
06-02-2026, 05:08 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة :
|
|
رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال

الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي
المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)
المجلد (10)
من صـــ 71 الى صـــ 90
الحلقة (274)
وقوله: (هُنَيَّة) ضبطه بعضهم بضم الهاء ثم نون ثم ياء مشددة تصغير (هنا)، أي: قريبًا من وقت وضعته، وبالهمز بعد الياء. قَالَ ابن التين: وهي التي روينا، والمعنى: كهيئته يوم وضعته. وضبطه بعضهم بفتح الهاء والياء، أي: على حالته.
وقوله: (كيوم وضعته هنيَّة غَيْرَ أُذُنِهِ) هو بغير، والصواب: رواية ابن السكن وغيره (غير هُنية في أُذنه) بتقديم غير، يريد: غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه، قاله عياض (١).
وقوله: (فَاستَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَاِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُة) كذا في «الصحيح»، وفي «الموطأ» بلاغًا أنه أخرج هو وعمرو بن الجموح بعد ستة وأربعين سنة فوجدا كيوم دفنا، وأميطت يده أو يد صاحبه وهو عبد الله بن عمرو، هذا عن الجرح فلما تركت عادت لمكانها. كما رواه في «الموطأ» مرسلًا (٢) وهو خلاف ما هنا أنه استخرج والده بعد ستة أشهر وقد بدت قدم عمر - رضي الله عنه - حين بني المسجد وهدم البيت ليصلح بعد ست وستين سنة فوجد عليه أثر شراك النعل لم يتغير، وروى ابن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قَالَ: لما أراد معاوية أن يجري العين بأحدٍ نودي بالمدينة: من كان له قتيل فليأت. قَالَ جابر: فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا ينثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانقطرت دمًا (٣).
-------
(١) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٧١.
(٢) «الموطأ» ص ٢٩١ (٥٠) (٩٣٨) كتاب: الجهاد، باب: الدفن في قبر واحد …
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٤٧ (٦٦٥٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله، و٥/ ٢٧٧ (٩٦٠٢) كتاب: الجهاد، باب: الصلاة علي الشهيد وغسله، وانظر: «التمهيد» ١٨/ ١٧٤.
قَالَ سفيان: بلغني أنه حمزة بن عبد المطلب (١). وهذا غير الوقت الذي أخرج فيه جابر أباه من قبره، ويقال: أربعة لا تعدو عليهم الأرض ولا هوامها: الأنبياء والعلماء والشهداء والمؤذنون. وقيل: ذلك خصوص لأهل أُحُد كرامة لهم، وكذلك من كان في المنزلة مثلهم.
وقوله أولًا: (مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا) هو بضم الهمزة أي: أظنني، وإنما قاله لما كان عليه من العزم أن يقاتل حَتَّى يقتل.
وقوله: (فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) إنما قَالَ ذلك؛ لأن نبي الله - ﷺ - كان رأى في سيفه ثلما عند خروجهم إلى أحد، فأوله أنه يصاب بعض أصحابه (٢)، فقتل يومئذ منهم سبعون وقيل: خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين، وقال مالك: قتل من المهاجرين أربعة ومن الأنصار سبعون، ولم يكن في عهد النبي - ﷺ - قصة أشد ولا أكثر قتلًا منها، وكانت في سنة ثلاث من الهجرة خرج إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال. قَالَ مالك: كانت أحد وخيبر في أول النهار.
وقوله: (وإنَّ عليَّ دينًا) كان عليه أوسق تمر ليهودي كما سيأتي (٣).
وقوله: (وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا) كانت له تسع أخوات كما
-------
(١) قال ابن عبد البر: الذي أصابت المسحاة أصبعه هو حمزة رضي الله عنه، رواه عبد الأعلي بن حماد، قال: حدثنا عبد الجبار -يعني ابن الورد- قال سمعت أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال قوم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فانبثقت دمًا.
«التمهيد» ١٩/ ٢٤٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٢٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٩٦) كتاب: في الاستقراض، باب: إذا قاصَّ أو جازفه في الدَّين تمرًا بتمرٍ أو غيره.
سيأتي (١) باختلاف فيه فوَكَّد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير، فوجب لهن حق القرابة وحق وصية الأب وحق اليتم وحق الإسلام.
وفي الصحيح لما قَالَ له - ﷺ -: «تزوجتَ بكرًا أم ثيبًا» قَالَ: ثيبًا، قَالَ: «فهلا بكرًا تُلاعبها وتُلاعبك» قَالَ: إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن (٢). فلم ينكر عليه ذلك.
أما أحكام الباب: ففيه: جواز إخراج الميت بعد ما يدفن إذا كان لذلك معنى بأن دفن بلا غسل ونحو ذلك، قَالَ الماوردي في «أحكامه»: وكذا إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة على ما رآه الزبيري، وخالفه غيره. قلتُ: وقول الزبيري أصح.
قَالَ ابن المنذر: اختلف العلماء في النبش عمن دفن ولم يغسل فأكثرهم يجيز إخراجه وغسله، هذا قول مالك والشافعي إلا أن مالكًا قَالَ: ما لم يتغير (٣). وكذا عندنا ما لم يتغير بالنتن كما قَالَ الماوردي، وقال القاضي أبو الطيب: بالتقطيع، وقيل: ينبش ما دام فيه جزء من عظم وغيره، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا وضع في اللحد وغطي بالتراب ولم يغسل، لم ينبغ لهم أن ينبشوه. وهو قول أشهب (٤). والأول أصح، وبه قال أحمد وداود (٥).
وكذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة فعندنا: لا ينبش بل يصلى على القبر، اللهم إلا أن لا يهال عليه التراب، فإنه يخرج ويصلى
-----------
(١) سيأتي برقم (٤٠٥٢) كتاب: المغازي، باب: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٥٢).
(٣) «الأوسط» ٥/ ٣٤٣.
(٤) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٠.
(٥) انظر: «المغني» ٣/ ٥٠٠، «المحلى» ٥/ ١١٤.
عليه. نص عليه الشافعي (١)؛ لقلة المشقة ولأنه لا يسمى نبشًا، وقيل: يرفع لبنة وهو في لحده مما يقابل وجهه لينظر بعضه فيصلى عليه.
وقال ابن القاسم: يخرج بحُدْثَان ذلك ما لم يتغير وهو قول سحنون، وقال أشهب: إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب، أخرج وصلي عليه، وإن أهالوا فليترك، وإن لم يصل عليه. وعن مالك: إذا نسيت الصلاة على الميت حَتَّى يفرغ من دفنه لا أرى أن ينبشوه لذلك ولا يصلى على قبره، ولكن يدعون له (٢). وينبش في صور أخرى محلها الفروع فلا نطول بذلك.
وروى سعيد بن منصور عن شريح (س ت) بن عبيد أن رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا فوجدوا معاذ بن جبل فأخبروه، فأمرهم أن يخرجوه ثم غسل وكفن وحنط ثم صلي عليه.
وفي قول جابر: نفث عليه من ريقه. حجة على من يرى بنجاسة الريق والنخامة وهو قول يروى عن سلمان الفارسي، وإبراهيم النخعي (٣)، والعلماء كلهم على خلافه والسنن وردت برده، فمعاذ الله من صحة خلافها، والشارع علمنا النظافة والطهارة، وبه طهرنا الله من الأدناس فريقه يتبرك به ويستشفي.
وفيه أن الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم، وقد سلف.
فرع:
يحرم عندنا نقل الميت قبل دفنه إلى بلد آخر؛ لأن في نقله تأخر دفنه
-----------
(١) انظر: «الحاوي» ٣/ ٦٢.
(٢) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٩٣.
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٥٢ (١٧٥٤) كتاب: الطهارات، باب: النخاع والبزاق يقع في البئر.
وتعريضه لهتك حرمته من وجوه، ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وقال جماعات من أصحابنا: يكره ولا يحرم (١).
وروي عن عائشة، أيضًا (٢)، لكن يرده حديث جابر: كنا حملنا القتلى يوم أحد فجاء منادي: رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم. رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣)، اللهم إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس لفضلها فينقل، نص عليه الشافعي، كما نقله الماوردي من أصحابنا (٤).
------------
(١) قال النووي رحمه الله: قال صاحب «الحاوي»: قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا أحبه -أي نقل الميت من بلد إلى بلد- إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها؛ لفضل الدفن فيها. وقال البغوي والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله، وقال القاضي حسين والدارمي والمتولي: يحرم نقله، وقال القاضي حسين والمتولي: ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وهذا هو الأصح؛ لأن الشرع أمر بتعجيل دفنه، وفي نقله تأخيره، وفيه أيضًا انتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغير ذلك، «المجموع» ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٢) رواه الترمذي برقم (١٠٥٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، وعبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥١٧ (٦٥٣٥) كتاب: الجنائز، باب: لا ينقل الرجل من حيث يموت، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٦٤. من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، وقال المباركفوري: ولم يحكم الترمذي على حديث الباب بشيء من الصحة والضعف، ورجاله ثقات إلا ابن جريج مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة «تحفة الأحوذي» ٤/ ١٣٩، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) رواه أبو داود برقم (٣١٦٥) كتاب: الجنائز، باب: في الميت يحمل من أرض إلى أرض، والترمذي برقم (١٧١٧) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في دفن القتيل في مقتله، والنسائي ٤/ ٧٩ كتاب: الجنائز، باب: أين يدفن الشهيد؟ وابن ماجه برقم (١٥١٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٤) «الحاوي» ٣/ ٢٦.
ومن هذا نقل جنازة سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة (١) وللقرب أيضًا ولا يبعد ما إذا كان بقربه قرية أهلها صالحون كذلك، وصح أن يوسف - ﷺ - نقل بعد دفنه بالبحر بسنين كثيرة، واستخرجت عظامه، كما أخرجه ابن حبان فنقل إلى جوار إبراهيم الخليل - عليه السلام - (٢).
وروى ابن إسحاق أن أم عبد الله بن سلمة البلوي البدري لما قتل يوم أحد شهيدًا استاذنت النبي - ﷺ - في نقله إلى المدينة، فنقل هو والمجذر بن زياد البلوي.
--------------
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٥٧.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١ (٧٢٣) كتاب: الرقائق، باب: الورع والتوكل.
٧٨ - باب الشَّقِّ وَاللَّحْدِ فِي القَبْرِ (١)
١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ». فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٧]
ذكر فيه حديث جابر: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في مواضع (٢)، والكل جائز، واللحد أفضل عندنا من الشق إن صلبت الأرض، لُحِد لرسول الله - ﷺ - ولصاحبيه (٣) ولابنه إبراهيم، وأوصى به ابن عمر (٤) واستحبه الأئمة: النخعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، قالوا: وهو ما اختاره الله تعالى لنبيه (٥)، وقد روى أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عباس مرفوعًا: «اللَّحدُ لنا، والشَّقُّ لغيرِنا». قَالَ الترمذي: حديث غريب (٦).
---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٢) سلف برقم (١٣٤٣) باب: الصلاة على الشهيد، و(١٣٤٥) باب: دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، و(١٣٤٦) باب: من لم ير غسل الشهداء، و(١٣٤٧ - ١٣٤٨) باب: من يقدم في اللحد.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٤ (١١٦٣٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٥ (١١٦٣٨).
(٥) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٥٥، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٦٧، «المعونة» ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٩٤.
(٦) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٠٨) كتاب: الجنائز، باب: في اللحد، «سنن الترمذي» برقم (١٠٤٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قول النبي - ﷺ -: "اللحد لنا والشق =
وصفة اللحد أن يحفر حائط القبر مائلًا عن استوائه من أسفله قدر ما يوضع فيه الميت، وليكن من جهة القبلة.
والشَّق -بفتح الشين- أن يُحْفر وسطُه كالنهرِ، ويبنى جانباه باللبنِ أو غيره ويُجعل بينهما شق، يُوضع فيه الميت ويُسَقَّف.
------------
= لغيرنا«،»سنن النسائي«٤/ ٨٠ كتاب: الجنائز، اللحد والشق،»سنن ابن ماجة" برقم (١٥٥٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في استحباب اللحد. وصححه الألباني.
٧٩ - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ؟
وَقَالَ الحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.
١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ -وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الحُلُمَ- فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ». فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى». قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا». فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: دَعْنِى يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». [٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨ - مسلم: ٢٩٣٠ - فتح: ٣/ ٢١٨]
١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَي النَّخْلِ التِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ -يَعْنِى: فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ- فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ -وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ- هَذَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ، أَوْ
زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ [إِسْحَاقُ الكَلْبِىُّ] وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح: ٣/ ٢١٨]
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ: ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَي أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لله الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». [٥٦٥٧ - فتح: ٣/ ٢١٩]
١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ. [٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧ - فتح: ٣/ ٢١٩]
١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاء، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ. [١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢١٩]
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً [جَمْعَاءَ]، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢١٩]
ذكر فيه حديث عُمر في قصة ابن صيَّاد بطولِها.
وذكر حديث أنس: كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ -، فمرض .. وذكر الحديث.
وعن ابن عباس: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.
وحديث أبي هريرة: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» .. الحديث بطريقيه.
الشرح:
الكلام على ما ذكره البخاري رحمه الله واحدًاواحدًا، فإنه من الأبواب التي تحتاج إلى إيضاح فلا تسأم من الطول، ولا شك أنه يصلى علي الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه.
قَالَ ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم المسلمين في الصلاة عليه، ويباع على النصراني إن ملكه؛ لأن مالكًا يقول: لو أسلم وقد عقل الإسلام ثم بلغ فرجع عنه أجبره عليه. قَالَ أشهب: وإن لم يعقله لم أجبر الذمي على بيعه، ولا يؤخذ الصبي بإسلامه إن بلغ (١).
وقد اختلف الناس في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:
أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، وهي مقالة هؤلاء الجلة، ويصلى عليه إن مات على هذا.
وثانيها: يتبع أباه وإسلام أمه لا يُعدُّ به الولد مسلمًا، وهو قول مالك في «المدونة».
-------
(١) انظر: «المدونة» ٣/ ٢٨٢، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠٣.
ثالثها: يتبع أمه وإن أسلم أبوه وهي مقالة شاذة ليست في مذهب مالك.
قال سحنون: إنما يكون إسلام [الوالد] (١) إسلامًا له، ثم إذا لم يكن معه أبوه فهو (٢) على دين أمه (٣). ويعضده حديث الباب: «فأبواه يهودانه وينصرانه». فشرك بينهما في ذلك، فإذا انفرد أحدهما دخل في معنى الحديث.
وقال ابن بطال: أجمع العلماء في الطفل الحربي يُسبى ومعه أبواه، أن إسلام الأب إسلام له. واختلفوا فيما إذا أسلمت الأم، وحجة مالك إجماع العلماء، أنه من دام مع أبويه لم يلحقه سباء فحكمه حكم أبويه حَتَّى يبلغ، فكذلك إذا سُبي لا يغير السباء حكمه حَتَّى يبلغ فيعبر عن نفسه، وكذلك إن مات لا يصلى عليه، وهو قول الشعبي. قَالَ: واختلفوا إذا لم يكن معه أبوه ووقع في المقاسم دونهما، ثم مات في ملك مشتريه، فقال مالك في «المدونة»: لا يصلى عليه إلا أن يجيب إلى الإسلام بأمر يعرف أنه عقله، وهو المشهور من مذهبه، وعنه: إذا لم يكن معه أحد من آبائه ولم يبلغ أن يتدين أو يدعى ونوى سيده الإسلام فإنه يصلى عليه وأحكامه أحكام المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة، وهو قول ابن الماجشون وابن دينار وأصبغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي (٤).
-----------
(١) في الأصل: الولد، وما أثبتناه يقتضيه المعنى.
(٢) في الأصل: وهو، والصواب ما أثبتناه.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠١.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢.
وفي «شرح الهداية» إذا سُبِيَ صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام، وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه هو والولد: يتبع خير الأبوين دينًا.
والتبعية مراتب: أقواها: تبعية الأبوين ثم الدار، ثم اليد.
وفي «المغني»: لا يصلى على المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم، أو يموت مشركا، فيكون ولده مسلمًا، أو يُسبى منفردًا، أو مع أحد أبويه فإنه يصلى عليه.
وقال أبو ثور: إذا سبى مع أحد أبويه لا يصلى عليه إلا أن يسلم وفي «الإشراف» عنه: إذا أسر مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يختار الإسلام يصلى عليه.
وقوله: (وكان ابن عباس ..) إلى آخره. قد أسنده بعد (١)، وهو مبني على من قَالَ: إن إسلام العباس متأخر (٢)، وأما من قَالَ: إنه قديم قبل الهجرة، فلا. وأمه أم الفضل لُبابة (٣).
قَالَ ابن سعد: أسلمت بعد خديجة (٤). وقال محمد بن عمر: هاجرت إلى المدينة بعد إسلام زوجها.
وقوله: (وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) ولم يذكر قائله، وقد أخرجه الدارقطني في النكاح من «سننه» بإسناد جيد من حديث عائذ
-----------
(١) سيأتي مسندًا برقم (١٣٥٧).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: أسلم قبل خيبر وكان يكتم إسلامه، ويقال: (…) قبل بدر (…).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن (…) وابن سعد: هي أول امرأة أسلمت بعد خديجة.
(٤) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٧٧.
ابن عمرو المحزني أن النبي - ﷺ - قَالَ: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (١) (٢).
وقصة ابن صياد ذكرها البخاري في مواضع أخر، منها: قَالَ: سالم عن ابن عمر: فقام رسول الله - ﷺ - في الناس فذكره. وفيه: «أنه أعور وأن الله ليس بأعور» (٣).
ومنها في الجهاد في باب: ما يجوز من الاحتيال، معلقًا عن الليث (٤). ووصله الإسماعيلي من حديث ابن بكير وأبي صالح عنه.
ولمسلم قَالَ ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت، أنه أخبره بعض الصحابة أنه - ﷺ - قَالَ يوم حذر الناس الدجال: «أنه مكتوبٌ بين عينيه كافِرٌ، يقرأه مَنْ كَرِه عملَهُ ..» (٥). الحديث.
وله أيضًا من حديث أبي سعيد بنحوه (٦)، وللترمذي: فاحتبسه وهو
-----------
(١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٥٢ كتاب: النكاح، باب: المهر، والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (١٢٦٨).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال المصنف في تخريج أحاديث الرافعي المسمى بـ«خلاصة البدر المنير» في حديث «الإسلام يعلو ولا يعلى»: رواه الدارقطني في «سننه» من رواية عائذ بن عمرو المزني بإسناد واه، ولفظه «الإسلام يعلو ولا يعلى»، والطبراني في أصغر معاجمه وأبو نعيم والبيهقي في كتابيهما «دلائل النبوة» من رواية عمر بن الخطاب ولفظه: «الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى» قاله الأعرابي في حديث طويل، وفي سنده محمد بن على بن الوليد السلمي البصري. قال البيهقي: الحمل فيه على السلمي، قال الذهبي: صدق والله البيهقي؛ فإنه خبر باطل. ثم عزاه المصنف إلى البخاري تعليقا موقوفًا. اهـ. وانظر: «خلاصة البدر المنير» ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣) سيأتي برقم (٦١٧٥) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل: اخسأ.
(٤) سيأتي برقم (٣٠٣٣).
(٥) «صحيح مسلم» برقم (١٦٩) بعد حديث (٢٩٣١) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٦) السابق برقم (٢٩٣٣) باب: ذكر الدجال وصفته.
غلام يهودي له ذؤابة (١) وله من حديث أبي بكرة فيه وقال: غريب (٢).
وروي أنه كان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهر (٣). وروي أنه ولد أعور مختتن (٤). ولنتكلم على مفرداته ومعانيه:
فالرهط: ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة قاله الجوهري (٥). وفي «العين»: هو عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة. وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر (٦). وعن ثعلب: الرهط: الأب الأدنى. وفي «المحكم»: الرهط لا واحد له من لفظه (٧). وفي «الجامع»: الرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما جاوزوا ذلك. وكذا في «الجمهرة» (٨).
والأُطُم -بضم الهمزة والطاء- بناء من حجارة موضوع كالقصر.
وقيل: هو الحصين. وجمعه آطام (٩).
وقوله: (أُطُم بني مغالة). كذا هو في الصحيح، وفي «صحيح مسلم»
-------------
(١) «سنن الترمذي» برقم (٢٢٤٧) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد، وقال: هذا حديث حسن.
(٢) «سنن الترمذي» برقم (٢٢٤٨) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) روى ما يدل على ذلك أبو يعلى في «مسنده» ١٣/ ٩٣ (٧١٦٣)، وابن حبان في «صحيحه» ١٤/ ٢٤٣ (٦٣٣٥) كتاب: التاريخ، باب: صفته - ﷺ - وأخباره، كلاهما من حديث حليمة أم رسول الله - ﷺ -.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٩٦ (٢٠٨٣١).
(٥) «الصحاح» ٣/ ١١٢٨.
(٦) «العين» ٤/ ١٩.
(٧) «المحكم» ٤/ ١٧٦.
(٨) «جمهرة اللغة» ٢/ ٧٦١.
(٩) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٥٤، و«لسان العرب» ١/ ٩٢.
رواية الحلواني: أطم بني معاوية. وذكر الزبير بن أبي بكر: أن كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد المدينة فهو لبني مغالة، ومسجده - ﷺ - في بني مغالة، وما كان عن يسارك فلبني حديلة. وقال بعضهم: بنو مغالة: حي من قضاعة، وبنو معاوية هم بنو حديلة، وهي: امرأة نسبوا إليها امرأة عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.
و(مَغَالة) بفتح الميم وبالغين المعجمة.
و(ابن صياد) يقال فيه: بالألف واللام أيضًا، كما قاله ابن الجوزي، وابن صائد واسمه: صافٍ كقاضٍ. وقيل: عبد الله. وقال الواقدي: هو من بني النجار. وقيل: من اليهود وكانوا حلفاء بني النجار، وابنه عمارة (ت ق): شيخ مالك من خيار المسلمين، ولما دفعته بنو النجار عن نسبهم حلف منهم تسعة وأربعون رجلًا، ورجل من بني ساعدة على دفعه.
وقوله: (»أتشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "). فيه: عرضُ الإسلام على الصغير، واستدل به قوم على صحة إسلام الصبي، وكان قارب الاحتلام، وهو مقصود البخاري في تبويبه: هل يعرض على الصبي الإسلام؟ وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، خلافًا للشافعي؛ لعدم تكليفه، ولا يرد على الشافعي صلاته قبل البلوغ كما ألزمه ابن العربي؛ لأنها من باب التمرين وقد أمر الشارع بها.
واختلف المالكية في إسلام ابن الكافر وارتداد ابن المسلم هل يعتد به أم لا؟ على قولين. واختار بعض المتأخرين منهم الاعتداد.
وقوله: (إنك نبي الأميين). قَالَ الرشاطي: الأميون مشركو العرب. نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون.
وقيل: الأمية هي التي على أصل ولادات أمهاتها لم تتعلم الكتابة.
وقيل: نسبة إلى أم القرى.
وقوله: (فرفضه النبي - ﷺ -). أي: تركه. كذا هو بالضاد المعجمة.
وفي رواية أخرى بالمهملة، وكذا هو بخط الدمياطي، وقال في الحاشية: إنه كذا عند البخاري ومسلم.
قال عياض: وهي روايتنا عن الجماعة. وقال بعضهم: إنه الرفص بالرجل مثل الرفس بالسين المهملة، فإن صح هذا فهو بمعناه قَالَ: لكن لم أجد هذِه اللفظة في أصول اللغة (١).
قلتُ: لكنهما متقاربان، ووقع في رواية القاضي التميمي: فَرَضَّه بضاد معجمة، وهو وهم. وفي رواية المروزي: فوقصه، بقاف وصاد مهملة، قال: ولا وجه له.
قَالَ الخطابي: إنما هو فرصَّه -أي بتشديد الصاد المهملة، كذا حدثونا من وجوه. وكذلك هو في رواية شعيب بعد هذا، إلا أنه ضبطه بضاد معجمة، يريد أنه ضغطه حَتَّى ضم بعضه إلى بعض، ومنه ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٢).
وقال المازري: أقرب منه أن يكون بالسين المهملة أي: ركله. أي: ضربه برجل واحدة (٣).
فإن قلتَ: ما تَرْكه - عليه السلام - لابن صياد وقد ادعى النبوة؟
قلتُ لأوجهٍ:
أحدها: أنه من أهل الذمة.
-----------
(١) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٧٠.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٧٠٨ و«الغريب» ١/ ٦٣٤.
(٣) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٤٤٤.
ثانيها: أنه كان دون البلوغ، وهو ما اختاره عياض، فلم تجر عليه الحدود (١).
ثالثها: أنه كان في أيام المهادنة مع اليهود. جزم به الخطابي (٢).
وقوله - عليه السلام - له: («خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ») أي: خلط عليه شيطانه ما يلقي إليه من السمع مع ما يكذب إلى ذلك.
وقوله: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِئًا» فقال ابن صياد: هو الدُّخ. خبأت مهموز وخبأ بباء موحدة. وفي بعض النسخ «خَبِيئًا» بزيادة ياء مثناة تحت، وهو ما في مسلم (٣). وكلاهما صحيح بمعنى: الشيء الغائب المستور.
واختلف في هذا المخبأ ما هو؟ فقال الأكثرون كما حكاه القرطبي: إنه أضمر له في نفسه ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (٤)، قَالَ ابن التين: وهو ما عليه أهل اللغة. وقال الداودي: كان في يده سورة الدخان مكتوبة فلما قَالَ: الدُّخ. وأصاب بعضًا قَالَ له؟ «اخْسَأْ».
والدَّخُّ بفتح الدال وضمها، والمشهور في كتب اللغة والحديث كما ذكره النووي الضم فقط (٥)، ولا يقدح في ذلك اقتصار ابن سيده وغيره على الفتح (٦)، وقد اقتصر على الضم الجوهري (٧).
وقال القرطبي: وجدته ساكن الخاء مصححًا عليه، وكأنه الوقف.
قَالَ: وأما في الشعر:
----------
(١) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٧١٠.
(٣) مسلم برقم (٢٩٢٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٤) «المفهم» ٧/ ٢٦٤.
(٥) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٨/ ٤٩.
(٦) قلت: بل الذي عن ابن سيده الوجهان -الفتح والضم- حيث قال: الدَّخُ والدُّخُّ: الدخان. ثم قال: وحكاه ابن دريد بالضم فقط. انظر: «المحكم» ٤/ ٣٦٦.
(٧) «الصحاح» ١/ ٤٢٠.
........... … عند رواق البيت يغشى الدُّخَّا
فمشدد الخاء، وكذلك قراءته في الحديث (١).
وقال صاحب «العين»: الدُّخُّ: الدخان (٢). ولم يذكر ابن بطال غيره (٣).
وقَالَ الخطابي: لا معنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم، بل الدخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين. إلا أن يحمل قوله:
«خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا» أي: أضمرت لك اسم الدخان فيجوز على الضمير.
وقد روي من حديث ابن عمر أنه - ﷺ - أضمر هذِه اللفظة في نفسه فصادفه ابن صياد، وفعله رسول الله - ﷺ - ليختبر ما عنده.
وقال أبو موسى المديني في «مغيثه»: وقيل: إن الدجال يقتله عيسى بجبل الدخان، فيحتمل أن يكون أراده -قلتُ: وهو ما أورده أحمد في «مسنده» من حديث جابر مرفوعًا (٤) - قَالَ: والدّخُّ: الدخان، وقال في موضع آخر: الظل والنحاس (٥).
وقال صاحب «المطالع»: الدخ لغة في الدخان لم يستطع ابن صياد أن يتم الكلمة ولم يهتد من الآية إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن أو من هواجس النفس؛ ولهذا قَالَ له: «اخسأ فلن تعدو قدرك» يعني: قدر الكهان. وهي كلمة زجر وطرد، وهي مهموزة تقول منه: خسأتُ الكلبَ، ومنه: قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ووقع في «علوم الحاكم»: أنه الدخ بمعنى: الزخ. وهو الجماع وهو عجيب.
--------------
(١) «المفهم» ٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) «العين» ٤/ ١٣٨.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٣.
(٤) «المجموع المغيث» ٦٤٥/ ١.
(٥) «المسند» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
وقوله: («فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ») أي: لست بنبي فلن تجاوز قدرك، فإنما أنت كاهن ودجال. وقيل: أن تسبق قدر الله فيك وفي أمرك. قَالَ ابن التين: ووقع هنا بغير واو. وقال القزاز: هي لغة لبعض العرب يجزمون بلن مثل لم، وذكر أن بعض القراء قرأ ﴿لن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وقال ابن الجوزي: لا تبلغ قدرك، أي: تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، ولا من قبيل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله من شيء ألقاه الشيطان إليه إما لكونه - عليه السلام - تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه الشيطان، وإما أن يكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء؛ لأنه إذا قضي القضاء في السماء تكلمت به الملائكة فاسترق الشيطان السمع، وإما أن يكون - عليه السلام - حدث بعض أصحابه بما أضمر. ويدل عليه قول ابن عمر: وخبأ له رسول الله - ﷺ - ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
فالظاهر أنه أعلم الصحابة بما يخبأ له، أو أن يكون اعتمد ذلك؛ لأن الدخان يستر أعين الناظرين عن الشمس.
وقد روى الطبراني أنه - ﷺ - قَالَ لأصحابه: «خبأت له سورة الدخان» من حديث زيد بن حارثة (١)، وإنما فعل الشارع ذلك به؛ ليختبره على طريقة الكهان كما سلف؛ وليبين للصحابة حاله وكذبه.
--------------
(١) رواه في «الكبير» ٥/ ٨٨ (٤٦٦٦)، و«الأوسط» ٤/ ١٦٤ (٣٨٧٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن فرات القزاز إلا ابنه الحسن، ولا عن ابنه إلا ابنه زياد، تفرد به إبراهيم بن عيسى التنوخي، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٤، وقال: رواه البزار والطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، وفيه: زياد بن الحسن بن فرات ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|