عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 04-02-2026, 11:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,744
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة هدايات القرآن



هدايات سورة الفاتحة

12- عليك البداية ومن الله التمام


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد أيها الكِرام: فلا زلنا مع هدايات الآية الخامسة من سورة الفاتحة؛ وهي قول الله عز وجل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، واليوم إن شاء الله تعالى نستأنف وقفاتِنا مع الآية الكريمة:
الوقفة الثالثة: حين يهمس الشيطان في قلبك بأنك القائم بطاعاتك بقوتك وإرادتك وحدك، تذكَّر أنك في كل صلاة تردد قولك: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، لتشهد أن كلَّ خطوة تخطوها على طريق الطاعة ليست إلا بعون الله وتوفيقه، فلو لم يأذَن لك الرحمن بالوقوف بين يديه، لَما نهضتَ من مكانك، ولما ركعت ولا سجدت، وهكذا في سائر الطاعات والعبادات التي تتقرب بها إلى الله جل في علاه، فلو لم يأذن لك بها سبحانه، لَما أطعْتَه ولا عبدته، فتذكر دائمًا - يا عبدالله - أن الفضل كله لله، وأنك ضعيف لا تملك من أمرك شيئًا، لولا فضل الله عليك وتوفيقه وعونه.

الوقفة الرابعة: هل تشعر أن أعباءك قد تكاثرَت حتى ضاقت بها أنفاسك؟ هل تحاصرك الهموم من كل صوب وناحية؟ هل تجد نفسك مثقلًا بتكاليف الحياة وشدائدها؟ تذكر دائمًا أن باب الاستعانة بالله مفتوحٌ على مصراعيه، فقِف بصدقٍ - يا عبدالله - بين يدي خالقك ومولاك، بُثَّ له شكواك وهمَّك، وثِق أنه سبحانه شرع الاستعانة لأجلك؛ ليُعينك على مواجهة كلِّ ثقلٍ ينهك قلبَك، ويحد من خُطاك، قُلها خاشعًا موقنًا: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ثم انظر كيف تنقشع غيوم اليأس أمام نور العون الإلهي، الذي يُبدِّد الظلام ويهوِّن الصِّعاب؟

الوقفة الخامسة: يفيد قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] دلالةً على أن الاستعانة تتعدى بنفسها وبالباء، فتقول: (نستعينك) و(نستعين بك)، وفي اختيار الاستعانة التي تتعدى بنفسها دون الثانية إشارةٌ لطيفة لمن نوَّر الله بصيرته بهدايات القرآن الكريم، إلى أن الاستعانة به سبحانه وتعالى لا تحتاج إلى واسطة، بل تكون مباشرةً بين العبد وربِّه، ولا تحتاج حتى إلى حرف الباء.

الوقفة السادسة: أتَتِ الاستعانة بعد العبادة في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، رغم كون الاستعانة عبادةً من العبادات، فقُدمت العبادة في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ لأنها الغاية التي خُلق العبد لأجلها، ثم أُتبعت هذه الغاية بالوسيلة؛ وهي الاستعانة في قوله تعالى: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، بيانًا لأن هذه الغاية لا تُدرَك إلا بتوفيق الله ومعونته، فلولا الاستعانةُ بالله ما عرَفنا كيف نعبده سبحانه.

الوقفة السابعة: يفيد تقديم العبادة والاستعانة على طلب الهداية ﴿ اهْدِنَا ﴾ [الفاتحة: 6] إشارةً لطيفةً إلى أن من لا رصيدَ له من العبادة، فلا رصيد له من الهداية، فبقدر رصيدك من العبادة يكون رصيدك من الهداية، فاستقلَّ أو استكثر؛ ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69].

الوقفة الثامنة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]: تفيد أن البداية منك فعلًا ومسارعةً، ومبادرةً ومدافعةً، وتقربًا ودعاءً، ثم بعده تكون الاستعانة وطلب المدد والعون، فعليك البداية وعلى الله التمام؛ فمثلًا: إن أردت الالتزام بصلاة الفجر في جماعة، فبادِر بضبط المنبه وتجنَّبِ السهر غير الضروري، وألحَّ على الله بالدعاء أن يُوقظك في أحبِّ الأوقات إليه، أو إن أردتَ تركَ معصية معينة، فابتعد عن الأجواء والأشخاص الذين يذكِّرونك بها، وتقرب إلى الله بالدعاء والإلحاح عليه أن يتوب عليك من هذه المعصية، فابدأ أنت يا عبدالله، ثم استعن بالله عز وجل، واطلب المدد والعون منه سبحانه؛ فعليك البدء وبذل الجهد، وعلى الله التمام والتوفيق.

الوقفة التاسعة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] تفيد أن من أعظم مواطن إجابة الدعاء هي المواطن التي يُظهر فيها العبد الافتقار والتذلل والخضوع إليه سبحانه وتعالى، فـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ أي: لا نعبد إلا إياك، متذللين لك وحدك لا شريك لك، ولا نستعين إلا بك وحدك لا شريك لك.

الوقفة العاشرة والأخيرة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] تفيد جواز التوسل بالأعمال الصالحة، فكوننا عبدناه سبحانه واستعنَّا به سبحانه نستطيع أن نقدم ذلك وسيلةً قبل الدعاء، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]؛ ثم قال تعالى في الآية التي بعدها: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وهذا ما سنقف معه في المقال القادم إن شاء الله تعالى، أسأل الله عز وجل أن يُنجيني وإياكم يومَ الدين، وأن يجعلني وإياكم فيه من الفائزين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين،

تم الاعتماد على مجموعة من المصادر المتنوعة في إعداد هذه المقالة، مع التصرف في النقولات وإعادة صياغة الهدايات.

وفيما يلي قائمة بالمراجع المستفادة منها:
1- موسوعة هدايات القرآن، محمد سيد ماضي، الناشر: دار التقوى ناشرون.

2- سلسلة هدايات القرآن، فكرة وإعداد: بدرية بنت صالح الراجحي، مها بنت صالح العبد القادر، راجعه وأشرف عليه: أ.د/ بدر بن ناصر البدر، الطبعة الأولى، معالم الهدى للنشر والتوزيع.

3- القرآن تدبر وعمل، الفكرة والإعداد: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي، الطبعة السادسة، الناشر: مركز المنهاج للإشراف والتدريب التربوي بالرياض.

4- هدايات القرآن صياغة معاصرة لأكثر من عشرة آلاف هداية بصائر للسائرين، وتذكرة للمتدبرين، إعداد فريق من المتخصصين والباحثين، الطبعة الأولى، الناشر: معالم التدبر.

5- رحلة تدبر في رحاب القرآن، إعداد د. مشعل عبدالعزيز الفلاحي، الطبعة الأولى، الناشر: دار القلم دمشق.

6- الجامع في الهدايات القرآنية، إعداد نخبة من المختصين بإشراف أ.د/ طه عابدين طه، من الإصدارات الإلكترونية لكرسي الهدايات القرآنية بجامعة أم القرى، ومؤسسة النبأ العظيم الوقفية بمكة المكرمة.

7- التفسير المحرر للقرآن الكريم، إعداد الفريق العلمي بمؤسسة الدرر السنية، الطبعة الثانية، الناشر: مؤسسة الدرر السنية للنشر.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.20%)]