عرض مشاركة واحدة
  #243  
قديم 03-02-2026, 06:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (243)






وأما الحديث الثاني: فـ«يثلغ» بمثناة تحت مضمومة ثم مثلثة ثم لام ثم غين معجمة أي: يشدخ، والشدخ: فضخ الشيء الرطب بالشيء اليابس، ومعنى: «يرفضه»: يتركه، وهو بفتح الفاء وكسرها كما ذكره ابن التين عن الضبط وعن أهل اللغة أي يترك تلاوته حَتَّى ينساه أو يترك العمل به.
وعبارة ابن بطال: يترك حفظه والعمل بمعانيه، قَالَ: فأما إذا ترك حفظ حروفه وعمل بمعانيه فليس برافض له، قد أتى في الحديث «أنه بحشر يوم القيامة أجذم» (١) أي: مقطوع الحجة، والرافض له يثلغ رأسه كما سلف، وذلك لعقد الشيطان فيه، فوقعت العقوبة في موضع المعصية.
وقوله: («يَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ») يعني: لخروج وقتها وفواته، وهذا إنما يتوجه إلى تضييع صلاة الصبح وحدها لأنها التي تبطل بالنوم، وهي التي أكد الله المحافظة عليها، وفيها تجتمع الملائكة. وسائر الصلوات إذا ضيعت فحملها محملها، لكن لهذِه الفضل. ا. هـ (٢)
وفي رواية: «فأتينا على رجلٍ مضطجع على قفاه ورجل قائم على

------------------
(١) روى أبو داود (١٤٧٤) عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله - ﷺ -:»ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله -عز وجل- يوم القيامة أجذم«، ورواه أيضًا عبد الرزاق في»مصنفه«٣/ ٣٦٥ (٥٩٨٩) كتاب: فضائل القرآن، باب: تعاهد القرآن ونسيانه، وعبد بن حميد في»المنتخب«١/ ٢٧٣ (٣٠٧). والطبراني في»الكبير«٦/ ٢٣ (٥٣٩١)، والخطيب في»الجامع لأخلاق الراوي«١/ ١١٠ (٨٥)، كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فائدة عن سعد بن عبادة به، قال الألباني: إسناده ضعيف، يزيد ضعيف، وعيسى مجهول، ولم يسمع من ابن عبادة،»ضعيف أبي داود«١٠/ ٨٦ (٢٦١).
(٢)»شرح ابن بطال" ٣/ ١٣٥.



رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذِه حَتَّى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه» (١).

واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في هذا الباب، وليس رفض القرآن: ترك الصلاة بالليل، وهو عجيب منه، فسيأتي في الحديث في الجنائز: «والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علَّمه الله القرآن فنام عنه بالليل حَتَّى نسيه، ولم يعمل به بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة» (٢).


باب
كذا في أصول البخاري، وفي أصل (٣) ابن بطال:

----------------
(١) يأتي برقم (١٣٨٦) كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٢) السابق.
(٣) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي وعليها: نفسه.



١٣ - باب إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ (١)
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ». [٣٢٧٠ - مسلم: ٧٧٤ - فتح: ٣/ ٢٨]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ: قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ».
وسيأتي في باب: صفة إبليس إن شاء الله، وفيه: «أو في أذنيه» (٢)، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه أيضًا (٣).
وهو على ظاهره إذ لا إحالة فيه ويفعل ذلك استهانة به، وبه صرح الداودي وعياض (٤) وغيرهما.
ويحتمل أن يكون تمثيلًا له ضرب له حين غفل عن الصلاة كمن ثقل سمعه وبطل حسه؛ لوقوع البول الضار في أذنه بقول الراجز:
بال سهيل في الفضيخ ففسد.
وليس لسهيل بول، وإنما هو نجم يطلع فيفسد الفضيخ بعده، وإذا أراد غير البول منه فلا ينكر إن كانت هذِه الصفة. قَالَه الخطابي (٥).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٣٦، وانظر «اليونينية» ٢/ ٥٢.
(٢) يأتي برقم (٣٢٧٠) كتاب: بدء الخلق.
(٣) «صحيح مسلم» (٤٧٤) باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، و«المجتبي» ٣/ ٢٠٤، الترغيب في قيام الليل، و«سنن ابن ماجه» (١٣٣٠) باب: ما جاء في قيام الليل.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ١٣٩.
(٥) «أعلام الحديث» ١/ ٦٣٦.



وخص البول في الذكر إبلاغًا في التنجيس، وخص الأذن؛ لأنها حاسة الانتباه، والمهلب (والطحاوي) (١) نحى إلى هذا فقالا: هذا على سبيل الإغياء من تحكم الشيطان في العقد على رأسه بالنوم الطويل.
قَالَ ابن مسعود: كفي المرء من الشر أن يبول الشيطان في أذنه (٢).
فمن نام الليل كله، ولم يستيقظ عند الأذان، ولا تذكر، فالشيطان سد ببوله أذنيه، وأي استهانة أعظم من هذِه حيث صيَّره كنيفًا معدًّا للقاذورات، نسأل الله السلامة.

-----------------
(١) كذا في الأصل، وتشابكت حروفه ولعله كذلك، حتى بدت كأنها شطب ثناهما في قوله (فقالا). الآتية.
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٧/ ١٢٥ (٣٤٥٤٤) كتاب: الزهد.



١٤ - باب الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾ أَيْ: مَا يَنَامُونَ.

١١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». [٦٣٢١، ٧٤٩٤ - مسلم: ٧٥٨ - فتح: ٣/ ٢٩]
ثم ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «يُنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَي السَّمَاء الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيلِ الأخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَاَغْفِرَ لَهُ».
الشرح:
الهجوع: نوم الليل خاصة. وقيل في معنى الآية: قل ليلة تمر عليهم لم يصيبوا فيها خيرًا.
وقوله: (أَيْ: يَنَامُونَ). هو ما فسره به جماعات. قَالَ إبراهيم: قليلًا ما ينامون (١). وقال الضحاك: قليلًا من الناس (٢). وقال أنس: يصلون طويلًا ما ينامون. وعن الحسن: كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة.
فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون (ما) زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن (ما) نافية. وعلى قول الضحاك هذا الصنف قليل من الناس.

-------------
(١) الطبري في «تفسيره» ١١/ ٤٥٤ (٣٢١٢٥).
(٢) المصدر السابق ١١/ ٤٥٤ (٣٢١٢٨، ٣٢١٢٥).



وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١) والأربعة، ويأتي في الدعوات والتوحيد (٢). قَالَ الترمذي: وفي الباب عن عليًّ وابن مسعود وجبير بن مطعم ورفاعة الجهني وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص (٣).
وقال الطرقي: في الباب: (ورافع بن عرابة) (٤) وابن عباس وجابر بن عبد الله وعمرو بن عنبسة وأبي موسى. وقال ابن الجوزي: حديث النزول رواه جماعة منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود والنواس بن سمعان وأبو ثعلبة الخشني وعائشة في آخرين. وعدد بعض من أسلفناه.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الحديث ليس فيه ذكر الصلاة لكنها محل الدعاء والاستغفار والسؤال، وترجم له في الدعاء باب: الدعاء نصف الليل (٥). ومراده: النصف الأخير. فإنه قَالَ: حين يبقى ثلث الليل الآخر.
ثانيها:
قوله: («يُنْزِلُ») هو بضم أوله، من أنزل. قَالَ ابن فورك: ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن رسول الله - ﷺ -، بضم الياء من ينزل، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين (٦). وكذا قَالَ

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٧٥٨) باب: الترغيب في الدعاء ..
(٢) يأتي برقم (٦٣٢١) باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤) باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾.
(٣) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٠٨.
(٤) كذا في الأصل ولعله رفاعة بن عرابة.
(٥) يأتي برقم (٦٣٢١).
(٦) «مشكل الحديث وبيانه» ص ٢٢٠.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٥/ ٤١٧: وحرَّف بعضهم لفظ =



القرطبي: قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف. أي: يُنزل الله ملكًا. قَالَ: والدليل على صحة هذا ما رواه النسائي من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «إن الله -عز وجل- يمهل حَتَّى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع فيستجاب له» الحديث (١). وصححه عبد الحق (٢).
الثالث:
جاء هنا: «حين يبقى ثلث الليل الآخر».

--------------
= الحديث فرواه يُنزل من الفعل الرباعي المتعدي. اهـ. وسيأتي لاحقًّا تعليق حول المسألة عمومًا.
(١) «المفهم» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
والحديث في «السنن الكبرى» ٦/ ١٢٤ (١٠٣١٦).
(٢) «الأحكام الوسطي» ٢/ ٥٢.
قلت: وأبدع شيخ الإسلام في الرد على من احتج بهذا الحديث فقال: من روى عن النبي - ﷺ - أن المنادي يقول ذلك، فقد علمنا أنه يكذب على رسول الله - ﷺ -، فإنه مع أنه خلاف اللفظ المستفيض المتواتر الذي نقلته الأمة خلفًا عن سلف، فاسد في المعقول، فعلم أنه من كذب بعض المبتدعين، كما روى بعضهم ينزل بالضم. اهـ «مجموع الفتاوى» ٥/ ٣٧٢.
وقال في ٥/ ٣٨٤: حديث موضوع. قلت: يعني بهذا اللفظ. وقال: فإن قيل: فقد روي أنه يأمر مناديًا فينادي، قيل: هذا ليس في الصحيح فإن صح أمكن الجمع بين الخبرين بأن ينادي هو ويأمر مناديًا ينادي، أما أن يعارض بهذا النقل الصحيح المستفيض الذي اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول مع أنه صريح في أن الله تعالى هو الذي يقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟» فلا يجوز. اهـ «مجموع الفتاوى» ١٢/ ٣١١.
والحديث أورده الألباني في «الضعيفة» (٣٨٩٧) وصدر كلامه بقوله: منكر بهذا السياق، ثم ذهب يضعفه فأجاد والله وأفاد بما لا تراه في مكان آخر، فبلغ في الكلام عليه ثلاث عشرة صفحة.



وكذا أخرجه البخاري في ثلاثة مواضع من «صحيحه» (١)، وأخرجه مسلم بألفاظ:
أحدها: هذا.
ثانيها: «حين يمضي ثلث الليل الأول» (٢).
ثالثها: «لشطر الليل -أو ثلث الليل- الآخر» (٣).
وذكر الترمذي أن الرواية الأولى أصح الروايات (٤)، وصححها أيضًا غيره، فذكر القاضي عياض (٥) أن النزول عند مضي الثلث الأول. و«من يدعوني ..» إلى آخره في الثلث الآخر. وقال: يحتمل الشارع أعلم بالأول فأخبر به ثم بالثاني فأخبر به، فسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما، وأبو سعيد خبر الثلث الأول فأخبر به مع أبي هريرة. وقال ابن حبان في «صحيحه»: صح «حين يمضي شطر الليل أو ثلثاه»، و«حين يبقى ثلث الليل الآخر»، و«حتى يذهب ثلث الليل الأول»، فيحتمل أنه في بعض الليالي: حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حين يبقى ثلث الليل الأول (٦).
قلتُ: ويجوز -والله أعلم- أن يكون ابتداء الأمر من أول الثلث الثاني إلى الثالث.

---------------
(١) هذا الموضع، وبرقم (٦٣٢١) الدعوات، باب: الدعاء نصف الليل. و(٧٤٩٤) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾.
(٢) «صحيح مسلم» (٧٥٨/ ١٦٩) باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ..
(٣) «مسلم» (٧٥٨/ ١٧١).
(٤) «سنن الترمذي» ٢/ ٣٠٩.
(٥) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٠٩.
(٦) «صحيح ابن حبان» ٣/ ٢٠٢.



ثم اعلم أن صفات القديم (١) ﷻ إما أن يكون استحقها لنفسه أو لصفة قامت به أو لفعل يفعله، ولا يطلق شيء من الألفاظ في أوصافه وأسمائه المتفرعة عما تقدم إلا بتوقيف كتاب أو سنة أو اتفاق الأمة دون قياس، فلا مجال له فيها، وقيل ما يرد من مثل هذِه الأخبار من مثل هذا اللفظ -أعني: ينزل- إلا ونظيره في القرآن. قَالَ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] وأهل البدع يحملونها إذا وردت في القرآن على التأويل (الصحيح) (٢)، ويأتون من جمل الأخبار على مثل ذلك جحدًا منهم لسنة المصطفي - ﷺ -، واستخفافًا بذوي النهى الناقلين، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢].
ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى، فالنزول لغة يستعمل لمعان خمسة مختلفة: بمعنى الانتقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] والإعلام: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: اعلم به الروح الأمين

-------------
(١) ليست من أسمائه أنه (القديم) وكما هو معلوم متقرر أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، فكان الأولى أن يقول: ﴿الْأَوَّلُ﴾ لأنه لفظ التنزيل.
قال «شارح الطحاوية» ص ٦٧: وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله (القديم) وليس هو من أسماء الله تعالى الحسنى، فإن (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره .. ولم يستعمل إلا في المتقدم على غيره لا فيما يسبقه عدم .. «شرح الطحاوية» لابن أبي العز ص ١٦٧.
(٢) في (ج): الصريح.



محمدًا - ﷺ -، وبمعنى القول: ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: سأقول مثل ما قال. والإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون: نزل من مكارم الأخلاق إلى دنيها. أي: أقبل إلى دنيها ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض، وبمعنى نزول الحكم، من ذلك قولهم: كنا في خير وعدل حَتَّى نزل بنا بنو فلان.
أي: حكمهم. وذلك كله متعارف عند أهل اللغة.
وإذا كانت مشتركة المعنى وجب حمل ما وصف به الرب ﷻ
من النزول على ما يليق به من بعض هذِه المعاني التي لا تقتضي له ما لا يليق بنعته من إيجاب حدث يحدث في ذاته، وهو إقباله على أهل الأرض بالرحمة والاستعطاف بالتذكير والتشبه الذي يلقى في قلوب أهل الخير منهم (١)، والزواجر التي تزعجهم إلى الإقبال على الطاعة ووجدناه تعالى

---------------
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الصواب والمأثور عن سلف الأمة وأئمتها أنه لا يزال فوق العرش. ولا يخلو العرش منه مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا ولا يكون العرش فوقه. وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم بل الله منزه عن ذلك.
وأما قول النافي: إنما ينزل أمره ورحمته؛ فهذا غلط لوجوه. وقد تقدم التنبيه على ذلك على تقدير كون النفاة من المثبتة للعلو. وأما إذا كان من النفاة للعلو والنزول جميعًا؛ فيجاب أيضًا بوجوه:
أحدها: أن الأمر والرحمة إما أن يراد بها أعيان قائمة بنفسها كالملائكة، وإما أن يراد بها صفات وأعراض. فإن أريد الأول؛ فالملائكة تنزل إلى الأرض في كل وقت. وهذا خص النزول بجوف الليل، وجعل منتهاه سماء الدنيا.
والملائكة لا يختص نزولها لا بهذا الزمان ولا بهذا المكان. كان أريد صفات وأعراض مثل ما يحصل في قلوب العابدين في وقت السحر من الرقة والتضرع وحلاوة العبادة ونحو ذلك: فهذا حاصل في الأرض ليس منتهاه السماء الدنيا.
الثاني: إن في الحديث الصحيح: انه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يقول: "لا أسال == عن عبادي غيري«، ومعلوم أن هذا كلام الله الذي لا يقوله غيره.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.38 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]