عرض مشاركة واحدة
  #273  
قديم 06-02-2026, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,639
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (273)






٧٠ - باب بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ
١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ رضي الله عنهما أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ». [انظر: ٤٢٧ - مسلم: ٥٢٨ - فمّح: ٣/ ٢٠٨]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - ذَكَرَ نِسَائِهِ كَنيسَةً بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إلى أن قال: «.. بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا …» الحديث.
وقد سلف بعد باب الصلاة في البيعة (١)، وإنما ذمهم - ﷺ - وجعلهم شرار الخلق؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك القبور، وقد سلف أنه خشي أن يتخذ قبره مسجدًا (٢)؛ ولهذا لم يبرز، سدًّا للذريعة في ذلك؛ لئلا يعبد قبره، وسيأتي إن شاء الله في اللباس (٣) وغيره.

--------------
(١) برقم (٤٣٤) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١٣٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.
(٣) سيأتي برقم (٥٨١٥، ٥٨١٦) باب: الأكسية والخمائص.



٧١ - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ
١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: «فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا». فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا.
قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ: قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي: الذَّنْبَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣] أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا. [انظر: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٢٠٨]
ذكَرَ فيه حديث أنس: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟» .. الحديث.
وقد سلف في أثناء تعذيب الميت ببكاء بعض أهله عليه، وذهب العلماء إلى أن زوج المرأة أولى بإلحادها من الأب والأم. ولا خلاف بينهم أنه يجوز للفاضل غير الولي أن يلحد المرأة إذا عدم الولي، ولما كان - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ولم يجز لأحد التقدم بين يديه في شيء لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ولم يكن لعثمان أن يتقدم بين يديه في إلحاد زوجته، وفيه فضل عثمان، وإيثاره الصدق حين لم يدع تلك المقارفة تلك الليلة، وإن كان عليه بعض الغضاضة في إلحاد غيره لزوجته.
وقول البخاري: (قَالَ ابن المبارك قَالَ فليح: أراه يعني: الذنب).
قَالَ أبو علي الجَيَّاني كذا في النسخ: (قَالَ ابن المبارك). وفي أصل أبي الحسن القابسي: قَالَ أبو المبارك.
قال أبو الحسن: هو أبو المبارك محمد بن سنان. يعني: شيخ


البخاري في هذا الحديث هنا. قَالَ الجَيَّاني: وهذا وهم، محمد بن سنان لا أعلم بينهم خلافًا أنه يكنى أبا بكر، وكان في نسخة عن أبي زيد كما عند سائر الرواة على الصواب (١).
------------
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.


٧٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ
١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. [١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - فتح: ٣/ ٢٠٩]

١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا». [انظر: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠ - مسلم: ٢٢١٦ - فتح: ٣/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديث جابر وحديث عقبة بن عامر.
أما حديث جابر فذكره من حديثِ اللَّيْث عن ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ .. إلى أنْ قال: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ.
وهو من أفراده.
قال الترمذيُّ: حديث جابر حسن صحيح. وقال محمد: هو حديث حسن. قَالَ الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن الزهري، عن أنس، عن رسول الله - ﷺ -، وروي عن الزهري، عن ثعلبة بن


أبي صُعَير (١)، عن رسول الله - ﷺ -، ومنهم من ذكره عن جابر (٢). وقال النسائي: ما أعلم أحدًا تابع الليث من ثقات أصحاب الزهري على هذا الإسناد واختلف على الزهري فيه (٣).
ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، ثنا الزهري ثنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أن النبي - ﷺ - قَالَ يوم أحد: «من رأى مقتل حمزة» الحديث (٤). وفيه زيادات ليست في رواية الليث، وفي رواية الليث زيادة ليست في هذِه، فيحتمل أن تكون روايته عن جابر وعن أصحابه صحيحتين وإن كانتا مختلفتين، فالليث ابن سعد إمام، حافظ، فروايته أولى، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: عبد الرحمن بن عبد العزيز شيخ مدني، مضطرب الحديث (٥).
قلتُ: وعبد الرحمن ليس صحابيًّا؛ لأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، نص على ذلك البخاري وابن حبان وغيرهما، بل قَالَ ابن عبد البر: عبد الرحمن لم يسمع من جده. وحكي ترجيح ذلك عن الذهلي والترمذي والحاكم من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس: لما كان يوم أحد مر رسول الله - ﷺ - بحمزة وفيه: ولم يصلِ على أحد من الشهداء غيره (٦).

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير، روى عنه ابنه عبد الله، ولهما صحبة.
(٢) «الترمذي» عقب (١٠٣٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد.
(٣) «سنن النسائي الكبرى» ١/ ٦٣٥ كتاب: الجنائز وتمني الموت، باب: ترك الصلاة عليهم أي الشهداء.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١٠.
(٥) «الجرح والتعديل» ١/ ٣٥١ - ٣٥٢ (١٠٣٨).
(٦) رواه أبو داود برقم (٣١٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل، وابن سعد =



قال الترمذي: غريب (١). وقال الحاكم: ولم يصل عليهم. ثم قَالَ: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرج البخاري وحده حديث الزهري عن ابن كعب عن جابر أن النبي - ﷺ - لم يصل عليهم. وليس فيه هذِه الألفاظ المجموعة التي تفرد بها أسامة بن زيد الليثي عن الزهري (٢).
وقال البخاري فيما نقله الترمذي: حديث أسامة هذا غير محفوظ، غلط فيه أسامة (٣). قَالَ الدارقطني: وهذِه اللفظة: ولم يصل على أحد من الشهداء غيره. ليست بمحفوظة (٤).
وأما حديث عُقْبة: فأخرجه من حديثِ أبي الخير عنه: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، .. الحديث، وفي لفظٍ: «بعد ثمان سنين» (٥)، وعند مسلم: صعد المنبرَ كالمودعِ للأحياءِ والأمواتِ. قَالَ عُقبةُ: فكانت آخر ما رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر (٦).

--------------
= في «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٤، وابن أبي شيبة ٧/ ٣٦٧ (٣٦٧٤١) وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٣٥٦٨) والدارقطني ٤/ ١١٦ - ١١٧. والحاكم ٣/ ١٩٦ - مختصرًا- وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٤/ ١٠، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٩ (٨٧٢) وقال: فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يقل هذِه اللفظة غير عثمان بن عمر وليست محفوظة. قلنا: عثمان مخرج عنه في الصحيحين، والزيادة مقبولة من الثقة. اهـ. والحديث حسنه الألباني في: «صحيح أبي داود».
(١) «سنن الترمذي» ٣/ ٣٢٧ كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة.
(٢) «المستدرك» ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٣) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٤١١.
(٤) «سنن الدارقطني» ٤/ ١١٦ - ١١٧.
(٥) سيأتي برقم (٢٠٤٢) كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد.
(٦) «صحيح مسلم» (٢٢٩٦/ ٣١) كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته.



واختلف العلماء في هذا الباب: فقال مالك: الذي سمعته من أهل العلم والسنة أن الشهداء لا يغسلون، ولا يصلى على أحد منهم، ويدفنون بثيابهم التي قتلوا فيها (١). وهو قول عطاء والنخعي والحكم والليث والشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء (٢)، كما حكاه عنهم ابن التين، وقال أبو حنيفة والثوري والمزني والأوزاعي: يصلى عليه، ولا يغسل. وهو قول مكحول ورواية عن أحمد (٣)، وقال عكرمة: لا يغسل؛ لأن الله قد طيبه، لكن يصلى عليه (٤). وقال سعيد بن المسيب، والحسن البصري كما حكاه ابن أبي شيبة: يغسل ويصلى عليه؛ لأن كل ميت يجنب (٥).
حجة الأولين حديث جابر أنه لم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم -بفتح اللام- وأيضًا فلا يغير حالهم، ويوم أحد قتل فيه سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تخفي الصلاة عليهم؛ ولأنه حي بنص القرآن؛ ولأن القتل قد طهره، والله قد غفر له، ويأتي يوم القيامة بِكَلْمه ريح دمه مسك. واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بحديث عقبة في الباب، وبما روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة (٦)، وأجاب الأولون بأن

-------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ١٦٥.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٢١، ٢٢٥، «المغني» ٣/ ٤٦٧.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٩٩، «المجموع» ٥/ ٢٢١، «المغني» ٣/ ٤٦٧.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٤٥ (٦٦٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله.
(٥) «المصنف» ٢/ ٤٥٨ (١٠٩٩٩) كتاب: الجنائز، باب: الرجل يقتل أو يستشهد.
(٦) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٤٦ (٦٦٥٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله، وابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٦، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٣٩ ترجمة (٨١٤)، والخطيب في «تاريخه» ٤/ ٣٦٥ ترجمة (٢٢٣٠)، وفيه: سعيد بن =



المراد الدعاء، وكذا ما ورد في غيره من الأحاديث.
ثم المخالف يقول: لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام، فلابد من تأويل الحديث أنه صلى عليهم بعد ثمان سنين بالدعاء، وصلاته على حمزة لا تصح أو خاص به؛ لأنه كبر عليه سبعًا، والمخالف لا يقول بأكثر من أربع، وقد سلف أنه لم يصل على أَحَدٍ من قتلى أُحُد غيره فصار مخصوصًا بذلك؛ لأنه وجده مجروحًا ممثلًا به فقال: «لولا أن تجزع عليه صفية لتركته حَتَّى يحضره الله من بطون الطير والسباع» فكفنه في نمرة، إذا خمر رأسه بدت رجلاه، وإذا خمر رجليه بدا رأسه، ولم يصل على أحد غيره وقال: «أنا شهيد عليكم اليوم» (١).
ويشهد لهذا المعنى حديث جابر. وقول سعيد والحسن مخالف للآثار فلا وجه له.
قَالَ ابن حزم: قولهم: صلَّى على حمزةَ سبعينَ صلاة أو كبَّر سبعين تكبيرةً باطلٌ بلا شك (٢). وقال إمام الحرمين في «أساليبه» (٣): ما ذكره من صلاته - ﷺ - على قتلى أحد فخطأ لم يصححه الأئمة؛ لأنهم رووا أنه كان يؤتى بعشرة عشرة وحمزة أحدهم. فصلَّى على حمزةَ سبعينَ صلاة. وهذا غلطٌ ظاهرٌ، فإنَّ شهداءَ أحدٍ سبعون، وإنما يَخُصُّ حمزة سبعون صلاة لو كانوا سبعمائة. وقد أوضح ذلك الشافعي نفسه.
فرع:
اختلف فيما إذا جرح في المعركة ثم عاش بعد ذلك، أو قتل ظلمًا

--------------
= ميسرة البكري: منكر الحديث.
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) «المحلى» ٥/ ١٢٨.
(٣) كذا تُقْرأ بالأصل، ولعلها «أماليه».



بحديدة أو غيرها فعاشَ، فقال مالك: يُغسل ويصلَّى عليه. وبه قَالَ الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن قتل ظلمًا في العصر بحديدة لم يغسل وإن قتل بغير الحديد غسل (١).
حجة الأول: رواية نافع عن ابن عمر أن عمر غسل وصلي عليه (٢)؛ لأنه عاش بعد طعنته، وكان شهيدًا ولم ينكره أحد، وكذلك جرح عليٌّ فعاش ثم مات من ذلك فغسل وصلي عليه (٣) ولم ينكره أحد. وفروع الشهيد كثيرة ومحلها الفروع.
وفيه: جواز جمع الرجلين في ثوب، والظاهر أنه كان يقسمه بينهم للضرورة (٤)، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك؛ لئلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته.
وفيه: التفضيلُ بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قدم أكبرهما؛ لأن السنن فضيلة. قَالَ أشهب: ولا يكفنان في كفن واحد إلا من ضرورة،

------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١٠١، ١٠٢، «عيون المجالس» ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧، «البيان» ٣/ ٨٢، «روضة الطالبين» ٢/ ١١٩.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ٢٨٧ (٣٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥ (٦٦٤٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله. من طريق الحكم عن يحيى بن الجزار.
والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٧. عن أبي إسحاق أن الحسن صلى على علي رضي الله عنه.
(٤) تعليق بهامش الأصل بخط سبط بقلم دقيق: قول الشيخ (الظاهر أنه كان يقسمه) إلى آخره ورده على ابن العربي ما فهمه من الحديث يرده في الباب بعد بعد بعده: فَكُفِّنَ أبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. وظاهره أنها لم تشقق. والله أعلم وكذلك قوله في ثوب واحد.



وكذا في الدفن. قَالَ أشهب: وإذا دفنا في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التراب (١)؛ (وذلك أنه لا معنى له إلا التضييق) (٢).
وفيه: دلالة علي ارتفاع التكليف بالموت، وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكليف أو للضرورة، كذا قَالَ ابن العربي وكأنه فهم أن تكفينهم كان جملة، وفيه ما أسلفناه.
وقوله: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤلاء» يعني: أنهم لم يعجل لهم من أجرهم شيء في الدنيا، وقيل: أشهد بإخلاصهم وصدقهم.
وقوله: (وَلَمْ يُغَسَّلُوا) قل سلف أنه الصواب.

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٩، ٦٤٦.
(٢) من (م).



٧٣ - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ
١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١١]
ذكر فيه حديث جابر أنَّه - عليه السلام - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ.
وقد سلف في الباب قبله، واختلفوا في دفن الاثنين والثلاثة في قبر فكرهه الحسن البصري (١) وأجازه غير واحد من أهل العلم، فقالوا: لا بأس أن يُدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن الشافعي وأحمد قالا: ذلك موضع الضرورات (٢). وحجتهم حديث جابر السالف، وقال: يقدم أسنهم وأكثرهم أخذًا للقرآن ويقدم الرجل أمام المرأة، قَالَ المهلب: وهذا خطاب للأحياء أن يتعلموا القرآن ولا يغفلوه حين أكرم الله حملته في حياتهم وبعد مماتهم.

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٦ (١١٦٥٤) كتاب: الجنائز، باب: في الرجلين يدفنان في قبر واحد.
(٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط بقلم دقيق: لا يجوز الجمع بين الرجالِ والنِّساءِ إلا في الضرورة، إلا إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، قاله ابن الصباغ وغيره.
وانظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٥٦، «الكافي» ص ٨٧، «المجموع» ٥/ ٢٤٧، «المغني» ٣/ ٥١٣.



٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ». - يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ. وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٢]
ذكر فيه حديث جابر: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ». يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ. وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
وقد سلف.


٧٥ - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ
وَسُمِّىَ اللَّحْدَ؛ لأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا.

١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٢]

١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. [فتح: ٣/ ٢١٢]
وقال سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رضي الله عنه.
ذكر فيه حديثَ جابرٍ عن ابن مُقَاتِلٍ، أَنَا عَبْدُ اللهِ -هو ابن المبارك- أَنَا الليْثُ قال -يعني ابن المبارك- وَأَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هؤلاء أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ جَابرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قال: حَدَّثَنَي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا.
ما ذكره في تسمية اللحد هو ما ذكره أبو عبيد في كتابه «المجاز» (١).

---------------
(١) «مجاز القرآن» ١/ ٣٩٨.


وألحد: أجود من لحد، وكذلك فُعِل بسيدنا رسول الله - ﷺ - وهو أفضل من الشق إن صَلُبت الأرض.
وقوله: (فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةِ) سماه عمًّا؛ تعظيمًا له وتكريمًا؛ لأنه عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعبد الله أبو جابر: هو ابن عمرو بن حرام، فهو ابن عمه وزوج أخته هند بنت عمرو. روى القعنبي عن مالك بن أنس أن عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح كفنا في كفنٍ واحد، وقُبِرا في قبرٍ واحد.
وحكى غيره أن السيل كان قد ضرب قبرهما فحفر عنهما؛ ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد جرح ووضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة، ذكر ذلك ابن سعد (١).
والنَمِرة: كساء من شعر له هدب.
وقوله: (عن الزهري عن جابر)، وقوله ثانيًا عن الزهري: (حَدَّثَني من سمع جابرًا). يدل أن الأول ليس بجيد لا جرم. قَالَ ابن التين: إنه ليس بصحيح، ليس للزهري سماع من جابر؛ لأن جابرًا توفي سنة ثمان وثمانين، وفي «الكاشف»: سنة ثمان وسبعين (٢). ووالده كان أحد النقباء (٣).

-----------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٥٦٢ - ٥٦٣.
(٢) «الكاشف» ١/ ٢٨٧ (٧٣٣).
(٣) بهامش الأصل بخط سبط: قال النووي في «التهذيب»: توفي جابر سنة ٧٣ وقيل ٧٨ وقيل ٦٨ انتهى. وفي «مراسيل العلائي»: روى عن جا بر وذلك مرسل. [قلت: انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٤٢ - ١٤٣ (١٠٠) ترجمة جابر بن عبد الله، «جامع التحصيل» ص ٢٦٩ ترجمة الزهري].



٧٦ - باب الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ فِي القَبْرِ
١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ».
فَقَالَ العَبَّاسُ - رضي الله عنه -: إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا». [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥]
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الَحسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّهَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مِثْلَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
[١٥٨٧، ١٣٤٨، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٣/ ٢١٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ..» الحديث إلى قوله: فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا».
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بنْتِ شَيْبَةَ (١): سَمِعْتُ النُّبِيَّ - ﷺ - مِثْلَهُ.

-----------------
(١) بهامش الأصل بخط سبط: مَيْل المزي في «التهذيب»والذهبي في «كاشفه» و«تجريده» أن صفية ليست لها صُحبة، وانظر هذا المعلق كيف فيه التصريح بصحبتها وسماعها ضعف المزي أبان بن صالح في «أطرافه» في ترجمة صفية لكونه في السند المصرح بسماعها، فقال …، وقد انفرد المزي بتضعيفه. [وانظر: «تحفة الأشراف» ١١/ ٣٤٣ حاشية سبط ابن العجمي على «الكاشف» بتحقيق عوامة ٢/ ٥١٢].


وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
الشرح:
أما حديث ابن عباس فسيأتي إن شاء الله في الحج (١)، وتعليق أبي هريرة قد أسنده في كتاب العلم كما سلف (٢)، وأما تعليق أبان فأسنده ابن ماجه من حديث ابن إسحاق عن أبان (٣)، وأما تعليق مجاهد (٤) (٥).
والإِذْخِر بالذال المعجمة الحشيش يتخذ بمكة كالتبن يوقده الصائغ والحداد ويجعل في الطين، لتملس به القبور والبيوت وُيسمى حَلفاء مكة، وقال ابن فارس: الإذخر: حشيشة طيبة (٦).
وقام الاتفاق على جواز قطع الإذخر خاصة في منبته من مكة لما ذكروا أن غيره من النبات يحرم قلعه، ويجوز عند العلماء استعمال الحشيش، وهو الورق الساقط والعشب المتكسر، وإنما يحرم قطعه من منبته فقط.

--------------
(١) سيأتي برقم (١٥٨٧) باب: فضل مكة وبنيانها.
(٢) سبق برقم (١١٢) باب: كتابة العلم.
(٣) «سنن ابن ماجة» برقم (٣١٠٩) كتاب: المناسك، باب: فضل مكة، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٢٤).
(٤) بعد هذِه الكلمة في الأصل بياض كتب فوقه: كذا، كما ورد في الهامش ما نصه: حاشية: أخرج تعليق مجاهد البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي … في الحج وفيه وفي الجزية وفي الجهاد …
(٥) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة، و(٣١٨٩) كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر. ورواه مسلم برقم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، وأبو داود برقم (٢٠١٨) كتاب: المناسك، باب: تحريم حرم مكة، والترمذي برقم (١٥٩٠) كتاب: السير، باب: ما جاء في الهجرة، والنسائي ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤ كتاب: مناسك الحج، حرمة مكة.
(٦) «مجمل اللغة» ٢/ ٣٦٥.



والحديث دال على جواز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش الطيب الرائحة في القبور والأموات، وأهل مكة يستعملون من الإذخر ذريره ويطيبون بها أكفان الموتى. ففهم البخاري أن ما كان من النبات في معنى الإذخر فهو داخل في الإباحة، كما أن المسك وما جانسه من الطيب في الحنوط داخل في معنى إباحة الكافور للميت.
وقوله: «إِلَّا الإِذْخِرَ» يجوز أن يكون أوحي إليه تلك الساعة، أو من اجتهاده.
وقوله: (لصاغتنا وقبورنا). وفي الأخرى: «لقبورنا وبيوتنا». وفي الأخرى: (لقينهم وبيوتهم). يحتمل أن يكون قال كل ذلك، فاقتصر كل راوٍ على بعض، وكله من قول العباس، بخلاف ما ذكر الداودي في قوله: (لصاغتنا). ولعله أراد رواية أخرى. والمراد بالساعة من النهار: يوم الفتح. قَالَ مالك: افتتحت مكة في تسعة عشر يومًا من رمضان على ثمان سنين من الهجرة. وقال يحيى بن سعيد: دخل - ﷺ - مكة عام الفتح في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا، قد أكب على وسط راحلته حَتَّى كادت تنكسر به يريد تواضعًا وشكرًا لربه تعالى.
والخَلَى: مقصور، ووقع عند أبي الحسن بالمد، وهو في اللغة مقصور، وهو جمع: خلاة، وهو الحشيش اليابس. قاله جماعة من أهل اللغة (١)، وقال الداودي: هو الحشيش الرطب. وكذلك في «أدب الكاتب» أنه الرطب (٢). وقاله القزاز، ويكتب بالياء.

--------
(١) الخلى مقصورًا: الرَّطب من الحشيش، الواحدة خلاة، وقيل الخلى: الرُّطب بالضم لا غير، فإذا قلت الرطب من الحشيش فَتَحْتَ؛ لأنك تريد ضد اليابس.
انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٣٣١، و«لسان العرب» ٢/ ١٢٥٨.
(٢) «أدب الكاتب» ص ٧٨.



والعضد: الكسر، وقيل: القطع.
«وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»: أي: لا يطرد من الظل ويقعد مكانه.
وقوله: «إِلَّا لِمُعَرِّفٍ» أي: منشد. وقيل: تعرف سنة كغيرها. وفي الشجرة الكبيرة: بقرة. وفي الصغيرة: شاة. قاله عطاء والشافعي، وقال مالك: أساء، ولا شيء عليه. وسيكون لنا عودة إليه في آخر الحج في أبواب مفرقة إن شاء الله تعالى.


٧٧ - باب هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ؟
١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.
قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَريرُة: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. [انظر: ١٢٧٠ - مسلم: ٢٧٣٣ - فتح: ٣/ ٢١٤]

١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ. [١٣٥٢ - فتح: ٣/ ٢١٤]

١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. [انظر: ١٣٥١ - فتح: ٣/ ٢١٥]
ذكر فيه حديثَ جابرٍ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيًّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ .. الحديث.
وحديثه أيضًا: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي -أي: مِنَ اللَّيْلِ- فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا .. الحديث، وفي آخرهِ: فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنيَةً غَيْرَ أُذُنِهِ.


وحديثه أيضًا من طريقِ شُعْبَةَ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْه قالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ على حِدَةٍ.
الشرح:
حديث جابر الأول سبق في باب: الكفن في القميص واضحًا.
وقوله: (وقال أبو هارون (١): وكان على رسول الله - ﷺ - قميصان).
أبو هارون هذا: هو موسى بن أبي عيسى ميسرة المدني الحفاظ أخو عيسى الغفاري. ولأبي داود: فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات كن في لحيته مما يلي الأرض (٢). قَالَ الجياني: كذا روي هذا الإسناد عن البخاري، إلا أبا علي بن السكن وحده فإنه قَالَ في روايته: مجاهدًا بدل عطاء، والأول أصح (٣)، وكذا أخرجه النسائي (٤) ورواه أبو نعيم من حديث أبي نضرة عن جابر قَالَ: وأبو نضرة (م، الأربعة) ليس من شرط البخاري ثم رواه من حديث بشر عن عطاء عن جابر قَالَ: وهو غريب جدًا منا حديث عطاء عن جابر.
ورواه أبو داود من حديث أبي نضرة، وللترمذي مصححًا عن جابر قَالَ: أمر النبي - ﷺ - بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة (٥).

----------------
(١) قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٢١٥: كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثير من الروايات: (قال أبو هريرة) وكذا في «مستخرج أبي نعيم» وهو تصحيف.
(٢) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٣٢) كتاب: الجنائز، باب: في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث، وقال الألباني: صحيح الإسناد.
(٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٢.
(٤) «سنن النسائي» ٤/ ٨٤ كتاب: الجنائز، باب: إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه.
(٥) «سنن الترمذي» برقم (١٧١٧) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في دفن القتيل في مقتله وقال: هذا حديث حسن صحيح.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.62 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]