لماذا التشكيك في مكان المسجد الأقصى ومكانته عند المسلمين؟! (3
في العدد السابق أفردنا المقال للرد على يوسف زيدان وأمثاله الذين زعموا أن ليس للمسجد الأقصى مكانة في الشريعة الإسلامية، ونكمل في هذا العدد الرد على من شكك في مكانة المسجد الأقصى؛ حيث كرر يوسف زيدان في لقاء قريب – في قناة مصرية - مقولة الباحثين اليهود : إن القدس لم تكن موضع اهتمام المسلمين، وأن تعلق بعض المسلمين بالقدس كان لدوافع سياسية وليست عقدية أو شرعية. تلك المقولة هي من مجمل الأكاذيب التي يشيعها اليهود للتشكيك في مكانة المسجد الأقصى في الشريعة الإسلامية وعند المسلمين .
على الرغم أن دلائل اعتناء المسلمين بالقدس والمسجد الأقصى من نواح كثيرة عدة واضحة جلية، بدءاً من حرص المسلمين على فتح تلك الأرض المباركة، وشد الرحال للصلاة في مسجدها الأقصى، والسكن في أرض بيت المقدس، والحماية من الأعداء عبر القرون، والتأليف والتصنيف في فضائله ومكانته عند المسلمين وفي الشرع الإسلامي، وكذلك في تاريخه ومروراً بما ذكره الرحالة الذين زاروا القدس والمسجد الأقصى المبارك، إلا أن المزورين لتاريخ القدس يصرون على نشر أكاذيبهم وشبهاتهم !!
ورد الأستاذ شهاب الله بهادر على تلك الشبهة بقوله: «يروج بعض المستشرقين أن كتب فضائل بيت المقدس جاءت نتيجة لسياسات انتهجها المسلمون لاسترداد القدس من يد الفرنجة لما تغلبوا عليها، وهذا ليس بصحيح؛ لأن كتب فضائل بيت المقدس وأخبارها ألفت في القرن الثالث والرابع والخامس قبل تغلب الفرنجة على القدس، وهذا دأب المسلمين في تدوين تواريخ بلدانهم وما ورد في فضائل الأماكن المقدسة» (1).
فلا يخلو كتاب من كتب الإسلام من التفسير والحديث والفقه من ذكر القدس، وما يتعلق بها من فضائل وأحكام وعبادات، وقد ألف بعضهم في فتوح في بيت المقدس ومن نزل فلسطين من الصحابة في بداية القرن الثالث، وبدؤوا في تدوين كتب «فضائل بيت المقدس» قبل نهاية القرن الثالث الهجري، وفي القرن الرابع والخامس دونوا التفاصيل كلها من الساكنين فيها والواردين إليها، ولا يزال المسلمون يكتبون ويؤلفون، ويقدمون تضحياتهم بأرواحهم وأموالهم، وبكل ما يستطيعون من أقلام وأسنة، وكل بحسبه في مجال الحفاظ على المقدسات والبلدان والإشادة بذكر مزاياها وفضائلها» (2).
ويضيف المؤلف : «وأنا ذكرت في هذا الكتاب 220 عنواناً، لا يزال قسم كبير منها مخطوطاً، وقسم منها مطبوع طباعة غير مرضية، وقسم آخر مذكور في بطون الكتب، ومن أوائل تلك الكتب التي ألفت في بيت المقدس كتاب بعنوان (فتوح بيت المقدس)، ومؤلفه إسحق بن بشر بن محمد بن عبد الله بن سالم، أبو حذيفة البخاري المتوفي 206هـ. وكذلك تلاه كتاب بعنوان: (من نزل فلسطين من الصحابة)؟ ومؤلفه موسى بن سهل بن قاوم الرملي «متوفى بالرملة سنة 261هـ»، وكتاب بعنوان: (قضاة فلسطين لأبي زرعة الدمشقي «توفي 281هـ»، وفضائل بيت المقدس، ومؤلفه الوليد بن حماد بن جابر أبو العباس الرملي توفي نهاية القرن الثالث الهجري. وهذا المؤلف أقدم تصنيف بعنوان (فضائل بيت المقدس) ومؤلفه من الرملة بفلسطين (3).
ومن أجمل ما كتب في فضائله: (قاعدة في زيارة بيت المقدس) لشيخ الإسلام ابن تيمية (661-728)، فلا يخلو قرن من القرون على مر العهود الإسلامية من مؤلف ومصنف في ذكر فضائل القدس والمسجد الأقصى المبارك ومكانتهما وتاريخهما؛ ذلك دلالة على مكانته في الشرع الإسلامي وعلى حب المسلمين وتناقلهم فضائل المسجد الأقصى وتاريخ بيت المقدس ومدن فلسطين.
بل وأن كثرة نُسخِ ونُساخ تلك المخطوطات المنتشرة في أصقاع الأرض لدلالة أخرى على حب المسجد الأقصى والإطلاع على فضائله ومكانته التي اشتهرت في العالم شرقاً وغرباً؛ علماً بأن ما تم تحقيقه ونشره يعد جزءاً يسيراً من تلك المؤلفات، والدراسات والتحقيقات التي يقوم بها المستشرقون من اليهود وغيرهم لدلالة واضحة على أهمية تلك المؤلفات وهذا العلم على وجه الخصوص، وتقدر عدد المخطوطات والمؤلفات بفضائل المسجد الأقصى بـ 220 مصنفاً وهي صفعة موجعة في وجه المشككين.
نسأل يوسف زيدان الذي يدعى أن مكانة المسجد الأقصى عند المسلمين حادثة، وبالأخص بعد الفتح الصلاحي!! الآتي:
1- لماذا شد الصحابة الرحال إلى بيت المقدس، وصلوا في المسجد الأقصى؟ ولماذا كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنها- إذا دخل المسجد الأقصى لا يقصده إلا من أجل الصلاة فيه ، ولا يشرب فيه شربة ماء، حتى تصيبه دعوة سليمان عليه السلام؟
2- ولماذا دفن الكثير من الصحابة والتابعين في مقبرة مأمن الله في القدس؟ ومن أبرز من استقر من الصحابة في القدس وتوفي فيها: الصحابي الجليل (عبادة بن الصامت) -رضي الله عنه- والصحابي الجليل (شداد بن أوس)؛ ألم تكن تلك دلالة على مكانتها الشرعية؟!
3- ولماذا اجتمع بالمسجد الأقصى علماء (المقادسة) مع علماء من بلدان العالم الإسلامي المختلفة من المشرق والمغرب؛ حيث ذكر مؤرخ فلسطين عارف العارف في كتابه (تاريخ القدس) أنه «كان في المسجد الأقصى ثلاثمائة وستون مدرساً» في القرن الخامس الهجري .
4- ولماذا أورد مجير الدين الحنبلي في الجزء الثاني من كتابه الأنس الجليل سيراً مختصرة لحوالي 440 عالماً وقاضياً وخطيباً ومؤلفاً(4) ممن عاشوا وعملوا في بيت المقدس منذ الفتح الصلاحي وحتى سنة 900 للهجرة أي خلال 300 سنة؟
5- ولماذا أحاطت المدارس والأوقاف بالمسجد الأقصى من جهته الغربية والشمالية وكان بعضها في داخل أسوار المسجد الأقصى ، وكان عددها بالمئات؟
6- ومصاطب العلم في ساحات المسجد الأقصى التي اختصت بشتى العلوم، هل لها دلالة علمية أم كانت للزينة؟!! والتي منها مصطبة علاء الدين البصيري، ومصطبة الظاهر، ومصطبة قبة موسى، ومصطبة سبيل قايتباي. لتستوعب مئات المدرسين لإلقاء دروسهم على المصاطب التي كان يجلس عليها الطلاب .
7- أليس ما سبق يظهر لنا بجلاء أن المسجد الأقصى عاش حياة علمية حافلة على مدى القرون، وكان مركزاً من أهم مراكز تدريس العلوم الشرعية في العالم الإسلامي؟
بعد سرد تلك الشبهات والأكاذيب والردود عليها، نقول ؟!!
1. لو افترضنا أن المسجد الأقصى غير محتل من اليهود فهل سيقول يوسف زيدان وأمثاله تلك الآراء، والنتائج التي زعموا أنهم توصلوا لها؟!! وإقناع أهل فلسطين والعرب والمسلمين بأن خلافنا مع اليهود ليس دينا بل سياسة ؟!!.
2. ولماذا يريدون في النهاية أن يقنعوا العرب والمسلمين بأن الخلاف لا يتعلق بشيء مقدس ؟! فهل يظنون أن تلك الأقوال تسهل عملية السلام مع اليهود، وتعجل تنفيذه على أرض الواقع؟!
3- ولماذا لا يتصدون لأكاذيب اليهود وما أكثرها؟! وينطقون بأن مزاعم اليهود في فلسطين خرافات كقولهم بأن لهم حقاً دينياً في القدس أو حقاً تاريخياً أو أنها أرض بلا شعب وأنها أرض الميعاد، وأنهم حولوا الصحراء إلى جنان، ويقصدون بذلك فلسطين ، أو أنهم أخذوا فلسطين بيعاً من أهلها !! وغيرها الكثير والكثير من تلك الأكاذيب.
4.- ولماذا هذا النشاط بين إخواننا المصريين على وجه الخصوص؟ ولماذا أرادوا إضعاف الثوابت والمحبة للقدس والمسجد الأقصى في قلوب ذلك الشعب المسلم، الذي لا نشك في ولائه لقضايا المسلمين وفي مقدمتها قضية فلسطين والمسجد الأقصى المبارك؟!
5- ولماذا يختار هذا الوقت بالذات لنزع القداسة والمكانة عن القدس في ظل انطلاق هبة الأقصى التي كانت نتيجة حتمية لاعتداءات اليهود الذين أرادوا تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، وفتحوا لقطعان المغتصبين اليهود أبواب المسجد الأقصى ليدخلوا متى شاؤوا وكيفما شاؤوا!!
6- وهل هؤلاء مؤرخون عرب جدد أرادوا أن يسيروا على نمط المؤرخين اليهود الجدد الذين عملوا على إيجاد تاريخ جديد، ظناً منهم أن ذلك يُساهم في التعايش على أرض فلسطين في ظل الاحتلال الصهيوني وممارساته العدوانية على أرض فلسطين؟!
7- وهل تلك دعوة لنغير تاريخنا ونحدث مناهجنا في مدارسنا لتتوافق مع ما طلبه (أمنون كوهين).. ويطالب فيه زمرة المرددين والمشككين؟!
8- وهذا الهراء الذي يقوله أمثالهم هؤلاء هل تقبلته الجهات العلمية المعتمدة في مجامعنا العلمية والفقهية، وجامعاتنا ومراكز بحوثنا، ومؤسساتنا العلمية وعلماء أمتنا؟.
9- ومن المستفيد في النهاية من تلك الشبهات والأكاذيب التي ينطقها ويكررها من أسموهم بالأدباء والمفكرين والفلاسفة من العرب؟! ليصل الفحش إلى أن يكتب أحدهم: «لا أعلم دليلاً من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم يؤكد ضرورة امتلاك العرب القدس؟!!».
10- ولماذا تلك الكتابات والأقوال موضع اهتمام من الإعلام الصهيوني ، تسلط عليه الأضواء ، ويُمدح أصحابه وتفتح لهم القنوات والفضائيات، وتعقد الندوات لإبراز آرائهم؟
الهوامش:
1- انظر الكتاب الذي أعده الأستاذ شهاب الله بهادر والصادر عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دولة الإمارات العربية المتحدة، وعنوانه: (معجم ما ألف في فضائل وتاريخ المسجد الأقصى والقدس وفلسطين ومدنها من القرن الثالث الهجري إلى نكبة فلسطين) سنة 1367هـ-1948م» ، ص12.
2- المرجع السابق نفسه ، ص10.
3 - انظر للاستزادة معجم ما ألف، ص19-22.
4- وهذا بالطبع لا يشمل إلا جزءًا يسيراً من العلماء والفقهاء الذين عملوا في القدس والمسجد الأقصى في تلك القرون الثلاثة؛ حيث لا يمكن إحصاؤهم جميعاً.
اعداد: عيسى القدومي