الْمَسْجِدُ الأَقْصَى أَوَّلُ قِبْلَة لِلْمُسْلِمِيْنَ(6) فَضْلُ الصَّلاةِ فِي الْمَسْجِدِ الأقْصَى
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون لترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها أنا ذا أدفع به إليكم في حلقات، ونكمل في هذه الحلقة شرح الحديث الثالث:
عَنْ أَبِي ذَرّ رضي الله عنه قَالَ: تذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ؟ فَقَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى (وفي رواية وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى هُوَ)، (وفي رواية: هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ) ولَيُوشِكَنَّ أَنْ يَكُونَ (وفي رواية: ألا يكون) لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الأَرْضِ(وفي رواية: مثل سِيَة قوسه من الأرض)، وفي رواية: «وليوشكن أن يكون للرجل مثل سبط قوسه من الأرض»؛ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرًا لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، قَالَ: أَوْ قَالَ: «خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».
أرض المحشر والمنشر
وفي رواية عن أبي ذر قال: قلت: «يارسول الله ! أخبرنا عن بيت المقدس، قَالَ: «أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ فصلوا فيه، فليأتين على بيت المقدس وَلَبَسْطَةُ قوس أو مسحة قوس في بيت المقدس، أو من حيث يرى بيت المقدس، خير من كذا وكذا».
لقد تميزت وتمايزت أنواع العلاقة والأحوال الخاصة بهذا المسجد؛ فحينًا يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضله وفضل الارتحال إليه والصلاة فيه، وتارةً يذكر خبرًا هو ناقوس خطر للمسجد الأقصى لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم ، حينما يخبر عنه بشيءٍ من التفصيل، يخبر عن أمر وحال يصير إليه المسجد الأقصى من حصار له ومنع من دخول المسلمين إليه وإحاطته بالمغتصبات والجدر المحكمة المُلْتَفَّة حوله التي سدَّت كل زقاق ونقب مؤدٍ إليه، يعتليها أبراج فيها جنود يتلصَّصَون بأعينهم مُصَوِّبين أسلحتهم وفُوَّهات بنادقهم إلى كل من يتحرك نحوه أو إليه ؛ حتى يتمنى حينها المرء المسلم أن يكون له من الأرض بضعة أمتار أو أشبار يقف عليها؛ لِيُطِلَّ منها ويشرف ببصره عن بعد إلى المسجد الأقصى، وكأنها إشارة أخرى إلى غلاء الأسعار وارتفاعها حوله، والضرائب التي يفرضها الصهاينة على سكان المدينة المسلمين منهم خاصة، وصعوبة الوصول أو امتلاك القليل منها للوصول إلى أقرب نقطة منه إليه، كما هو حاصل اليوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الصحابة والأقًصى
قوله: «تذاكرنا ونحن عند رسول الله: صلى الله عليه وسلم » هذا التذاكر بين الصحابة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى يدل على حبهم له وحرصهم وشغفهم به، ولم يمنعهم بعد المسافة أو سيطرة الرومان عليه من نسيانه أو تناسيه، بل كان حديث كثير من مجالسهم، وكأنه تذاكر في فضله وتذكير بشأنه.
وهذا يدلل على قدسية المسجد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وأن ذكره حاضر في الأمة العربية، وأن الصحابة يرغبون بمعرفة المزيد عنه. وما تذاكُر الصحابة فضل الصلاة في المسجد الأقصى وهم بعيدون عنه ولم يُصلّوا فيه بعد، إلا أنهم يحيون شعائره بالسؤال عنه وإشاعة ذكره وأحواله في مجالسهم وعلى مسامعهم، ومسامع من حولهم ومعهم، وإلا فما قيمة ذلك وهم بعيدون عنه مسيرة شهر سوى ما ذكرنا؟
كل ذلك ليُحيي الأقصى في وجدان أصحابه؛ لذلك سؤالات الصحابة عنه مرة بعد مرة في أماكن ومناسبات متعددة، كانت هي بمثابة ثمرة تربية أو ما يعبر عنه التربويُّون بمخرجات تربية النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته على حب الأقصى.
لذا وكأني بهذه المجالس التي كانت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وحضوره ثلةٍ من أهمِّ أصحابه هي -وبلغة اليوم- مؤتمرات أو ندوات مصغرة أو ورش عمل، كل ذلك لتجديد علاقة الصحابة بالمسجد الأقصى، فكانت لأجله تعقد المجالس؛ ليكون برنامج عمل في حياتهم.
قوله: أيهما أفضل: مسجد رسول الله، أو مسجد بيت المقدس؟: أي أيهما أعظم أجرًا في الصلاة فيه وهو ضرب من ضروب بحث الصحابة عن فضائل الأعمال والتسابق إليها. نعم نحن بحاجة ماسة اليوم إلى إحياء سنة أبي ذر في التذاكر الصحيح لا السقيم، السني لا البدعي، عن المسجد الأقصى في ظل غياب الوعي الإسلامي والتشكيك اليهودي بهذه الثوابت.
مضاعفة الأجر
قوله: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه: والفضل المقصود هنا مضاعفة الأجر لا الإجزاء وفي هذا الحديث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فضل الصلاة في مسجده بالمدينة المنورة على المسجد الأقصى بأربع مرات وإذا علمنا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أجر الصلاة في مسجد المدينة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم يعدل ألف صلاة في غيره ؛ قال صلى الله عليه وسلم : «صلاة في مسجدي هـذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». علمنا من ذلك أن أجر الصلاة في المسجد الأقصى تعدل مئتين وخمسين صلاة، ومما لاشك فيه أن المسجد الحرام أفضل المساجد، ويليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، ويليه المسجد الأقصى. وجاء في فضل الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : «وصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة»، والصلاة بمسجد بيت المقدس أفضل من الصلاة بقباء بإجماع من العلماء.
فضل الصلاة في الأقصى
وقد ذكر العراقي تعدد الروايات التي جاءت بفضل الصلاة في المسجد الأقصى ومُرجِّحًا لها، فقال: «وقدْ اخْتلفتْ الأحاديثُ فِي المِقدارِ الذي تضاعفتْ بِه الصَّلاةُ فِي مسجِدِ بيتِ المقدِس فعِندَ ابنِ ماجَهْ مِن حديثِ مَيمونةَ مَولاةِ النَّبيِ صلى الله عليه وسلم عَن النبيِّ صلى الله عليه وسلم «أنَّ الصلاةَ فِيه كألفِ صلاةٍ فِي غَيرهِ»، وعِندَ الطَّبرانِي فِي حديثِ أبِي الدَّرداء «أنَّ الصَّلاةَ فِيه بِخمسمائةِ صلاةٍ» وَفِي حديثِ أنسٍ عِندَ ابنِ ماجَهَ «أنَّ الصَّلاة فِيه بِخمسين ألفِ صلاةٍ» فعلى هذَا تكونُ الصلاةُ بمسجدِ المدينةِ إمَّا بأربعةِ آلافٍ علَى مُقتضى حديثِ ميمونةَ وإمَّا بألفينِ عَلى مُقتضَى حديثِ أبِي الدَّرداءِ وإمَّا بمائَتَي ألفِ صلاةً عَلَى مُقتضى حديثِ أنسٍ، لكنَّهُ فِي هذَا الحديثِ سوَّى بينَ مسجِدِ المدينةِ وبيْنَ مسجِدِ بيتِ المَقدِسِ وأصحُّ طُرُقِ أحاديثِ الصلاةِ ببيتِ المقدِس «أنَّها بألفِ صلاةٍ» فعلَى هذا أيضًا يستوِي المسجدُ الأقصَى معَ مسجِدِ المدِينةِ، وعندَ أحمدَ مِن حديثِ أبِي هُريْرةَ أوْ عائشةَ مرفوعًا «صلاةٌ فِي مسجدِي هذَا خيرٌ مِن ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجِدَ الأقصَى»، وعلى هَذا فتُحملُ هذهِ الروايةُ عَلى تقديرِ ثبُوتِها إلَّا المسجِدَ الأقْصَى فإنَّهُما مُستويانِ فِي الفضلِ وَلا مانعَ مِن المصيرِ إِلَى هذَا أيْ فإنَّه ليسَ بأفضلَ مِن ألفِ صلاةٍ فِيه بَل هُوَ مساوٍ لهُ وأصحُّ طرقِ أحاديثِ التَّضعيفِ فِي المَدِينةِ أنَّها أفضَلُ مِن ألفٍ والأصحُّ فِي بيتِ المقدِسِ أنَّها بألفٍ فيُمكِن أيضًا أنْ يكونَ التفاوتُ بينهُمَا بالزِّيادةِ علَى الألفِ، والله أعلم».
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأخرجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنهُ أَنَّهُ سَألَ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلاةِ فِي بَيتِ المَقدِسِ أَفضَلُ أَوْ فِي مَسجِدِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ صَلاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا أفضَلُ مِنْ أربَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ ولَنِعمَ المُصَلَّى هُوَ أَرضُ المَحشرِ وَالمَنشرِ وَلَيَأتِينَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ وَلَقيدُ سَوطٍ أَوْ قَالَ قَوسُ الرَّجلِ حَيثُ يُرَى مِنهُ بَيتُ المَقدسِ خَيرٌ لَهُ أَوْ أَحبُّ إِلَيهِ مِنَ الدُّنيَا جميعا.
العبادات المشروعة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام؛ فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد بالطواف بالكعبة، واستلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود، وأما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى وسائر المساجد، فليس فيها ما يطاف به، ولا فيها ما يتمسح به، ولا ما يُقَبّل؛ فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا بغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، ولا بصخرة بيت المقدس. مع أنها كانت قبلة لكن نُسخ ذلك.
اعداد: جهاد العايش