١٦.
(٥) «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٤٩١.
(٦) «إكمال المعلم» ١/ ٢٥١.



٨١ - باب الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدتانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ.

١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٢٢]
ثم ذكر حديثَ ابن عبَّاس: مَرَّ النبي - ﷺ - بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ .. الحديث.
الشرح:
حديث ابن عباس سلف في الطهارة (١)، وترجم له قريبًا باب: عذاب القبر من الغيبة والبول (٢). وإنما خصَّ الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار؛ لأنهما أطول الثمار بقاء، فتطول

-----------
(١) برقم (٢١٦) جتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.
(٢) سيأتي هذا الحديث يرقم (١٣٧٨) كتاب: الجنائز.



مدة التخفيف عنهما، وهي شجرة طيبة كما سماها الله، وهي شجرة شبهها النبي - ﷺ - بالمؤمن، كما سلف في كتاب العلم (١).
وقيل: إنها خلقت من فضلة طينة آدم، وإنما فعل بريدة ما سلف اتباعًا لفعل رسول الله - ﷺ - في القبرين وتبركًا بفعله ورجاء أن يخفف عنه (٢)، والمراد بعبد الرحمن: ابن أبي بكر كما بينه عبد الحق في «جمعه».
والفسطاط: المضرب. قاله أبو حاتم. وقال الجوهري: بيت من شعر (٣). وقال المطرزي: خيمة عظيمة. وفي «الباهر» هو: مضرب السلطان الكبير، وهو السرادق أيضًا. وقال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق (٤). وقال صاحب «المطالع»: هو الخباء ونحوه.
وفي أثر خارجة دلالة على رفع القبور عن الأرض وتطويلها؛ لتعرف من غير قصد مباهاة، ذكره الداودي. ويستنثى قبر المسلم ببلاد الكفار فيخفي صيانة عنهم.
وقوله عن خارجة: (عن عمه يزيد) خارجة بن زيد بن ثابت، لم يدرك عمه يزيد بن ثابت. مات خارجة سنة مائة (٥) عن سبعين سنة،

------------
(١) برقم (٦١) باب: قول المحدِّث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.
(٢) سبق وأن ذكرنا أن هذا الفعل خاص به - ﷺ -، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب، بل في شفاعته - ﷺ - ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، ولا لغيره من بعده - ﷺ -.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١١٥٠.
(٤) «الفائق في غريب الحديث» ٣/ ١١٦.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «الكاشف» سنة ٩٩ جزم به وقد قال ابن عبد البر في ترجمة يزيد أن خارجة روى عنه ثم قال: وأظنه ليس (…) أو ما هذا معناه، وقد =



وقتل عمه يوم اليمامة (١).
وقول يزيد في الجلوس على القبر، وهو قول مالك، وقد جاء في النهي عن الجلوس عليه أحاديث صحيحة (٢)، وأخذ النخعي ومكحول والحسن وابن سيرين بها، فجعلوها على العموم، وكرهوا المشي على القبور والقعود عليها (٣)، ونقل أيضًا عن ابن مسعود وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي العلاء بن الشخير فيما ذكره ابن أبي شيبة (٤).
وأجاز مالك والكوفيون الجلوس عليها وقالوا: إنما نهي عن القعود عليها للمذاهب -فيما نرى والله أعلم- يريد حاجة الإنسان (٥).

--------------
= ذكر النووي في «التهذيب» أنه سمع منه وكذلك المزي في «تهذيبه» قال: إنه سمع منه فقيل: لم يسمع، والظاهر عدم سماعه منه، وجزم في «الوفيات» بمائة.
(١) خارجة بن زيد، أبو زيد المدني، أخو إسماعيل، وسعد، وسليمان، ويحيى أبناء زيد بن ثابت، أمه أم سعد بنت سعد بن الربيع النقيب، أدرك زمن عثمان بن عفان، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٦٢، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٢٠٤ (٦٩٦)، و«معرفة الثقات» ١/ ٣٣٠ (٣٨٥)، و«تهذيب الكمال» ٨/ ٨ - ١٣ (١٥٨٩).
(٢) دل على ذلك أحاديث وردت في «صحيح مسلم» منها حديث برقم (٩٧٠) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، وحديث أبي هريرة برقم (٩٧١) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، وحديث أبي مرثد الغنوي برقم (٩٧٢).
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧ (١١٧٧٤)، (١١٧٧٧) كتاب: الجنائز، باب: من كره أن يطأ على القبر.
(٤) «المصنف» ٣/ ٢٧ (١١٧٧٠ - ١١٧٧٣)، (١١٧٧٥).
(٥) هذا ما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في «شرح معاني الآثار» ١/ ٥١٧، ونقله عنه العيني في «عمدة القاري» ٧/ ١٠٢، ١٠٣ ثم قال: بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك لما نقله عنهم الطحاوي. وجاء في "مختصر =



وفي مسند ابن وهب، عن محمد بن أبي حميد أن محمد بن كعب القرظي حدثهم قَالَ: إنما قَالَ أبو هريرة: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يبولُ عليها أو يتغوط، فكأنَّما جلسَ على جَمْرَةِ نار» (١).
واحتج بعضهم بأن عليًّا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها (٢).
وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: إن زيد بن ثابت قَالَ: هلم يا ابن أخي أخبرك، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلوس على القبور لحدثٍ أو

-------------
= اختلاف العلماء«١/ ٤٠٨، قال أصحابنا: يكره أن يطأ على القبر أو يقعد عليه، وفي» تحفة الفقهاء«١/ ٢٥٧، وكره أبو حنيفة أن يوطأ على قبر، أو يجلس عليه أو ينام عليه، وفي»بدائع الصنائع«١/ ٣٢٠ مثل ما في»التحفة«وفي»الاختيار«١/ ١٢٦، ويكره وطء القبر والجلوس والنوم عليه، وفي»البناية«٣/ ٣٠٣، وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يوطأ عليه أو يجلس عليه …، وحمل الطحاوي الجلوس المنهي عنه على الجلوس لقضاء الحاجة، وفي»الفتاوى الهندية«١/ ١٦٦، ويكره أن يبني على القبر أو يقعد أو ينام عليه.
وانظر»النوادر والزيادات«١/ ٦٥٣.
(١) روى هذا الحديث بتمامه أبو داود الطيالسي ٤/ ٢٧٦ (٢٦٦٧) والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٧ كتاب: الجنائز، باب: الجلوس على القبر، وقد روى هذا الحديث بدون لفظ: الغائط والبول، مسلم (٩٧١)، كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، وأبو داود (٣٢٢٨) كتاب: الجنائز، باب: كراهية القعود على القبر، وابن ماجه (١٥٦٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٦، وابن حبان في»صحيحه«٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧ (٣١٦٦) كتاب: الجنائز، باب: فصل في القبور، والطبراني في»الأوسط«١/ ٢١٧ (٧٠٦).
(٢) رواه الطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٧ كتاب: الجنائز، باب: الجلوس على القبور، وقد ذكر البيهقي في»معرفة السنن والآثار" ٥/ ٣٥٥ (٧٨١٤)، أن حديث علي في توسده القبر، واضطجاعه منقطع وموقوف.



بولٍ أو غائط، وروي مثله عن أبي هريرة، كذا في ابن بطال، وعزاه إلى «موطأ ابن وهب» (١)، وفي «شرح شيخنا علاء الدين» أن أبا هريرة كرهه وشدد في ذلك.
وقوله: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَففَ عَنْهُمَا» لعل: معناها: الترجي والطمع.
ومعنى الحديث: الحض على ترك النميمة والتحرز من البول، والإيمان بعذاب القبر، وإنما ترجم له فيما سيأتي باب: عذاب القبر من الغيبة والبول. وذكر فيه النميمة فقط، ولعلها كانت معها غيبة وهما محرمتان وهما في النهي عنهما سواء.
وقال بعض شيوخنا في شرحه: فهم البخاري من جعل الجريد عليه جواز جلوس الآدميين عليه ولا يسلم له ذلك.
وقوله: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» أي: عندهما، ولذلك قَالَ: «بلى» في موضع آخر (٢).
وفيه: دلالة على أنهما كانا مسلمين؛ لأنه لا يذكر أنهما يعذبان على ما دون الشرك، ولا يذكر هو، وعذابهما يجوز أن يكون سمعه أو أخبر به، وموجبه أخبر به، والتخفيف يجوز أن يكون بدعاءٍ منه مدة بقاء النداوة من الجريد، لا أن في الجريد معنى يوجبه، وقيل: لأنه يسبح مادام رطبًا، وقد سلف في الطهارة بسط ذلك.
والجريد: سعف النخل. الواحدة: جريدة، سميت بذلك؛ لأنه قد جرد عنها خوصها.

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٨.
(٢) سلف برقم (٢١٦) كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.



وقوله: «مَا لَمْ يَيْبَسَا» يجوز بفتح الباء وكسرها، وهو شاذ في باب فعل بكسر العين أن يأتي مستقبله على يفعل بكسرها، فشذ هذا الفعل ونظائره، مثل: يبس ففيه أيضًا الوجهان، وكذا: ورم يرم، ووقر يقر، مكسور مستقبلهما وماضيهما.
قَالَ الداودي: وفيه دليل على المرجئة


٨٢ - باب مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] القُبُورُ. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] أُثِيرَتْ. بَعْثَرْتُ حَوْضِي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ [المعارج: ٤٣] إِلَي شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] مِنَ القُبُورِ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يَخْرُجُونَ.

١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَي عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَي عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ. [٤١٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢ - مسلم: ٢٦٧٤ - فتح: ٣/ ٢٢٥]
ذكر فيه حديث علي قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتى النَّبِيُّ - ﷺ - فقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ .. الحديث


الشرح:
ما ذكره في الأجداثِ، هو ما قال، قال ابن سيده: الجدث: القبر. والجمع: أجداث، وقد قالوا: جدف بالفاء بدل من الثاء، إلا أنهم قد أجمعوا في الجمع على أجداث، ولم يقولوا: أجداف (١)، زاد في «المخصص» قَالَ الفارسي: اشتقاقه من التجديف وهو كفر النعم (٢).
وقال ابن جني: الجمع: أجْدث، ولا يكسر بالفاء. قَالَ: وأجدف: موضع، وقد نفي سيبويه أن يكون أفعل من أبنية الواحد، فيجب أن يعد هذا مما فاته، إلا أن يكون جمع الجدث الذي هو القبر على أجدث، ثم سُمِّي به الموضع. ويروى بالفاء. وفي «الصحاح»: الجمع: أجدث وأجداث (٣). وفي «المجاز» لأبي عبيدة: بالثاء لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون: جدف بالفاء (٤).
وما ذكره في؟ بعثرت؟ فهو أيضًا كذلك (٥).
قَالَ أبو عبيدة في «المجاز»: بعثرت حوضي أي: هدمته (٦).
وقال الفراء: بعثرت وبحثرت لغتان إذا استخرجت الشيء وكشفته (٧). وفي «الصحاح» عن أبي عبيدة: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]: أثير وأخرج (٨).

----------
(١) «المحكم» ٧/ ٢١٨.
(٢) «المخصص» ٢/ ٧٨.
(٣) «الصحاح» ١/ ٢٧٧.
(٤) «مجاز القرآن» ٢/ ١٦٣.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن دريد: الحدث: القبر وهو الجدف أيضًا، وقال في (ج. د. ف) الجدف لغة في الجدث، وهو القبر (من «الجمهرة»).
(٦) «المجاز» ٢/ ٢٨٨، وعبارته: بعثرتُ حوضي، جعلتُ أسفله أعلاه.
(٧) نقله الجوهري عن الفراء في «الصحاح» ٢/ ٥٩٣، وانظر: «معاني القرآن» للفراء ٣/ ٢٨٦.
(٨) «الصحاح» ٢/ ٥٩٤.



وعن ابن عباس فيما ذكره الطبري: بعثرت: بحثت (١). وقال ابن سيده: بعثر المتاع والتراب: قلبه، وبعثر الشيء: فرقه. وزعم يعقوب أن عينها بدل من عين بعثر، أو غين بغثر بدل منها، وبعثر الخبز: بحثه (٢).
وما ذكره في الإيفاض: أنه الإسراع، فهو كما قَالَ.
قَالَ أبو عبيدة في «مجازه»: النصب: العلم الذي نصبوه، ومن قَالَ: (إلى نُصُب)، فهو جماعة مثل رهْن ورُهُن (٣). قَالَ ابن قتيبة في «غريبه»: أنكر أبو حاتم هذا على أبي عبيدة. وقال: يقال للشيء تنصبه نَصب ونُصْب ونُصُب.
وفي «المعاني» للزجاج (٤): قريء نَصْب ونُصُب، فمن قرأ بالإسكان فمعناه: كأنهم إلى علم منصوب لهم، ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: إلى أصنام لهم. وفي «المعاني» للفراء: قرأ الأعمش وعاصم: (إلى نَصب)، بفتح النون يريدان إلى شيء منصوب. وقرأ زيد بن ثابت: (نُصب) بضم النون، وكان النُصب الآلهة التي كانت تعبد من أحجار وكلٌّ صواب، والنصب واحد وهو مصدر، والجمع: الأنصاب (٥).
وفي «المنتهى» و«الواعي»: النَصب والنُصْب النُصُب بمعنى. وقيل: النصب: حجر ينصب فيعبد ويصب عليه ماء الذبائح. وقيل: هو العلم ينصب للقوم أي علم كان، وقال ابن سيده: النُصب جمع نصيبة،

-----------
(١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦٧٤ (٣٧٨٤٩).
(٢) «المحكم» ٢/ ٣٢٥.
(٣) «مجاز القرآن» ٢/ ٢٧٠.
(٤) «معاني القرآن وإعرابه» ٢/ ١٤٦.
(٥) «معاني القرآن» ٣/ ١٨٦.



كسفينة وسفن، وقيل: النصب: الغاية، وحكاه عَبْد في «تفسيره» عن مجاهد وأبي العالية (١)، وضعفه ابن سيده، قَالَ: والنصب جمع، واحدها: نصاب، وجائز أن يكون واحدًا (٢).
وقال الجوهري: النُصب بالضم، وقد يحرك (٣). وعند ابن التين: قرأ أبو العالية والحسن بضم النون والصاد.
وقال الحسن فيما حكاه عبد في «تفسيره»: كانوا يهتدون إذا طلعت الشمس بنصبهم سراعًا أيهم يستلمها أولًا، لا يلوي أولهم على آخرهم.
وفي «المحكم»: وفضت الإبل: أسرعت، وناقة ميفاض: مسرعة، وكذلك النعا مة، وأوفضها واستوفضها: طردها، واستوفضها: استعجلها، وجاء على وَفْض ووُفُص (٤). وقال الفراء: الإيفاض: السرعة والزمع (٥).
وما ذكره في ﴿يَنْسِلُونَ﴾ ذكره عبد بن حميد، عن قتادة. وقال أبو عبيدة:؟ ينسلون؟: يسرعون، والذئب ينسل ويعسل (٦)، وفسره ابن عباس بالخروج بسرعة (٧).
وفي «المجمل»: النسلان: مشية الذئب إذا أعنق وأسرع (٨).

-----------
(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» لعبد بن حميد عنهما ٥/ ٤٢٢.
(٢) «المحكم» ٨/ ٢٢٧.
(٣) «الصحاح» ١/ ٢٢٥.
(٤) «المحكم» ٨/ ١٦٨.
(٥) «معاني القرآن» ٣/ ١٦٣.
(٦) «المحكم» ٨/ ٣٢٨.
(٧) روى عنه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٤٥٠ (٢٩١٧٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١٠/ ٣١٩٨ (١٨٠٩٧) كلاهما بلفظ: يخرجون.
(٨) «المجمل» ٢/ ٨٦٥.



وقال ابن سيده: أصله للذئب، ثم استعمل في غير ذلك.
وحديث علي أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي في القدر أيضًا (٢).
والكلام عليه من أوجه:
أحدهما: البَقِيع -بفتح أوله- من الأرض موضع فيه أروم شجر بين ضروب شتى، وبه سميَّ بقيع الغرقد بالمدينة (٣).
والغرقد: عربي، شجر له شوك يشبه العوسج (٤). وفي الحديث في ذكر الدجال: «كل شيء يواري يهوديًّا ينطق إلا الغرقد، فإنه من شجرهم فلا ينطق» (٥) كان ينبت هناك، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع.
وعن «الجامع»: سُمِّي بذلك لاختلاف ألوان شجره. وقال أبو عبيد البكري، عن الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون، فسمي بقيع الغرقد (٦). لهذا قال ابن سيده: وربما قيل له: الغرقد (٧). أي: بغير ذكر البقيع.

-----------
(١) «صحيح مسلم» (٢٦٤٧) كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (تحفة ٧/ ١٠١٦٧).
(٢) برقم (٦٦٠٥) باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
(٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥، و«معجم البلدان» ١/ ٤٧٣.
(٤) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥١٧، و«لسان العرب» ٦/ ٣٢٤٦.
(٥) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة مطولًا، ورواه مسلم (٢٩٢٢) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ..، ومن حديث أبي هريرة مختصرًا دون ذكر الدجال.
(٦) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥.
(٧) «المحكم» ٦/ ٤٧ وفيه: الفرقد.



وقال ياقوت: وبالمدينة أيضًا بقيع الزبير، وبقيع الخيل: عند دار زيد بن ثابت، وبقيع الخبجبة (١)، ونقيع الخضمات بالنون وقيل بالباء (٢).
ثانيها: المخصرة قَالَ ابن سيده: هو شيء يأخذه الرجل ليتوكأ عليه، مثل العصا ونحوها، وهو أيضًا ما بيد الملك يشير به إذا خطب، واختصر الرجل: أمسك المخصرة (٣). وجزم ابن بطال بأنها العصا (٤). وقال ابن التين: عصا أو قضيب. والنكت: قرعك الأرض بعودٍ أو أصبع يؤثر فيه. ونكس: أمال، ويكون ذلك عند الخضوع والتفكر. ويقال: نكس بالتخفيف والتشديد.
ثالثها: في أحكامه:
فيه جواز الجلوس عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ، ونكته - ﷺ - بالمخصرة في الأرض: هو أصل تحريك الأصبع في التشهد، قاله المهلب. ومعنى النكت بالمخصرة. هو إشارة إلى المعاني وتفصيل الكلام، وإحضار القلوب للفصول والمعاني. وهذا الحديث أصل لأهل السنة، في أن السعادة والشقاء خلق لله تعالى، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق الله تعالى.
وفيه رد على أهل الجبر بأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر، ألا ترى قوله - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أمّتِي ما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٥). والتيسير: هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه،

-------------
(١) «معجم البلدان» ١/ ٤٧٤.
(٢) «معجم ما استعجم» ٤/ ١٢٩٦، ١٣٢٤، و«معجم البلدان» ٥/ ٣٠١.
(٣) «المحكم» ٥/ ٣٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٩.
(٥) سبق تخريجه.



وسيكون لنا عودة إلى ذلك في كتاب القدر إن شاء الله ذلك وقدره.
وفيه: تنكيس الرءوس في الجنائز، وظهور الخشوع والتفكر في أمر الآخرة، كان الناس إذا حضروا جنازة يلقى أحدهم حميمه فلا ينشط إليه ولا يقبل عليه إلا بالسلام حَتَّى يرى أنه واجد عليه؛ لما يشغلون أنفسهم من ذكر الموت وما بعده، وكانوا لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلًا يضحك فآلي أن لا يكلمه أبدًا، وكان يبقى أثر ذلك عليهم ثلاثة أيام، لشدة ما أشعروا أنفسهم، وحضر الحسن والفرزدق جنازة فقال الحسن للفرزدق: ماذا أعددت لهذا المقام؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فقال الحسن: خذها من غير رامٍ، ثم قَالَ له: ما يقول الناس يا أبا فراس؟ فقال: يقولون: حضر اليوم خير الناس وشر الناس يعني: الحسن ونفسه. فقال له: ما أنت بشرهم، ولا أنا بخيرهم، فلما توفي الفرزدق رآه رجل في المنام فقال له رجل: ما فعلت؟ قَالَ: نفعتني كلمتي مع الحسن (١).
وقول الرجل: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) فيه مطالبة بأمرٍ مضمونه تعطيل العبودية، وذلك أن إخباره - ﷺ - بسبق الكتاب بالسعادة والشقاء، إخبار عن علم الغيب فيهم، وهو حجة عليهم، فراموا أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل والاتكال على سابق الكتاب.
فأعلم أن ها هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن: هو العلة الموجبة في أمر الربوبية. وظاهر: هو السمة اللازمة في حق العبودية، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالعة أمر العواقب غير مفيدة حقيقة العلم

---------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٤٠، وذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٢٨٦ (١٩٩٤) والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٨٤.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.43 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.25%)]